Indexed OCR Text

Pages 141-160

٨٢
وذلك لأنَّ المقصودَ إِمَّا النقلُ، وإمَّا فَهْمُ المنقول، وإمَّا تقريرُه، وإمَّا تشييدُهُ
بالأدلة، وإمَّ استخراجُ الأحكام المستنبَطَّة .
والنقلُ إنْ كان لِمَا أَتَ به الرسولُ عن الله تعالى بواسطة الوَحْي، فهو عِلمُ
القراءات، أولِمَا صَدَرَ عن نفسِهِ المؤيَّدةِ بالعِصمة فعِلمُ رواية الحديث.
وفَهْمُ المنقولِ إن كان من كلام الله تعالى فعِلمُ تفسير القرآن، أو من كلامِ
الرسول فعلمُ دراية الحديث.
والتقريرُ إمَّا للآراءِ فعلمُ أصولِ الدين، أو للأفعالِ فعلمُ أصولِ الفقه.
وما يُستعانُ به على التقرير علمُ الجَدَل. ومعرفةُ الأحكامِ المستنبطة علمُ الفقه.
ولا خفاءَ لَدَى ذِي حِجْرٍ بما في هذه العلوم من جملةٍ من المنافع، أمّا في الدنيا
فحِفظُ الْمُهَجِ والأموال ، وانتظامُ سائرِ الأحوال، وأمَّا في الأُخْرَى فالنجاةُ من العذابِ
الأليم، والفوزُ بالنعيم المقيم، فَلْنَذْكُرْها على التفصيل برُسُومِها، ونُشِيرُ إلى الكتبِ
المفيدة .
عِلمُ القراءة: عِلمٌ بنقلِ لغةِ القرآن وإعرابِهِ الثابتِ بالسماع المتصل. ومن
الكتب المشهورة المختصرة فيه ((التيسير))(١)، ونَظَمَه الشاطبيُّ بَرَّدَ اللَّهُ مضجَعَهُ في
((لاميته)) المشهورة، فَنَسَخَتْ سائرَ كتب الفن، لضبطها بالنظم، ولابن مالك رحمه الله
داليَّةٌ بديعة في عِلم القراءات، لكنها لم تَشتهِر، ومن الكتب المبسوطةُ كتَابُ
((الروضة))(٢)، وشروح ((الشاطبية)).
علمُ روايةِ الحديث: عِلمُ بنقلِ أقوالِ النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعالِه
بالسماع المتصلِ ، وضبطها وتحريرها.
(١) هو: ((التيسير في القراءات السبع)» للإمام أبي عَمْرو عثمان بن سعيد الداني، توفي
سنة ٤٤٤ .
(٢) هو: ((الروضة في القراءات السبع)) للإمام أبي علي الحسن بن محمد بن إبراهيم المُقْرِي
المالكي، توفي سنة ٤٣٨.

٨٣
وأضبطُ الكتبِ المجمَعِ على صِحَّتِها: كتابُ الْبُخَارِيّ، وكتابُ مسلم،
وبعدَهما بقيّةُ كتبِ السُّنَّنِ المشهورة، كسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه، والدارقطني(١).
(١) قول الشيخ ابن الأكفاني هذا: (وأضبطُ الكتب المجمع على صحتها: كتابُ البخاري
وكتابُ مسلم، وبعدَهما بقيةُ كتب السنن المشهورة ... ). فيه تساهل ظاهر، إذ من المعروف أن
كتب السنن هذه فيها الصحيحُ والحسنُ والضعيف والمنكر، بل الموضوع كسنن ابن ماجه.
وأما (سنن الدارقطني) فشأنُها يختلف عن شأن كتب السنن الأربعة المشهورة، في نهج تأليفها
وتدوينها، فذكرُها في ◌ِداد (أَضَبَطِ الكتب المجمع على صحتها ... ) منتَقَدٌ جداً، وإليك بيانَ
شأنها من كلام أئمة المحدثين والجهابذة الناقدین.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في كتابه ((الرد على البكري)) ص ٢٠ (والدارقطنيُّ صنَّف سُنَتَهُ
لَيَذكر فيها غرائبَ السنن، وهو في الغالب يُبِينٌ حالَ ما رواه، وهو من أعلم الناس بذلك)).
وقال أيضاً في الرسالة ((التسعينية)) من كتابه المشهور باسم ((الفتاوى الكبرى)) ٢٥١:٥
أو ٥: ٢٩٩ في (الوجه الثامن والسبعين): «وأبو الحسن الدارقطني مع تَمَامِ إمامتِه في الحديث، فإنه
إنما صنَّف هذه السنن، كي يَذكُرَ فيها الأحاديثَ المستغربة في الفقه، ويَجمعَ طُرقَها، فإنها هي التي
يُحتاج فيها إلى مثله. فأما الأحاديثُ المشهورة في الصحيحين وغيرهما، فكان يَستغني عنها في ذلك)).
انتھی .
وقال الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي، تلميذ الشيخ ابن تيمية في أوائل كتابه ((الصارم المنكي))
ص ١٢ من طبعة مطبعة الإمام بالقاهرة، وص ٣١ من طبعة دار الإفتاء بالرياض: ((والدارقطني
يجمع في كتابه غرائب السنن، ويكثر فيه من رواية الأحاديث الضعيفة والمنكرة بل والموضوعة،
ويُبِينٌّ علة الحديث وسَبَبَ ضعفِهِ وإنكارِهِ في بعض المواضع)».
ونقل الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) ١: ٣٦٠، عن ابن الهادي قولَه أيضاً: ((والدارقطنيّ
ملأ كتابَه من الأحاديث الغريبة، والشاذة، والمعلِّلة، وكم فيه من حديث لا يوجد في غيره)).
انتھی .
وقال الحافظ الذهبي في شأن ((سنن الدارقطني)): ((مَجْمَعُ المنكرات)). انتهى من «فيض
القدير بشرح الجامع الصغير» للمناوي ٢٨:١. ووقعت فيه هذه الكلمة محرفةً إلى (مجمع
الحشرات)! وفَهِمَ منها المُنَاوي فهماً خاطئاً، ولعله مبني على هذا التحريف، فإنه قال بعد نقلِهِ كلامَ
العلماء في الثناء على الدارقطني: ((لكن رأيتُ في كلام الذهبي ما يشير إلى أنه كان يتساهل في =

٨٤
:
والْمُسْنَداتُ المشهورةُ كمسند أحمد، وابن أبي شيبة، والبزَّار، ونحوِها.
و ((زَهْرُ الخمائل)) لابن سيد الناس مُستوعِبٌ للسيرة النبوية.
ومن الكتبِ المشتملةِ على متونِ الأحاديث المجرّدة من هذه الكتب: ((الإلمامُ))
لابن دَقِيق العِيد فيما يتعلَّقُ بالأحكام. و((رياضُ الصالحين)» للنووي فيما يتعلق
بالترغيبات والترهيبات.
عِلمُ التفسير: عِلمٌ يَشتمِلُ على معرفةٍ فَهْمِ كتابِ الله الُنزَلِ، على نبيِّه
المُرْسَل، صلى الله عليه وسلم، وبيانِ مَعانِیه، واستخراجِ أحكامِهِ، وحِكَمِه.
= الرجال، فإنه قال مرةً: الدارقطنيُّ مجمَعُ الحشرات)).
وقال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) ٣٥٦:١ (( .... وباقيها - أي باقي أحاديث الجهر
بالبسملة - عند الدارقطني في سننه، التي هي مَجْمَعُ الأحاديث المعلولة، ومَنْبَعُ الأحاديثِ الغريبة)).
وقال الحافظ العيني في ((البناية شرح الهداية)) من كتب الفقه الحنفي، في بحث (الجهر
بالبسملة) ١: ٦٢٨: ((الدار قطني كتابُهُ مملوء من الأحاديث الضعيفة والغريبة والشاذة والمعلَّة، وكم
فيه من حديث لا يوجد في غيره)). انتهى. وهو كلامُ الحافظ ابن عبد الهادي السابق الذكر، الذي
نقله الزيلعي .
وقال شيخ شيوخنا محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى، في ((الرسالة المستطرفة)) ص ٣٥
((وسنن الدارقطني جَمَع فيها غرائب السنن، وأكثر فيها من رواية الأحاديث الضعيفة والمنكرة، بل
والموضوعة)). انتهى. وهذا كلام ابن عبد الهادي السابق نقلُهُ عن كتابه ((الصارم المنكي))، ولكن
الشيخ طَوَى منه الجملةَ الأخيرة فأخلِّ.
وتبينَّ من هذه النقولِ وَجْهُ المفارقة بين مَبْنَى (السنن) في كتب السنن الأربعة، وبين مَبْنَى
(السنن) في كتاب الدارقطني، فإنهم بنوها لإِيرادٍ ما ثبت وصح في الباب، للاحتجاج به والعمل
بمقتضاه، وهو بناها لكشف الغرائب وما يشبهها ويجانسها في الغالب، فاختَلَف المقصِدُ بير المنهجين.
ومعذرةً من إطالة هذه التعليقة، فإني أردت تجليةً هذا الأمر الذي يلتبسُ على بعضهم، كما
التَّس على ابن الأكفاني رحمه الله تعالى، فينبغي أن يُنْتَبَّه له، فما كان ينبغي للمؤلف الشيخ طاهر
أن يُقِرَّ ابنَ الأكفاني على قوله هذا، لأنه ظاهرُ الخطأ، ولعله لظهور خطئه لم يُعلِّق عليهِ.
وقد جلَّيتُ هذا الموضوع بإسهاب، وكتبتُ فيه صفحات طويلة، طُبعَتْ في آخر رسالتي
المسماة: ((السُّنَّةُ النبوية وبيانُ مدلولها الشرعي، والتعريفُ بحال سنن الدارقطني)). وطُبعت
في بيروت سنة ١٤١٢ .

