Indexed OCR Text

Pages 81-100

تقولُ: ناقةٌ مُنْقِيَةٌ، إذا كانت ذاتَ شَحْمٍ، قال أَعْشَىْ بكرٍ(١):
حَامَواْ عَلَى أَضْيَافِهِمْ فَشَوَوْا لَهُمْ مِنْ لَحْمٍ مُنْفِيَّةٍ ومِنْ أَكْبَادِ
[١٣١] - وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْحِ (الدَّانَّة) في حديثِ مالك
الَّذِي رَوَاهُ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ﴿ِ حِينَ قال: ((إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عن ادِّخَارِ لُحُومٍ
الضَّحَايَا من أَجْلِ الدَّاقَّةِ الذي دَقَّتْ عَلَيْكُمْ فَكُلُواْ وتَصَدَّقُواْ وادَّخِرُواْ﴾ [٤٨٤/٢
رقم (٧)].
قال عبدُالملكِ: الدَّافَّةُ: الجَمَاعَةُ الفَاحِشَةُ المُسْتَكِفَّةُ (٢)، تَقَولُ قد دَفَّ
القَوْمُ، وَهُمْ يَدِقُّون دَقًّا، وهم دَاقُّونَ: إذا قَدِمُوا بجَمَاعَتِهِمْ وَلَفِيْفِهِمْ. وأمَّا قولُهُ
في هَذَا الحَديثِ: (كَانُوا يَجْمِلُوْنَ منها الوَدَك)) فيعني: يُذِثْيُون(٣).
والنِّهاية: ١١١/٥. ويراجع: خالق الإنسان الأصمعي: ٢١٥، وجمهرة اللُّغة: ٩٨٠،
=
ومختصر العين: ٥٨٨/١، والصِّحاح، واللُّسان، والتاج: (نقى). ولا تُنْقِي من الإبل
وغيرها ويكون لها مُخّ إلَّ ذات الشَّحمِ، وأمَّ الهَزِيْلَةُ التي لا شحمَ فيها فلا يكون فيها مشٌّ،
فهما متلازمان إذاً.
(١) ديوان الأعشى (الصبح المثير): ١١٠ وروايته:
* حَجَرُوا عَلَى أَضْيَافِهِمْ ... "
وقال في شرحه: ویُروی:
* حَبَسُوا على أضيافهم ... *
(٢) غريب أبي عُبَيْدٍ: ٣/ ٣٩٠، وغريب ابن الجوزي: ٣٤٢/١، والنِّهاية: ١٢٤/٢، وتهذيب
اللُّغة: ١٤، ٧٢، وفيه: ((أبو عُبَيْدٍ: قال أبو عمرو: الدَّافة: القومُ يَسيرُون جماعةً سَيْراً ليس
بالشَّديدِ، يُقَالُ: هُم يُدِنُّون دَفِيفاً».
(٣) غريب أبي عُبَيْدٍ: ٤٠٧/٣: ((قوله: جَمَلُوهَا: يعني أَذَابُوها، وفيه لغتان، يقال: جملتُ
الشَّحمَ وأجملته: إذا أذبته، واجتملته أيضاً، وقال لَبِيْدٌ [ديوانه: ١٧٨]:
٨١

[ شرحُ غريبٍ كتابِ العَقِيْقَةِ](١)
[من موطَّأ مالكِ بنِ أنسٍ رحمه الله]
- وسألنا عبدالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْحِ حديثٍ مالكٍ في (العَقِيقَةِ)
حِيْنَ قَالَ: ((تُسْتَحَبُّ العَقِيْقَةُ ولو بُعصْفُوْرِ)). [٢/ ٥٠١ رقم (٥)].
أَيُجْزِىءُ أن يَعقَّ الرَّجلُ بالعُصْفُوْرِ، أو بِمَا دُون شَاةٍ؟ فقال: لا يُجْزِئُ في
العَقيقةِ إِلَّ ما يُجْزِىءُ في الضَّحِيَّةِ، وليس مَعنىُ قَوْلِهِ في الحديثِ: ((ولو بِعُصْفُوْرٍ))
أن يكونَ العُصْفُوْرُ يُجْزِىءُ، إنَّما ذلك تَحقيقٌ وتمثيلٌ؛ لاستحبابِ العَقيقةِ وأن لا
تُتْرَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وإِنْ لَمْ تَعْظُمْ فِيها النَّفَقَةُ. هَذَا مَعْنَى الحَدِيْثِ ووَجْهُهُ.
( شَرحُ غَرِيبٍ كِتَابِ القِرَاضِ وَالمُسَافَاتٍ)(٢)
(من مُوطأ مالكِ بنِ أنسٍ [رحمه الله])
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ حديثِ مَالكِ
بِأَلُوْكِ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ
وَغُلَامٍ أَرْسَلَنْهُ أُنُّهُ
فَاشْتَوَى لَيْكَ رِبْحٍ وَاجْتَلْ
أَوْ نَهَتْهُ فَأَتَّاهُ رِزْقَهُ
=
الألوكُ: الرّسالةُ.
(١) الموطأ رواية يحيى: ٢/ ٥٠٠، ورواية أبي مُصْعَبِ الزُّهري: ٢٠٤/٢، ورواية محمد بن الحسن:
٢٢٥، ورواية سُويد: ٢٣٢، والاستذكار لأبي عُمَر بن عبدالبَرَّ: ٣٦٣/١٥، والمُنْتَقَى لأبي الوليد
الباجي: ١٠١/٣، والقبس: ٦٤٨، وتنوير الحوالك: ٥٤/٢، وشرح الزُّرقاني: ٩٦/٣.
(٢) هما في الموطأ كتابان: كتاب (القراض) وكتاب (المساقات). يراجع: الموطأ رواية يحيى:
٦٨٧/٢، ٧٠٣، ورواية أبي مُصْعَبِ الزُّهري: ٢٨٩/٢، ٣٧٧، ورواية محمد بن الحسن:
٣٨١ (الشركة في البيع)، والاستذكار لأبي عمر بن عبدالبرِّ: ٢١ /١٩٥،١١٩، والمُنْتَقَىّ
لأبي الوليد الباجي: ١٤٩/٥، ١٨٨، والقبس لابن العربي: ٥٦٨ ،٨٦١، وتنوير
الحوالك: ١٧٣/٢، ١٨٥، وشرح الزُّرقاني: ٣٤٥/٣، ٣٦٣.
٨٢

في المال الذي دَفَعَهُ أبومُوسَى الأَشْعَرِيُّ بالبصرةِ إلى عبدِالله وعُبَيْدِالله
ابني عُمَرَ سَلَفاً كي يَنْتَفِعَا بِرِبْحِهِ، ويؤدِّياهُ بالمدينة إلى عُمَرَ، فأخذَهما عمر
بالمالِ وبربْحِهِ، ثُمَّ رَأَى أَن يجعَلَهُ بينَهُمَا وَبَيْنَ المُسلمين قِراضاً، فأخذَ المالَ
وَنِصْفَ رِبْحِهِ، وأَعْطَى عبدَاللهِ وعبيد اللهِ نصفَ رِبْحِهِ [٢/ ٦٨٧ رقم (١)].
ما معنى هَذَا؟ وهل يلزمُ هذا الحكم من ضَمِنَ مالاً بِسَلَفٍ أو غَيرِهِ؟
قال عبدُالملكِ: لم يكنْ ذُلك لازماً لهما، ولا يلزمُ غيرَهُما مِمَّن فَعَلَ
فعلَهما، وَضَمِنَ مالاً بسَلَفٍ أو بأيِّ وَجْهِ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، فرِبْحِهِ له كما أنَّ مصيبته
عليه كَمَا قَالَ رَسُوْلُ اللهِ له في الحَديثِ الآخرِ: ((الرِّيحُ بالضَّمَانِ)) غير أنَّ عُمر
رحمةُ اللهِ عليه إنَّما فَعَلَ ذُلك اشتداداً على ابنيه لِلمُسْلمين، وَحَمْلاً عليهما
وتُهَمَةً لِنَفْسِهِ [١٣٢] فيها، وحَيْطَةٌ للمُسلمين ولِمَالِهِمِ.
قُلنا لعبدِالمَلكِ: فلمَ ساقَ مالكٌ هذا الخَبر في كتابه في (القِرَاضِ) إذا
كان هذا معناهُ عنده وعند أهل السُّنة؟
فقال: إنَّما ساقه ليُعلم أنَّ القِراضَ كان مَعمُولاً به بعهدٍ عُمر، وأنَّ
العَمَلَ به سنَّةٌ قائمةٌ، جاريةٌ، معمولٌ بها في القَديمِ.
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ قولِ مالكِ: (السُّنَةُ في المُساقات)
الَّتِي تَجُوزُ لربِّ الحائطِ أن يشتَرِطَهَاَ على المُساقي (سَدُّ الِحِظَارِ) و(خَمُّ
العَيْنِ) [و (رَمُ القُفِّ)] (١) و(سَرْوُ الشَّرَبِ) و((أَبَارُ النَّخْلِ) و(قَطْعُ الجَرِيْدِ) و(جَدُّ
التَّمْرِ) [٧٠٥/٢ رقم (٢)].
(١) غير موجودة في الموطأ رواية يحيى، معلقةٌ على هامش النُّسخة من الأصل، وهي موجودة
في بعض الشُّروح کالمنتقى: ١٢٦/٥، عن ابن حبیبٍ.
٨٣

