Indexed OCR Text

Pages 401-420

قال عبدُالملك: وهو النَّسِيْئَةُ بالنَّسِيْئَةِ، وهو مَهْمُوْزٌ ممدودٌ(١)، وَالعَرَبُ
تقولُ: أَنْسَأَ اللهُ فُلاناً أَجَلَهُ، (٢) والنَّسِيْئَةُ: التَّأْخِيْرُ، قَالَ ابْنُ هَرْمَةٌ(٣):
لَيْتَ شِعْرِيْ هل للمَنَايَا لَدَيْنَا
إِحْنَةٌ أو نَسِيْئَةٌ مِنْ دُيُوْنِ
ومنه قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: (٤) ﴿إِنَّمَا النَُِّّ زِيَادَةٌ فِ آلْكُفْرِ﴾ إنَّما هو تأخيرُهُم
تَحْرِيْمَ المُحَرَّم إلى صَفَرٍ، وتقولُ من الكَالِىءِ: تَكَلأْتُ كَلَاءَةً: إِذَا اسْتَنْسَأْتَ
شَيْئاً، وَالعَرَبُ تَقُوْلُ: بَلَغَ اللهُ بِكَ أَكْلاَ العُمُرٍ، يَعْنُوْنَ آخِرَهُ وَأَبْعَدَهُ.
قَالَ عبدُالملكِ: وَالكَالِىُ بِالكَالِىء يَدْخُلُ فِي وُجُوْءٍ كَثِيْرَةٍ مِنَ البَيْعِ، إِلَّ
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٠/١، والغريبين: ١٨٢٩، والفائق: ٢٧٣/٣،
وغريب ابن الجوزي: ٢٩٧/٢، والنّهاية: ١٩٤/٤، ويُراجع جمهرة اللُّغة: ١٠٨٣،
وتهذيب اللُّغة: ٣٥٩/١٠، والصِّحاح واللِّسان والتَّاجِ: (كلا).
(٢) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ((قال أبو عُبَيْدٍ: ومنه قولهم: أنسأ الله فلاناً أجلَهُ ونساً الله في أجله بغير
ألف ... )) يعني أنه يجيء فعل وأفعل بمعنى واحد، وكذلك جاء في كتاب فعلت وأفعلت
للجواليقي: ٧٢، وذكر الزَّجاج هذا الحرف فيما يقال والمعنى مختلفٌ، قال: ((نسأتُ
الناقةَ: ضربتها بالعصا وسقتها، وأنسأت في الشيءٍ: أعطيتُ بالنَّسيئة)). ولم يذكره بالمعنى
الواحدٍ. ومن المعلوم أنَّ العَصَا تُسمى منسأة كما جاء في كتاب الله تعالى: ﴿تَأْكُلُ
مِنْسَأَتَّهُ﴾ سورة سبأ: الآية: ١٤.
(٣) بيتُ ابْنِ هَرْمَةً هذا لم يرد في ديوانه، ويبدو أنَّها من شَوَارِدٍ قصيدة أورد جامع الدِّیوان بعض
أبياتها : ٢١٨ منها:
تَاركاً إِنْ هَلَكْتُ مَنْ يَبْكِيْنِي
مَا أَظُنُّ الزَّمَانَ يَا أُمّ عَمْرو
وابنٍ عَمِّ كَالصَّارِمِ المَسْنُونِ
كَمْ أَخِ صَالِحٍ وَعَمِّ وِخَالٍ
أَعْظُماً تَحْتَ مُلْحَداتٍ وَطِيْنٍ
قَدْ حَلَّتْهُ عَنَّاَ المَنَايَا فَأَمْسَىْ
(٤) سورة الثَّوبة: الآية: ٣٧.
٤٠١

أنَّ أصلَه أن تبيعَ ديناً لك علىْ رَجُلٍ بدينٍ له علىَ رَجُلٍ آخرَ، فذُلِكَ لا يَجُوْزُ،
وهو أَصْلُ الكَالِىءِ بالكَالِىءٍ.
(شرحٌ غريب كتاب الرّضاعة)(١)
(من موطأ مالك بن أنس رحمه الله)
۔ سألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَ لِ قَالَ: ((الْلِبَنُ للفَحْلِ)).
قال عبدُالملكِ: يعني أنَّ الَّلبنَ من المرأةِ التي تُرضِعُ يقعُ به التَّحريمُ في
بناتِ زوجِها من غيرِهَا كَمَا يَقَعُ في بَنَاتِهَا، وَهَذا مثلُ حَدِيْثِ مالكِ، عن
الزُّهْرِيِّ، عن عَمْرِو بنِ الشَّريدِ، عن ابنِ عبَّاسٍ: ((أنَّه سُئل عن رَجُلٍ كانت له
امرأتان فأَرْضَعَتْ إحداهُما غُلاماً، وأَرضعتِ الأُخرى جَارِيةٌ، أَيَحِلُّ للغُلامِ أن
يَتَزَوَّجَ الجاريةَ؟ قال: لا؛ لأنَّ الَّلقاحَ واحدٌ) [٦٠٢/٢ رقم (٥)].
قال عبدُالملكِ: هَذَا تأويلُ ((الَّبنُ للفَحْلِ)). ومثلُهُ حَدِيْثُ مالكِ، عن
هِشَامِ بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ: ((أنَّهَا اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا أَبُوالقُعَيْسِ(٢) بَعْدَمَا
(١) الموطأ رواية يحيى: ٦٠١، ورواية أبي مصعب الزُّهري: ٥/٢، ورواية محمد بن الحسن:
٢٠٨، ورواية سويد: ٢٨٠، والاستذكار: ٢٤١/١٨، والتَّعليق عَلَى المُوطَّأ: ٦٣/٢،
والمُنتقى لأبي الوليد: ١٥١/٤، والقَّبَس لابن العربي: ٧٦١، وتَنوير الحوالك: ١١٣/٢،
وشرح الزُّرقاني: ٢٣٧/٣، وكشف المغطى: ٢٦٧ .
(٢) هَكَذَا جَاءَ في الأصلِ، وهو خَطَأْ، والصَّوابُ أنَّه أفلحُّ أخو أبي قُعَيْسٍ، هكذا جاء في
حديث ((الموطأ)) وللحديث روايات أخرى، منها الرّواية التي ذكرها المؤلِّفُ، ووقعت في
روايةٍ لمُسلمٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ((وهذا وهمّ من بعض رواته، وهو أبو معاوية راويه
عن هشام فقد خالفه حمَّد بن زيد عنه، وهو أحفظ منه لحديث هشام فقال: ((إنَّ أخًا أبي
القُعَيْسِ ... )). وأفلح أخو أبي قُعيس عَمُّ عائشة من الرَّضاعة، قال ابن مَنْدَه: عدادُهُ في بني =
٤٠٢