٨٥
والعلومُ المُوصِلةُ إلى عِلمِ التفسير هي اللُّغَةُ، وعلمُ النحو، وعلمُ التصريف،
وعلمُ الْمَعَاني، وعلمُ البيان، وعلمُ البديع، وعلمُ القراءات.
ويَحتاجُ إلى معرفةٍ أسبابِ النزول، وأحكامِ الناسِخ والمنسوخ، وإلى معرفةٍ
أخبارِ أهلِ الكتاب، ويُستَعَانُ فيه بعلم أصول الفقه وعِلمِ الجَدَل.
ومن الكتب المختصرةِ فيه: ((زادُ / المسير)) لابن الجوزي، و((الوجيز)) /٢٣
للواحدي. ومن المتوسطةِ: ((تفسيرُ) المأتُرِيدِيّ، و((الكَشَّاف)) للزمخشري، و((تفسيرُ))
الْبَغَوِي، و((تفسيرُ)) الكواشي. ومن المبسوطةِ: ((البسيطُ)) للواحِدي، و((تفسير))
القرطبي، و((مفاتيحُ الغيب)» للإِمام فخر الدين بن الخطيب(١).
واعلم أنَّ أكثرَ المفسرين اقتَصَر على الفن الذي يَغلِبُ عليه، فالثعلبيُّ تَغلِبُ
عليه القِصَصُ، وابنُ عَطِيَّ تَغْلِبُ عليه العَرَبِيَّة، وابنُ الفَرَس أحكامُ الفِقه، والزجَّاجُ
المعاني، ونحو ذلك.
وهاهنا بحثٌ، وهو من المعلومِ البيِنِّ: أنَّ اللّه تعالى إنما خاطَبَ خَلْقَهُ بما
يفهمونه، ولذلك أرسَلَ كلَّ رسولٍ بلسان قومه، وأَنزَلَ كتابَ كلُّ قومٍ على لغتهم.
وإنما احتيجَ إلى التفسير لِمَا سنذكرُهُ بعدَ تقريرٍ قاعدةٍ، وهي أنَّ كل من وَضَعَ من البشر
كتاباً، فإنما وضَعَهُ لِيُفهَّمَ بذاتِه من غيرِ شرح، وإنما احتيج إلى الشّرْحِ لأمورٍ ثلاثة :
أحدُها: كمالُ فضيلةِ المصنّف، فإنه بجَوْدِةِ ذِهِنِهِ وحُسْنٍ عبارتِهِ، يَتكلَّمُ على
مَعانٍ دقيقة، بكلامٍ وجيزٍ يَراهُ كافياً في الدلالةِ على المطلوب، وغيرُه ليس في مرتبتِهِ،
فربما عَسُرَ عليه فَهْمُ بعضِها أو تَعذَّرَ، فَيَحتاجُ إلى زيادةِ بسطٍ في العبارة لتظهر تلك
المعاني الخفيّةُ، ومن هنا شَرَح بعضُ العلماءِ تصنيفه .
وثانيها: خُذْفُ بعضٍ مُقَدِّماتِ الأقِيسَة، اعتماداً على وُضوحِها، أو لأنها من
عِلم آخَر، وكذلك إهمالُ ترتيبٍ بعضِ الأقيسة، وإغفالُ عِلَل بعضِ القضايا،
(١) هو الإمام فخر الدين الرازي.

٨٦
فَيَحتاجُ الشارحُ أن يَذْكُرَ المقدِّماتِ الْمُهْمَلاتِ، ويُبيِنٌّ ما يُمكنُ بَيَانُهُ في ذلكُ العلم،
ويُنَبِّهَ على الغَنِيَّةِ عن البيان، ويُرشِدَ إلى أماكنِ ما لا يَتبيّنٌ بذلك الموضع من
المقدِّمات(١)، ويُرتُّبَ القياسات، ويُعطِي عِلَل ما لا يُعطِي المصنّفُ عِلَلَهُ (٢).
وثالثها: احتمالُ اللفظِ لَعاٍ تأويلية، كما هو الغالبُ على كثير من اللغات،
أو لَطافةُ المعنى عن أن يُعبَّ عنه بلفظٍ يُوضِّحُه، أو للألفاظِ المجازيةِ واستعمالٍ الدلالةِ
الالتزامية، فَيَحتاجُ الشارحُ إلى بيانِ غَرَضِ المصنف وترجيحِه. وقد يقعُ في بعض
التصانيفِ ما لا يخلو البَشَرُ عنه من السهوِ، والغَلَط، والحذفِ لبعضِ الْمُهِمَّاتِ،
وتكرارِ الشيءٍ بعينِه لغير ضرورة، إلى غير ذلك مما يقعُ في الكتب المصنّفةِ، فَيَحتاجُ
الشارحُ أن يُنبِّه على ذلك.
وإذا تقرّرَتْ هذه القاعدةُ نقول: إنَّ القرآن العظيم إنما أُنزِلَ باللسانِ العربي
في زمنٍ أفضَحِ العرب، وكانوا يَعلمون ظواهرَهُ وأحكامه، أما دقائقُ باطِنِهِ فإنما كانت
تَظْهَرُ لهم بعدَ البحثِ والنظر، وجَوْدةِ التأمُّلِ والتدبر، مع سؤالهِم النبيَّ صلى الله
عليه وسلم في الأكثر، ودَعَا ◌ِبْرِ الْأُمَّةِ فَقالَ: ((اللَّهُمَّ، فَقِّهْهُ في الدِّين، وعَلِّمُه
التأويل)).
ولم يُنقَل إلينا عن الصَّدْرِ الأول تفسيرُ القرآن وتأويلُه بجُملتِهِ، فنحن نحتاجُ إلى
ما كانوا يحتاجون إليه، زيادةً على ما لم يكونوا يحتاجون إليه من أحكام الظواهر،
لقصورِنا عن مَدارِكِ أحكامِ اللغةِ بغير تعلُّم، فنحن أشدُّ احتياجاً إلى التفسير.
ومعلومٌ أنَّ تفسيرَه يكون من قَبِيلِ بَسْطِ الألفاظِ الوجيزة، وكشفِ مَعانِيها،
وبعضُه من قَبِيل ترجيحِ بعضِ الاحتمالات على بعضٍ لبلاغته، وحُسْنٍ مَعَانِيه،
وهذا لا يستغني عن قانونٍ عامٍ يُعوَّلُ في تفسيرِهِ عليه، ويُرجَعُ في تأويلِهِ إليه، ومِسْبارٍ
(١) عبارة (إرشاد القاصد)) ص ٧٧ (ويُرشد إلى أماكن ما لا يَلِيقُ بذلك الموضَعِ منْ
المقدمات).
(٢) في ((إرشاد القاصد)): (ما لم يعط ... ).

