Indexed OCR Text

Pages 61-80

الخَطِيْمِ الأنْصَارِيُّ(١):
تَغْتَرِقُ الطَّرْفَ وَهْيَ لاهِيَّةٌ كَأَنَّمَا شَفَّ وَجْهَهَا نَفُ
قَصْدٌ فَلاَ جَبْلَةٌ وَلاَ قَضَفُ
بَيْنَ شُكُوْلِ النِّسَاءِ خِلْقَتُهَا
قال عبدُالملكِ: ومعنى قَوْلِهِ: ((إِنْ تَكَلَّمَتْ تَغَنَّتْ)) من الغُنَّة، وليسَ من
الغِنَاءِ(٢)؛ لأنَّ العَرَبَ تَقُوْلُ من الغُنَّةِ: تغنَّى الرَّجُلُ في كلامِهِ وَتَغَنَّنَ، كما قَالُوا
من الظَّنِّ: تَظَنَّى وَتَظِنَّنَ، وهو التَّظْنِينُ وَالتَّظَنِّي. ولم يَكُنْ بها غُنَّةٌ فَتَعِيْبُها،
ولَاكَّهَا لِشِدَّةِ تأنيثِهَا كَانَتْ تَتَغَنَّنُ فِي كَلاَمِهَا، من لِيْنِهَا ورَخَامَةِ صَوْتِهَا .
قَالَ عبدُالمَلكِ: وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ سَلّمِ البَصْرُّ، عن يزيد بن عِیّاضٍ
ابن جُعْدُبَةَ(٣) قال: لَمَّا حَاصَرَ رَسُوْلُ اللهِ ◌ّالطَّائِفَ: أَتَتْهُ خَوْلَةُ بنتُ حَكِيْمِ السُّلَمِيَّة(٤)
(١) ديوانه: ٥٥، من قصيدة أولها:
مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ أَنَّهُمْ وَقَفُوا
رَدَّ الخَلِيْطُ الجِمَالَ فَانْصَرَفُوا
رَيْثَ يُضْحِي جِمَالَهُ السَّلَفُ
لَوْ وَقَفُوا سَاعَةً نُسَائِلُهُمْ
والثاني من البيتين اللَّذين أنشدهما المؤلِّف مقدَّمٌ على الأول في الدِّيوان، وذكرهما
الحافظ ابن عبدالبرِّ في ((التَّمهيد)) كذلك أيضاً وزاد بعدهما ثالثاً.
(٢) تَقَلَه الحافظُ أبو عمر بن عبدالبرِّ في التَّمهيد: ٢٧٧/٢٢ بحروفه مع تقديم وتأخيرٍ. وقال
أبوالوليد الوَقَّشِيُّ في التعليق على المُوطَّأَ: ((أي: أنَّ: كلامَها يُشْبِهُ الغِنَاءَ لحُسنِ نَغْمَتِها
وَحَلَاَوةِ مَنْطِقِهَا، قَالَ الشَّاعرُ:
ويُظهِرُ الدُّرَّ فوها حِيْنَ تَنْتَسِمُ
حَسِبْتُها تَتَغَنَّى إِذْ تُكَلِّمُنِي
(٣) هكذا ضبطها في تهذيب الكمال: ٢٢١/٣٢.
(٤) هي خولةُ بنتُ حكيم بنَ أُمية بن حارثة بن الأوقص بن مُرة بن هلالِ السُّلميَّةُ، امرأةٌ
عُثمان بن مَظْعُون، وقيل: خُوَّيْلَةُ - على التَّصغير - قاله أبوعُمر ونقل الحافظُ ابنُ حَجَرٍ
عن هشامِ الكلبي أنَّها مِمَّن وَهَبَتْ نَفْسَهَا النَّبِيِّ ◌َله. يُراجع: الاستيعاب: ١٨٣٢، =
٦١

فقالَتْ: يارَسُوْلَ اللهِ: إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ الطَّائِفَ(١) فَخُذْ بادِئَةَ بنتَ غيلان بن
سَلَمَةَ لنَفْسِكَ، فإنَّها ناصِيتُكَ.
- وسألنا عبدَالمَلكِ بن حَبِيبٍ عن شرح حديث الأُسَيْقِعِ الَّذِي رَوَاهُ مالٌ
عن عُمَرَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بن دَلاَفِ المُزَنِيِّ: أنَّ رَجُلاً من جُهِينَة كان
يَسبقُ الحَاجَّ فَيَشْتَرِيَ الرَّوَاحِلَ فَيُغْلِي بِهَا، ثُمَّ يُسْرِعُ السَّيرَ فَيَسْبِقُ الحَاجَّ،
فَأَفْلَسَ فَرُفِعَ أمرُهُ إلى عُمَرَ بن الخَطَّابِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فإنَّ الأُسَيْفعَ
أُسَيْفِعَ جُهَينة رَضِيَ بدينِهِ وَأَمَانَتِهِ بأَنْ يُقَالُ: سَبَقَ الحَاجَّ، أَلاَ وَإِنَّهُ [قَدْ] دَانَ
مُعْرِضاً، فَأَصْبَحَ قد رِئْنَ بِهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالغَدَاةِ نَقْسِمُ مَالَهُ
بَيْنَهُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فإنَّ أَوَّلَه هَمٌّ وَآخِرَهُ حَرَبٌ)) [٢/ ٧٧٠ رقم (٨)].
قال عبدُالملكِ: أمَّا الأُسَيْفِعُ فَتَصْغِيْرُ الأَسْفَعِ، وهو الَّذِي تَعْلُو وَجْهَهُ
حُمْرَةٌ تَنْحُو إِلَى السَّوَادِ فَكَانَ يُقَالُ له: الأُسَيْفِعُ لِذْلِكِ، وَلَمْ يَكُنْ ذُلِك له اسماً(٢).
وأمَّا قَوله: ([قَدْ] دانَ مُعْرِضاً)) فيَعْنِي استَدَانَ مِنْهَا وَنَاءَ بِذُلِكَ. ((وَأَصْبَحَ
=
والإصابة: ٦٢١/٧ ... وغيرهما.
(١) الذي في الاستيعاب أنَّها قالت: ((يارسول الله إن فَتَحَ اللهُ عليكَ الطَّائفَ فأعطني حلي
بادِئَةَ بنتِ غَيلان أبي سلامة أو حلي الفارعةِ بنت عقيل، وكانت من أحلى نِساء ثقيفٍ.
فقال: إن كان لم يُؤذن لي في ثقيف يا خولة. فذكرت ذُلك لعُمر فقال: يا رَسُوْلَ اللهِ
أَمَا أُذِنَ لَكَ فِي ثَقِيْفٍ».
(٢) أُسَيِّقع جُهينة في الإصابة: ١/ ٢٠٠ قال: ((أَدْرَكَ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ وَكَانَ يَسْبِقُ الحَاجَّ) وذكر
حَدِيْثَ ((الموطأ) هَذا وطُرُقَهُ، ولم يَذكُر شيئاً من أخبارِهِ. ولا شَكَّ أنَّ الأُسَيِفعَ لقبٌ
كَمَا قَالَ المُؤَلِّفُ. أَقولُ: ولم يذكره المُؤْلِّفُون في الألقاب ولا المؤلِّفون في مُبهمات
الرِّجال في الحَدِيثِ لِخَفَاءِ اسمِهِ وتَحَوَّلِ اللَّقْبِ إلى اسمٍ، والله - تَعَالى - أعلم.
٦٢