حجبت، فأبت أن تأذنَ له، فقال: أنا عمُّك، أرضعَتْكِ امرأةٌ أخي، فأبت أن
تأذن له حتَّى جاء رَسُوْلُ اللهِ وَلِ فذكرتَ ذُلكَ له، فقال: هو عَمُّك فَلْيَلِجْ
عَلَيْكِ)) [٢/ ٦٠١ رقم (٢)].
ــ وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ (الغِيْلَةِ) في حديث مالكٍ
الذي رواه عن رسول الله :﴿ أنه قال: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَىُ عن الغِيْلَةِ
حتَّى ذكرتُ [٨٣] أَنَّ الرُّومَ وفارسَ يَصْنَعُونَ ذُلكَ فلا يَضُرُّ أَوْلاَدَهُمْ)) [٦٠٧/٢
رقم (١٦)].
قال عبدُالملكِ: الغِيْلَةُ(١): أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امرأتَهُ وهي تُرضِعُ، حَمَلَتْ أو
لم تَحْمِلْ، عزلها أو لم يعزلْ، وكذلك سمعتُ ابن المَاحِشُوْنَ يقولُ، وسمعته
يقول: تَنَفيه العربُ شديداً وتقولُ: لو لم يَبْقَ من عُمر المُغيل إلاَّ يومٌ واحدٌ
لَتَبَّنَ فيه ذُلك بصَرعٍ في جِسْمٍ، أو علَّةٍ من سُقْمٍ، أَلاَ تَرَى أنَّ رَسُولَ اللهِلـ
قال: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَن الغِيْلَةِ) لِمَا عَلِمَ من ضَرَرِها، وألاَ تَرَىُ أنَّ
الرَّجُلَ يَخْلِفُ على امرأته وهي تُرْضِعُ أن لا يطأها حتى تفطِمَ وَلَدَهَا، فلا يكونُ
سُلَيْمٍ. وقال أبو عُمَرَ يقال: إنَّه من الأشعريين. وروينا في حديث زيد بن أبي أُنيسة تخريج
=
الإسماعيلي، من طريق عراك عن عروة، عن عائشة قالت: دَخَلَ عليَّ أفلحُ بنُ قُعَيْسٍ
المَخْزُوْمِيُّ فاحتجبتُ منه ... فذكر الحديث، وأصله لمسلم)) هذا كله كلام الحافظ ابن
حَجَرٍ - رحمه الله - في الإصابة: ٩٩/١، ويُراجع: الاستيعاب: ١٠٢/١ .
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيّدٍ: ٢/ ١٠٠، وغريب الخطَّابي: ١٦٥/٢، والغريبين:
١٣٩٩، والفائق: ٨٣/٣، وغريب ابن الجوزي: ١٧٠/٢، والنّهاية: ٤٠٢/٣، ويُراجع:
تهذيب اللُّغة: ١٩٥/٨، ومجمل اللُّغة: ٦٩٨، وأفعال السرقسطي: ٢٠/٢، والصِّحاح
والِّسان والتَّاج: (غيل).
٤٠٣