٨٧
تامِّ يُميِّزُ ذلك، وتَتَّضِحُ بِه الْمَسَالِك، وقد أودعناه كتابَنا المسمَّى ((نُغَبُ الطائر من البَحْر
الزاخر))، وأردفناه هنالِكَ بالكلامِ على الحروفِ الواقعةِ مفردةً في أوائل السُّوَر،
اكتفاءً بالُهم عن الإطنابِ لمن كان صحيحَ النظر.
عِلمُ دراية الحديث: عِلمٌ يُتعرَّفُ منه أنواعُ الرواية، وأحكامُها، وشروطُ
الرواة، وأصنافُ المرويات، واستخراجُ مَعانيها. ويَحتاجُ إلى ما يَحتاجُ إليه عِلمُ التفسير
من اللغةِ، والنحوِ، والتصريفِ، والمعاني، والبديع، والأصول. ويَحتاجُ / إلى تاريخ
النَّقْلةِ، والكلامُ في احتياجِهِ إلى مِسبارٍ يُمِّزُهُ كالكلامِ فيما سَبَق .
/ ٢٤
والكتبُ المنسوبة إلى هذا العلم ـ((كالتقريب والتيسير)) للنووي، وأصلِهِ
ككتابٍ ((علوم الحديث)) لابن الصلاح، وأصلِهِ ككتابٍ ((المعرفة)) للحاكم، وکتاب
((الكفاية)) للخطيب أبي بكر بن ثابت - إنما هي مَداخِلُ، ليست بكتبٍ كافيةٍ في هذا
العلم.
عِلمُ أصول الدين: عِلمٌ يَشتمِلُ على بيانِ الآراءِ والمعتقداتِ التي صَرَّح بها
صاحبُ الشرع، وإثباتها بالأدلةِ العقلية، ونُصرتها، وتزييفِ كلِّ ما خالَفَها.
والمشهورُ أنَّ أوّلَ من تكلّم في هذا العلم في الِلَّةِ الإِسلامية عَمْرو بن عُبَيد،
وواصِلُ بن عطاء، وغيرهما من رجالِ المعتزلة، لَّا وَقَعَتْ لهم الشُّبهةُ في كلام الله
تعالى، كيف يكون مُحْدَثاً، وهو صفةٌ من صِفاتِ القديم، وكيف يكون قديماً وهو
أمْرٌ، وَهْي، وخَبَرٌ. وتَوْرَاة وإنجيل وقرآن.
والشُّبهةُ في مسألةِ القَدَر، هل الأشياءُ الكائنةُ كلُّها بقَدَر الله، ولا قُدرةً للعبد
على الخروج عنها؟ فكيف العِقابُ؟ وإن كان للعبدِ قُدرةٌ على مخالفةِ المقدور، فيَلزَمُ
تغيُّرُ عِلمِ الأَوَّلِ بالكائناتِ، إلى غير ذلك من المسائل.
وأخَذَ عنهم أبو الحسن الأشعري، وخالَفَهم في كثير من المسائل.
ومن الكتب المختصرة فيه: ((قواعد العقائد)) للخُوْجَه نَصِير الدين الطُّوْسي،
و ((لُباب الأربعين)) للقاضي جمال الدين بن واصِل. ومن المتوسطة ((المُحَصِّل)) للإِمام

٨٨
فخر الدين(١)، و((لُبَابُ الأربعين) للَّرْمَوِي. ومن المبسوطة ((نهايةُ العقول)) للإِمامِ
فخر الدين، و((الصحائفُ)) للسَّمَرْقَنْدِي .
عِلمُ أصولِ الفقه: عِلمٌ يُتعرَّفُ منه تقريرُ مَطالِب الأحكام الشرعية العِلْمية،
وطَرِيقُ استنباطِها، ومَوادُّ حُجَجها، واستخراجُها بالنظر ..
ومن الكتب المختصَرَة فيه: ((القواعِدُ)) لابن الساعاتي، و ((مختصَرُ))
ابن الحاجب ، و ((المنهاجُ)) للبيضاوي، و ((مختَصَرُ الروضة)) لابن قدامة . ومن
المتوسطةِ: ((التحصيلُ)) للأُزْمَوِي. ومن المبسوطة: ((الأحكامُ)) للَّمِدي،
و ((المَحْصُولُ)) للإمام فخر الدين بن الخطيب(١).
عِلمُ الجَدَل: عِلمٌ يُتعرَّفُ منه كيفيةُ تقرير الحُجَجِ الشرعية، ودَفْعُ الشَّبَّهِ
وقوادِحِ الأدلة، وترتيبُ النُّكَتِ الخلافية. وهذا متولِّدٌ من الجدل الذي هو أحَدُ أجزاء
المنطِق، لكنه خُصِّصَ بالمباحث الدينية، وللناس فيه طُرُقٌ أَشْبَهُها طريقةُ العَمِيدي.
ومن الكتب المختصرةِ فيه: ((الُغْنِي)) للََّبْهَرِي، و((الفُصولُ)) للَّسَفِي، و((الخلاصةُ))
للمراغي .
ومن المتوسطة: ((النفائسُ)) للعَمِيدي، و((الرسائلُ)) للََّرْمَوِي. ومن المبسوطةِ:
((تهذيبُ النُّكَت)) لِلْأَرْمَوِي.
عِلمُ الفقه: عِلمٌ بأحكام التكاليفِ الشرعية العَملِيَّةِ، كالعبادات والمعاملاتِ
والعاداتِ ونحوِها.
الفائدة الرابعة
قال عبدُ الله بن المبارك: الإِسنادُ من الدين، ولولا الإِسنادُ لقال من شاء:
ما شاء. وقال أيضاً: بيننا وبينَ القومِ القوائمُ: يعني الإِسناد.
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالَقَاني: قلتُ لعبدِ الله بن المبارك: يا أيا .
(١) هو فخر الدين الإمام الرازي، کما تقدمت الإشارة إليه في ص ٨٥.
1

1
٨٩
عبد الرحمن، الحديثُ الذي جاء: إنَّ من البِرِّ بَعْدَ البِرِّ أن تُصَلَِّ لأَبَوَيكَ مع
صَلاتِك(١)، وتَصُومَ لهما مع صَوْمِك؟ فقال عبدُ الله: يا أبا إسحاق، عمن هذا؟
قلتُ له: هذا من حديثٍ شِهاب بن خِراش، فقال: ثقة، عمن؟ قلت: عن
الحجاج بن دِینار، / قال: ثقة، عمن؟ قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: يا أبا إسحاق، إنَّ بينَ الحَجَّاجِ بن دِينار وبينَ النبي صلى الله عليه وسلم مَفَاوِزَ
تنقطعُ فيها أعناقُ الَطِيّ، ولكنْ ليس في الصَّدَقةِ اختلاف.
/ ٢٥
وقال أبو الزِّنّاد: أدركتُ بالمدينة مئةً، كلُّهم مأمون، ما يُؤخَذُ عنهم الحديث،
يُقالُ: ليس من أهلِه. ذكر ذلك مسلم في صحيحه(٢).
والإِسنادُ مَصْدَرٌ من قولِك: أسندتُ الحديث إلى قائله، إذا رفعتَه إليه بذکرٍ
ناقله .
وأما السَّنَدُ فهو في اللغةِ ما استندتَ إليه من جدارٍ وغيره، وهو في العُرفِ
طريقُ متن الحديث. وسُمِّي سَنَّداً لاعتمادِ الحُفَّاظِ في صحةِ الحديثِ وضعفِهِ عليه.
مثالُ الحديثِ الْمُسْنَد قولُ يحيى أحَدِ رُواةٍ((الموطأ)): أخبرنا مالك، عن نافع، عن
عبدِ الله بن عُمَر، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يَبْعْ بعضُكم على بَيْع
بعض)». فمَتْنُ الحديثِ فيه هو «لا يَبْعْ بعضُكم على بَيْع بعض)».
والمتنُ في أصل اللغة: الظُّهْرُ، وما صَلُبَ من الأرضِ وارتَفَع، ثم استُعمِلَ في
العُرف فيما ينتهي إليه السَّنَدُ. والإِضافةُ فيه للبيان.
وسَنَدُ الحديث هو ما ذُكِرَ قَبْلَ المتْنِ. ويقال له: الطريق، لأنه يُوصِلُ إلى
المقصود هنا وهو الحديث، كما يُوصِلُ الطريقُ المحسوسُ إلى ما يَقصِدُه السالك فيه.
وقد يقال للطريقِ: الوَجْهُ، تقولُ: هذا حديثٌ لا يُعرَفُ إلَّ من هذا الوَجْه.
(١) جاء في الأصل (الذي جاء: من البِرِّ ... ). وهو في مقدمة ((صحيح مسلم)) المنقول
عنه كما أثبته: (إنَّ من البر).
(٢) في (مقدمة صحيحه) ٨٦:١ - ٨٩.