قَدْ رِئْنَ بِهِ) يَعني: قَدْ أُحِيْطَ بِهِ إحاطةَ الدَّينِ بِمَالِهِ، ومنه قولُهُ عَزَّ وَجَلَّ(١):
﴿كَلَّا بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: استَغلب عليها وتَغَشَّاها وأحدَق بها.
وأمَّا قَوْلُهُ: ((وإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فإنَّ أوَّلَهُ هَمّ وآخِرَهُ حَرَبٌ)) فالحَرَبُ:
السَّلْبُ للمَالِ والمُصِيبَةُ بِهِ، تَقُولُ: قَدْ حُرِبَ الرَّجُلُ مالَهُ، وهو رَجُلٌ حَرِيبٌ
كقولِهِ سَلِيْبٌ(٢)، وإِيَّاه أراد أبوذُؤَيْبِ الهُذَلِيُّ في قوله(٣):
رَجَقُوْهُ رَبّ صَوَاِنِ وقِيَانِ
وإِذَا الحَرِيْبُ أَنَاخُ عِنْدَ بُيُوتِهِمْ
[١٢٥] يعني: صاحب خَيلِ وجَوارٍ .
(شَرحُ غَریب كتاب الجنائز )(٤)
(من موطأ مالك بن أنس رحمه الله )
- وسألنا عبدَ الملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ (الحِقْوِ) في حديثٍ مالكٍ
الذي رواه عن أُّوبَ بنِ أبي تَمِيْمَةَ السَّخْتِیانيِّ، عن محمد بن سیرین،
(١) سورة المطفِّفين: الآية: ١٤ .
(٢) غريب أبي عُبَيْدٍ: ١٠٩/٣.
(٣) لم أعثر عليه في شعر أبي ذُؤَيّبٍ ولا في غيره.
(٤) المُوَطَّأ رِوَاية يحيى: ٢٢٢/١، ورواية محمد بن الحسن: ١٠٩، ورواية سُوَيْدٍ: ٣٠٩،
والاستذكار لابن عبدالبرٌّ: ١٧٩/٨، والمنتقى لأبي الوليد الباجي: ٢/٢، والتعليق على
الموطأ لأبي الوليد الوقَّشيِّ: ١ / ٢٤٧، والقبس لابن العَرَبيِّ: ٤٣، وتنوير الحوالك:
٢٢٢/١، وشرح الزُّرقاني: ٢/ ٥٠. جاء في الاقتضاب لليفرُنيِّ: ((الجَنَازَةُ لفظٌ يطلقُ
على المَيِّتِ، ويطلقُ على الأعوادِ الَّتي يُحملُ فيها، وَيُقَالُ بفَتْحِ الِجِيْمِ وَكَسْرِهَا. وَيُرْوَىُ
عن ابن الأعرابيِّ أنَّه قَالَ: إِذَا فُتحت فهو المِيِّتُ، وإذا كُسِرَتَ فهي الأَعْوَادُ ... وليس
كما زعم علماؤنا أنَّهما لغتان ... )).
٦٣

عن أمِّ عطيّة الأَنْصَارِيَّةِ: أنَّها قالت: ((دَخَلَ عَلينا رَسُوْلُ الله لَهَا حِيْنَ توفِّيت
ابتُهُ فقال: اغسِلْنَهَا ثَلَاثاً أو خَمْساً، أو أَكْثَرَ من ذَلِكَ بِمَاءٍ وسِدْرٍ، واجْعَلْنَ في
الآخِرَة كافُوْراً، أو شَيْئاً من كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَاذِنَِّيْ، قَالَتْ: فلمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ
فَأَعْطَانَا حَقْوَه، فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّهُ، يَعْنِي بِحِقْوِهِ: إِزَارَهُ)) [١/ ٢٢٢ رقم (٢)].
قال عبدُالملكِ: الحَقْوُ(١): الإِزَارُ الذي يؤتَزَرُ به، وكثيرُهُ: الأحْقِي والحُقِيُّ
والأَحْقَاءُ، وإياها أراد عُمر حين قال(٢): ((لا يعجزُ النِّسَاءُ عن إخْفَاءِ الأحقاءِ، فَإِنْ
كَانَ مَا تَحْتَ ذُلِك وَثِيْراً كَانَ أَخْفَىْ لَهُ، وَإِنْ كان سَحِيْقاً(٣) كان أسْتَرَ له)) إِنَّمَا عَنَى
بالأَحْقَاءِ: الأُزْرَ الَّتِي تَأَتَزِرُ النِّسَاءُ بِهَا، أَمَرَ أَنْ يُضَاعِفْنَها لِتَسْتُرَ ما تَحْتَهَا وتُخْفيه.
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٤٦/١، والغَريبين: ٤٧٦، والتعليق على الموطأ لأبي
الوليد الوقَّشيِّ: ٢٤٧/١، والفائق: ٢٩٨/١، وغَريب ابن الجَوزِيِّ: ٢٣٠/١، والنّهاية:
٥٦١/١، ويراجع: تهذيب اللّغة: ١٢٤/٥، والمجمل: ٥٤٥، والمحكم: ٣٥٠/٣، والأفعال
للسرقسطي: ٤٢٠/١، والصِّحاح، والِّسان، والتَّاج: (حقو). قال الهَرَوِيُّ في الغريبين:
(والعربُ تقول: عُدْتُ بحقو فُلان، أي: استجرتُ به واعتصَمْتُ)). قال أبو عمر بن عبدالبرِّ
في التَّمهيد: ٣٧٨/١، ٣٧٩ (وأمَّا قوله في هَهذا الحديثِ: أعطانا حَقْوَهُ فقال أشعِرْنَهَا إِيَّاهُ
فالحِقْوُ: الإزارُ، وقيل: المئزرُ، قال منقذُ بن خَالِدِ الهُذَلِيُّ: [شرح أشعار الهُذَلِيِّين: ١/ ٤٧٢]
وَأُخْرَىْ عَلَيْهَا حِقْوُهَا لَمْ يُخَرَّقِ
مُكَبَّلَةٌ قَدْ خَرَّقَ الرِّدْفُ حِقْوَهَا
و(الحِقْوُ) مكسورُ الحاءِ بلغة هُذَيْلٍ، وقد قيل: (حَقْوُها) بالفتح، وجمعُهُ: حُقيٍّ، وأحْقاءٌ،
وأحْقٍ)). والبيت الذي أنشده الحافظ من أبيات لمالك بن خالدِ الهُذَلِيُّ. وفي التَّعْلِيْقِ عَلَى
المُوَطَّأ لأبي الوليد الوََّّشِيِّ: ١٤٧/١ : ((الحِقْوُ: الإزارُ وأصلُهُ: الخِصْرُ، فسُمِّي الإزارُ
حَقْواً باسمه؛ إذ كان يشدُّ عليه من باب المُجاورةِ، وهُذَيْلٌ تقول: حِقْوٌ بكسر الحاء، وجمعُهُ
في أقلِّ العَدّدِ: أَحْقٍ، وفي الكثيرِ: حِقَاءٌ كِلاَءٍ، وحُقِيٌّ على مثالِ دُلِّ)).
(٢) قَولُ عُمَرَ هَذَا بلفظ آخر في غريبٍ أبي عُبَيْدٍ والفائق .. وغيرهما.
(٣) السُّحْقُ: الثَّوْبُ الخَلِقُ فلعلَّه المقصود هنا.
٦٤

- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (الثَّابِ السُّحُولِيَّةِ) في حديث مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن يحيى بن سَعِيْدٍ: أنَّ أبابكرٍ قال لعائشةَ - وهو مريضٌ - في
كَمْ كُفِّنَ رَسُوْلُ اللهِ؟ فَقَالَتْ: فِي ثَلاَثِ أَثْوابٍ بِيْضٍ سُخُولِيَّةٍ، فَقَالَ آَبُوبَكْرٍ:
خُذُوا هَذَا الثَّوْبَ - لثَوْبِ عَليه قد أَصَابَهُ مِشْقٌ أو زَعْفَرَانٌ - فَاغْسِلُوْهُ ثُمَّ كفّنوني
فيه مَعَ ثَوبَيْن آخَرَيْنِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَمَا هَذَا؟! فَقَالَ أَبُوبَكْرٍ : الحَيُّ أَحْوَجُ
إلى الجَديدِ من المَيِّتِ، إِنَّمَا هَذَا للمِهْلَةِ)) [٢٢٤/١ رقم (٦)].
قال عبدُالملكِ: أمَّ الثّابُ السُّحُوليَّةُ فإنّها نُسبت إلى قريةٍ من قُرى
الْيَمَنِ يقالُ لها: سَحُولٌ (١)، تُعملُ فيها الثّابُ، وَهِيَ ثِيَابُ قُطْنٍ لَيستْ
بالجِيَادِ، قَالَ: وَأَمَّا قولُهُ: ((ثَوْبٌ قد أَصَابَهُ مِشْقٌ أو زَعْفَرَانٌ)) فإنَّ الِمِشْقَ:
المَغْرَاة (٢)، أهلُ المَدِيْنَةِ يُسمُّونَه المِشقَ، ويَصْبَغُون بها النَّابَ، فَيَأَتَّى لونُها
كَالهَرَوِيٌّ. وأمَّا قولُهُ: (إِنَّمَا هَذا لِلْمِهْلَة) فإنَّ المِهْلَةَ - بكسرِ المِيْمِ -: صَدِيْدُ
(١) معجم ما استعجم: ٧٢٧/٢، قال: ((بفتح أوله وضَمِّ ثانية على وزن (فَعُولٍ): قريةٌ
باليَمّنِ، وقد تقدَّم ذكرها في رسم (ريدة)، وإليها ينسب الثّاب السُّحوليَّة)). وفي رسم
(ريدة) أنشدَ بيتَ طَرَفَةَ، وهو في ديوانه: ٨١ من قَصِيْدَةٍ أوَّلُها:
تَلُوْحُ وَأَدْنَى عَهْدِمِنَّ مُحِيْلُ
لِهِنْدٍ بحزَّان الشّرِيْفِ طُلُوْلُ
يَمَانٍ وَشَتْهُ رَيْدَةٌ وَسَحُوْلُ
وبالسَّفْحِ آيَاتٌ كَأَنَّ رُسُوْمَهَا
وفي معجم البلدان: ١٩٥/٢ قال: ((قَرْيَةٌ باليمن يحمّلُ منها ثيابٌ قُطْنِ بيضٌ تُدعَى السُّحُولِيَّة)»
وأنشد بيتَ طَرَفَةَ المذكور. وفي الرَّوض المعطار: ٣٠٨ قريبة باليمن أو وادٍ، إليها يُنْسَبُ
الثِّابُ السُّحُوليَُّ والمَلَاحِفُ السُّحُوليّةُ وقيل: وادٍ بقرب الجَنَدِ». قال أبو الوليد الوَّقَّشِيُّ: ((أمَّا
السَّخْلُ فهو ثوبٌ لاَ يُبْرَمُ غَزْلُهُ، أَيْ: لا يُفْتَلُ طَاقَيْنِ، ... وَأَنْشَدَ لِزُهَيْرٍ:
* عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ سَحِيْلٍ وَمُبْرَمٍ *
(٢) في الأصل: ((المغراء)) وقد تقدَّم ذكرها.
٦٥