مَا تَفَسيرُ هَذا كُلِّه؟ وما تَفسيرُ المالِ في هذا الكلامِ؟ وكيفَ هي (شَدُّ
الحِظَارِ) أو (سَدُّ الحِظار)؟
قال عبدُالملكِ: أَمَّا قَولُهُ: (لربِّ المالِ)) فيَعني: لربِّ النَّخْلِ، العَرَبُ
تُسمِّي النَّخلَ المالَ، وتُسمِّي الإِبلَ المالَ، وَالغَنمَ المالَ، وَأَشْبَاهُ ذُلك من
الحَيَوَانِ وَالْعُرُوْضِ. العَرَبُ تُسمِّي كُلَّ ذُلِكَ الأَمْوَالَ، أَلاَ تَرَى قولَ أَبِي هُرَيْرَةَ:
لم نُصِبْ يومَ حُنين ذَهَباً ولا وَرِقاً إلاَّ الأَمْوَالَ، الثَّابَ وَالمَتَاعَ يعني النَّخلَ
والإِبلَ والثّابَ والحُوثَى(١) وما أشبَهَ ذلِكَ.
قال عبدُالملكِ: أَمَّا (شَدُّ الِحِظَارِ) لتَحصين الزُّرَبِ التي حَوْلَ النَّخلِ
والشَّجَرِ، وهي عندنا بالشِّين، وهي رِوَايةُ مُطرِّفٍ، وابنِ المَاجِشُوْنَ، وابنٍ
وَهْبٍ، وابنُ القَاسِمِ. وأمَّا ابنُ نافعٍ فَكَانَ يرويها بالسِّينَ(٢) على مَعْنَى سدِّ
تُلَمِهَا، وَكُلُّ ذلك جائزٌ في اللَّفْظِ وَالمَعْنَى والاشتِرَاطِ.
قَالَ عبدُالملكِ: وأمَّا (سَرْوُ الشُّرَبِ) فَكَنْسُ الحِيَاضِ(٣) الَّتِي حَوْلَ
(١) كذا في الأصل، ولعلها: ((الحَرْث)).
(٢) قال أبو الوليد الوَقَّشِيُّ: ((رواية عُبَيْد الله عن أبيه: ((سَدُّه بالسِّين غيرُ المُعجمة، وبذلك رَوَاهُ
ابنُ بُكَيْرٍ، ... وَرَوَى غيرُهُما عن مالكٍ - رحمه الله -: ((شَدُّه بالشِّين)). ومثله قال الْيَفْرُنِيُّ
في ((الاقتضابِ) وَنَقَلَ كلامَ ابنِ حَيْبٍ وغيره.
(٣) قال أبو الوَلِيْدِ الوَقَّشِيُّ: («السَّرْوُ: الكَنْسُ أيضاً، ومنه اشتُقَّ السَّرِيُّ من الرِّجال، أرادوا أنَّه
خالصُ النَّسبِ من كلِّ ما يعيبه. والشُّرْبُ: جمعُ شَرْبَةٍ، وهي أحواضٌ تُصنَعُ حولَ النَّخلِةِ
وتُملأ ماءً فيكون ربُّ النَّخْلةِ أو الشَّجرةِ منها. قال زُهَيْرٌ [ديوانه: ٤٠]:
يَخْرُجْنَ مِنْ شَرَبَاتٍ مَاؤُهَا طَحِلٌ عَلَّى الجُرُوْعِ يَخَفْنَ الغَمَّ وَالغَرَقَا
=
٨٤

النَّخلِ والشَّجَرِ حيثُ يَسْتَنْقِعُ الماءُ في أُصْولِهَا، وواحدةُ الشُّرَبِ: شُرْبَةٌ.
قَالَ عبدُالملكِ: وأمَّا (خَمُّ العَيْن) فَكَنْسُهَا وتَنْقِيَّتُها، العَرَبُ تقولُ: رَجُلٌ
مَخْمُوْمُ القَلْبِ: إذَا كانَ نَقِيَّ القَلْبِ من الغِلِّ والإِثمِ(١).
قال عبدُالملكِ: وأمَّا (رَمُ القُفِّ) فإنَّ القُفَّ مَسْقَطُ ماءِ السَّانِيةِ، ومسقَطُ
مَاءِ الغَرْبِ أو الدَّلو، ذلك القُفْتُّ(٢).
قال: وأمَّا (أَبَارُ النَّخلِ) فتذكيرُها، تقولُ: أَبَرْتُ نَخْلِي، وهي نَخْلٌ
مَأَبُورَةٌ: إذا ذكَّرتها بطَلع الفَخْل.
قال: وأمَّا (قَطْعُ الجَرِيْدِ) فَمَعْنَاهُ: أَنْ يَقْطَعَ من النَّخْلةِ جَرَائِدَهَا إذا كَثُرَتْ
كَمَا يُشَذَّبُ الشَّجَرُ إِذا شمَّرَتْ.
قَالَ: وأمَّا (جَدُّ الثَّمرِ)(٣) فَمعرُوْفٌ - أيضاً -: هو جَمْعُهُ، فهو في
النَّخلِ: جَدَادٌ، وفي الزَّرْعِ: حَصَادٌ، وفي العِنَبِ: قَطَافٌ.
قُلنا لعبدالملك بن حَبيبٍ: فما تفسيرُ العَيْنِ الوَاتِنَةِ، والعَيْنِ الدَّائِرَةِ؟ وما
وقال آخر:
سَحْ تَظَلُّ عَلَيْهِ الطَّيْرُ سَاجِعَةٌ تَسْقِي أَسَافِلَهَا الغرْدَانُ وَالشَّرَبُ
ويُراجع: المُنْتَقَى لأبي الوليد الباجِيِّ: ١٢٦/٥، ونَقَلَ تفسير هذه اللَّفظة عن ابن حَبِيْبٍ.
(١) نقل أبو الوليد الباجيُّ في المُنتقى: ١٢٦/٥ شرح هذه اللَّفظة أيضاً عن ابن حبيبٍ، قال:
((وَخَمُّ الغين تَتَّقِيَتُهَا، قال ابنُ حَيْبٍ: وهو كنسُها ... وشرحُ المؤلّفِ مأخوذٌ من كلامٍ
أبي عُبَيْدٍ في غريب الحديث: ١١٨/٣.
(٢) المُنْتَقَى لأبي الوليد الباجيّ: ١٢٦/٥ عن المؤلِّف، وشرح حكمه الفقهي عن المؤلِّف أيضاً
من كتابه ((الواضحة)) فيما أظنُّ. والرّمُّ: الإصلاح للشيء الذي فَسَدَ بعضُهُ.
(٣) في الأصل: ((الثَّمَرِ)) وتَمْرُ النَّخلِ ثَمَرَتُهُ، لكنَّ الجداد للَّمرِ، والحَصَادَ للَّرع، والقَطَافَ
للعِنَبِ كما قالَ المؤلِّف. وكلُّهُ ثَمَرٌ. لكن غلب في كل واحد منها ذلك.
٨٥