٩٠
وأما الإِسنادُ فقَدٍ عَرفتَ أنه مَصْدَرُ أسنَدَ، ولذلك لا يُثِنَّى ولا يُجْمَع، وكثيراً
ما يُرادُ به السَّنَدُ فيثنَى وَيُجِمَعُ، تقول: هذا حديثٌ له إسنادانٍ، وهذا حديثٌ له
أسانيد. وأما السَّنَدُ فِيُثَنَّ ولا يُجْمَعُ، تقول: هذا حديثٌ له سَنَدانٍ، ولا يقال: هذا
حديثٌ له أَسْنَادٌ بَوَزْنٍ أَوْتاد، وكأنهم استغْنَوْا بجَمْع الإِسناد بمعنى السَّنَد عن جْعِه(١).
وقد ذكر بعضُ اللُّغَويين أنَّ السَّنَّدَ بمعانيهِ اللغويةِ لم يُجمَع أيضاً(٢). وقد وقع
(١) قولُ المؤلف: (ولا يقال: هذا حديث له أَسْناد بوزن أوتاد): لا يعارضُهُ ما وقع في
(ميزان الاعتدال)) ٥١٧:٣، في ترجمة (محمد بن الحسن الدَّعَّاء) من قول الذهبي: «ورأيتُ له
حديثاً أَسنادُهُ ثقَاتٌ سِوَاهُ))، وضَبَط محقق ((الميزان)) لفظةً (أَسناده) بهمزة مفتوحة فوق الألف، فإنه
خطأ وغلط منه، والصواب ضبطُهُ بكسر الهمزة.
ولا ما وقَعَ في ((الميزان)) ١١:٤، في ترجمة (محمد بن القاسم الطايكاني): ((قال عبدُ الله:
الأسنادُ في المسند جمعِهِ: حدثنا أحمد بن محمد))، وضبط المحقق لفظً (الأسناد) بهمزة فوق الألف،
فإنه خطأ وتحريف فاحش! وصوابه: (وقال عبدُ الله الأستاذُ ... )، و(الأستاذ) لقبّ لعبد الله بن.
محمد البخاري السَّبَذْمُوني المذكور)، كما في ترجمته في ((الأنساب)) للسمعاني ١٩٦:١. وأوسعتُ
بيانَّهُ في رسالتي ((الإِسناد من الدين)) ص ١٥ - ١٦ فانظره.
(٢) قال عبد الفتاح: نفيُّ بعض اللغويين لجمع لفظ (السَّنَد) بمعانيه اللغوية وإقرارٌ
المؤلف رحمه الله له: غيرُ صحيح، إذ هو مخالفٌ لما في أمهات كتب اللغة، ففي ((الجمهرة))
لابن دريد ٢٦٦:٢ «السَّنَدُ ما قابَلَك من الْجَبَل مما علا من السَّفْح، والجمعُ أَسناه)». وفي
((أساس البلاغة)) للزمخشري في (سند): ((ونَزَلْنَا فِي سَنَدِ الْجَبَل والوادي، وهو مرتَفَعٌ من الأرض
في قُبُلِهِ، والجمعُ أَسناد)». ومثله في ((لسان العرب)) لابن منظور في أول (سند) ٣: ٢٢٠، وزاد
عليه قوله: ((والجمعُ الأَسناد، لا يُكُّ على غير ذلك)). انتهى.
: وجاء في (تهذيب اللغة)) للأزهري ٢: ٣٣٦٤ ما يلي ((قال ابنُ بُزُرْج: السَّنَدُ واحِدُ الأسناد من
الثياب، وهي البُرُود، وأنشدٍ :
جُبَّةُ أَسنادٍ نَقِيٌّ لونُها لم يَضِرِبِ الخَّاطُ فيها بالإِبَرْ
قال: وهي الحمراء من جِبَاب الْبُرُود)). انتهى. وفي هذه النصوص جميعها جمْعُ (السَّنَّد).
لأكثر من معنى من معانيه اللغوية .
وتُفيد عبارة ((تاج العروس)) في (سند) ٢: ٣٨٢ أنَّ الذي نَفَى جَمْعَ (سَنَد) بمعانيه اللغوية،
=
i

٩١
ذهول لكثير من الأفاضل عن أنَّ الإِسناد يأتي بمعنى المَصْدَرِ، ويأتي اسماً بمعنى السَّنَد،
فاضطربَتْ عباراتُهم، حتى أوقعوا المُطالِعَ في الْخَيْرَةِ(١)!
الفائدة الخامسة
اتفق علماءُ الحديث على أنه لا يُؤخَذُ بالحديثِ إلاّ إذا كانت رُواتُهُ موصوفِينَ
بالعدالةِ والضَّبْطِ، وأنَّ العدالةَ وحدَها غيرُ كافية. ولنذكُرْ لك شيئاً مما قالوه في ذلك.
قال أبو الزِّنَاد عبدُ الله بن ذَكْوان: أدركتُ بالمدينة مِئةً، كلُّهم مأمون، ما يُؤخَذُ
عنهم الحديثُ، يقال: ليس من أهلِه .
وقال عبدُ الله بنُ المبارك: قلت لسفيان الثوري: إنَّ عَبَّدَ بنَ كَثِيرٍ من تَعرِفُ
حالَهُ(٢)، وإذا حَدَّثَ جاء بأمرٍ عظيم، فتَرى أن أقولَ للناس: لا تَأخُذُوا عنه؟ قال
سفيان: بلى، قال عبدُ الله: فكنتُ إذا كنتُ في مجلسٍ ذُكِرَ فيه عَبَّدٌ أَثنيتُ عليه في
دینه، وأقول: لا تأخذوا عنه.
وقال يحيى بن سعيد القطان: لم نَرَ أهلَ الخير في شيءٍ أكذَبَ منهم في
الحديث. قال مسلم: يَجِرِي الكذِبُ على لسانِهِم ولا يَتَعمَّدون الكذِب.
وقال أيُّوبُ السَّخْتِياني: إنَّ لي جاراً، ثم ذَكّر من فضلِهِ، ولو شَهِدَ عندي على
تَخْرَتِينِ ما رأيتُ شهادتَهُ جائزة.
= هو ابنُ الأعرابي، وقد علمتَ أن نصوص كبار الأئمة اللغويين المذكورة، على خلافِ قولِه، فلا
يُعوَّل عليه .
(١) وانظر الكلام على (المُسْنَد) فيما يأتي في ص ١٧٣ .
(٢) أي من الصلاح والتقوى، وكان من عُبَّاد أهل البصرة، جاور في مكة، وتوفي بها نحو
سنة ١٥٠. وأبعَدَ الإِمامُ النووي في ((شرحه على صحيح مسلم)) ١: ٩٤، فقال في تفسير (من
تَعرِفُ حالَه): ((يعني أنت عارفٌ بضعفه)). انتهى. وهذا التفسير يَردُّه سياقُ الكلام هنا، لأن
ابن المبارك يشير في سؤاله إلى التناقض بين وفرة صلاحه وتقواه وتحديثه الأحاديث المنكرة الباطلة،
لعدم ضبطه ومعرفته، ولشدة غفلته .