مولياً لما يقي عن ولده من ضَرَرِ ذلك.
قال عبدُالملكِ: وَقَدْ بَلَغَنِي (١) أَنَّ رَسُوْلَ الهَلِ قَالَ: ((لاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ
سِرًّا، إِنَّه لَيُدْرِكُ الفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ».
قال عبدُالملكِ: يقول: يُطَخْطِحُهُ ويُهدِّمُهُ بعدما قد صَارَ رَجُلاً قد رَكِبَ
الخَيْلَ(٢).
قال عبدُالمَلكِ: وَالعَرَبُ تقولُ(٣) - في الرَّجُلِ تَمْدَحُهُ - ما حَمَلَتْهُ أُّه
وُضْعاً، ولا أَرْضَعَتْهُ غَيْلاً، ولا وَضَعَتْهُ يَنَّاً، ولا أَبَاتَتْهُ مَتِقاً))(٤).
قَالَ عبدُالملكِ: أَمَّا قَولُهُمْ(٥): ((ما حَمَلَتْهُ أُّه وُضْعاً) فهو أَنْ تَحْمِلَهُ
عَلَى حَيْضٍ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: تُضْعاً وَهُوَ صَوَابٌ.
وأمَّا قَولُهُمْ: ((ولا أَرضَعتُهُ غَيْلاً)) فهو أَنْ تُوْطَأَ وهي تُرْضِعُ، حَمَلَتْ أو
لَمْ تَحْمِلْ، عَزَلَهَا أَو لَمْ يَعْزِلْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُم: ((وَلاَ وَضَعْتُهُ يَبْنَ) فَهُوَ أَنْ تَخْرُجَ رِجْلَهُ قبلَ يَدَيْهِ في
(١) الحديث في غريب أبي عُبَيْدٍ: ١٠٠/٢ .
(٢) هذا كلام أبي عُبَيّدٍ ومعنى يطحطح - كما جاء في اللُّسان -: (طحح) ((وطحطح الشيء
فتطحطح: فرَّقه وكسَّره إهلاكاً، وطَحْطَحَ بهم طحطحةٌ وطِحْطَاحاً - بكسر الطاء -: إذا
بدَّدهم. اللَّيث: الطَّحْطَحَةُ: تفريقُ الشَّيءٍ إهلاكاً، وأنشدَ:
حَضّوْءِ الشَّمْسِ طَخْطَحَهُ الغُرُوْبُ
فَيُّمْسِيْ نَابِذَاً سُلْطَانَ قَسْرٍ
ويُروىُ: (طخطخه)) بالخَاءِ ... )). ويراجع: العين: ١٩/٣، وأنشد البيت في خالد القَسْريِّ.
(٣) هذه عبارة أبي عُبَيْدٍ أيضاً والنَصُّ له. وقائل هذا هي أمّ تأَبَّط شرًّا تؤبُِّهُ كما جاء في تهذيب
الُّغة للأزهري: ١٩٤/٨، وكذلك هو في تعليق أبي الوليد الوقَّشِيّ: ٦٦/٢ .
(٤) في الأصل: ((مائقاً).
(٥) الشرحُ كلُّه لأبي عُنٍَّ.
٤٠٤

الولادةِ، تقولُ منه: قد أَيْتَنَتِ المَرْأةُ فهي(١) مُوتِنٌ، والوَلَدُ: مُؤْتَزٌ.
وأمَّا قَولُهُمْ: ((وَلاَ أَبَاتَتْهُ مَتِّقاً، فالمأَقُ من شِدَّةِ البُكَاءِ، وَقَدْ قَالَ بَعضُهُم:
هو أَنْ تُبِّتُهُ وحدَه لما يُخْشَىْ مِن أَذَى الجَزْلِ(٢) .
قال عبدُالملكِ: وتقولُ في تَصريفِ الغَيْلِ: قد غَالَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ وهو يُغيِلُهُ
إِغالةٌ وغَيْلاً، والاسمُ منه: الغَيلةُ، والولدُ: مُغَالٌ ومَغِيْلٌ، قَال امرُؤُ القَيْسِ(٣):
فَلَّهَيْتُهَا عَنْ ذِيْ تَمَائِمَ مُغْيِلٍ
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَفْتُ وَمُرْضِعٍ
(شرحُ غَرِيبٍ كتابِ النِّكاح) (٤)
[من موطأ مالكِ بنِ أنسٍ رحمه الله]
- سألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرحِ حدیثِ مالك
الذي رَوَاهُ عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: أَن رَسُوْلَ اللهِلهِ قَالَ: ((لا يَخْطُبُ
أَحَدُكُمْ عَلَىْ خِطْبَةِ أَخِيْهِ» [٥٢٣/٢ رقم (٢)].
(١) في الأصل: ((فهو)).
(٢) هَكذا؟ وليس في غريب أبي عُبَيْد.
(٣) ديوانه: ١٢، وهو من معلقته المشهورة، وهو في غريب أبي عُبيد: ٢/ ١٠٠ (محول) ولا
شاهد فيه، وفي بعض نسخ كتاب أبي عُبيد (مغيل) وهو الصَّواب؛ ليصحّ الاستشهاد به.
ويُراجع: الكتاب لسيبويه: ٢٩٤/١ وهما روايتان واردتان في البيت، لكنَّالشَّاهدَ في الأولى.
(٤) الموطأ رواية يحيى: ٥٢٣/٢، ورواية أبي مُصعب الزّهري: ٥٦٧/١، ورواية محمد بن
الحسن: ١٧٦، ورواية سويد: ٢٥٤، والاستذكار لأبي عمر: ١٦ /٧، والتَّعليق على
المُوَطَّأ لأبي الوليد الوقَّشيُّ: ٣/٢، والمُنْتَقَى لأبي الوليد الباجي: ٢٦٤/٣، والقبس لابن
العربي: ٦٧٧/٢، وتنوير الحوالك: ٦١/٢، وشرح الزُّرقَانيَّ: ١٢٤/٣، وكشف
المغطى : ٢٤٥.
٤٠٥