الجَسَدِ (١). والمَهْلَةُ - بنصبِ المِيْمِ - مِن التَّمَهُّلِ، والمُهْلُ والمُهْلَةُ - برفع
المِيْمٍ -: عَكَرُ الزَّيْتِ الأَسْوَدُ المُظْلِمُ، ومنه قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ (٢): ﴿يَوْمَ تَكُوْنُ
السَّمَاءُ كَالمُهْلٍ﴾ [١٢٦].
۔ وسألنا عبدالملك بن حَبیپٍ عن شرح حديث مالك
[الَّذِي رَوَاهُ] عن المَقْبَرِيِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ: ((أَنَّه نَهَىُ أن يُتْبَعَ بعدَ موتِهِ
بنارٍ) [٢٢٦/١ رقم (١٣)]. ما معناهُ؟ .
قال عبدُالملكِ: مَعْنَاهُ: أَنْ لا يُتْبَعَ بِمُجْمَرَةٍ تُصْحَبُ بنَعْشِهِ، وَكَانَ بَعْضُ
النَّاسِ يَفْعَلُونَ ذُلِكَ، فَكَرِهَهُ أَبُوهُرَيْرَةَ، تَفَاؤُلاً بِالنَّارِ، وَفِيْهِ قَالَتْ عائشةُ: لا
يكونُ آخرُ زادِهِ مِنَ الدُّنيا نَاراً تَتْبَعُهُ، وكان مالكٌ يكرَهُهُ أيضاً.
۔ وسألنا عبدالملكِ بن حَبیپٍ عن شرحٍ حدیثٍ مالكٍ
في المِسْكِيْنَةِ التي صُلِّي عليها لَيْلاً، وَكَّرِهُوا أَنْ يُوقِظُوا رَسُوْلَ اللهِ [َ]
(١) نَقَلَ الحافظُ ابنُ عبدِالبرِّ هذا عن المؤلِّف، قال: ((قال ابنُ حَبِيْبٍ: المِهْلَةُ - بكسر
الميم -: صَدِيْدُ الجَسَدِ، والمُهْلَةُ ... )) ويراجع غَريب أبي عُبَيْدٍ: ٢١٧/٣، والغريبين:
١٧٨٧، والفائق: ٣٩٥/٣، وغريب ابن الجوزيّ: ٣٧٩/٢، والنّهاية: ٣٧٥/٤،
واللَّفظةُ مشروحةٌ أيضاً في العين: ٥٧/٤، ومختصره: ١/ ٣٨٠، وجمهرة اللُّغة:
٩٨٨، وتهذيب اللُّغة: ٣٢٠/٦، والصِّحاح، واللَّسان، والتَّاجِ: (مهل). وفي النّهاية:
((بضمِّ الميم وكسرِها وفتحِها)) ومثلُهُ تقريباً في الفائق ويُراجع في تثليث ميمٍ المهل:
الدُّرر المبثئة: ١٩٢، وفي تعليق الوَقَّشِيِّ: ٢٤٩/١: ((كَذَا رَوَاهُ يَحيى بضمِّ الِمِيْمِ،
والمعروف فتح الميم وكسرها، فإذا حذفت تاء التأنيث قُلتَ: المُهل بضمِّها لا غيرُ))
وفيه وفي غريب أبي عُبَيْدٍ والفائق للزَّمخشريِّ: ((وسُئل ابنُ مسعودٍ عن المُهلِ فدعا
بفضَّةٍ فأذابها فجعلت تميعُ وتتلوَّن فقال: هذا أشبهُ ما أنتم راتُون بالمُهلِ)).
(٢) سورة المعارج: الآية: ٨.
٦٦

فلمَّا أَصْبَحَ أُخبِرَ بالَِّي كَانَ من شأنِها، فَصَفَّ بِالنَّاسِ على قَبِها وصَلَّى
عليها)). [٢٢٧/١ رقم (١٥)].
هل جَرَى العَمَلُ بها بعدَهُ في القَوْمِ تفوتُهُمُ الصَّلاةُ على الميّتِ، هل
يَجُوْزُلَهم أن يَصُفُوا على قَبِهِ ويُصَلُّوا عليه بعد صَلَةِ النَّاسِ؟
فقال عبدُ المَلِكِ: كان الذي فَعَلَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ بِالمِسْكِيْنَةِ خَاصَّا لِرَسُوْلٍ
اللهِ [َه] ولا يجوزُ ذُلك لأَحَدٍ بعدَهُ إلاَّ على مَيِّتٍ دُفِنَ ولم يُصَلَّ عليه، مثل أن
تُنْسَى الصَّلاةُ عليه. أو يَمُوْتَ بينَ نَصَارَى أو يَهُوْدَ فَدَفَنُوْهُ ثم أَتَاهُم مُسلِمُون
فإنَّه إِنْ عُثِرَ عليه بِحِدْثَانَ دفِهِ قبلَ أن يَتَغَيََّ نَبَشُوْهُ، ثَمَّ غَسَلُوْهُ وصَلَّوا عليه، فإن
خِيْفَ عليه التَّغَيُّرُ صَقُوا على قَبْرِهِ كَمَا صَنَعَ رَسُوْلُ اللهِ لَّهِ بِالمِسْكِيْنَةِ، ثم صَلَّوا
عليه بِإِمَامَةٍ وتْبِيْرٍ .
- وسألنا عبدَالمَلكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرحٍ حَديثِ مَالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عن أَبي النَّضْرِ: أنَّ عائشةَ أمرتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيها بسَعِدِ بن أبي
وَقَّاصٍ في المسجدِ حينَ ماتَ لِتَدْعُوَ له، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عليها ذُلك، فَقَالَتْ
عائشةُ: ما أسرعَ النَّاسَ! مَا صَلَّى رَسُوْلُ اللهِوَلِهِ على سُهَيْلِ بنِ بَيْضَاءُ(١) إلاَّ في
المَسْجِدِ. مَا مَعْنَى قَولها: ما أسرعَ النَّاسَ؟» [٢٢٩/١ رقم (٢٢)].
قال عبدُالملكِ: تعني: ما أسرعَ النَّاسَ إلى العَيْبِ والطَّعْنِ على النَّاسِ
بغَيرِ ما حَقٍّ، وربَّما قُرِقَتْ على مالكِ: ما أسرعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ فيُجرُونَهَا على
مَعْنَى مَا نَسُوا فعلَ رَسُوْلِ اللهِنَلِ فيما ذَكَرَتْ من صَلَتِهِ على سُهيلٍ [١٢٧]
(١) سُهيل بن بَيْضاء - وهي أمَّه واسمُها دعد - واسمُ أبيه وَهْبُ بنُ ربيعةً ينتهي إلى قُريش.
يُراجع: طبقات ابن سعد: / ٣٠٢، والإصابة: ٢٠٩/٣. وذكر حديث عائشة المذكور هُنا
٦٧