٩٢
وقال عَفَّنُ بن مسلم: كنا عندَ إسماعيل بن عُلَيَّةِ، فحدَّث رجلٌ عن رجلٍ ،
/٢٦ فقلتُ: إنَّ هذا ليس بثْتٍ، فقال / الرجلُ: اغتبته! فقال إسماعيل: ما اغتَابَهُ ولكنَّهُ
حَكَمِ أنه ليس بثّبْتٍ.
وقال زكريا بن عَدِي: قال لي أبو إسحاق الفَزاري: اكتُبْ عنِ بَقِيَّةِ مَا رَوَى
عن المعروفين، ولا تكتُبْ عنه ما رَوَى عن غير المعروفين، ولا تكتُبْ عن إسماعيل بن
عَيَّاش ما رَوَى عن المعروفين ولا غيرهم.
وقال عبدُ الله بن المبارك: بقيَّةُ صَدُوقُ اللسان، ولكنه يأخُذُ عمن أقبَلَ وأدبَرَ.
ذکر ذلك مسلم في «صحيحه»(١).
وكان الإِمامُ مالكٌ شديدَ الانتقادِ للرواة، وقد نُقِلَ عنه في ذلك أقوالٌ أُورَدَها
الجلالُ في ((إسعاف المُبَطَأ برجال الموظّ)(٢)، ونحن نُوردُ هنا شيئاً منها:
رَوَى عليّ بن المديني، عن سفيان بن عيينة، أنه قال: ما كان أشدَّ انتقادَ مالكٍ
للرجال وأعلمه بشأنهم.
وقال يحيى بن معين: كلُّ من رَوَى عنه مالك بن أنس فهو ثقةً، إلَّ
عبدَ الكريم البَصْرِيَّ أبا أُمَّيَّة .
وقال النسائي: ما أحدٌ عندي بعدَ التابعين أَنْبَلَ من مالكِ بن أنس(٣)،
ولا أجَلَّ ولا آمَنَ على الحديثِ منه، ثم يليه شُعبةُ في الحديث، ثم يحيى بنُ سعيد
القطان، ليس بعدَ التابعين آمَنُ على الحديث من هؤلاءِ الثلاثةِ، ولا أَقَلُّ روايةً عن
الضعفاء .
(١) يعني في مقدمة ((صحيحه)) ١: ٩٤ و٩٧ و١٠٤ و١١٦ و١١٨.
(٢) ١ - ٣، وهو مطبوع في آخر نسخة ((الموطأ)) من طبعة البابي الحلبي، وفي المصورة.
عنها طبع بيروت. والجلال هو جلال الدين السيوطي .
(٣) وقع في الأصل: (أمثل من مالك). وفي ((إسعاف المبطأ): (ولا أقبل من مالك).
وكلاهما تحريف، والصواب: (أَنْبَل من مالك)، كما جاء في ((تهذيب التهذيب)) ٩:١٠.
1

٩٣
وقال مَعْنُ بن عيسى: كان مالكٌ يقولُ: لا يُؤخَذُ العلمُ من أربعة، ويُؤخَذُ ممن
سِوَى ذلك، لا يُؤْخَذُ من سَفِيه، ولا يُؤخَذُ من صاحبِ هَوَىَّ يَدْعُو الناسَ إلى هواه،
ولا من كذَّابٍ يَكذِبُ في أحاديث الناس، وإن كان لا يُتَّهَمُ على أحاديثِ رسولِ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا من شيخٍ له فَضْلٌ وصلاحٌ وعِبادة إذا كان لا يَعرِف
ما يُحدِّثُ به.
وقال إسحاق بن محمد الفَرْوي(١): سُئل مالكٌ أيؤخذُ العلمُ ممن ليس له طَلَبٌ
ولا ◌ُجالسة؟ فقال: لا، فقيل: أيؤخَذُ ممن هو صحيحٌ ثقةٌ غيرَ أنه لا يَحِفظُ، ولا يَفْهَمُ
ما يُحدِّثُ به؟ فقال: لا يُكتَبُ العلمُ إلَّ عمن يَحِفَظُ، ويكونُ قد طَلَب وجالَسَ
الناسَ، وعَرَف وعَمِل، ویکون معه وَرَعٌ.
وقال إسماعيل بن أبي أُوَيس: سمعتُ خالي مالكاً يقول: إنَّ هذا العلم دِین،
فانظُرُوا عمِّنْ تأخُذُون دِينَكم، لقد أدركتُ سَبْعِين ممن يقولُ قال رسول الله صلَّى اللّه
عليه وسلَّم عندَ هذه الأساطين، فما أخذتُ عنهم شيئاً، وإنَّ أحدَهم لو اثْتُمِنَ على
بيتٍ مالٍ لكان به أميناً، لأنهم لم يكونوا من أهلِ هذا الشأن. وقدِمَ علينا ابنُ شهاب
فکنا نزدَحِمُ عندَ بابه .
وقال أبو سعيد بنُ الأعرابي: كان يحيى بن معين يُوثَّقُ الرجلَ لرواية مالك
عنه، سئل عن غير واحد فقال: ثقةٌ رَوَى عنه مالك.
وقال شعبة بن الحجاج: كان مالكٌ أحَدَ المميِّزين، ولقد سَمِعتُه يقول: ليس
كلُّ الناس يُكتَبُ عنهم وإن كان لهم فَضْلٌ في أنفسهم، إنما هي أخبارُ رسولِ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم، فلا تُؤْخَذُ إلَّ من أهلِها.
وقال ابن كِنانة: قال مالك: من جَعَل التمييزَ رأسَ مالِهِ عَدِمَ الُسرانَ، وكان
على زيادة .
(١) الفَرْوي بفتح الفاء وسكون الراء، كما في غير كتاب من كتب مُشْتَبِهِ الأنساب. ووقع
في الأصل: (الغروي)، بالغين المعجمة، وهو تحريف.

٩٤
الفائدة السادسة
من أصعبِ الأشياءِ الوقوفُ على رَسْمِ العدالةِ فضلاً عن حَدِّها، وقد خاض
العلماءُ في ذلك كثيراً، فقال بعضُهم: العدالةُ هي مَلَكةٌ تَمنَعُ عن اقترافِ الكبائر
والإِصرارِ على الصغائر. وقال بعضُهم: هي مَلَكةٌ تَمنعُ عن اقترافِ الكبائر، وعن
فعلٍ صغيرةٍ تُشعِرُ بالخِسَّةِ كسرقةِ باقَةِ بَقْل. وقال بعضهم: من كان الأغلَبُ من أمرِهِ
/ ٢٧ / الطاعةَ والمروءةَ قُبِلَتْ شهادَتُه وروايته، ومن كان الأغلَبُ من أمرِهِ المعصيةَ وخِلافَ
المروءة رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ورِوايَتُه.
وقال الغزالي في ((المستصفَى))(١): العدالةُ في الروايةِ والشهادةِ عبارةٌ عن
استقامةِ السِّيرةِ في الدين، ويَرجِعُ حاصلُها إلى هيئةٍ راسخةٍ في النفسِ تَحمِلُ على
مُلازمةِ التقوى والمروءةِ جميعاً، حتى تَحصُلَ ثِقةُ النفوسِ بصدقِهِ، فلا ثِقَّةً بقولِ من
لا يخافُ اللَّه تعالى خوفاً وازِعاً عن الكذب.
ثم لا خِلافَ في أنه لا تُشتَرَطُ العِصمةُ من جميع المعاصي، ولا يكفي أيضاً
اجتنابُ الكبائر، بل من الصغائرِ ما يُرَدُّ به كسَرِقَةِ بَصَلةٍ وتطفيفٍ في حَبَّةٍ قَصْداً،
وبالجملةِ: كلُّ ما يَدُلُّ على رَكاكةِ دِينِهِ إلى حدٍّ يَجِترىُ على الكذِبِ للأغراضِ
الدنيوية. كيف وقد شُرِطَ في العدالة التوقِّي عن بعضِ المباحاتِ القادحةِ فِي الْمُرُوءةِ
نحوِ الأكلِ في الطريق، والبولِ في الشارع، وصحبةِ الأرْذَال، والإِفراطِ في المزاح.
والضابطُ في ذلك فيما جاوز محلّ الإِجماع: أن يُرَدَّ إلى اجتهادِ الحاكم، فما دَلَّ
عندَه على جَراءَتِهِ على الكذب رَدَّ الشهادةَ به، وما لا فلا. وهذا يختلِفُ بالإِضافة إلى
المجتهدِين. وتفصيلُ ذلك من الفقهِ لا من الأصول، ورُبَّ شخصٍ يَعْتَادُ الغِيبة،
ويَعلمُ الحاكمُ أنَّ ذلك لهِ طَبْعُ لا يَصْبِرُ عنه، ولو ◌ُلَ على شهادة الزور لم يُشهد
أصلاً، فقبولُهُ شهادَتَه بحُكمِ اجتهادِهِ جائزٌ في حقه. ويختلفُ ذلك بعاداتِ البلادِ
واختلافٍ أحوالِ الناسِ في استعظامِ بعضِ الصغائرِ دون بعض. اهـ.
(١) ١ :١٥٧.
:

٩٥
وقال الجُوَيْنِيُّ: الثقةُ هي المعتمَدُ عليها في الخَبَرَ، فمتى حَصَلَتْ الثقةُ بالخبر
قُبِلَ. وهذا القولُ وأمثالُه وإن كان مخالفاً لما عليه الجمهورُ في الظاهر، فهو المعوَّلُ عليه
عندَ الجهابذة في الباطن.
وقد انتَه لذلك بعضُ المتأخرين فقال ما لُبَابُهُ: قد نُقِلَ عن كثير من الرُّواةِ
المأخوذِ بروايتهم الإِصرارُ على الصغائر، من الغِيبةِ والنميمةِ وهِجرانِ الأخِ من غير
مُوجِبٍ في الشرع، ونحوِ ذلك من حَسَدِ الأقران، والبَغْيِ عليهم، بل وَصَل الأمْرُ
ببعضهم إلى أن يَدْعُوَ إلى اعتقادٍ ما لا يَدُلُّ عليه نقلٌ أو عَقْلٌ، ونسبةٍ من لا يقولُ به
إلى البدعةِ بل إلى الكفر. والظاهِرُ أنَّ المعتبرَ في عدالةِ الراوي هو كونُهُ بحيث لا يُظَنُّ
به الاجتراءُ على الافتراءِ على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
وقال العِزّ بن عبد السلام في ((القواعد الكبرى))(١): فائدة، لا تُرَدُّ شهادةُ أهل
الأهواء، لأنَّ الثقةَ حاصلةٌ بشهادتِهِم حصولها بشهادةِ أهلِ السُنَّةِ، أو أولَى(٢)، فإنَّ
من يَعتَقِدُ أنه يُخُلَّدُ في النار على شهادةِ الزُّور، أبعَدُ في الشهادة الكاذبة ممن لا يَعتقِدُ
ذلك، فكانت الثقةُ بشهادتِهِ وخَبَرِهِ أكمَلَ من الثقةِ بمن لا يَعتِقِدُ ذلك.
ومَدارُ قبولِ الشهادةِ والروايةِ على الثقةِ بالصدق، وذلك متحقِّقٌ في أهلِ
الأهواءِ تحقَّقَه في أهلِ السنة. والأصحُّ أنهم لا يُكفِّرُون بِبِدَعِهم(٣)، ولذلك تُقبَلُ
شهادةُ الحنفي إذا حَدَدْناه في شُربِ النبيذ، لأنَّ الثقةَ بقولِه لم تَنْخَرِم بشُرْبِهِ، لاعتقادِهِ
(١) وهي المعروفة باسم (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) ٣١:٢.
(٢) من قوله: (أو أَوْلَى) إلى نهاية قوله (لا يَعتقِدُ ذلك) ليس في المطبوعة من ((القواعد)»،
والمطبوعة فيها نقص، وتحريف كثير !.
(٣) وعلى هذا مشى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتبه، وانظر لزاماً ما جمعته
من كلامه في كتبه في هذه المسألة، وألحقته بآخر ((الموقظة في علم مصطلح الحديث)) للحافظ
الذهبي، وجعلته: (التتمة الخامسة في تجلية مسألة تكفير أهل البدع والأهواء) من ص ١٤٧ -
١٦٥.
!

٩٦
إباحته، وإِنما رُدَّتْ شَهادَةُ الخَطَّابِيَّة لأنهم يَشْهَدُونَ بناءً على إخبار بعضِهم بعضاً،
فلا تحصُل الثقةُ بشهادتهم، لاحتمال بنائها على ما ذكرناه. اهـ.
ولعدم وقوفِ بعض الناسِ على ما ذكرنا، من أنَّ بعض العلماء يَجِيلُ إلى أنَّ
الثقة بالخبر هي المعوَّلُ عليه في أمرِهِ، انقسَمَ الْأَعْمَارُ منهم إلى فريقين، ففريقٌ منهم
اعترَض على كثير من جهابذةِ المحدِّثين حيث رَوَوْا عمن لا تُرْتَضَ بِيرَتُهم، ظناً منهم
بأنَّ ذلك من قَبِيل الشهادةِ لهم بحُسْنِ السِّيرةِ ونَقاءِ السَّرِيرَة، فَنَسَبُوهم إلى الجهلِ
/٢٨ / أو التجاهل، وما ذَرَوْا بأن الرواية عنهم إنما تُشعِرُ بالوثوقِ بِخَبَرِهم.
وهذا أيضاً إنما يكونُ في الكتب التي التزم أربابها أن لا يذكروا فيها سِوى
ما صَحَّ من الأخبار.
وفريقٌ منهم صار يَذُبُّ عن كل مَنْ رَوَى عنه إمامٌ من أئمة الحديث، وإن كان
ممن اتفق علماءُ الأخبار والآثار على الطعن فيه، زَعْماً منهم أنهم لا يُرْؤُون إلَّ عمن
يكون حسَنَ السيرة نقيَّ السريرة، نعم لهم وَجْهٌ في هذه الدعوى لو صَرَّحَ ذلك الإِمامُ
بأنه لا يَروِي إلَّ عمن يكون كذلك.
هذا، ومما يُستغرَبُ ما ذَهَبَ إليه بعضُ من ينحو في الظاهر نحوَ مذهب
الظاهرية، فقال في مقالةٍ له في أصول الفقه: وإذا وَرَد الخبرُ عن قومٍ مستورِين
لم يُتكلّم فيهم بجَرْحُ ولا تعديل، وجَبَ الأخذُ بروايتهم، فإنْ جُرِحَ أَحَدٌ منهم
بِجَرْحةٍ تُؤْثِّرُ في صدقِهِ تُرِكَ حديثُه. وإن كانت الجَرْحَةُ لا تتعلَّقُ بنقلِهِ وجَبَ الأخذُ بهِ
إلَّا شارب الخمرِ إذا حدَّثَ في حالِ سُكرِهِ، فإن عُلِمَ أنه حَدَّث في حالٍ صَحْوِهِ،
وهو ممن هذه صِفَتُه أُخِذَ بقوله، والأصلُ العدالَةُ، والجَرْحَةُ طارئة، وإذا ثبتَتْ على
حَدِّ ما قلناه تُرِكَ الأخذُ بحديثٍ صاحبٍ تلك الجَرْحَة. اهـ.
وقد نحا نحوَ هذا المنْحَى بعضُ الشيعة، فجوَّز الأخذَ بروايةِ الفاسق، إذا كان
متحرزاً من الكذب، وعلَّل ذلك بأنَّ العدالةَ المطلوبةً في الرواية موجودةٌ فيه.
تتمة: العدالةُ مَصْدَرُ عَدُلَ بالضم، يقال: عَدُلَ فلانٌ عَدالةً وعُدولةً، فهو عَدْلَ أي