قال عبدُالملكِ: وقد قال مالكٌ إنَّما معنى النَّهي عن ذُلِكَ إِذَا كَانَتِ
المَرْأَةُ قد رَكَنَتْ إِلَيْهِ، واتَّفقا على صَدَاقٍ، وتَرَاضَيَا، فعندَ ذلك يُكْرَهُ الرَّجُل أن
يَخْطِبَ على خِطْبَةِ أخيه.
قال عبدُالملكِ: وإذا أظهرتِ الرِّضَى به أو قَارَبَتْ، وإنْ لَمْ يتََّّقا على
صَدَاقٍ فلا يَخْطِبْهَا؛ لأنَّه قد يكون نِكاحاً ثابتاً إذا تمَّ الرِّضى، وإن لم يُسَمَّ
الصَّداقُ، وهو نِكاحُ التَّعويضِ، وكذلك سَمِعْتُ مُطَرِّفاً، وابنَ المَاجِشُون،
وابنَ عبدِ الحَكَمِ يقولون، وأخبرني أَصْبَغُ، عن ابنِ وَهْبٍ، وابنِ القاسمِ مثلَ
ذلك؛ لأنَّ [٨٤] الإِجابةَ البَيَِّةَ اتفاقٌ وَإِنْ لم يُسمَّ صَدَاقٌ.
قَالَ عبدُالملكِ: وهو الذي نأخُذُ به، وقد كان ابنُ نافعٍ يَقُولُ: لاَ بَأْسَ
أَنْ يَخْطِبَهَا الآخرُ إنْ رَضِيَتْ بالأوَّلِ حتَّى ينَفِّقًا على صَدَاقٍ وَيَقبلَ على
اشتِرَاطِ، وَهُوَ خَطَأْ مِنَ القَوْلِ.
قَالَ عبدُالملكِ: فَمَنْ جَهِلَ واجتَرَى وخَطَبَ علىُ خِطْبَةِ أَخِيْهِ في الوَقْتِ
الذي يُكْرَهُ لَهُ فَقَدْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ، فَلْيَتُبْ إِلى اللهِ وليَسْتَغْفِرْهُ، ولِيَتَحَلَّلْ صَاحِبَهُ مِمَّا
صَنَعَ، وَلاَ يَبْلُغُ بِهِ الفَسْخُ لا قَبْلَ البِنَاءِ ولا بَعْدَهُ، وَلَيْسَ يُشبه في الفَسخ إذا
اشترى علىُ شِرَاءِ أَخِيْهِ؛ لأنَّ مِلْكَ النَّكاح لا يَنْتَقِّلُ هكذا؟ إلاَّ أنْ يَشَّأَ أن يَتَوَرَّعَ
من قبل نَفْسِهِ، وَكَذلِكَ سَمِعْتُ مُطَرِّفاً وابنَ المَاجِشُون يَقُولان. وَقَالَ لِي أَصْبَغُ
عن ابنِ القَاسمِ: مثلَهُ، وقد كان ابنُ نافعٍ يَرَى فيه الفَسخَ، قبل البِنَاءِ وبعدَهُ،
وَلَيْسَ بِشَيْءٍ .
۔ وسألنا عبدالملكِ بن خَبِیبٍ عن شرحٍ حدیثِ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن أبي حازم بن دِيْنَارٍ، عَنْ سَهْلِ بن سَعْدِ السَّاعِدِيِّ: في
الرَّجلِ الَّذِي زَوَّجَهُ رَسُوْلُ اللهِ لْهِ المَرْأةَ بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ القُرآن؛ إذْ لَمْ يَجِدْ لَهُ
٤٠٦

صَدَاقاً، فَقَالَ: كَانَ ذُلِكَ خَاصَّا لِرَسُوْلِ اللهِ لَّهَا، وَلَمْ يُجِزْ ذُلك رَسُوْلُ اللهِ
[َه] لأَحَدٍ. فَقَدْ ثَبَتَ في الحَديثِ عنه صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، حدَّثناهُ(١) ابنُ نافعٍ
وَغَيْرُهُ أَنَّه قَالَ: ((لا نِكَاحَ إلاَّ بِصَدَاقٍ، وَوَلِيٍّ، وشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَجَعَلَ أَذْنَى
الصَّدَاقِ رُبْعِ دِئْنَارٍ فَصَاعِداً» .
- وَسَألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح حديثٍ مالكٍ
[الَّذِي رَوَاهُ] عن حُمَيْدِ الطَّويلِ، عن أنس بن مالكِ: أنَّ رَسُولَ اللهِ له
قال: ((للبِكْرِ سَبْعٌ، وللثَيِّبِ ثَلاثٌ)) [٥٣٠/٢ رقم (١٥)].
قَالَ عبدُالملكِ: إِنَّمَا هَذَا إِذَا كَانَتْ له امرأةٌ غيرُها، حَيْثُ يَجِبُ عليه أَنْ
يَقْسِمَ لِنَفْسِهِ لِهَذِهِ يَوْماً وَلَيْلَةٌ، ولهذه يَوْماً ولَيْلَةً، ففي ذُلِكَ جَاءَتِ السُّنَّةِ، أن
يُقِيمَ عندَ التي تَزَوَّجَ سَبْعاً إنْ كانت بِكْراً، وَثَلاَئاً إِن كَانَتْ ثِّاً دُوْنَ صاحبَتِهَا،
ثُمَّ بعدَ ذلك يَقْسِمُ بينهما بالسَّواءِ، فأمَّا إذا لم يَكُنْ له غيرها فَلَيس عليه أَنْ يُقِيْمَ
عِنْدَهَا بِكْراً كانت أو ثيّاً، لا ثَلَاثاً وَلا سَبْعاً، وهو في ذُلِكَ يخرجُ إلى
المَساجدِ، وإلىْ حَوَائِجِهِ، كانت عنده أُخْرَى أو لم تَكْنْ غيرها.
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن ما جَرَى في كتابٍ مالكٍ [٨٥]
في (النِّكاح): ((أَنَّ مَا أَصَابَهُ الرَّجُلُ حَرَاماً من المَرْأَةِ إِنَّ ذُلك لا يُحَرِّمُ
عليه تَزْوِيْجِ أُمِّها أو ابنَتِهَا، وأنَّها لا تَحْرُمُ بذُلِكَ على اينِهِ ولا على أبيْهِ)).
قَالَ عبدُالمَلك: رَجَعَ مالكٌ عن ذلك وأفتَى دَهْرَهُ حتَّى ماتَ بأن ذلك
يَحْرُمُ(٢)، وَأَنَّ مَا حَرَّمِ الحَلَاَلَ فالحَرَامِ يُحَرِّمُهُ وعلىُ هَذَا العَمَلُ، وقد قِيْلَ
(١) لعلَّ قد دخل هذه العبارة سقط، فابن نافعٍ لا يحدِّث المؤلّف؟ !.
(٢) في الأصل: ((تحرم)).
٤٠٧