تَفْسِيْرِ الضَّغِيْرَةِ أَيْضاً الَّتِي ذَكَرَ مَالِكٌ في كتابه في (المساقات)؟
قَالَ عبدُالملكِ: أمَّا العَيْنُ الوَاتِنَّهُ فهي الغَزِيْرَةُ الثَّابِتُ مَاؤُهَا(١)، التي لم
تَغُرْ ولم تَنقطعْ، ولم تَتَهَوَّرْ، ألاَ تَرَى أَنَّه سَمَّى العينَ الأُخْرَى دَائِرَةً، وسمَّى
هَذه واتنةً، فَالواتِنَّةُ: القَائِمِةُ الدَّائمةُ التي لم يَغُرْ ماؤُهَا، ولم يَحُلْ حالُها.
والدَّائِرَةُ: التي قد تغيَّرتْ وَدَرَسَتْ وَتَهَوَّرَتْ. والعَرَبُ تَقُوْلُ في الدَّمْعِ: دمعٌ
واتِنٌ، وَعَيْنٌ [١٣٤] وإِنَةُ الدَّمعِ، إِذَا وُصِفَتْ بِكَثْرَةِ البُكَاءِ وَدُؤومه(٢) .
قال عبدُالملكِ: أمَّا الضَّفِيْرَةُ فهي: المَحْبَسُ التي تُبنى لِيُحْبَسَ فيه الماءَ
فيصيرَ شَبِئْهاً بالبِرْكَةِ(٣). هَكذا فسَّرلي في جميعُ ذُلِك مَنْ كاشفتُهُ عن ذلك من
أصحاب مالكٍ، وأهل المعرفة منهم بكلام العَرب وفصيح الكلام ومعاني الفقه.
(١) جاء في تعليق الوَقَّشِيِّ: ٢٢٨/٢: ((الواتنةٌ والواثنَةُ سواءٌ، إلاَّأنَّه بالنَّاءِ المُعْجَمَةِ باثنتين أَشْهَرُ . .»
وفي اللِّسَان: (وتن): ((الواِنُ المَاءُ المعينُ الدَّائمُ الذي لا يذهبُ عن أبي زَيْدٍ ... اللَّيْثُ:
الوَاتنُ والوائنُ: لُغتان، وهو الشَّيءُ المقيمُ الدائمُ الراكدُ في مكانه، قال رُؤيةٌ [ ديوانه: ١٦٣]:
أَمْطَرَ فِي أُكْنَافٍ غَيْمٍ مُنِْنِ
على أَخِلاَءِ الصَّفَاءِ الوَتَّنِ
قال: ويُروى بالثّاءِ والتَّاءِ ومعناهما: الدَّوام على العبد ... قال أبو منصور: المعروف
وتن يتن - بالتاء - وُتُوناً ... ولم أسمع وثن بالثاءِ بهذا المعنى لغير اللَّيْثِ، قال: ولا أدري
أحفظه عن العرب أم لا؟!)). وفي اللِّسانِ (وثن) ((الوثنُ والوائِنُ: المقيمُ الرَّاكدُ الثَّابتُ الدَّائِمُ،
وقد وَثَنَ قال ابنُ دُرَيْدٍ: وليس بثبتٍ، قال: والذي حكاه أبو عُبَيْدٍ: الواتن، وقد حكى ابن
الأعرابي: وثن بالمكان، قال: ولا أدري من أين أنكره ابن دُرَيْدِ؟!) ثم نَقَلَ كلامَ اللَّيثِ،
وكلامَ أبي منصورِ الأزهري مرة ثانية. يراجع: العين: ٢٤٢/٨، وتهذيب اللُّغة: ١٤٥/١٥.
(٢) كذا في الأصل.
(٣) يراجع: الفائق: ٣٤٤/٢، وغريب ابن الجوزيٍّ: ١٣/٢، والنِّهاية: ٩٢/٣،
واللَّسان، والتَّاج: (صفر).
٨٦

(شَرح غَريبٍ كتابِ المُكَانَبِ والعِقِ وَشَرح معانيه)(١)
[من موطأ مالك بن أنسٍ رحمه الله]
۔ سألنا عبدالملكِ بن حبیپٍ عن شرح حديث مالك
الَّذِي رَوَاهُ عن حُمَيْدٍ بن قَيْسٍ المكيِّ: أنَّ مُكاتَباً كان لابنِ المُتوكِّلِ هَلَكَ
بمكّةَ، وَتَرَكَ عليه بقيَّةً من كتابتِهِ ودُيُوناً للنَّاسِ، وَتَرَكَ ابْنَةً، فأشكل على مُكاتبه
القَضَاءُ فِيهِ، فَكَتَبَ إلى عَبْدِ الملكِ بنِ مَروان [يَسْأَلُهُ عن ذُلِكَ] فَكَتَبَ إليه
عَبْدُالمَلِكِ: أَنِ ابدَأْ بُدُيُّون النَّاسِ فَاقْضِهِم، ثُمَّ اقْضٍ ما بَقِيَ من كِتَابَتِهِ، ثُمَّ
اقْسِمْ مَالَهُ بِينَ ابْنَتِهِ وَمَوْلاَهُ)) [٧٨٨/٢ رقم (٣)]. مَا مَعْنَى هَذَا الحَدِيْثِ؟
قَالَ عَبْدُ المَلِكِ: معناه: أنَّ ابْنَتَهُ - الَّتِي ذَكَرَ فِي هَذَا الحَدِيْثِ - وُلِدَتْ في
كِتَابَتِهِ، أو كان كَاتَبَ عليها، فَتِلْكَ التي تَرِثُ ما بقيَ من كِتَابَةِ أبيها بعدَ قَضَاءِ
الكِتَابَةِ؛ لأنَّ المُكَاتَبَ إنَّما يُورَثُ عندَ ذُلك بالحُرّيةِ، فأمَّا لو كانت ابَتُهُ تلكَ
حُرَّةٌ كان جميعُ مَا هَلَكَ عنه المُكَاتَبُ بعدَ قَضَاءِ دُيُونِه لِمَوْلاَهُ الَّذِي كَاتَبَهُ؛ لأنَّه
عندَ ذُلِكَ إِنَّما يُورَثُ بالرِّقِّ، فافهم هَذَا فَإِنَّه أَصْلُ ما يوَرَثُ عليه المُكاتب إذا
(١) (المكاتب) في المُوطأ رواية يحيى: ٧٨٧، ورواية أبي مُصْعَبِ الزّهريِّ: ٤٢٩/٢، ورواية
محمد بن الحسن: ٢٠٦، والاستذكار لأبي عمر بن عبدالبر: ٢٢٩/٢٣، والتَّعليقُ على المُوطَّأ
لأبي الوليد الوقَّشيّ: ٦٧/٢، والمُنتقى لأبي الوليد الباجي: ٢/٧، والقبس لابن العربي:
٩٠٢، وتنوير الحوالك: ١٣/٣، وشرح الزّرقاني: ١٠١/٤. و(العِثْقُ) في الموطأ رواية
يحيى: ٧٧٢، ورواية أبي مُصْعَبِ الزُّهري: ٣٩٩/٢، ورواية محمد بن الحسن: ٢٩٨،
ورواية سُويد: ٣٨٨، والاستذكار لأبي عمر بن عبدالبرِّ: ١١٣/٢٣، والتَّعليق على الموظّأ
لأبي الوليد الوقَّشيِّ: ٧٩/٢، والمُنْتَقَى لأبي الوليد الباجي: ٢٥٥/٦، والقبس لابن العربي:
٩٦١، وتَنوير الحوالك: ٢/٣، وشَرح الزُّرقاني: ٧٧/٤، وكشف المُغَطَُّ: ٣٠١.
٨٧

مَاتَ قبلَ أَدَاءِ كِتَابَتِهِ وَقَد تَرَكَ مَالاً وَأَوْلاَداً.
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
الذي رَوَاهُ عن الحَسَن وابن سِيْرِيْن: في الَّذِي أَعْتَقَ عندَ مَوْتِهِ عَبِيْداً له
سِتَّةٌ، فَأَسْهَمَ رَسُوْلُ اللهِ لَّهَا بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ ثُلُثَ أُولِئِكَ العَبِيْدِ، ثُمَّ قَالَ مَالكٌ:
وَبَلَغَنِي أَنَّه لم يَكُنْ لِذْلِكَ الرَّجُلِ مالٌ غَيْرَهُم.
مَا تَأويلُ هَذَا الحَدِيْثِ؟ وما معناه؟
قال عبدُالملكِ: اختَلَفَ عليَّ مَنْ لَقِيْتُ من أَصْحَابِ مالكٍ في تأويله،
منهم مَنْ قال : - وهو مُطَرِّفٌ، وابنُ المَاحِشُوْنَ، وابنُ كِنَانَةُ (١)، وابنُ القَاسِمِ -
تأويله: أنَّ كلَّ مَنْ أَعْتَقَ في مَرَضِهِ جَمِيْعَ رَقِيْقِهِ، أَو بعضَهم عِثْقاً بَتْلاً(٢)، أو
أَوْصَىُ بعتقِ جَمِيْعِهِم، أو بعتقِ بعضِهِم ثمَّ مَاتَ، فلم يَحْمِلْهُمُ الثُلثُ، فإنَّه
يُسْهَمُ بينهم، كان له مالٌ سِوَاهم أو لم يَكُنْ؛ سمَّاهُم بِأَسْمَائِهِم أو قَالَ رَقِيْقِي
كُلّهم أو ثُلثهم أو نِصْفَهم كلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، يُسهم كَمَا جَاءَ الأثَرِ عن رَسُوْلِ اللهِ
وَّهِ، فيعتَقُ منهم بالسَّهمِ ثلثهم أو ما حَمَلَ [١٣٥] الثُّلُثُ منهم.
قال عبدالملكِ: ومنهم مَنْ قَالَ - وهو ابنُ نافعٍ - إن كان له مالٌ سواهم
لم يُسِهِمْ بَيْنَهُمْ، وَلَّاكن يَجْرِي العِثْقُ فيهم كُلِّهم بالِصِّصِ فيَعتقُ من كُلِّ واحدٍ
مَا يَتُوبُهُ من الثُلُث في المُحَاصَّاتِ، وإنْ لم يَكُنْ له مالٌ سواهُم، أو كان له من
المالِ الشَّيْءُ التَّافِهُ فَحِيْنَئِذٍ يُسْهِمُ بینھم.
(١) هو عثمان بن عيسى، أبوعمرو المدني (ت١٨٣ هـ)، من أشهر تلاميذ مالك، قال يحيى بن
بكير: لم يكن في حلقة مالك أضبط ولا أدرس من ابن كنانة، وذكر القاضي عياض أنه هو وابن
أبي الزبير غسلا مالك يوم موته. أخباره في: طبقات الفقهاء: ١٤٦، ترتيب المدراك: ٢/ ١٧٧ .
(٢) البَثْلُ: القطع، وفي اللِّسان: ((ومنه صَدَقَةٌ بتلةٌ أي: منقطعةٌ عن صاحِبِهَا».
٨٨