٩٧
رِضاً ومَقْنَعٌ في الشهادة. والعَدْلُ يُطلَقُ على الواحِدِ وغيرِهِ، يقال: هو عَدْل، وهما
عَدْل، وهم عَدْل. ويجوزُ أن يُطَابَقَ فيقال: هما عَدْلانِ، وهُم عُدول. وقد يُطابَقُ في
التأنيثِ فيقال: امرأةٌ عَدْلةٌ. وأما العَدْلُ الذي هو ضِدُّ الجَوْرِ فهو مَصْدَرُ قولِكَ: عَدَل
في الأمر فهو عادل.
وتعديلُ الشيء تقويمُه، يقال: عَدَّله تعديلاً فاعتَدَل، ، أي قَوَّمَه فاستقام. وكلُّ
مُثَقَّفٍ مُعَدَّل. وتعديلُ الشاهد نسبتُهُ إلى العدالة. وقد فَسَّر العدالةَ في ((المصباح))(١)
فقال: قال بعضُ العلماءِ: العدالَةُ صِفَةٌ تُوجِبُ مُراعاتُها الاحترازَ عما يُخْلُّ بالمروءةِ
عادةً ظاهراً، فالَرَّةُ الواحدةُ من صَغائرِ الهَفَواتِ وتحريفِ الكلامِ لا تُخِلُّ بالمروءة
ظاهراً، لاحتمالِ الغَلَطِ والنسيانِ والتأويلِ ، بخلافٍ ما إذا عُرِفَ منه ذلك وتكرّر،
فيكون الظاهِرُ الإِخْلالَ.
ويُعتَبرُ عُرْفُ كلِّ شخصٍ وما يَعتادُهُ من لُبْسِهِ، وتعاطِيه للبيع والشراء، وحَمْلِ
الأمتعة، وغير ذلك، فإذا فَعَل ما لا يَلِيقُ به لغير ضرورةٍ قَدَح وإلَّ فَلاَ. وعَرَّفَ
الْمُرُوءَةَ: فقال(٢): هي آدابٌ نَفْسانيَّة تحمِلُ مراعاتُهَا الإِنسانَ على الوقوف عند محاسن
الأخلاقِ وجميلِ العادات، يقالُ: مَرُؤْ الإِنسانُ فهو مَرِيء، مِثلُ قَرُبَ فهو قَرِيب، أي
ذُو مُرُوءَةٍ، قال الجوهريُّ: وقد تُشَدَّدُ فيقال: مُرُوَّةٍ.
وقد اعترَض بعضُ العلماء على إدخالِ المروءَةِ في حَدِّ العدالة، لأنَّ جُلَّها يَرجِعُ
إلى مُراعاةِ العاداتِ الجاريةِ بين الناس، وهي مختلفة باختلافِ الأزمنةِ والأمكنةِ.
والأجناس، وقد يَدْخُل في المرُوءة عُرْفاً ما لا يُسْتَحْسَنُ في الشرع، ولا يَقتضِيه
الطبع، على أنَّ الْمُرُوءَة من الأمور التي يَعْسُرُ معرفةُ حَدِّها على وجه لا يَخْفَى.
قال بعضُهم: المروءَةُ: الإِنسانيَّةُ. وقال بعضهم: المروءَةُ كمالُ المرء، كما أن
الرجوليَّة كمالُ الرَّجُل. وقال بعضهم: المروءَةُ هي قُوَّةٌ للنفسِ / تَصْدُرُ عنها الأفعالُ /٢٩
(١) أي ((المصباح المنير)) للفيومي، في مادة (عدل).
(٢) في مادة (مرىء).

٩٨
الجميلةُ، المستتبِعَةُ للمَدْحِ شرعاً وعقلًا وعُرفاً. ولعلَّ المروءةَ بهذا المعنى هو الذي
أراده من قال :
فقلتُ: على مَا تَنْتَحِبُ الفَتَاةُ؟!
مَرَرْتُ على المُرِوءَةِ وَهِي تَبْكِي
جميعاً دُونَ كلِّ الْخَلْقِ ماتُوا!
فقالَتْ: كيف لا أبكِي وأهلي
وقال بعضُ الفقهاء: المروءَةُ صَوْنُ النفس عن الأدناس، ورَفْعُها عما يَشِينُ عندٌ
الناس. وقيل: سَيْرُ المرءِ بسِيرةٍ أمثالِهِ في زمانِه.
فمِن تَرْكِ المروءَةِ: لُبْسُ الفقيهِ القَبَاءَ والقَلْسُوَة، وتردُّدُهُ فيهما بين الناسِ في
البلادِ التي لم تَجْرِ عادةُ الفقهاءِ بلُبسِهما فيه، ومنه المَشْيُ في الأسواق مكشوفَ الرأس،
حيث لا يُعتَادُ ذلك ولا يَلِيقُ بمثله، ومنه مَدُّ الرِّجْلَينِ في مجالسِ الناس، ومِنه نَقْلُ
الرَّجُلِ المعتَبرِ الماءَ والأطعمةَ إلى بيتِهِ إذا كان عن بُخلٍ وشُح، وإن كان عن تواضُع
واقتداءٍ بالسلف لم يَقدح ذلك في المروءة. وكذلك إذا كان يأكُلُ ما يَجِدُ، ويأكلُ حَيْثُ
يجدُ، زُهداً وتنزهاً عن التكلُّفَاتِ المعتادَةِ، ويُعرَفُ ذلك بقرائنِ الأحوال.
وإنما لا تُقبَلُ شهادةُ من أَخَلَّ بالمروءة، لأنَّ الإِخلالَ بها يكونُ إِمَّا لِخَبَلٍ في
العقل، أو لنُقصانٍ في الدين، أو لقلةِ حياء. وكلُّ ذلك رافعٌ للثقةِ بقوله .
ولم يَتعرَّضْ كثيرٌ من علماءِ الأصول لذكرِ المروءةِ، لأنَّ المُخِلَّ بشيء مما يَتَعلَّقُ بها،
إن كان إخلالُه به مما يَرفعُ الثقةَ بقولِهِ فقد احترزوا عنه، وإن كان مما لا يَرفع الثقةَ
بقوله لم يَضُرّ. قال بعضُهم: العدالةُ: الاستقامةُ، وليس لكمالِ الاستقامةِ حَدٌّ يُوقَفُ
عنده، فاعتُبِرَ فيها أمْرٌ واحدٌ، وهو رُجحَانُ جهةِ الدينِ والعقلِ ، على طريقِ الشهوةِ
والهوى، فمن ارتكَبَ كبيرةً سَقطَتْ عدالتُهُ وقلَّ الوثوقُ بقوله، وكذلك من أصَرَّ على
صغيرة. فأمَّا من أَتَ بشيءٍ من الصغائر من غير إصرارٍ فَعَدْلٌ بلا شُبْهة .
وللمحقِّق ابنِ تيمية مقالةً في العدالةِ والعَدْلِ ، جَرَى فيها على منهجٍ من يقولُ
برعاية المصالح في الأحكام، قال: العَدْلُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ وقومٍ بِحَسَبِهِ، فيكونُ :
الشاهدُ في کل قومٍ من کان ذا عَدْلٍ فیهم، وإن کان لو کان في غیرهم کان عدْلُه على