لمالكِ لو مَحَوْتَ الأوَّلَ من كِتَابكَ، فقال: قد سَارَتْ(١) به الرُّكْبَانُ، ورفع في
الأَمْصَارِ، فكان مما اختلف فيه من مضى، فكنتُ قد اسْتَحْسَنْتُ الأخذَ بذلك،
ثم رَأَيْتُ غَيْرَهُ أَحْسَنَ وَأَحْوَطَ.
وقد سُئِلَ مالِكٌ عن رَجُلٍ فَجَرَ بِأَمِّ امْرَأَتِهِ فيما دُوْنَ فَرْجِهَا فَأَمَرَهُ مَالِكٌ
بِرَاقِ امْرَأَتِهِ، ورأَى أَنْ قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ.
قال عبدُالملكِ: وبه نَقُوْلُ، وقد جَاءَتْ به الآثارُ، لِقُوَّتِهِ. حَدَّثَنِي ذُلك
قُدَامةُ بنُ مُحَمَّدِ المَدَنِيُّ(٢)، عن مَخْرَمَةَ بن بكيرِ بن الأَشَجِّ، عن أبيه، عن
سعيد بن المُسَيَّبٍ، والقاسمِ بن مُحَمَّدٍ، وَسَالِمٍ بنِ عبدِالله، وسليمان بن
يَسَارٍ، ويزيدَ بنِ قُسيطٍ، وأبي بكرِ بنِ عبدالرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ، وأبي
بكر بن سليمان بن أبي خَيْثَمَةَ، وعبد الله بن أبي سَلَمَةَ أنَّهم كانُوا يَنْهَوْنَ إذا زَنَى
الرَّجُل بالمَرْأَةِ أن يَتَزَوَّجَ ابنَتْهَا. وَقَالَ سَعِيْدُ بنُ المُسَيَّبِ: مَا حَرَّمَ الحَلَاَلُ
فَالحَرَامُ أَشَدُّ تَحْرِيْمَاً لَهُ.
قال عبدُالملكِ: وكان ابنُ عبَّاسٍ يقول: ما حرَّم حرامٌ حلالاً فقال
(١) في الأصل: ((صارت)).
(٢) هو قُدامةُ بنُ محمَّدِ بنِ قُدامة بن خَشرم بن يَسَارِ الأشْجَعِيُّ المَدَنيُّ. محدِّثٌ، روى عن أبيه
وإسماعيل بن شِئْبَةَ، والحجَّاج بن صفوان بن أبي يزيد، ومحمد بن صالح الثَّمار وغيرهم،
وذكر الحافظ المِزِّي أنَّ ممن أخذ عنهم مَخْرَمَةَ بن بُكَيْرٍ، وروى عنه أحمد بن صالح المصري، .
وهرون الحمَّال، وهرون بن يزيد الجمّال وغيرهم. وذكر أنَّ ممن أخذ عنه صاحِبُنا
عبدالملك بن حَبِيْبِ المالكيُّ. قال ابنُ أبي حاتم: سألتُ أبي عن قُدامة بن محمد المديني
فقال: لا بأسَ به. وسُئِلَ أبوزرعة عن قُدامة فقال: لا بأسَ به. روى له النَّسَائِيُّ، وقَالَ
الحافظُ ابنُ حَجَر: ((صَدُوْقٌ يُخْطِىءُ)). أخباره في الجرح والتَّعديل: ١٢٩/٧، والمَجْرُوحِين
لابن حبَّان: ٢١٩/٢، وتهذيب الكَمَالِ: ٥٥١/٢٣، وتهذيب التَّهذيب: ٣٦٥/٨.
٤٠٨