ابن بَيْضَاءَ. هكذا أخبرني مُطَرِّفٌ عن مالكِ في المعنيين جَمِيْعاً، ورَوَى ذُلك
ابنُ وَهْبٍ أيضاً على مثلٍ روايةٍ مُطرِّفٍ.
قلنا لعبدِ الملكِ بنِ حَبيبٍ: فهل جَرَى العَمَلُ على أنْ يُصَلَّى على الجَنَائِزِ
في المَسْجِدِ بعدَ الَّذي كان من صَلَةِ رَسُوْلِ اللهِ لَّهآ على سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاء في
المَسْجِدِ؟ فقالَ: نَعَمْ، قد رَوَىْ مالكٌ عن نافعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه قال: صُلِّيَ
على عُمَرَ بنِ الخَطَّبِ فِي المَسْجِدِ.
قال عبدُالمَلكِ: وذُلك أنَّ المُؤْمنَ طاهِرٌ وإن كان مَيْتاً، وليس كغيره من
المَيْثَةِ يُكرَهُ إدخالُهُ في المسجدِ، إلاَّ أنَّ العَمَلَ جَرَى بالمدينةِ ومكَّةَ في العامّ من
مَوْتَى المُسلمين بأنْ تُوْضَعَ جِنائِزُهُم خارجاً من المَسجدِ، وتَمْتَدَّ الصُّفُوفُ إن
أحبُّوا في المسجدِ، هَكَذا كانَ مالكٌ يقولُ.
- وسألنا عبدَالمَلكِ بن حَبِيبٍ عن شَرْحِ (الكرَّازِیْن) في حديثٍ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌َلْهَآ حِينَ قَالَتْ: ((مَا صَدَّقْتُ بِمَوْتِ
رَسُوْلِ اللهِ لَهَا حَتَّى سَمِعْتُ وَفْعَ الكَرَازِيْنَ)) [٢٣١/١ (٢٩)].
قَالَ عبدُالملكِ: الكَرَازِنُ: المَحَافرُ الَّتي هي أكبرُ من الفُؤُوسِ(١)،
(١) اللَّفظة مشروحةٌ في غريب ابن قُتَبَةً: ٤٨٥/٢، وغريب الخَطَّابي: ١/ ٥٨٠، والغریبین:
١٦٢٥، وغريب ابن الجوزي: ٢٨٥/٢، والفائق: ٢٥٧/٣، والنّهاية: ٢٥٧/٣، ويُرَاجَعُ:
العين: ٤٢٩/٥، ومختصره: ٥١/٢، وجمهرة اللُّغة: ١١٤٦،، ١١٥١، وتهذيب اللُّغة:
٤٢٨/١٠، والمُحكم: ١٢١/٧، والتَّمهيد: ٤٠٢/٢٤، والصِّحاح، واللِّسان، والتَّاج:
(كرزن). وفي المصادر: کِرْزَنٌ وکرزان وکرزين، وجمعُهُ: کرازن وكرازين بالفتح والكسر.
وفي المُحكم عن أبي حَنْقَةَ [الدِّينَوَرِيِّ] الكَرَزَنُ: بفتح الكاف والزاي جميعاً: الفأسُ لها
حدٍّ، قال: وأحسبني قد سمعتُ الكِرِزَنَ بكسر الكافِ وفتحِ الزَّاي وقال: الكِرْزَمُ: فأسٌ =
٦٨

واحدُها كَرْزَنٌ، وهو الذي أرادَ عبدُالله بنُ عَمْرو بنِ العَاصي، في الحَدِيْثِ
الَّذِي حَدَّثَنِيْهِ عَلِيُّ بِنُ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ بنِ عَلِيٍّ(١) حينَ قَالَ: ((ما شَهْوَةُ الرَّجُلِ
عندَ شَهْوَةِ المَرْأَةِ إلاَّ كأثرِ المِخْيَطِ في أثرِ الكَرْزَنِ».
قال عبدُالملكِ: وكثيرُ الكَرْزَنِ: كَرَازِنُ، ومَنْ قال في الكَثِير: كَرَازِئْنُ
بالیاءِ، قال في الوَاحِدِ: کرْزَانُ.
معلولةُ الحَدِّ. وقيل: التي لها حَدٌّ كالكرزن وهي الكرزيمُ أيضاً عن أبي حنيفة وأنشد:
=
* إنَّ الدُّهور علينا ذاتُ كرزيم *
أي: تَنْحَتْنَا بالنَّوائب والهُمُومِ كَمَا تُنْحَتُ الخَشَبَةُ بهذه القَدُومِ».
وفي الجمهرة لابن دريد: ((الكردنُ: الفاسُ، قال قيس بن زُهَيْرِ العَبْسِيُّ [شعره: ٣٨]:
كَمَا تَجْتَوِيْ سُوْقُ العِضَاءِ الكَرَادِنَا
فَقَدْ جَعَلَتْ أكبادُنَا تَجْتَوِيْكُمُ
وَكَرَّر ذلك في (كرزن) وأنشدَ البيتَ نَفْسَهُ على الرِّوايةِ الأُخْرَى، وفي غريب ابن قتيبة:
((وكان بعضُهم يذكرُ أنَّ الكرزين من الفؤوسِ ما قُطِعَ به الشجرُ، ويحتجُّ بالبيت الذي
ذكرناه. وفي الحديثِ ما دَلَّ على أنَّه أيضاً ما حُفِرَ به. وقال بعضُهم: الفأسُ هي التي
لها رأسٌ، والحدأة هي التي لها رأسان، والصَّاقورُ والمعولُ: هو الفأسُ الكبيرةُ التي
يُكْسَرُ بها الحِجَارَةُ».
أقول: يظهر لي أنَّ الكرزن هو المُسَمَّىُّ باللُّغةِ العامِيَّةِ النَّجديّةِ الآن (فاروع) وهو
فاسٌ عظيمةٌ يحفرُ بها ويُقطعُ بها فُرُوعُ الشَّجِ وغير ذلك.
(١) من شُيُوخِ المُؤلِّفِ، وهو عليُّ بنُ جَعْفَرِ بن مُحَمَّد بنُ عليٍّ بن الحُسين بن علي بن أبي طالبٍ
- رضي الله عنه -. وهو ابنٌّ لجَعْفَرِ المعروف بـ (جعفر الصَّادق) قال الحافظَ المِزِيُّ: روی
له الترمذيُّ حديثاً واحداً، ووقع لنا بعلوٍّ. توفي عليٍّ المذكور سنة (٢١٠هـ). أخباره في
تهذيب الكمال: ٣٥٢/٢٠، والعبر: ٣٥٨/١، وتهذيب التهذيب: ٢٩٣/٧، والشَّذرات:
٢٤/٢ ... وغيرها.
٦٩

ــ وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرحٍ حَديثِ مالك
الَّذِي رَوَاهُ عن ابنِ شِهَابٍ، عن سَعِيْدِ بنِ المُسيَّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ
رَسُوْلَ اللهِوَله قال: ((لا يَمُوْتُ لأَحدٍ من المُسلمين ثَلاَثَةٌ من الوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ
إلاَّ تَحِلَّةَ القَسَمِ)) [٢٣٥/١ رقم (٣٨)] ما ذاكَ القَسَمُ؟
قال عبدُالملكِ: هو قوله [عزَّ وجَلَّ](١): ﴿ وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى
رَيِّكَ حَتْمَا مَّقْضِيًّا (﴾ وُرُوْدُهَا: رُكُوْبُ الصِّرَاطِ، وذلك أنَّه عَلَى وَسَطِ جَهَنَّم،
وَالجَنَّةُ مِنْ وَرَائِهَا ﴿ثُمَّ نَُجِ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الَّالِمِنَ فِيهَا حِيًّا ﴾﴾(٢).
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرْحِ (الخَامَّةِ) في حديثٍ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن أبي الحُبابِ سَعيدٍ بن يَسَارٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُوْلَ
اللهِوَ﴿ قال: ((مَا يَزَالُ [١٢٨] المُؤْمِنُ يُصَابُ فِي وَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ
ولَيْسَتْ له خَطِيْئَةٌ) [٢٣٦/١ رقم (٤٠)].
قال عبدُالمَلكِ: الحَامَّةُ: الخَاصَّةُ مِنَ القَرابة (٣)، وَاحدُها: حَمِيمٌ،
والكثير: أَحْمَامٌ وحَامَّةٌ .
(١) سورة مريم.
(٢) سورة مريم.
(٣) يراجع: الغريبين: ١٤٣/٢، وغريب ابن الجوزيِّ: ٢٤٤/١، والنِّهاية: ٤٤٦/١،
وتهذيب اللُّغة: ١٤/٤، ١٥، وفيه: ((الحامَّةُ: خاصَّةُ الرَّجُل من أهله وولده وذي قرابته.
ثعلبٌ عن ابن الأعرابي قال: الحميمُ القرابةُ يقال: مُحِمٌّ مقربٌ، وقال الفرَّاءُ في قوله
تعالى ﴿وَلَا يَنْثَلُّ حَيْدٌ حَمِيمًا (٥)﴾ [المعارج] لا يسألُ ذوقرابةٍ عن قرابته، ولكنهم
يُعَرَّفُونَهُمْ ساعةً ثم لا تَعَارُفَ بعدَ تِلك السَّاعَةِ)) ويراجع معاني القرآن للفرَّاء: ١٨٤/٣،
وتفسيرُ غريبِ القرآن: ٤٨٥، والمُحَرَّر الوَجِيزُ: ٩٢/١٥.
٧٠