قال عبدُالملكِ: ومنهم مَنْ قَالَ - وَهُوَ أَشْهَبُ وَأَصْبِغُ - إِنَّما تأويلُ الحديثِ
فيمَنْ أعتَقَ في وصيّته ولم يَنْتُلْ(١) مُنْقَهمُ فأُولئِكَ الذين يُسهم بينهم فيعتق ثلثهم،
أو مَا بَلَغَ الثُّلُث منهم بالسَّهم، كان له مالٌ سِوَاهُم أو لم يَكُنْ، عَمَّ رقيقه أو لم
يَعُمَّهُم، سَمَّاهُم أو لَمْ يُسَمِّهِمْ. فأمَّا من أعتَقَ رَقِيْقاً له في مرضه بتلاً، عَاشَ أو
مَاتَ، ثم ماتَ ولا مَالَ له غيرهم، أو كان له مالٌ غيرهم، إلاَّ أنَّ الثُلُثَ لا
يَحْمِلُهُمْ، فإنَّ العتقَ يَجري في كلِّ واحدٍ منهم بالحِصَصِ حتَّى يُوعِبَ الثُّلُثُ
فيهم بمنزلةٍ مُدَبَّرِيْن؛ لأنَّ العتقَ قد انعقدَ لكلِّ واحدٍ منهم، بل هُم أثبتُ عِثْقَاً
من المُدَّرِيْن؛ لأنَّه لو عَاشَ عَتَقُوا كُلُّهم من رأسٍ مالِهِ، فَكَذَلِكَ إِذَا مَاتَ عَتَقّ
من كُلِّ واحدٍ منهم ما يَنُوبُهُ من الثُلُثِ في المُحَاصَّاتِ، وأنَّ المُدَبَّرِيْنَ إنَّما
يَعْتقون في الثُلُثِ عاشَ أو مَاتَ، فلم يختلفْ فيهم أنَّ العتقَ يَجري في كلِّ
واحدٍ منهم وهو في المبتولين أوجبُ أن يجريّ العتقُ في كلِّ واحدٍ منهم.
قَالَ عبدُالملكِ: وَبَهِذَا نقولُ، ولا أُراه يَحِلُّ لأحدٍ أن يقولَ فيه بِخِلاَفِهِ؛
لأَنَّه بِيِّنٌ ظاهرٌ، قويٌّ في الحُجَّةِ والقِيَاسِ والمُنَاظَرَةِ، وقد قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَلِ:
(إِذَا حَدَّثْتُم عَنِّي بحَدِيْثٍ فَظُنُوا بِهِ الذي هُوَ أَهْدَىُ وأَهْيَا وَأَنْقَى)) وقال في حَدِيْثٍ
آخرَ: ((فظُنُّوا به الَّذِي هو أَحْسَنُ)) فَهَذا أَحْسَنُهُ وَأَهْدَاهُ إِنْ شَاءَ اللهُ، وقد قَالَ اللهُ
عَزَّ وَجَلَّ(٢): ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُوْلَكَ الّذِينَ هَدَئُهُمُ اللهُ
وَأُوْلَيْكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَبِ
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
(١) في اللِّسان: (بَلَّهُ يَبْثُلُ ويَبْلُهُ)).
(٢) سورة الزُّمر: الآية: ١٨.
٨٩

في اشتراء عائشةً جَارِيَتِهَا بَرِيْرَةَ وهي في وَقْتِ اشْتِرَائِهَا مُكاتَبَةٌ لِمَ
اسْتَجازت ذلك، وبيعُ المكاتبِ لا يُجُوْزُ في السُّنَّةِ، فما مَعْنَى ذلك الحَدِيْثِ؟
[٢/ ٧٨١ رقم (١٩)].
قَالَ عبدُالملكِ: معناه: إنَّها كانت عَجَزَتْ عن أَدَاءِ كِتَابَتِهَا وَرَقَّتْ،
فَلِذْلِكَ اسْتَجَازَتْ شِرَاءَهَا، وَأَجَازَهُ لَهَا رَسُوْلُ اللهِ وَلِ.
( شرحُ غريبٍ كتابِ الأَيْمَانِ)(١)
(من مُوَطَّأْ مالكِ بنِ أنسٍ رحمه الله)
- [١٣٦] وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (المُضَاهَاتِ) في حدیث
مالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عن عبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ حينَ قَالَ: ((لأَنْ أَحْلِفَ آئِماً أَحَبُّ إليَّ
مِنْ أَنْ أُضَاهِيَ)).
قال عبدُالملكِ: كان مالكٌ يقولُ: المُضَاهَاتُ: الإلغازُ والخديعةُ، يريدُ
أَنَّه يَحْلِفُ باللهِ وهو لا يَحِلِفُ به، وَلَيْسَ هُوَ ذُلِكَ عندي، إنَّما المُضَاهَاتُ أنْ
يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللهِ؛ لأنَّه إِذَا حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ عَظّمَ غَيرَ اللهِ، وجَعَلَ للهِ شَبيهاً في
التَّعْظِيْمِ، وهو مثلُ قَوْلِهِ [عَزَّ وَجَلَّ](٢): ﴿يُضَهِقُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
معناه: يَقولُون قَوْلاً يُشبِهُ قَوْلَ الَّذِين كَفَرُوا؛ وَبَيَانُ ذُلِكَ: أنَّ أبامُعَاوِيَةَ المَدَنِيَّ
(١) الموطأ رواية يحيى: ٤٧٢/٢، ورواية أبي مُصْعَبٍ: ٢٠٧/٢، ورواية سُويد: ٢١٢،
والقبس: ٦٥٨، وتنوير الحَوالِك: ٢٦/٢، وشرح الزُّرقاني: ٥٥/٣.
(٢) سورة: التَّوبة الآية: ٣٠.
٩٠

حدَّثني، عن يزيدَ بن عِيَاضٍ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال:
(«لأَنْ أَحْلِفَ باللهِ مائةَ مرَّةٍ ثم آئمُ، أَحَبُّ إليَّ من أن أَخْلِفَ بِغَيْرِ اللهِ مَرَّةٌ واحدةٌ
ثُمَّ أَبْرِ)) فَبَّنَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ هَهُنَا.
ــ وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ حدیثِ مَالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عن مَنصورِبنِ عبد الرَّحمن الحَجَبِيِّ(١)، عن أُمّه، عن عَائِشَة:
أَنَّها سُئِلَت عَنْ رَجُلٍ قَالَ: مَالِي في رِتَاجِ الكَعْبَةِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يُكَفِّرُهُ مَا
يُكَفِّرُ الْيَمِيْنَ)) [٤٨١/١ رقم (١٧)].
قال عبدُالملكِ: كان مَالٌ لا يَرى فيها كفَّارةَ يَمِيْنٍ وَلاَ شَيْئاً، وَكَانَ
يَقُولُ: إِنَّمَا الرِّتَاجُ البَابُ(٢)، فَمَا بِبَابِ الكعْبَةِ حَاجَةٌ إلى مالِهِا، وإنَّما الكَفَّارَةُ
في اليَمِيْنِ باللهِ.
قَالَ عَبدُالملكِ: ولَسْتُ أَقُوْلُ فيه بقَولِ مَالكِ، وَلَكِنْ أَسْألُ قائلَ ذُلِكَ
عَنْ مَا أَرَادَ، فإنْ قالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ مَالِيَ لِلْكَعْبَةِ إِذْ قُلْتُ: مَالِي فِي رِتَاجٍ
الكَعْبَةِ كَان كمَنْ أَفْصَحَ بِذْلِكَ إِنْصَاحاً، ومَنْ أَفْصَحَ بِذْلِكَ لَزِمَهُ أن يخرجَ ثلثَ
مَالِهِ فِيدِفَعَهُ إلى خَزَنَةِ الكَعْبَةِ يَسْتَعِيْنُوْنَ بِهِ فِي طِهَا، وَكِسْوَتِهَا، وَمَصْلَحَتِهَا(٣)؛
لأنَّ ذُلك من تَطْهِيْرِ الكَعْبَةِ وَتَشْرِيْفِهَا، وَقد قَالَ اللهُ [عَزَّ وَجَلَّ](٤): ﴿وَطَهِّرْ
(١) الحَجَبِيُّ: بفتح الحاءِ المُهملة والجِيم مَنسوبٌ إلى حجابة الكعبةِ. وهم من آل شيبة.
(٢) قال أبو عُبَيْدِ القاسمُ بنُ سلَّم في غريب الحديث: ٣٢٥/٤ ((قولها: رتاج الكعبة: هو الباب
نفسه ... فكلُّ بابٍ رتاجٌ، فَإِذا أُغْلِقَ قيل: قد أُرتج، ومن هذا قيل للرّجُل إذا لم يحضره
منطق: قد أرتج عليه يقول: كأنَّه قد أُغْلِقَ عليه وَجْهَ المَنْطِقِ)).
(٣) عن أبي عُبَيْدٍ.
(٤) سورة الحج: الآية: ٢٦.
٩١