الشَّعْبِيُّ - لما بَلَغَهُ ذلك -: لو أخذتَ كُوزاً من خَمْرٍ فَسَكَبْتَهُ في جُبٍّ من مَاءٍ
لَكَانَ ذلك المَاءُ حَرَاماً.
قال عبدُالملكِ: وجاء عن رَسُولِ اللهِوَلِ أَنَّه قال: ((مَلْعُوْنٌ مَنْ نَظَرَ فِيْ
فَرْجِ امرأةٍ وأمِّها)) وَجَاءَ عنه أنَّه قال: ((مَنْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وابنَتِهَا لم يَنْظُرِ اللهُ
إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ».
- وسألنا عبدَالمَلكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (الشِّغَارِ) في حدیثِ مالكٍ
[الذي رَوَاهُ مالكٌ] عن نَافعٍ عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ لَ نَّهَى عن
الشِّغَارِ)) [٢/ ٥٣٥ رقم (٢٤)].
قَالَ عبدُالملكِ: قد قال في الحَدِيْثِ: ((وَالشِّغَارُ أن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ الرَّجَلَ
ابنَتَهُ على أن يُزَوِّجَهُ الآخرُ ابنَتَهُ ليس بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ)).
قال عبدُالملكِ: وَسَوَاءٌ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ أو لَمْ يَكُنْ، وَكُلُّهُ شِغَارٌ إِذَا لم
يُزَوِّجه هذا إلاَّ على شرطِ أن يزوِّجه الآخر، إنَّما تفترقُ فيه تَسمية الصَّداقِ في
الفَسخِ إذا لم يكن فيه صداقٌ فهو مفسوخٌ أبداً، قبل البِنَاء وبعدَهُ، وإذا كان معه
صَدَاق فإنَّما يفسخ قبل البِنَاء، ويثبتُ بعده، وتُرَدُّ كلُّ واحدةٍ منهما إلىُ صَدَاق
مثلها، وإن سُمِّيَ للواحدةِ صَدَاقٌ ولم يُسَمَّ للأُخْرَىُ صَدَاقٌ فُسِخَ نكاحُ التي لم
يُسمَّ لها الصَّداقُ، قبل البِنَاءِ وبعدَه، ولم يُفْسَخْ نِكَاحُ الأُخْرَى إلاَّ قبلَ البناءِ،
ويثبتُ بعدَ الْبِنَاءِ، ويُرَدُّ إِلَى صَدَاقٍ مثلِهَا، وهو كلُّه قَوْلُ مالكٍ وأَصحابِهِ[٨٦].
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (النَّشرِّ) في حديث مالكٍ(١)
[الَّذِي رَوَاهُ] عن جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، عن أبيه: ((أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﴾ لم
(١) لم يرد في ((المُوَطَِّ رواية يحيى، وهو عن جعفر بن محمد في غريب الحديث لأبي عبيد: ١٨٩/٢ .
٤٠٩

يُصدقِ امرأةٌ من نِسَائِهِ أكثرَ من اثني عَشَرَ دِرْهَماً، أوقية ونَشِّ)).
قَالَ عبدُ المَلكِ: الأُوقِيَّة: أربعون دِرْهَماً، والنَّشُ(١): عُشرون دِرْهَماً.
وَالنوَاءُ(٢): خَمْسَةُ دراهم، كذلك حدَّثني الحِزَامِيُّ، عن سُفيان، عن مَنْصُوْرٍ،
عن مجاهدٍ في تفسيره ذُلك. وكذلك أخبرني مُطرِّفٌ عن مالكٍ في تفسيره
أيضاً. ومنه حَدِيْثُ مالكِ، عن حُمَيْدٍ، عن أنسٍ بن مَالكِ(٣): ((أن رَسُوْلَ الله
وَ﴿ رأى على عَبْدالرَّحْمَن بن عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فسأله رَسُولُ اللهِ لَّه] فأخبره
أنَّه تزوَّج فقال رَسُولُ اللهِ لَّمآ كم سُفْتَ إليها؟ فقال: زِنَّةَ نَوَاةٍ من ذَهَبٍ فقال
له رَسُوْلُ الله [َّه]: أَوْلِمْ ولو بشَاةٍ)) [٥٤٥/٢ رقم (٤٧)].
قالَ عبدُالملكِ: فَقَوْلُهُ: ((زِنَةُ نَوَاةٍ مِن ذَهَبٍ)) إنَّما هي خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَم
يَكُنْ ذَهَبٌ، كَانُوا يُسَقُّوْنَ الخَمْسَةَ دَرَاهِمَ: نَوَاةٌ، والعِشْرِيْنَ: نَشَّا، وَالأَرْبعين:
أوقية (٤). وفي هذا الحديث من الفقه أنَّه ردُّ قَولِ مَنْ قَالَ: لا يَكُوْنُ الصَّدَاقُ
أقلّ من عَشَرَةٍ دَرَاهِمَ، أَلاَ تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ لَآ لم يَرُدَّ عليه ما صَنَعَ، وأَنَّه أيضاً
لم يُنْكِرِ الصُّفرةَ حين ذَكَرَ له التَّزويجَ، وهو مثلُ الحَديثِ الآخرِ: ((كانُوا
يُرَخِّصُونَ فِي ذُلك للشَّابِّ أيَّامَ عُرْسِهِ».
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ١٨٩/٢، وغريب الحربي: ٨٧٩، والفائق:
٤٢٨/٣، والنّهاية: ٥٦/٥، ويراجع: جمهرة اللُّغة: ١٤٠، وتهذيب اللُّغة: ٢٨٢/١١،
ومجمل اللُّغة: ٨٤٣، والصِّحاج واللُّسان والتاج: (نشَّ).
(٢) في الأصل: ((والنَّوى). وفي غريبِ الحَدِيْثِ للحَرِبِيُّ: ((وَالنَّواةُ ثلاثةٌ))، وفي ((التَّمهيد))
و(الاستذكار)) عن الإمام أحمد أنَّها ثلاثةُ دَرَاهِمُ وثلثٌ.
(٣) غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢/ ١٩٠.
(٤) العبارة بلفظها في تعليق الوقَّشِيِّ، وهي هنا وهناك لأبي عُبَيْدٍ في غريبِ الحَدِيْثِ فَرَحِمَ اللهُ
أَبَاعُبَيْدٍ، وَصَرَّحَ الوَقِّشيُّ بنقله عن أبي عُبٍَّ .
٤١٠