ــ وسألنا عبدَ الملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شرحٍ (المُخْتَفِيْ) وَ(المُخْتَفِيَّةِ) في
حديثٍ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن ابن أبي الرِّجَالِ مُحَمَّدٍ بنِ عبدِالرَّحْمَن، عن أُمِّه عَمْرَةَ
بنتِ عبدالرَّحْمَن: أنَّه سَمِعَهَا تقولُ: لَعَنَ رَسُوْلُ اللهِلَّه] المُخْتَفِيَ والمُخْتَفِيَةَ.
قَالَ عبدُالمَلكِ: يعني: النََّّاشَ وَالنََّّاشَةَ(١).
ــ وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ حَديثٍ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن ابن شِهَابٍ، عن عَبْدِ الرَّحمن بنِ كَعْبِ بنِ مالكٍ
الأَنْصَارِيِّ، عن أبيه، عن رَسُوْلِ اللهِوَّه قال: ((إِنَّمَا نَسْمَةُ المُؤْمنِ طائرٌ يَعْلُقُ
فِي شَجَرِ الجَنَّةِ حتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ) [٢٤٠/١ رقم (٤٩)] ما
تفسيرُ يَعْلُقُ في شَجَرِ الجنَّة؟ .
قال عبدُالملكِ: [يَعْلَقُ] يَسْرَحُ في شَجَرِ الجنَّةُ(٢) فيُصيبُ من ثِمَارِهَا،
ويَشْرَبُ من أَنْهارِهَا. والعَلَاَقُ - بِعَيْنِهِ في كلامِ العَرَبِ -: الرِّعْيُّ(٣)، وهو
(١) في الأَصْل: ((النَّباشية)) وفي تَعْلِيُقِ الوَّقِّشِيِّ: ٢٦٥/١: ((الاختفاء والنَّاش، وَقَالَ: ((مَكَذَا
وَقَعَتْ هَذِ التَّرجمةُ في بعضِ الرِّوايات، وهي خَطَأٌ؛ لأنَّ الاختفاءَ مصدرٌ، والنَّاشُ: اسمُ
فاعلِ النَّبْشِ، وليس أحدُهما الآخرَ فيفَسَّرُ به، والصَّوابُ: (ما جاء في الاخْتِفَاءِ وهو النَّاشُ)
بكسر النُّون، وَهَذَا كَلامٌ ملتئمٌّ بعضه ببعضٍ غيرَ أَنِّي لا أَحفَظ النُّباشَ - بكسرِ النُّون - مَصْدَراً
لـ «نَشَ)) إِنَّمَا المَصْدَرُ نَبْشاً. وسُمِّي النَبَّاش مختفياً؛ لاستخراجه أكفانَ الموتى .. )).
(٢) قول المؤلّف (يسرح في شجر الجنَّة)) رواية أُخْرَى للحديث. يراجع الفائق: ٢٤/٣.
(٣) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عِبَيْدٍ: ٣٥٣/٤، والفائق: ٢٤/٣، وغَريب ابن الجوزيُّ:
١٢٣/٢، والنَّهاية: ٢٨٩/٣، والتَّمهيد: ٥٩/١١. جاء في تَعْلِيْقِ الوَقَّشِيِّ: ١ /٢٦٨:
(تَعْلُقُ: تأكُلُ، عَلَقَتِ الإبلُ تَعلُقُ عَلْقاً، وإبلٌ عَوَالِقُ: إذا مدَّتْ أفواهَهَا وَرَعَتْ وَرَقَ الشَّجَرِ .
ومن رواه: (تَعْلَقُ) بفتحِ اللَّم فهو من عَلَقَتِ الإبلُ تَعْلَقُ: إِذَا قَرَّتْ أَعْيُنُهَا بالمَرْعَى واطمَأَنَّتْ =
٧١

العَلُوْقَةُ أيضاً. قال الرّبيعُ بنُ زِيَادِ العَبْسيُّ (١) - وَهُوَ يَذْكُرُ الخَيْلَ -:
ومُجَنَبَّاتٍ ما يَذُقْنَ عَلُوقَةٌ يَمْضَغْنَ بِالمُهْرَاتِ والأمْهَارِ(٢)
فيه، وفي الأمثالِ: ((عَلَقَتْ مَرَابِيْهَا بِذِي الرَّمْرَامِ وألقت)» يضرَبُ مثلاً لمن وَجَدَ ما يُوافقه
فلم يفارقه. والرَّمرامُ: نبتٌ تحبُّه الإمل فإذا ظفِرَت به لم تُرِدْ مُفارقته)).
أقول: وفي الأمثال أيضاً: ((عَلقت معالقها وصَرَّ الجُندُبُ)). وقال أبوعمر بن
عبدالبَرِّ: (يُروى بفَتَحِ اللَّم وهو الأكثرُ، وَيُروى بِضَمِّ اللُم والمعنى واحدٌ، وهو الأكلُ
والرَّعُيُّ، تَقولُ العربُ: مَا ذَاقَ اليومَ عَلُوقاً؛ أي: طعاماً.
(١) الرَّبيع بن زيادِ العَبْسِيّ هذا شاعرٌ فارسٌ مِقْدَامٌ، وسيِّدٌ من سادات قَوم٥٥ِ، وهو أَحَدُ
الكَمَلَةِ من بني عَبْسٍ أبناء فاطمةَ ينتِ الخرشب الأنمارية التي وَلَدَتْ سَبْعَةَ أجوادٍ هذا
أحدُهُم، قالت لما سُئِلَت عنهم: ((والله إنَّهم لكالحَلْقَةِ المُفْرَغَةِ لا يُدْرَىُ أينَ طَرَفَاهَا))
كان الرَّبيع نديماً للتُّعمان بن المُنذر وَقَصَّتُهُ مع لَبيدٍ مشهورةٌ، كما أنَّه كان مِمَّن حاولَ
الصُّلُحَ بينَ عَبْسٍ وذُبَان في حَرْبِ داحسٍ والغَبْرَاءَ، ودفع دياتِ بعضِ القَتْلَى للكنه لم
ينجح في مساعيه، له شِعْرٌ في الأغاني والنَّقائض، وحَماسة أبي تَمَّامٍ ... وغيرها جمعه
الدكتور عادل جاسم البَيَّاتي (ط) في بغداد سنة ١٩٧١م. وروايةُ البيتِ في أغلبٍ
المصادر (عَذُوْفاً) ولا شاهدَ فيه للمؤلّفِ على هذه الرِّوايةِ، وكرواية المؤلِّف في
(التَّمهيد) لابن عبدالبرِّ لكنَّه عنه نقل؟ !. وهو من قصيدة للرَّبيع بن زياد بن مالك
العبسيِّ يُحرِّضُ قومَهُ فِي طَلَبِ دَمِ مَالِكِ بنِ زُهِيْرِ العَبْسِيِّ، وكانت فَزَارَةُ قَتَلَتْهُ لما قَتَلَ
حُذيفةَ بن بَدْرِ الفَزَارِيِّ، أولها:
مِنْ سَيِّءِ النَِّ الجَلِيْلِ السَّارِي
إِنِّي أَرِقْتُ فَلَمْ أُغَمُضْ حَارٍ
وَتَقُوْمُ مُعْوِلَةٌ مَعَ الأَسْحَارِ
مِنْ مِثْلِهِ تُمْسِي النِّسَاءُ حَوَِّراً
تَرْجُو النِّسَاءُ عَوَاقِبَ الأَطْهَارِ
أَفْبَعْدَ مَقْتَلِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ
إِلَّ المَطِيَّ تُشَدُّ بِالأُكْوَارِ
. البيت
مَا أَنْ أَرَى فِي قَتْلِهِ لِذَوِي النُّهَى
وَمُجَنَّبَاتٍ مَا يَذْقن ..
(٢) في الأصل: ((الأنهار)).
٧٢