بَيْتِىَ لِّبِفِينَ وَالْقَآِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فإِنَّمَا نَذَرَ مَالَهُ في شَيءٍ هو لله
طاعةٌ وِرٍّ، فعليه أن يخرجَهُ في ذلك؛ لقولِ رَسُوْلِ اللهِ وَله: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ
يُطِيْعِ(١) اللّهَ فَلْيُطِعْهُ» قال: وإن استُغْنِيَ عنه بمالِ السُّلْطَانِ، وَقِيَّامِهِ بالبيتِ
وَخِذَّمَتِهِ، صُرِفَ ذلك إلى الصَّدقةِ؛ لأَنَّه إِنَّمَا نَذَرَ للهِ، والصَّدَقَةُ للهِ، وحُقُوْقُ اللهِ
يُفْرَغُ بعضُها في بَعضٍ، ويُصْرَفُ بَعْضُهَا إِلى بَعْضٍ؛ لأنَّ بعضَهَا من بَعْضٍ.
قَالَ: وإِذَا قَالَ الخَالِفُ: لم أَنْوِ شَيْئاً، وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَةٌ خَرَجَتْ مِنِّي إِذْ قُلتُ:
((مالي في رِتَاجِ الكَعْبَةِ) لم أَعْرِفْ لها تأويلاً، ولم أنوِ بها شَيْئاً، رأيتُ(٢) عند
ذلك أن تَفْعلَ مَا قَالَتْ عائشةُ من تَكْفِيْرِ يَمِيْنِهِ بكفَّارَةِ الْيَمِيْنِ بالله، ولم أدعْ فيه
قَوْلَهَا، وهي في فَضْلِهَا وَعِلْمِهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهَا أن تكونَ قد
سَمِعَتْ ذلك من رَسُوْلِ اللهِ الرَّه].
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ حديثٍ [١٣٧] مَالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن يحيى بن سَعْيدٍ، عن القاسم بن مُحَمَّدٍ: أنَّه قَالَ: ((أَتَتْ
امرأةٌ إلى عَبْدِ اللهِ بن عبَّاسٍ فقالَتْ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ ابنِي، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ:
لا تَنْحَرِي ابنَكِ، وَكَفِّرِي عن يَمِينِكِ، فَقَالَ شَيْخُ عندَ ابنِ عبَّاسٍ: وكيفَ يكونُ
فِي هَذا كَفَّارَةٌ؟ فَقَالَ ابْنُ عبَّاسٍ: إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ(٣): ﴿ وَالَّذِينَ يُظَِهِرُونَ مِن
تِسَآَبِهِمْ ... ) ثُمَّ جَعَلَ فيه من الكَفَّارَةَ ما قَدْ رَأَيْتَ)) [٤٧٦/٢ رقم (٧)]. ما
مَعْنَى هَذا الحَدِيْثِ؟
(١) في الأصل: ((يُطع)).
(٢) في الأصل: ((وأنت)).
(٣) سورة المجادلة: الآية: ٣.
٩٢

قال عبدُالملكِ: معناه: أنَّه إنْ قالَ: نَحَرْتُ ابني عندَ مقامَ إبراهيمَ، أو
قال بِمَكَّةَ أو في المَنْحرِ، أو قال: نَحَرْتُ ابني لله، أو قالَ: أَهْدَيْتُ ابني للهِ
فليس يُجزِيْهِ في هَاذا كُلُّه إلاَّ هَدْيُ بَدَنَةٍ يُقَدِّدُهَا ويُشْعِرُهَا، ثم يَنْحَرُهَا للهِ في
المَنْحَرِ بِمَكَّةَ أو بِمِنَّى، فَإِنْ لم يجدْ بَدَنَّةً فَبَقَرَةً، وإنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةٌ فَشَاةً،
وَكَذَلِكَ إن لم يقلْ شيئاً من هَذا، أو لم يَزِدْ على قولِهِ نحرتُ ابني وَسَكَتَ، إلاَّ
أَنَّه قد نَوَى أن يَجْعَلَهُ هَدْياً كَانَ في بيتِهِ مثله في لفظِهِ، وَوَجَبَ عليه من الھدي
مافَشَّرتُ لَكَ، وَكَذْلِكَ قَالَ مَالِكٌ في ذُلِكَ كُلِّهِ. وَإِذَا قَالَ نَحَرْتُ ابني ولم يَنْوِ
أن يجعلَه هَدْياً، ولم يَلْفُظْ به، ولا بِشَيْءٍ مِمَّا وَصَفْتُ لَكَ، فَهُنَالِكَ أَرَىُ أنْ .
يُكفِّرَ بكفَّارةِ اليَمين باللهِ كَمَا أَمَرَهُ ابنُ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ لم يَكُنْ يَرَى عليه
هَهُنَا كَفَّارَةَ يمينٍ، ولا شَيْئاً إِذَا لم يُرِدْ به الهَدْيَ ولم يَلْفظُ به. وقولُ ابنِ عبَّاسٍ
فیه أحبُّ إليَّ.
بسم الله الرّحمن الرَّحیم
(شرحُ غَريب كتاب الجامع)(١)
(من موطأ مالك بن أنس رحمه الله)
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیبٍ عن شرح (اللُّكَعِ) في حديث مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن قَطَنِ بنِ وَهْبٍ: أنَّ يُحَنَّسَ (٢) مَوْلَىُ الزُبير أخبرَه أنَّه كان
(١) الموطأ رواية يحيى: ٨٨٤/٢، ورواية أبي مُصْعَبِ الزُّهْرِيِّ: ٥٣/٢، ورواية محمد بن
الحسن: ٣٢٦، ورواية سُوَيْدٍ: ٣٩٤، والاستذكار لأبي عمر بن عبدالبرُّ: ٧/٢٦، والتعليق
على المُوطَّأ لأبي الوليد الوقَّشيِّ: ٢٨٧/٢، والمُنْتَقَىُّ لأبي الوليد الباجي: ١٨٧/٧،
والقبس لابن العَرَبيَّ: ١٠٨٢/٣، وتنوير الحوالك: ٨٢/٣، وشرح الزُّرقاني: ٢١٧/٤.
(٢) (يُحَنَّسُ) النُّون مشدَّدة، يَجوز ضَمُّها وَكَسْرُها. أقول - وعلى الله أعتمد -: هكذا هُنا وفي =
٩٣