- وسألناعبدَ الملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح حديثي مالكٍ عن عمربن الخَطَّاب
في نكاح السِّرِّ، وفي نكاحِ المُتعةِ، حينَ قَالَ: ((لو تَقَدَّمْتُ فيها لَرَجَمْتُ))
[٢/ ٥٤٢ رقم (٤٢)]. أَيُعمَلُ بالرَّجْمٍ فِيمَنْ دَخَلَ فيهما على مَعرفةٍ منه بمَكْرُوهِهِمَا؟
فَقَالَ: لا ، ولكن يُعاقبُ عقوبةً ولاتبلغُ به الحَدَّ، وكذلكَ سَمِعْتُ مُطرِّفاً وابنَ
المَاحِشُون يَقُوْلاَنِ، ورَوَيَاه عن مَالكِ، وَقَالَهُ أصبغُ، عن ابن القاسمِ وغيره،
وقد كان ابنُ نافعٍ يَرَىُ الحَدَّ في نكاحِ المُتْعَةِ، وَلاَ يَرَاهُ فِي نِكَاحِ السِّرِّ، وَهُمَا
سَوَاءٌ، لا حدَّ فيهما، وفيهما العُقُوبةُ المُوجِعَةُ، وإنَّما تأويلُ قولِ عُمرَ - عندنا -
(لو تَقَدَّمْتُ فِيهما لَرَجَمْتُ)) علىْ وَجْهِ التَّشْدِيْدِ في الزَّجْرِ عنه والمَنْعِ منه.
(شَرحُ غَريبٍ كتابِ الطَّلاقِ)(١)
(من موطَّأ مالكِ بن أنسٍ رحمه الله)
[٨٧] - وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرحِ (الغَارِبِ) في حديثٍ
مالك
في الرَّجُل الذي قَالَ لامرأتِهِ: ((حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ)) [٢/ ٥٥١رقم(٥)].
قال عبدُالملكِ: أمَّا مَعنى ما أرادَ فَالتّخَلِّي منها وَالفِراقُ لَهَا، وهو
للمَدْخُولِ بِهَا ثلاثاً ولا يَنوي، ولغيرِ المَدْخُوْلِ بِهَا ثلاثاً إلاَّ أَنْ ينويَ واحدةً.
وأمَّا نَفْسُ الكَلِمَةِ فإنَّ الغَاربَ من الجَمَلِ: مُقَدَّمُ ما بَيْنَ سَنَامِهِ إلىْ كَتِفَيْهِ.
(١) الموطأ رواية يحيى: ٢/ ٥٥٠، ورواية أبي مُصعب: ١٠٦/١، ورواية محمد بن الحسن:
١٨٦، ورواية سويد: ٢٧١، والاستذكار لأبي عمر بن عبدالبرِّ: ١٧ /٧، والتَّعليق على
المُوطَّ لأبي الوليد الوقشي: ٢٧/٢، والمنتقى لأبي الوليد: ٢/٤، والقبس لابن العربيِّ:
٧٢٢/٢، وتنوير الحوالك: ٧٩/٢، وشرح الزُّرقاني: ١٦٦/٣، وكشف المُغَطَّى: ٢٥٦.
٤١١

فَقَولُهُ: (حَبْلُكِ على غَارِبِكِ))(١) يعني أنَّه رَمَى مَا بِيَدِهِ من مِلْكِهَا وَطَلَقِهَا(٢)،
كَمَا يرمي الرَّجلُ خطامَ البعيرِ من يَدِه على ظَهرِهِ فلا يبقى معه منه شيءٌ، ولیس
يسأل قائلُ ذُلك اليوم عن ماأراد به، ولو قال: لم أردْ به طلاقاً لم يُقبل ذلك منه
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرحٍ حديثٍ مالكِ في (المُتلاعِنَیْنِ)
الَّذَين لاعَنَ رَسُوْلُ اللهِ لَيْه] بَيْنَهُمَا أَكَانَتِ المَرْأَةُ حاملاً حينَ لاعَنَ
بينَهُما؟ [٥٦٦/٢ رقم (٣٤)] قال: نَعَمْ، كذلِكَ رَوَى مَالكٌ عن نافعٍ، عن ابن
عُمَرَ.
قَالَ عبدُالملكِ: وَقَد بَلَغَنِي أَنَّ رَسُوْلَ اللهِوَ لَ قَالَ - يَومئذٍ بعدَ الَّعَانِ
وَالافْتِرَاقِ -: ((فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ(٣)، أُتَتِجَ، خَمْشَ السَّاقين فهو لزَوْجِهَا،
وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ، جَعْداً، جُمَالِيًّا، خَدْلَجَ السَّاقَيْنِ، سَابِحَ الأَليتين فهو
لِلَّذِي رُمِّيَتْ به. فَجَاءَتْ به علىُ النَّعتِ المَذكورِ فقال رَسُوْلُ اللهَِله: لولاً ما
قَدْ سَلَفَ لكانَ لي ولَهَا شَأنٌ)) حَدَّثَنِيْهِ ابنُ المَاحِشُونَ وَغَيْرُهُ. (٤)
(١) اللَّفظة مشروحة في غريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ: ٣١٣/٤، ٣١٤، وغريب الخَطَّابي: ٤٠٥/٢،
والنّهاية: ٣/ ٣٥٠، ويُراجع: الزَّاهر لابن الأنباري: ٢/ ٣٥٧، والزَّاهر للأزهري: ٣٢٧،
وتهذيب اللُّغة له: ١١٧/٨. وهو مثلٌ مشهورٌ يُراجع: جَمهرة الأمثال: ٣٨٢/١، ومَجمع
الأمثال: ١٩٦/١، والمستقصی: ٥٦/٢، وغيرها.
(٢) كذا جاء في الأصل، ولعله يقصد: وطلَّقها، لأنه إذا رَمَى ما بيده من مكها فقد طلقها على
التفصيل المذكور.
(٣) في الأصل: ((أصهب)) ويُصححه كلام المؤلِّف الذي بعده.
(٤) الحديثُ نَفْسُهُ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٩٧/٢، قال: ((سمعتُ يزيدَ بن هَرُون يُحدِّثه عن عبَّاد
ابن مَنْصُورٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبِّ ◌َله.
٤١٢