٩٩
وجهٍ آخر، وبهذا يُمكنُ الْحُكمُ بين الناس، وإلَّ فلو اعتُبرَ في شهود كلِّ طائفة أن
لا يَشْهَدَ عليهم إلاّ من يكون قائماً بأداءِ الواجبات، وترك المحرمات، كما كانت
الصَّحَابةُ، لَبَطَلَتْ الشهاداتُ كلُّها أو غالِيُها.
وقال في موضع آخر: ويَتوجَّهُ أن تُقبَلَ شهادةُ المعروفين بالصدقِ وإن لم يكونوا
ملتزمين للحدودِ عندَ الضرورة، مِثلُ الجَيْش، وحَوَادِث الْبَدْو، وأهلِ القُرَى الذين
لا يُوجَدُ فيهم عَدْل؛ وله أصولٌ: منها: قبولُ شهادةٍ أهل الذمة في الوصيّةِ في السَّفَر
إذا لم يُوجَد غيرُهم، وشهادةُ بعضِهم على بعض في قول، ومنها: شهادَةُ النساءِ فيما
لا يَطَلِعُ عليه الرجالُ، وشهادةُ الصِّبيانِ فيما لا يَشهدُهُ الرجال.
ويظهَرُ ذلك بالمحتَضَرِ في السَّفَر إذا حَضَرَه اثنانٍ كافرانِ واثنانٍ مُسْلِماٍ
يُصَدَّقَانِ ليسا بُلازِمَين للحدود، أو اثنانٍ مبتدِعان، فهذانِ خيرٌ من الكافِرِينِ.
والشُّروطُ التي في القرآن إنما هي في استشهادِ التحمُّلِ للأداء. وينبغي أن نقولَ في
الشهودِ ما نقولُ في المحدِّثين، وهو أنه من الشهودِ من تُقبَلُ شهادتُه في نوعٍ دُونَ
نوع، أو شخصٍ دُون شخص، كما أنَّ المحدِّثين كذلك.
ونبأُ الفاسِقِ ليس بمردود، بل هو مُوجِبٌ للتبينُّ والتثُبّتِ، كما قال تعالى: ﴿إِنْ
جاءكم فاسِقٌ بِنَاٍ فَتَبَيِّنُوا﴾(١)، وفي القراءةِ الأخرى ﴿فَشَُّوا﴾، فعلينا التبينْ
والتثُّتُ، وإنما أَمْرَ بالتبينُّ عندَ خبرِ الفاسقِ / الواحِدِ ولم يَأْمُر به عندَ خبرِ الفاسِقَيْنِ،
وذلك أنَّ خبرَ الاثنين يُوجِبُ من الاعتقاد ما لا يوجبُ خبرُ الواحِد، أما إذا عُلِمَ أنهما
لم يتَواطَآ، فهذا قد تَحِصُل به العِلمُ.
/ ٣٠
"وقال في موضع آخر: شُروطُ القضاءِ تُعتَبرُ حَسَبَ الإِمكان، ويجبُ توليةٌ
الأَمْثَلِ فالأَمثَل، وعلى هذا يدلُّ كلامُ أحمدَ وغيره، فيُولَّ لِعَدَمٍ أَنفَعُ الفاسِقَينِ وأقلُّهُما
شَرَاً، وأعدَلُ الْمُقَلِّدَيْنِ وأعرَفُهما بالتقليد. وإن كان أحَدُهما أعلَمَ والآخَرُ أورَعَ قُدِّم
فيما قد يَظهَرُ حُكُمُهُ وَيُخَافُ الهوى فيه: الأوْرَعُ، وفيما يَنْذُرُ حُكمُهُ ويُخافُ فيه
(١) من سورة الحُجُرات، الآية ٦.

١٠٠
الاشتباهُ: الأعلم. والأئمةُ إذا ترجَّحَ عندَه أحدُهم قلَّده. والدليلُ الخاصُّ الذي
يُرجِّحُ به قولاً على قولٍ أولَى بالاتّباع من دليلٍ عامٍ ، على أنَّ أحدَهما أعلَمُ وأديَنَ،
لأنَّ الحَقَّ واحِدٌ ولا بد ويجبُ أن يَنصِبَ اللَّهُ على الحُكمِ دليلاً.
الفائدة السابعة
قد ظَنَّ بعضُ الناس أنَّ العدالةَ على مذهبِ الجمهورِ لا تَقْبَلُ الزيادةَ
والنقصانَ، فهي كالإِيمانِ عند من يقولُ بعدمِ قبولِهِ ذلك، والصحيحُ أنَّ العدالةِ
كالضبطِ، تَقبَلُ الزيادةَ والنقصان، والقُوَّةَ والضَّعْف. وقد أشار إلى ذلك علماءُ
الأصول في باب الترجيح في الأخبار، وصرَّح العلامة نجم الدين سُلَيمان الطُّوْفيّ في
((شرح الأربعين))، حيث قال: إِنَّ مَدارَ الروايةِ على عدالةِ الراوي وضبطِهِ، فإنْ كان
مُبَرِّزاً فيهما(١)، كشعبة وسفيان ويحيى القطان ونحوهم، فحديثُهُ صحيح، وإن كان
دُونَ الْمُرِّزِ فيهِمَا أو في أحدِهما، لكنه عَدْلٌ ضابطٌ بالجملة، فحديثُهُ حسن، هذا أجوَدُ
ما قيل في هذا المكان . .
واعلم أنَّ العدالةَ والضبطَ إما أن ينتفِيًا في الراوي، أو يُوجَدَ فيه العدالةُ
وَحْدَها، أو الضبطُ وَحْدِّه، فإن انْتَفَيَا فيه لم يُقبَلْ حديثُه أصلاً، وإن اجتَمَعا فيه قُبِلَ
وهو الصحيحُ المعتَبَرَ، وإن وُجِدَتْ فيه العدالةُ دون الضبطِ قُبِلَ حديثُه لعدالتِهِ،
وتُوقِّفَ فيه - لعدم ضبطِه - على شاهِدٍ منفصِلٍ يَخْبُرُ مافات من صِفَةٍ
الضبط(٢)، وإن وُجِدَ فيه الضبطُ دون العدالة، لم يُقبَل حديثُه، لأنَّ العدالة هي
الركنُ الأكبرُ في الرواية. ثم كلُّ واحدٍ من العدالةِ والضبطِ له مراتبُ عُلْيَا، ووُسْطَى،
ودُنْيًا. ويَحَصُلُ بتركيبٍ بعضِها مع بعضٍ مَرَاتبُ للحديثِ مختلفةً في القوّةِ
والضعفِ(٣)، وهي ظاهِرةٌ مما ذكرناه. اهـ.
(١) وقع في الأصل: (فيها). والصواب (فيهما) بالتثنية كما أثبته.
(٢) وقع في الأصل: (على شاهد منفصل بخبر ما فات ... ). وهو تحريف عما أثبته.
(٣) وقع في الأصل: ( ... مراتبُ الحديث مختلفة) وصوابها كما ترى.
i

١٠١
وقد تبيَّنَّ بذلك أنَّ الرُّواةَ الجامِعِينَ بين العدالةِ والضبط، يَنقسِمون باعتبارٍ
تَفاوُتِ درجاتِهم فيها إلى تسعةِ أنواع:
النوعُ الأول: رُواةٌ في الدرجةِ العَلْيًا من العدالةِ والضبط.
النوعُ الثاني: رُواةٌ في الدرجةِ العُلْيا من العَدَالةِ، وفي الدرجةِ الوُسْطَى من
الضَّبْط.
النوعُ الثالث: رُواٌ في الدرجةِ العُلْيًا من العدالةِ، وفي الدرجةِ الدنيا من
الضبط .
والنوعُ الرابع: رُواةٌ في الدرجةِ الوُسْطَى من العدالةِ، وفي الدرجةِ العُلْيًا من
الضبط .
النوعُ الخامس: رُواةٌ في الدرجةِ الوُسْطَى من العدالةِ والضبطِ .
النوعُ السادس: رُواةٌ في الدرجةِ الوُسْطَى من العدالة، وفي الدرجةِ الدنيا من
الضبط .
النوعُ السابع: رُواةٌ في الدرجةِ الدنيا من العدالةِ، وفي الدرجةِ العُلْيا من
الضبط .
النوُ الثامن: رُواةٌ في الدرجةِ الدُّنْيَا من العدالةِ، وفي الدرجةِ الوُسْطَى من
الضبط .
النوعُ التاسع: رُواةٌ في الدرجةِ الدُّنْيَا من العدالةِ والضبط.
وهذه الأنواعُ التسعةُ متفاوتةُ الدرجات، بعضُها أعلى من بعض، فالنوعُ
/ الأولُ أعلى مما سواه من سائر الأنواع. والنوعُ التاسعُ أدنى مما سواه منها،
وما سواهما من الأنواع، منه ما يَظهَرُ تقدُّمُه على غيره ظهوراً بيناً، كالنوعِ الثاني بالنظرِ
إلى النوع الثالث، وكالنوع الرابع بالنظرٍ إلى النوع الخامس، ومنه ما يخفى تقدُّمُه
كالنوع الثاني بالنظر إلى النوعِ الرابع، وكالنوع السادس بالنظر إلى النوع الثامن،
/٣١