جالساً عند عبداللهِ بنِ عُمَرَ في الفِتْنَةِ فَتَتْهُ مَوْلاَةٌ لَهُ تُسَلِّم عليه فَقَالَتْ: يا أَبَّا
عبدِالرَّحْمَن إني أُرِدُ الخُرُوْجَ، اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ، فَقَالَ لَهَا ابْنُ عُمَرَ: اقْعُدي
لُكَعُ، فإنّي سَمعتُ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ يقولُ: ((لا يَصْبِرُ على لأُوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ
إِلَّ كُنْتُ له شَفِيْعاً أو شَهِيْداً يومَ القِيَامَةِ)) [٨٨٥/٢ رقم (٣)].
قال عبدُ الملكِ: اللُّكَعُ: كَلِمَةٌ تَسْتَعْمِلُهَا العَرَبُ فِي كَلَامِهَا عندَ الزَّجر لِمَنْ
تَسْتَذْنِيه في قَدْرِهِ، أو في عَقْلِهِ من ذَكَرٍ أو أُنثَى، تَعْتَدِلُ الكَلِمَةُ فيهما جميعاً (١)
المُوَطَّأ (مولى الزُّبير بن العوام)) وكذلك هو في طبقات خليفة: ٢٤٢، وفي تهذيب الكمال
=
للمزي: ١٨٤/٣١: ((مولى مُصْعَبٍ بنِ الزّبير))؟! وفي الصَّحابة - رضي الله عنهم - بهذا
الاسم (يُحَشَّرُ) النَّبالُ، مَوْلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه -، و(يُخَّسُ) الأزْدِيُّ رَسُوْلُ
رَسُوْلِ الهِ لَّ إِلَى غَيْرُوْزٍ.
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٢٣/٢، ١٥٤/٣، وغريب الخَطَّابي: ١٠٣/٣،
والغريبين: ١٧٠٢، والفائق: ٣٢٩/٣، وغريب ابن الجوزيِّ: ٣٣٠/٢، والنّهاية: ٢٦٨/٤.
ويراجع: العين: ٢٠٢/١، ومختصره: ٩٢/١، وجمهرة اللُّغة: ٩٤٦، وتهذيب اللُّغة:
٣١٤/١، ومجمل اللغة: ٨١٣، والمُحكِم: ١٦٦/١، والتَّمهيد: ٢٤/٢١، والأفعال
للسرقُسطي: ٤٦٢/٢، وكتاب فَعَالِ الصَّغَائي: ٦٥، والصِّحاح، والِّسان، والتَّاج (لكع).
(فائدة): قال الوَقَّشِيُّ في التَّعليقِ على المُوطَّأَ: ٢٨٩/٢: وعنه في (الاقتضاب)
لليَقْرُّبِيِّ - قَوْلُهُ: ((اقعُدِي لُكَعُ، وَهْمٌ من الرّاوي؛ إنَّما هو (لَكَاعِ) و(لُكَعْ) إِنَّمَا يُقَالُ للمُذَكَّرِ،
وَمَعْنَهُ: الخَسِيْسُ من الرِّجالِ، وَأَكْثَرُّ ما تُستعملُ هاتان اللَّفْظَتَان في النِّداءِ، إلاَّ أن يَضْطَّرَّ
شَاعِرٌ إلى غيرِ ذُلك. قال الحُطيئةُ [ديوانه: ٣٣٠]:
إِىُّ بَيْتٍ] فَعِيْدَتُهُ لَكَاع
[أُطَوِّفُ ما أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِي
وقد جاءت في غيرِ النِّداء، وفي غيرِ ضَرُورة، قَالَ رَسُوْلُ اللهِوَِّ: ((يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ
يَكُوْنُ أَسْعَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا لُكَمُ بْنُ لَّكٍَ» .. وفي النَّمهيد: ((ويقال للرَّجُل: لُكَعُ، وَلِلَّمَرْأَةِ:
لُكَعُ، وقد يُقال للمَزَةِ لَكَاعٍ مبني على الكسرِ مثل حَذَامِ وقَطَامٍ».
٩٤

فمعناها من ابن عُمَرَ في هذا الحَدِيثِ عَلَى قَوْلِهِ: اقعُدِي ضَعِيفة العَقْلِ.
وَقَدْ حَدَّثني ابنُ المَاجِشُوْنَ، عَن إبراهيمَ بنِ سَعْدِ بنِ إبراهيم بن
عبدِ الرَّحْمَن بن عَوْفٍ عن أبيه: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ لِ قَالَ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زمانٌ
يَكُوْنُ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنيا لُكَعُ بنُ لُكَعٍ، خَيْرُ النَّاس بَوْمَئِذٍ مُؤْمِنٌ بينَ
كَرِيْمَيْنِ))(١) فَمَعنىُ اللُّكَعِ فِي هَذا الحَدِيْثِ: الدَّنِيُْ النَّفْسِ اللَّغِيْمُ الأَصْلِ،
الضَّعِيْفُ العَقْلِ، وَقَد تَقُوَّلُ العَرَبُ في اللُّكَعِ: لَكَاعٍ أيضاً.
قَالَ عَبْدُ الملكِ: وأمَّا قولُهُ: ((لا يَصْبِرُ [١٣٨] عَلَى لِأَوَائِهَا وشِدَّتِهَا)) فإنَّه
عَنَى بِالَّلأَوَاءِ(٣): الجُوْعَ، وبالشِّدةِ: نَكَدَ المَكْسَبِ، وشِدَّةَ المَطْلَبِ.
ــ وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرْحٍ حَديثِ مالكٍ
الَّذي رَوَاهُ عن يحيى بنِ سَعِيْدِ، عن سَعِيْدِ بن يَسَارٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ
(١) لم يتعرَّض المؤلِّفُ - رحمه الله - لشرح قول النَّبِّ وَّ: ((بين كريمين)، وَشَرَحَهُ أبوعُبَيْدٍ
- رحمه الله تعالى - فأحسن قال: ((قوله: ((بين كريمين)) قد أكثرَ النَّاسُ فيه فَمن قائلٍ يقولُ:
بينَ الحجِّ والجهادِ، وقائلٌ يقولُ: بينَ فَرَسَيْنِ يغزو عليهما، وآخرُ يقولُ: بين بعيرين يَسقي
عليهما، ويَعتزلُ أمرَ النَّاس، وكلُّ هَذا له وجهٌ حَسَنٌ. قال أبو عُبَيْدٍ: وَلَكنِّي لم أجدْ أوَّلَ
الحَديثِ يدلُّ على هَذا؟ أَلَا تَرَاهُ يقولُ: ((يكونُ أسعدَ النَّاسِ بالدُّنيا لُكِعُ بنُ لُكعٍ»! وهو عند
العَرَبِ العَبْدُ، أو اللَّئِيْمُ. قَالَ أبوعُبَيْدٍ: وَلَكثَنِي أَرَىْ وَجْهَهُ بِين أَبَوَيْن مُؤمنين كريمين،
فيكون قد اجتَمَعَ له الإيمانُ، والكَرَمُ فيه وفي أَبَوَيْهِ، ومما يُصَدِّقُ هَذَا الحديثَ الآخرَ أنَّه
قَالَ: من أشْرَاطِ السَّاعةِ أن يُرى رُعَاةُ الغَنَمِ رُؤُوسَ النَّاسِ، وَأَنْ يُرىُ العُرَاةَ الجوع يتبارَوْنَ
في البُنيان، وأن تَلِدَ المَرْأَةَ رَبَّهَا أَوْ رَبَّتَهَا ... )).
(٢) مثله تقريباً في التَّمهيد: ٢٣/٢١، ويُراجع: الفائق: ٢٩٣/٣، والنِّهاية: ٢٢١/٤. وفي
تعليق الوَقَّشِيِّ: الَّلأواءُ: الشِّدَّةُ، وأصلها الهمزُ ثم يُخَفَّفُ، ويقالُ لها أيضاً: لولاء باللّم،
والأولُ أشهرٌ)». ويُراجع: المقصور والممدود لأبيِّ علي القالي: ٣٧٩.
٩٥

رَسُوْلَ اللهِوَه قال: ((أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى، يقولُونَ: يثربَ وهي المَدِيْنَةُ
تَنْفِيْ النَّاسَ كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَديْدِ)) [٢/ ٨٨٧ رقم (٥)].
قال عبدُالملكِ: أمَّا قَولُهُ: (أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى)) فَيَعْنِي(١): تَفْتَتِحُ
القُرَىُ؛ لأنَّ منها افتُّحَتِ المَدائنُ كلُّها بالإِسلامِ. وأمَّا قَولُهُ: ((يَقُولُوْنَ: يثربَ
وهي المَدِيْنَةُ» فيعني: يسمُّونُها يثربَ، وهي المدينةُ، كَرِهَ أن تُسمَّى يَثْرِبَ،
وكذلك كانَتْ تُسمَّى فى الجاهليَّة، فتَهَى رسولُ الله وََّ عن ذلك، وسمَّاها
المدينةَ. وأمَّا قولُهُ: ((تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِيْ الكِيْرُ خَبَثَ الحَدِيدِ)) فيعني أنَّها
يخرجُ عنها شِرَارُ النَّاسِ ويُحْبَسُ خِيَارُهُمْ، كَمَا قَالَ في الحَدِيثِ: ((إِنَّمَا المدينةُ
كَالِكِيْرِ تَنْفِيْ خَبَثَهَا ويَنْصَعُ طِيْبُها)» وخَبَتُها: شِرَارُها، كَمَا أنَّ خَبَثَ الحَدیدِ :
شَرُّهُ وما لا خيرَ فيه، ولا انتفاعَ به منه(٢)، فكذلك الخَبَثُ من النَّاسِ. وقد قيلَ
لِرَسُوْلِ اللهِوَّهِ: يَا رَسُوْلَ اللهِ أَنَهْلَكُ وفِيْنَا الصَّالِحُونَ؟ فقال: نَعَمْ، إذَا كَثُرَ
الخَّبَثُ، يَعْنِي شِرَارَ النَّاسِ.
۔ وسألنا عبدالملك بن حییپٍ عن شرح حدیث مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن هِشَامٍ بِنِ عُرْوَةَ عن أَبِيْهِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ له قال: ((تُفْتَحُ
اليَمَنُ فَيَأْتِيْ قَوْمٌ يَبِسُونَ فَيَتَحَمَّلُّوْنَ بِأَهْلِيْهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، والمَدِيْنَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ، وقال في فَتْحِ الشَّامِ والعِرَاقِ مثلَ ذُلك)) [٢/ ٨٨٧ رقم (٧)].
قال عبدُالملكِ: يعني بقوله: ((يَبِسُون)) يُزَيِّنُوْنَ لهم البَلَدَ الذي منه جَاؤُوا
(١) في الأصل: ((فمعنی)).
(٢) قال أبو عُبَيْدٍ في غريب الحديث: ١٩٢/٢ ((وأمَّ الخَبَثُ - بفتح الخاء والباء فما تنفي النَّارُ من
رَدِىءُ الفِضَّة والحَدِيْدِ ... )) وفي تعليق الوَّقَّشِيِّ: ٢٩٠/٢: ((وفيه نِغَتَان: خَبُثٌ وخَبَثٌ،
والرِّواية بفتح الخَاءِ والباءِ». ويراجع: التَّمهيد: ١٠٦/٩، ٢٢٣/١٢، ٠٢٢٩
٩٦