يعني: ما يَذُقْنَ رِعْياً، قال أعْشَىْ بَكْرِ بنُ وَائِلٍ - وَهُوَ يَذْكُرُ الأَرضَ
القَفْرَ _(١):
وفَلَةٍ كأنَّهَا ظَهْرُ تُرْسٍ لَيْسَ فِيْهَا إِلَّ الرَّجِيْعَ عِلاَقُ
عَنْتَرِيْسٌ نَعَّبَةٌ(٢) مِعْنَاقُ
قَدْ تَجَاوَزْتُها وتَحْتِيْ مَرُوحٌ
- وسألنا عبدَالمَلكِ بنَ حَبِيْبٍ عن شرحٍ (كلُّ مَوْلُوْدٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ)
في حديثٍ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن أبي الزِّنادِ، عَنِ الأَعرجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ.
﴿﴿ قَالَ: ((كلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطرةِ فَأَبَوَاهُ يُهوِّدانه أو يُتَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنَاتَجُ
الإِبلُ من بَهِيْمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ؟ قَالُوا: يَارَسُوْلَ اللهِ أرأيت الذي
يَمُوْتُ وهو صَغِيرٌ؟ قال: اللهُ أَعلمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِيْن)) [٢٤١/١ رقم (٥٢)].
قال عبدُالمَلكِ: أَمَّا قولُهُ: ((كلُّ مَوْلُودٍ يُولَد عَلَىُ الفِطْرَةِ) فَيَعنِي عَلَى
الإِسلام، الفِطْرَةُ: هِيَ الإِسلامُ(٣)، وهو مثلُ قولِ [١٢٩] اللهِ عَزَّ وَجَلَّ(٤):
(١) ديوان الأعشى (الصُّبح المنير): ١٤١ وفيه: ((ليس إلاَّ الرَّجيع فيها ... )).
(٢) في الأصل: ((العَّابة)) وفي شرح الدِّيوان: ((ونعَّابة: النَّعْبُ - عن أبي عمرو - ضربٌ من
الشَّير تمر به)). وفي اللِّسان (نعب): ((النَّعَبُ من سَيرِ الإِبلِ، وقيلٌ: النَّعْبُ: أن يحركَ
الْبَعِيْرُ رَأْسَهُ إِذَا أَسْرَعَ، وهو من سَيْرِ النَّجائبِ يرفعُ رأسَه فيَنْعَبُ نَعَبَاناً، ونَعَبّ البَعِيْرُ
يَنْعَبُ نَعْباً، وهو ضَرْبٌ من السَّيْرِ، وقيلَ: من الشُّرعةِ كَالنَّحْبِ)). ويُراجع: تهذيب
الُّلغة: ٨/٣، والأفعال للسّرقُسطِيُّ: ١٨٣/٣، والصِّحَاح، والتَّاج: (نعب).
(٣) الغريبين: ١٤٦٠، وَنَقَلَ عن ابنِ المُبارك قَوْلُهُ: ((أي: على ابتداءِ الخِلْقَةِ في عِلْمِ اللهِ
مُؤْمناً أو كَافِراً. قَالَ أَبُوالهَيْثَِ : يعني: عَلَى الْخِلْقَةِ التي فُطِرَ عَلَيْهَا في الرَّحِمِ من سعادةٍ
وشقاوة ... )).
(٤) سورة الروم: الآية: ٣٠.
٧٣

﴿فِظَرَتَ اللَّهِ اَلَِّى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهًا﴾ يعني الإِسلام.
قال: وأمَّا قولُهُ: ((فأبواه يُهَوِّدَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ)) فيقولُ: أبواه يجعلانه
يَهُوْدِيًّا أو نَصرانيًّا، وذلك بقَدَرِ اللهِ وسابقٍ عِلْمِهِ أن يَفْعَلَا ذُلِك. وأمَّا قولُهُ:
(كَمَا تَنْاتَجُ الإِلُ مِنْ بَهِيْمَةٍ جَمْعَاء)» فيعني كَمَا تُنْتَجُ الإِبلُ وغيرُها من البَهَائِمِ
بهيمة جَمْعَاء، يعني مُجتمعةُ الخِلْقَةِ صَحِيْحَةٌ ((هَلْ تُحِسُّ [من] جَدْعَاء)) يَقُولُ:
هَلْ تَرَىُ فيها من جَدَعِ أو نُقْصَانِ حينَ تُنْتَجُ، ثُمَّ الجَدْعُ والنُّقْصَانُ يصيبُها بعدَ
ذلك، فكذلك يُهَوِّدُ هَؤُلاء أبناءَهُم وَيُنَصِّرُونَهُمِ بعدَ أن كَانُوا على الفِطْرَةِ، كما
أنَّ المَنْتُوجَ من الإِبلِ لولا أنَّ هؤلاء قَطَعُوا أُذْنَهُ لَكَانَ صَحِيْحاً، وَكَانَ ذُلِك
بِقَدَرِ اللهِ، وَكَذْلك قَالَ رَسُوْلُ اللهِ لَّآ في آخرِ الحَديثِ: ((اللهُ أعلمُ بمَا كَانُوا
عاملين)) يقولُ الله أعلم بما كانت تكونُ أَعْمَالهم، فلا يضرُّ ولا ينفعُ ما صَنَعَ
بهم آبَاؤُهُم إلاَّ بالقَدَرِ، وَهَذِهِ كانت حَّة مَالكٍ على أهلِ القَدَرِ الَّذِيْنَ احْتَجُوا
بأولِ هذا الحَدِيْثِ، هَكذا فسَّر لي مُطَرِّفٌ وابنُ المَاجِشُوْنَ عندما كاشَفتهما
عن تفسير هَذا الحَدِيْثِ، وَقَالَهُ ابنُ وَهبٍ وغيرُ واحدٍ من أَصْحَابِ مَالكِ. وقد
بَلَغَنِي أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ قال: ((والذي نَفْسِي بيده ما يُؤْلَدُ مَوْلُودٌ إلاَّ على
الفِطْرَةِ، حتَّى يُعْرِبَ عنه لسَانُهُ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِهِ)) ففي هَذا بيانُ ذلك
أيضاً.
٧٤

( شرحُ غَريبٍ كتابِ الذَّبائحِ ومعانيه)(١)
(من مُوَطَّأْ مالك بن أنس رحمه الله)
۔ سألنا عبدالملك بن حَبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
الَّذي رَوَاهُ عن يَحتَّى بن سَعِيْدٍ: ((أَنَّ عبدَالله بنَ عيَّاشِ بن أَبِي رَبِيْعَةَ
المَخْزُوْمِيَّ أَمَرَ غُلاماً له أن يذبحَ ذَبِيْحَةٌ، فلمَّا أَرَادَ أن يذبَحَهَا قَالَ لَهُ: سَمِّ اللهَ،
فقالَ الغُلامُ: قَدْ سَمَّيْتُ، فَقَالَ لَهُ: سمِّ اللهَ ويْحَكَ فَقَالَ: قَدْ سَمَّيْتُ، فَقَالَ
عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشِ: واللهِ لا أَطْعَمُهَا أَبَداً) [٢/ ٤٨٨ رقم (٢)] مَا مَعْنَى هَذَا؟
قال عبدُالملكِ: مَعْنَاهُ أنَّه أنَّهمَ الغُلامَ أن يكونَ تركَ التَّسْمِيَّةَ عَمْداً حينَ
رَدَّدَ عَلَيْهِ أن يُسَمِّيَ اللهَ ولا يُسَمِّي، وَيَقُولُ: قَدْ سَمَّيْتُ، فَإِذا جَاءَتِ التُّهَمَةُ
البَيِّنة فهو كَتَرْكِ التَّسمِيَةِ عَمْداً، ومَنْ تَركَ التَّسمِيَّةَ عمداً عَلَى ذَبِيْحَتِهِ لَمْ تُؤكلْ،
وَإِذَا لَمْ تَكُنْ الثُّهَمَةُ بِبَيَّةٍ فليس بلازم للنَّاسِ اجتنابُ ذُلك، إلاَّ أن يدعَ رجلٌ في
خَاصَّةٍ نَفْسِهِ (٢)، وإذا لم تقعِ التُّهَمَةُ لِشَيْءٍ فَلا بأسَ بِهِ، وَلاَ ضِيْقَ على النَّاسِ
فيه؛ لأنَّه إنَّما يُحْمَلُ أمرُ عَامَّةِ المُسلمين على التَّسميةِ يدلُّ على ذُلِك الحديثِ
الأَوَّلِ من هَذا الكتابِ حينَ قَالُوا: ((يَارَسُوْلَ اللهِ إنَّ ناساً من أَهْلِ البَاديةِ
يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ ولا نَدْرِيْ هَلْ ذَكَرُوا اللهَ عليها أم لا؟ فقالَ رَسُوْلُ اللهِ [َ﴾]
(١) المُوطَّأ رواية يحيى: ٤٨٨/٢، ورواية أبي مُصعب الزُّهري: ١٩٢/٢، ورواية محمد بن
الحسن: ٢١٧، ورواية سُوَيْدٍ: ٣٢٨، والاستذكار لأبي عمر بن عبدالبر: ٢٠٩/١٥،
والمُنْتَقَى لأبي الوليد الباجي: ١٠٤/٣، والقبس لابن العَرَبيِّ: ٦١٣/٢، وتنوير الحوالك:
٣٨/٢، وشرح الزُّرقاني: ٨٠/٣.
(٢) في الأصل: ((نفسها)).
٧٥