ويُحَبُِّونَهُ إليهم ويَدْعُونَهُمْ إلى الرَّحيلِ إليه من المَدِيْنَةِ، وهو الإِبْسَاسُ(١)
بالأَلِفِ وإِنَّمَا هو مَأْخُوْذٌ من إِسَاسِ الحَلُوْنَةِ عندَ حِلاَبِهَا لتَدُرَّ اللَّبن، وهو أن
تُجْرِيَ يَدَكَ على وَجْهِهَا وصَفحةِ عُنُقُها، كأنَّكَ تُزَيِّن ذُلك وتُحسِّنَه لها وَتُطَيُِّها
به، ومنه قولُ عِمْرانَ بنِ حَطَّان(٢):
(١) هذه اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٨٩/٣، وغريب الخَطَّابي: ٢٣/٢، ٢٤، ٥٥٢،
والغريبين: ١٦٤/١، ١٦٥ (ط) مصر، والفائق: ١٠٧/١، والمَجمُوعِ المُغِيث: ١٥٨/١،
وغريب ابن الجَوزيُّ: ١/ ٧٠، والنّهاية: ١٢٦/١، وغريب الأندلسيِّ المجهولِ: ورقة: ١٨.
ويراجع: جمهرة اللُّغة: ٦٩، وتهذيب اللّغة: ٣١٥/١٢، و٢١٥/٧، ومجمل اللُّغة: ١١٢،
والمحكم: ٢٨٠/٨، والأفعال للسَّرقُسطي: ٦٦/٤، والصِّحاح، والِّسان والتاج: (بس).
(٢) عِمْرَان بن حطَّن هكذا اشتُّهِرَ، وهو عِمْرَان بن ظبيان، من سَدُوس، ومن ثَمَّ من بني بكر بن
وائل. من مشاهير شُعراء الخوارج ومتقدميهم في الشِّعر حَتَّى قال الأخطل: هو أشعرُ
الشُّعراءِ، ولم يُحفظ أغلب شعره كغيره من شُعراء الخوارج ولم يَصِلْ منه إلاَّ نتفٌ هنا
وهناك. جمعها الدُّكتور إحسان عبَّاس ونُشرت مراراً. والبيتُ المذكور لم أجده إلاَّ هُنا وهو
عَجُزُ بيتٍ، وعن المؤلِّف أنشدَهُ الحافظُ ابنُ عبدِ البرِّ فِي التَّمهيد: ٢٢٥/٢٢ هكذا أيضاً دون
تتمَّةٍ، ويظهرُ لي - والله أعلمُ - أنَّه من شَوَارِدٍ قصيدته التي قالها في رثاء أبي بلالٍ مِرْداس بن
أديَّة - وهي جدته وأبوه حُدّير - وهو أحدُ بني ربيعة بن حنطلة بن مالك بن زَيْدِ مَنَاةٍ بن تَميمٍ
كذا قال المُبرِّدُ في ((الكامل)»: ١٠٨٣ قال: وفيه يقولُ:
يَارَبَّ مِرْدَاسِ اجْعَلْنِي كَمِرْدَاسٍ
يَا عَيْنُ بَكِّي لِمِرْدَاسٍ وَمَصْرَعِهِ
فِي مَنْزِلٍ مُؤْحِشٍ مِنْ بَعْدٍ إِثْنَاسٍ
تَرَكْتِي هَائِماً أَبْكِي لِمَرْزِئَتِي
مَا النَّاسُ بَعْدَكَ يَا مِرْدَاسُ بِالنَّاسِ
أَنْكَرْتُ بَعْدَكَ مَنْ قَدْ كُنْتُ أَعْرِفُهُ
عَلَى القُرُوْنِ فَذَاقُوا جُرْعَةَ الكَاسِ
إِمَّا شَرِبْتَ بِكَأْسٍ دَارَ أَوَّلُهَا
مِنْهَا بِأَتْفَاسِ وُرْدٍ بَعْدَ أَنْفَاسٍ
فَكُلُ مَنْ لَمْ يَلُقْهَا شَارِبٌ عَجِلاً
لِذَا لا أَبْعُدُ أن يكونَ هَذا الشَّطْرُ من شَوَارِهَا. واللهُ أعلمُ.
٩٧

* والدَّهرُ ذُوْ دِرَّةٍ مِنْ غَيْرِ إِنْسَاسِ *
وَذَلِكَ المَعْنَىْ أَرَادَ عَبَّاسُ بنُ نَاصِحِ بِقَوْلِهِ(١):
وَجَدَأْنِيْ رَشَأَ مُسْتْفِراً كُلَّمَا مَسَّحْتَ خَذَّيْهِ شَمَسْ
قال عبدُ الملكِ: وَلَيْسَ يَبِشُوْنَ من السِّيرِ، كَمَا قَالَ مَنْ لاَ يَعْرِفُ(٢) التَّوِيلَ
(١) عَبَّاسُ بنُّ ناصحِ من شعراء الأندلس وفُصَحَائِهَا، وفُتَهَائِهَا أَيْضاً، بَيْتُهُ بَيتُ عَلْمٍ، لَهُ رِحِلٌ إِلَى
المَشْرِقِ لقيَ فيَّها أبانُواسٍ واجتَمَعَ بِهِ، لَهُ عند أُمَرَّاءِ الأندلسِ مكانةٌ عَاليةٌ. تَقَدَّم التَّعريفُ به
في الجُزْءِ الأوَّل، تَعْرِيْفاً مُفَصَّلاً، فليُراجع هُناك.
(٢) يقصُدُ به أباعُبَيْدٍ بن سَلَّم - رحمه الله تعالى - وقد سَبَقَ للمُؤلِّف - عفا الله عنه - مثل هَذِهِ
العبارة في حقٌّ أبي عُبِيِّدٍ، وأبو عُبَيْدٍ أجلُّ وأسمى من أن يوصفَ بذلك، وهو بلاشك أوثقُ
من المُؤَلِّفِ في تَقْلِ اللُّغةِ، وهو في الحَدِيْثِ في مُقَدِّمَةِ الثَّقَاتِ الْعُدُوْلِ وأمَّا المُؤَلِّفُ - ابن
حبیپٍ - فعرفنا من حاله ما ذكرناه في مقدمة الكتاب فلتُراجع هُناك، قال أبوعُبَيْدٍ في غريب
الحديث: ٨٩/٣ «قَولُهُ (يَبْشُّون) هو أن يُقالَ في زجرِ الدَّابَّةِ: بَسْ بَسْ أو بِسْ بِسْ، وأكثر ما
يُقال بالفَتح، وهو صوتٌ للزَّجْرِ للسَّوقِ إذا سُقْتُ حِمَاراً أو غيره، وهو من كلامِ أهلِ الْيَمَنِ،
وفيه لغتان: بَسَسْتُ وأبْسَسْتُ فيكون على هذا القياس: يَبْسُّون وتَبِسُّون»
ومثلُ قَولِ أبي عُبَيْدٍ وتوجيهه رَوَاهَا ابْنُ بُكير وابنُ القاسم، وَفَسَّرها ابنُ بُكَيْرٍ
بایسیرون» من قوله تعالى: ﴿ وَہَُتِ الْچِبَالُ بَسًا ﴾﴾﴾ فیجوز أن یکون کلامُ ابن حبيب
متوجهاً إلى ابن بكيرٍ، لكنَّنَا أَلِفْنَا مثل هذه العبارة من المؤلِّف - سامحه الله وعفا عنه - في
حقِّ أبي عُبَيْدٍ، وأنَّ ابنَ حَبِيْبٍ جعله كخُبزِ الشَّعير (يُأْكلُ ويُذَمُ)). وأنا أنقُلُ لَكَ مَا قَالَ الحافظُ
ابنُ عبدِ البرِّ في ((التَّمهيد)) ففيه تفصيلٌ لما قيل في ذلك. قال - رحمه الله -: ((أمَّا قوله: (يبسون)
فمَنْ رواه: يُبِسُّون برفع الياء وكسر الباء من أبسَّ بيسُّ على الرُّباعي فقال: معناه يزينون لهم
البلد الذي جاءُوا منه، ويحبِّبونه إليهم، ويدعونهم إلى الرَّحيل إليه من المدينة، قالوا:
والإبساسُ مأخوذٌ من إيساسِ الحَلُوبةِ عند حِلاَيِهَا كي تَدُرَّ باللَّينِ، وهو أن تُجْرِيَ يَدَكَ على
وَجْهِهَا وصَفْحَةِ عُنُقِهَا، كأنَّك تُزِينُ ذلك عندها وتُحسِّنُهُ لها، ومنه قول عِمْران بن حطان =
٩٨