سَمُوا اللهَ عَلَيْهَا ثُمَّ كُلُوهَا)) [٤٨٨/١ رقم (١)].
قالَ مالكٌ: وذلك في أوَّلِ الإِسلام.
قال عبدُالملكِ: وإنَّما [١٣٠] حَمَلَ رَسُوْلُ اللهِ لَّهَ] أمرَهُم على أنَّهم
سَمَّوا، فَهَذا يدلُّ على التَّسميةِ حتَّى يُعلمَ غيرُها، وَكَذَلِكَ اللُّحْمَانُ كلُّها إذا
وُجِدَتْ بأيدي النَّاسِ هي على أنَّها ذُكِيت حتَّى يُعلَمَ غيرَ ذُلك، وكذلك الجلودُ
إِنَّمَا جُلُوْدُهَا [جُلُوْدٌ] ما يُأكلُ لَحْمُهُ، هي أبداً على التَّذِكِيَّةِ حتَّى يُعلمَ غير
ذلك؛ لأنَّ الشَّاملُ العامُ فيها التَّذكيةَ، وليست جُلُودُ السِّاعِ كذلك، تلك أبداً
على غَيْرِ التَّذكيةِ حتَّى يُعلمَ أنَّهَا ذُكِيت بجلُوْدِهَا؛ لأنَّ الشَّامِلَ فيها العَامَّ من
فعلِ النَّاسِ بها أنَّها لا تُذكَّى، فهي على ذلك حتَّى تُعلمَ التَّذكيةُ فيها، فيحلَّ
عند ذُلك بَيْعُها وابتِيَاعُها، والصَّلاةُ عليها، وإلاَّ لم يحلَّ شيءٌ من ذُلك منها .
ـ وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شرحٍ (الشِّظَاظِ) و(الحَجَرِ) الَّذي
أرخصَ رَسُوْلُ الهِنَّهِ فِي التَّذكيةِ بهما في حَديثِ مالكٍ [٤٨٩/١ رقم (٣) و (٤)]
قال عبدُ الملكِ: الشِّظَاظُ: هو العُودُ الذي يُجمَعُ به بين عُرْوَتَيْ الغَرَارِتَيْنِ
على ظَهرِ الدَّابةِ(١)، وإيَّاه أَرَادَ أُمْيَّهُ بن أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ حَيْثُ يَقُوْلُ - وهو
يَذْكُرُ وَلاَئِدَ قُريشٍ _(٢) .
(١) اللَّفظة مشروحةٌ في الفائق: ٢٤٦/٢، وغريب ابن الجَوزيِّ: ٥٤١/١، والنُّهاية: ٤٧٦/٢ .
ويُراجع: تهذيب اللُّغة: ٢٧٠/١١، والصحاح واللَّسان والتاج: (شظظ) وفي المصادر:
وهما شظاظان، وأنشد أبن فارس في المُجمل:
* أَيْنَ الشِّظَاظَانِ وَأَيْنَ المِرْبَعَه *
(٢) لم أجد هذا البيت مَنسُوباً إلى أُميّة بن أبي الصَّلت ولا إلى غيره من الشُّعراء إلاَّ في كتاب
((التَّمهيد)) للحافظِ ابنِ عَبْدِالبرِّ - رحمه الله - لكنَّه نَقَلَهُ عن المؤلّفِ ابنِ حَبِيبٍ، أورد صدره =
٧٦

وقَيْس وَفَاهَا مَكَانَ المَجْدِ مِنِّي بِحالِ العُرْوَتَيْنِ مِنَ الشَّظَاظِ
فإنَّمَا رَخَّصَ رَسُوْلُ اللهِوَلَه فِي تَذكيةِ الَّحْقَةِ بالشَّظاظِ إذا كان طرفُهُ محدَّداً
يمكنُ أن يَنْحَر، ويدخلُ طرفُهُ فِي نَحرِهَا، كَمَا يَدخُلُ سنانُ الحَرْبةِ، فَأَمَّا الذَّبْحُ
به فلا يمكنُ، وإنَّما يمكنُ بغلقَةِ العُودِ؛ لأنَّ فَلْقَةَ العُوْدِ لها جانبٌ رقيقٌ يُشبِهُ
شفرةَ الحَدِيدِ، وذُلك يُسمىُ الشَّطِيْرَ(١) في كلام العَربِ، وكذلك الحَجّرُّ الذي
أرخصَ رَسُوْلُ اللهِوَ﴿ في حديثِ مالكٍ في ذبحِ الشَّاةِ به، إنَّما معناه على أنَّه
فلقةُ حَجَرٍ؛ لأنَّ لها جانباً رقيقاً يُشبِهُ شَفْرَةَ الحَدِيْدِ، وَذلك يُسمَّى الظَّرَرَ(٢) في
كلامِ العَرَبِ، ولا يُمكنُ النَّحرُ بالحَجَرِ ولا بفلقَتِهِ، إنَّما يُمكنُ به الذَّبحُ، فأمَّا
القَصَبَةُ فهي يُمكنُ بها النَّحْرُ والذَّبحُ فإذا كان طرفها مُحدَّداً أمكنَ بها النَّحْرُ،
ولم يُمْكِنْ بها الذَّبِحُ، فإذَا فُلِقَتْ فكانَ جانبُ فلقتها رقيقاً يشبهُ شفرةَ الحَديْدِ
أمكنَ بها الذَّبِحُ، ولم يُمْكِنْ بها النَّحرُ. وَفَلْقَةُ القَصَبَةِ تُسمَّى (اللَّيْطَةَ) فِي كَلَامٍ
العَرَب(٣)، وقد جَمَعَهَا ثلاثتها سَعِيْدُ بنُ المُسَيّب في قَوْلِهِ: ((اللَّيْطَةُ، وَالشَّطِيْرُ،
وَالظَّرَرُ حِلٌّ مَا ذُبِحَ به). وقد سألَ عَدِيُّ بِنُ حَاتِمٍ رَسُوْلَ اللهِوَ له فقال: ((إِنَّا
الثاني موضع الشَّاهِدِ. وراجعتُ ديوان أميّة بن أبي الصِّلت الذي جمعه الدكتور عبدالحفيظ
السَّطلي ص٤١٥ فذكر بيتاً على وزنه وقافيته نقله عن الإتقان: ١/ ١٥١ وراجعتُ ديوان أُميّة
أيضاً جمع وتحقيق بهجة عبدالغفور الحديثي ص: ٣٤٠، ٣٤١ وجاء فيه ثلاثة أبيات منها
البيت المذكور في تحقيق الدكتور عبدالحفيظ، ولم يرد البيتُ الذي ذكره ابنُ حَبِيْبٍ فهو مما
يُستدرك عليهما، وزاد الحافظُ ابنُ عبدالبرِّ شاهداً آخرَ هو قولُ عنترةَ:
وَحَلَّ عَنِ الكَوْمَاءِ عِقْدُ شِفَاظِهَا
إِذَا ضَرَبُوهَا سَاعَةٌ بِدِمَائِهَا
(١) في الأصل: ((الشَّعيْرُ)) والتَّصحيحُ عن التَّمهيد: ١٣٩/٥ عن المؤلِّفِ.
(٢) يراجع: التَّمهيد: ١٣٩/٥ عن المؤلّف أيضاً.
(٣) اللِّسان: (ليط)، وهو في التَّمهيد: ١٣٩/٥ عن المؤلّف أيضاً.
٧٧

نَصِيْدُ الصَّيْدَ فلا نَجِدُ مَا نذبَحُ بِهِ إلَّ الظُّرَارَ، وفلقةَ العَصَا، فقال له رَسُوْلُ اللهِ
وَُّ : أَمْرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ))(١).
قال عبدُالملكِ: الظِّرَارُ: كثيرُ الظَّرَرِ، والواحدُ: ظَرَرٌ، وهو: حَجَرٌ
محدَّدٌ، وكثيرُهُ: ظِرَارٌ، وظُرَّانٌ، وقالَ لَبِيْدٌ - وهو يَصِفُ النَّفةَ أنَّها تَنْفِ الحَصًا
بخُفِّها _(٢):
بِجَسْرَةٍ تَنْجِلُ الظُّرَّانَ ناحِيَّةً إِذَا تَوَقَّدَ في الدَّيمُومَةِ الظُّرَرُ
[١٣١] قال عبدُالملكِ: وقَولُهُ: ((أمْرِ الدَّمَ بما شِئْتَ)) يقولُ: سَيِّلْهُ واسْتَخْرِجْهُ،
ومنه قولُ ابنِ عبَّاسٍ: كُلُّ ما فَرَىُ الأوْدَاجَ وقَطَعَ الخُلْقُومَ غيرَ مُتَرَدٍّ فهو يُذَكَّى،
فمعنى فَرَى الأوداجَ: قَطَعَهَا وشَقَّها .
قال عبدُالملكِ: وقوله: ((غَيْرُ مُتَرَّدٌ)) بمعنى غير مُرَضَّضٍ ولا مُشَدَّخٍ.
قال عبدُالملكِ: وَهَذَا كلُّه عَلَى الاضطرار، وأمَّا على المَنْدُوْحَةِ(٣)
والسَّعَةِ فلا ينبغي للذَّابِحِ [إلاَّ] أنْ يُحِدَّ شفرَتَهُ، وَأَنْ يُربحَ ذَبِيْحَتَهُ، وَبِهَذا جاءَ
الأثرُ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ الرَّم].
- وسألنا عبدالملك بن حَبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
الَّذِي رَوَاه عن يَحْيَى بِنِ سَعْيدٍ، عن أبي مُرَّة، موْلى عَقِيْلِ بن أَبِي طَالبٍ:
(١) الحديث في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٥٦/٢ والتَّمهيد: ١٣٩/٥.
(٢) شرحُ دیوان لبيد: ٦٧، وقبله:
وَأَفْطَعُ الخَرْقَ قَدْ بَادَتْ مَعَالِمُهُ
فَمَا يُحَسُّ بِهِ عَيْنٌ وَلاَ أَثَرُ
... ... ... البيت
بِجَسْرَةٍ تَنْجُلُ .
كَأَنَّهَا بَعْدَمَا أَقْنَيْتُ جُبْلَتْهَا
خَنْسَاءُ مَسْبُوعَةٌ قَدْ فَاتَهَا بَقَرُ
(٣) في الأصل: ((ممدوحة)).
٧٨