=
* والدَّهْرُ ذُودِرَّةٍ مِنْ غَيْرِ إِبْسَاسِ *
وإلى هَذا ذَهَبَ ابنُ وَهْبٍ قال: مَعْنَاهُ: يُزَيُّون لهم الخُرُوجَ من المدينة، وكذلك
رواية ابن وَهْبٍ: ((يُبُّون)) من الرُّباعي، وفسَّرَ ابنُ حَبَيْبِ الكلمةَ بنحو هَذا التفسير، وأنكرّ
قول من قال: إنَّها من السّيرِ كلَّ الإنكار. وقال ابنُ بكير ((يَشُّون)) بفتح وكذلك روايته
وفسَّره: يسيرون، قال: من قوله [تعالىُ]: ﴿وَبُتَّتِ الْجِبَالُ بَشَّا لِ﴾﴾ يعني: سَارَتْ،
وَيُقَالُ: سَالَتْ. وَذَكَرَ ابْنُ حَيْبٍ عن مَالِكِ مثل تفسيرِ ابن بُكَيْرٍ. وقال ابنُ القَاسِمِ عن
مالكِ: بيسون: يدعون وأظُنُّ رِوَايَةِ ابنِ القَاسِمِ بفتحِ الْيَاء وَضَمِّ البَاءِ، وَرِوَايَةُ بن بُكَيْرِ
بِكَسْرِهَا، وَكُلُّ ذُلك من الثُلاثي. قال ابنُ هِشَامٍ: والبَنُّ أيضاً: المُبَالْغَةُ في فتَّ الشَّيءٍ،
ومنه قيلَ في الدَّقِيقِ المَصْنُوْعِ بِالزَّيْتِ وَنَحْرِهِ البَسِيْسُ قَالَ الرَّاجُزُ:
* اخْبُزَا خَبْراً وَبُسَّابَسًا ﴾
يريد: عَمَلاً بَسيْساً. قال أبو عُمَرَ: وقال غيره: يَبْسُّون: يسرعون السَّير، وقيلَ:
يُزْجُوْنَ دَوَابَّهُم. وَقَالَ غَيرُهُ: يبسُون: يسألون عن البُلدان وَيَتَشَفَّون من أَخْبَارِهَا لِيَتَحَمَّلُوا
إليهَا، وَهَذا لاَ يَكَادُ يَعْرِفُهُ أهلُ اللُّغةِ. وأَمَّ الرَّباعي فلا خلافَ فيه وفي معناه، وليس له إلاّ
وَجْهٌ وَاحِدٌ. أمَّا الثُلاثي ففيه لغتان بَسَّ بِيِسُّ بكسر البَاءِ، وَيَبْسُّ بِضَمِّها، ومثلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ
عندي قَتَرَ وَأَقْتَرَ فيه لغتان قَتَرَ على الثلاثي وَأَفْتَرَ على الرُّباعي، وفي الثُلاثي لغتان في
المستقبل منه يَقْتِرُ بكسرِ النَّاءِ وَيَقْتُرُ بضمِّها. وقد قُرِيءَّ: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُوا﴾ قُرِىءَ على
الثَّلاثةِ الأَوْجُهِ (يُقْتِرُوا) من الرُّباعي، و(يَقْتِرُوا) من الثُلاثي، و(يَقْتُرُوا) منه أيضاً. وأمَّا روايةٌ
يحيى بن يَحْيَى في (يُسُّون) عند أكثر شُيُوخنا الذين اعتمدنا عليهم في التَّبِيدِ فَعَلَّى فَتْحِ اليَاءِ
وَكَسْرِ البَاءِ من الثُلاثِي، وفسَّره: يَسِيْرُوْنَ على نَحْوِ رِوَايةِ ابنِ بُكَيْرٍ وتفسيره، وَلاَ يَصِحُ في
رِوَايَةٍ يَحْيَى بن يَحْيَى غير هَذا الضَّبط، ومَنْ رَوَى في موطأْ يَحْيِى غير ذلك فقد روى ما لم
يَرْوٍ يَحْيَى، واللهُ أعلمُ. وكان ابنُ حَبِيْبٍ يُنْكِرُ روايةَ يَحْبَى وَيَحْمِلُ عليه في ذلك، وقد رواه
ابْنُ بُكَيْرٍ وابن نافعٍ وحَبِيْبٌ وغيرُهُم كذلك. وَيُقالُ: إِنَّ ابنَ القاسمِ رَوَاهُ (يَبُّون) بفتح الياء
وضمِّ البَاءِ فالله أعلمُ».
٩٩

وَلاَ الإِعرابَ، وَلَوْ كَانَ [١٣٩] مَعْنَاهَا: يُسَيِّرُونَ النَّاسَ لَكَانَتْ يَبَشُون النَّاسَ
بنَصْبِ اليَاءِ وَرَفْعِ السِّيْنِ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ (١): ﴿وَبُتَّتِ الْجِبَالُ بَشًا
يَغْنِي سُيََّتْ الجِبَالِ تَسْبِيْراً، فَقَالَ: بُسَّتْ، وَلَمْ يَقُلْ أَبَسَّتْ فَافْهَمْ تَمْيِيْزَ ذلك
بالمَعنَىُّ والإِعْرَابِ.
ـ وسألنا عبدالملك بن حَبیپٍ عن شرح (اللابةِ) في حدیثِ مالك
الَّذِي رَوَاهُ عن ابنِ شِهَابٍ، عن سَعِيْدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: ((أنَّ
رَسُوْلَ اللهِ﴿ حَرَّمَ مَا بَيْنَ لاَبَتَِّ المَدِيْنَةِ)) [٨٨٩/٢ رقم (١١)].
وفي تعليقِ الوَقَّشِيِّ: ٢/ ٢٩٢: ((قال (ش) وَالعَرَبُ تَقُولُ ذُلك فَيَقُوْلُوْنَ: ((لا أَفْعَلُ ذُلِكَ مَا
أَبَسَّ عَبْدٌ بِنَاقَةٍ، وَيُقَالُ: بَسَسْتُ النَّاقَةَ بَسَّا وَأَبْسَسْتُهَا: إذا زَجَرْتَهَا لتَسُوقَهَا، قَالَ الخَلِيْلُ:
◌َسْ: زَجْرٌ للبَغْلِ والحِمَارِ، ويُقالُ: بِنْ بِنْ، ويُقالُ منه بَسَسْتُ وَأَبْسَسْتُ، فيكون مَعْنَى
يُشُوْنَ: يَزْجُرُونَ دَوَابَّهُمْ وَيَسُوقُوْنَهَا، ... )). ويراجع: العين: ٧/ ٢٠٤، وفعلت وأفعلت
للزّجَّاج: ١١.
وفي غريب الأنْدَلُسِيِّ المَجْهُوَّلِ: ((يأتي قومٌ يُسُّون)) يعقوبُ: ناقةٌ بَسُوسٌ: إِذَا كَانَتْ
تدرُّ على الإنْسَاسِ، أي: المُداراة والنَّسكين. أبوحاتم أَبْسَسْتُ بِهَا: إِذَا دَعَوْتُهَا للعَلَّفِ،
وَأَبْسَسْتُ الرَّجُلَ: إذا دَعَوْتُهُ إلى الطَّعَامِ.، وفي الحديثِ: يَجِيْءُ قومٌ يُبِسُون ... )) فمعنى
الحَدِيْث أنهم يدعون الناسَ إلى خِصْبِ الشَّامِ واليَمَنِ ويدارونهم على إخراجهم من المَدِيْنَةِ.
وَفي الحديثِ دليلٌ على ذلك وهو قوله: (ومن أطاعهم ... )) وذهب أبو عُبَيْدٍ - رحمه الله -
إلى أنَّ (يُسُّون) في الحَدِيْثِ بِمَعْنَى يَزْجُرُوْنَ دَوَابّهم وَيَسُوَّقُونَهَا، قَالَ السَّعْدِيُّ بسست
الإبل: إِذَا سُقتها سَوْقاً لطيفاً)). ويُراجع: إصلاح المنطق: ٢٧١، وفعلت وأفعلت لأبي
حاتم ... وغيرهما.
(١) سورة الواقعة.
١٠٠