أنَّه سأل أباهريرةَ عن شاةٍ ذُبحت فتحرَّكَ بَعْضُها، فَأَمَرَهُ أَنْ يأكلَها، ثُمَّسألَ [عن
ذلِك ] زيدَ بنَ ثابتٍ فَقَالَ: إِنَّ المَيتَةَ لِتَتَحَرَّكُ وَنَهَاهُ عن ذلك)). [٤٩٠/٢ رقم (٧)].
فَقَالَ مَالٌ: قَوْلُ زيدٍ بن ثابت أَحَبُّ إِلَيَّ في ذلك أنَّه إنَّما تَحَرَّكُ بعضُ
أَعْضَائِهَا ولم تَطْرِفْ) مَا مَعْنَى: (تَطْرفُ)؟
قال [عبدُالملكِ]: معناه: أن تُحَرِّكَ أَطْرَافَهَا، يَدَيْهَا ورِجْلَيها وعَيْنَيَها،
إِنَّمَا تَطْرِفُ مَأْخُوْذٌ من أَطْرَافِهَا، فإذا كانت الذَّبيحةُ في وقتٍ ذبحِهَا يجري
نَفَسُهَا، وَتَطْرِفُ عَيْنُهَا وَأَطْرَافُهَا فهي ذَكِيَّةٌ، وإذا لم يَجْرِ لها نَفَسٌ، ولم تَطْرِفْ
بطرفٍ، لا بعَينٍ، ولا بيَدٍ، ولا برجلٍ، فهي جِيْقَةٌ، وإن تَحَرَّكَتْ بِضَاعُهَا
وأعضاؤُهَا، قال: وإِن جَرَى نَفَسُهَا وَطَرَفَتْ بِعِينِها فقط، ولم تطرفْ بغير ذلك
من أطرافها فهي ذكيّةٌ، وكذلك لو لم تَطْرِفْ بِعِينٍ، وَطَرَفَتْ بِيَدٍ أو رِجْلٍ مع
مَجْرَى النَّفَسِ فَهِيَ أيضاً ذكيةٌ، إِذَا طَرَفَتْ بِبَعْضِ أطرافِهَا مَعَ مَجْرَى نَفَسِهَا في
حينَ وَضْعِ الشَّفْرَةِ في حَلْقِهَا فهي ذَكِيَّةٌ، وَهَكَذَا فَسَّرَ لي أصحابُ مالكٍ عن
مَالِكِ عندَمَا كَاشَفْتُهُمْ عن ذُلِكَ.
[ شرحُ غريبٍ كتابِ الضَّحَابَا](١)
[من موطأ مالك بن أنسٍ رحمه الله]
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبيبٍ عن شرحٍ (النِّقْيٍ) في حَديثِ مالكٍ
(١) الموطأ رواية يحيى: ٤٨٢/٢، ورواية أبي مُصعب الزُّهري: ١٨٥/٢، ورواية محمد بن
الحسن: ٢١٤، ورواية المعنيّ: ٦٨٤، والاستذكار لأبي عمر بن عبدالبرّ: ١١٧/١٥،
والمُنْتَقَى لأبي الوليد الباجي: ٦٨٣/٣، وتنوير الحوالك: ٣٤/٢، شرح الزُّرقاني: ٧٠/٣.
٧٩

عن رَسُوْلِ اللهِوَلِالَّذِي قَالَ فيه: ((وَالعَجْفَاءُ الَّتِي لاَ تُنْقِيْ)) [٤٨٢/٢
رقم (٢)].
قَالَ عبدُالملكِ: يعني الَّتي لا تُؤْدِهُ؛ لأنَّ النَّقْيَ هُوَ الشَّحْمُ، ومنه قولُ
رَسُوْلِ اللهِوَلَه فِي الحَديثِ الآخرِ - حينَ ذَكَرَ السَّيرَ فِي السَّفَرِ -: ((فإنْ كانَتْ
الأرضُ جَدْبَةً فانْجُوا عَلَيْهَا بِنْقِهَا)) يَعْنِي: بِشُحُومها.
قَالَ عبدُالملكِ: وَلَيْسَ النَِّيُّ المُخَّ كَمَا قَالَ شَارِحُ العِرَاقيين(١)، العَرَبُ
(١) هو أبوعُبَيْدٍ القاسم بن سلَّم قال في غريب الحديث: ٢٠٩/٢ ((وأمَّا حديثه الآخر: نَهَى عن
العَجْفَاءِ التي لا تُنْقِي في الأضاحي فإنَّه يقولُ ليس بها نِفْيٌّ من هُزَالِهَا، وهو المُخُّ، يقال منه:
ناقةٌ منقيةٌ: إذا كانت ذات نِفِيٍ، قال الأعشى ... )) وأنشد البيتَ الذي أنشدَهُ المُؤْلِّفُ، وفي
غريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ أيضاً: ٣٠٣/٢ ((ولا سَمِيْنٌ فِيُنِى)) تقول: ليس له نِقْيٌّ، وهو
المُخُّ، وقال الكِسَائِيُّ: فيه لُغَتَان، يُقال: نَقَوْتُ العَظْمَ ونَقَيْتُ: إذا استَخْرَجْتُ النِّفيّ منه،
قال الكِسَائِيُّ: وكلُّهُمْ يقولُ: انتَقَيْتُهُ: إذا استخرجتَ النِّفيَ منه، ومنه قيل للنَّاقةِ السَّمينةِ
مُنْقِيَّةٌ)) وأنشدَ بيتَ الأعشىُ مرةً ثانيةً.
ونَقَلَ الأزهريُّ في تهذيب اللُّغة: ٣١٨/٩ عن أبي عُبَيْدٍ، عن الأصمعيِّ قوله:
(الأنقاءُ: كلُّ عظمٍ ذي مُخِّ، وهي القَصَبُ، وقال غيرُهُ: واحدُها نِقْيٌّ ونُقْوا. وقول أبي عُبَيْدٍ
مشهورٌ في كُتُبِ اللّغةِ، وَلاَ تَعَارُضَ بين مَا ذَهَبَ إليه المُؤَلِّفُ - رحمه الله وَعَفَا عنه - وبين
كلام أبي عُبَيْدٍ - رحمه الله - فَالنِّيُّ شَحْمُ الْعِظَامِ جاء في العين: ٢١٩/٥ «النّفْيُ: شحمُ
العِظَامِ، وشَحْمُ العَيْنِ من السِّمَنِ، والجَميعُ: أنقاءٌ، وناقةٌ منقيةٌ ونوقٌ مناقٍ في سِمَنٍ قال:
لا يَشْتَكِيْنَ عَمَلاً مَا أَنْقَيْنْ
مَادَامَ مُتّ فِي سُلَامَى أَوْ عَيْنْ
وفي مُجمل اللُّغة لابن فارسٍ: ٨٨٠: ((النِّفْيُّ متُّ العِظَامِ وشَحْمُ العين من السِّمَنِ)) فجمع
بينهما كما تَرَى. وقال: والأنقاءُ - في قولِ الفرَّاءِ - كلُّ عظَمٍ ذي مٌُّ ... )، واللَّفْظَةُ مشروحةٌ
في غريب ابن قُتَيْبَةَ: ١/ ٤٧٠، والفائق: ١٧/٤، وغريب ابن الجوزيُّ: ٤٣٤/٢، =
٨٠