قال عبدُالملكِ: أمَّا قَوْلُهُ: (أُصَيْهِبُ) فهو تَصْغِيرُ أَصْهَبَ(١). أمَّا قولُهُ:
(أُتَنِيجُ)) فهو تصغيرُ أَثْبَجَ، وهو النَّاتِيُ الثَّبَج، والثَّبَجُ: مابينَ الكاهلِ ووسطِ
الظَّهْرِ، وهو من كلِّ شيءٍ وَسَطُهُ وَأَعْلَهُ. وَ(الخَمْشُ)) الدَّقِيْقُ السَّاقين.
و(الأوْرَقُ)) الذي لَوْنُهُ بينَ سَوَادٍ وغُبْرَةٍ(٢)، ومنه قيلَ للَّمَادِ: أَوْرَقُ،
وَالحَمَامَةِ: وَرْقَاءُ. وإنَّما وَصَفَهُ بالأُدْمَةِ. وأمَّا (الخَدْلَجُ)) فالعَظِيْمُ السَّاقَين.
وأمَّا قَوْلُهُ: ((جُمَالِيًا)(٣) فإنَّ (٤) بَعْضَهُمْ يَرْوِيْهَا بِفَتْحِ الِجِيْمِ يَذْهَبُ(٤) بها
الجَمَالِ، وَلَيْسَ هو من الجَمَالِ فِي شَيءٍ، ولو أرادَ الجَمَالِ لقالَ: جَمِيْلٌ،
لَلكِنَّهُ جُمَالِيٌّ - بِضَمِّ الجِيْمِ - يعني أنَّه عَظِيْمُ الخَلْقِ، شَبَّهَ خَلْقَهُ بِخَلْقِ الجَمَلِ،
وَلِهَذَا قِيلَ النَّقِةِ: جُمَالِيَّةٌ؛ لأنَّهَا شُبِّهَتْ بِالفَحْلِ من الإبلِ في عظمِ الخَلقِ (٥).
وفي هَاذا الحَديث من الفِقْهِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَهَ لا عَنَ بينَ الرَّجُلِ وامرأتِهِ
وَهِيَ حَامِلٌ، وَهِيَ السُّنَّةُ، وفي ذُلِكَ تَكْذِيْبُ أَبِي حَنِيْفَةَ(٦) الَّذِي كَانَ يَزْعُمُ أنَّه
(١) الشَّرح كلُّه عن أبي عُبِّدٍ.
(٢) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ((السَّوادِ والغبرة)).
(٣) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ((الجمالي) وما أثبته المؤلِّف هنا لفظ الحديث.
(٤) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ((فإنهم يروونها ... يذهبون بها ... )).
(٥) بعده في غريب أبي عُبَيْدٍ: ((قال الأعشى [ديوانه (الصبح المنير): ٧٠] - يَصِفُ ناقَتَهُ -:
إِذَا كَذَّبَ الآثَمَاتُ الهَجِيْرَا
جُمَالِيَّةٌ تَغْتَلِيْ بِالرَِّافِ
يقول: لا يصدقن في الهجير في سيرها في الهاجرة (كذا عبارته؟).
وقول المؤلِّفِ - عفا الله عنه - (وفي هذا الحديث من الفقه ... )) هي عبارة أبي عُبَيْدٍ مع
اختلاف لفظها بعد ذُلك. وذكر أبو عُبَيْدٍ أنه رأي أبي حنيفة - رحمه الله -.
(٦) هذه عبارةٌ قاسيةٌ في حقِّ الإمام - رحمه الله ورضي عنه - وفي إطلاقها جَورٌ وظُلِمٌ ظاهرٌ
للإمام؟! وكان ينبغي للمؤلّف التّأدبَ معه، واختيار الألفاظ المناسبة عند الردّ عليه إن =
٤١٣

لا يُلاعَنُ بينَ الرَّجُلِ وامرأتِهِ حتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا لعلَّه نفشٌ يَنْفُشُ وَلَيْسَ بحَمْلٍ [٨٨].
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ قولِ مالكٍ في ((مُوَطَّئِ»
في امرأةِ المَفقودِ، وامرأة المُطلِّقِ الغائبِ إذا ارتَجَعَ فَبَلَغَها الطَّلاقُ ولم
تبلغها الرَّجعةُ، ثُمَّ نُكحتَا جَميعاً أنَّه لا سَبِيلَ لَزَوْجَيْهِمَا إليهما بعدَ النِّكَاحِ،
دخل بِهِمَا زَوْجَاهُما الآخَرَان أَوْ لَمْ يَدْخُلا [٢/ ٥٧٥ رقم (٥٢)].
قال عبدُالملكِ: رَجَعَ مالكٌ عن هَذا القَولِ في المَسْأَلَتَيْنِ جَمِيْعاً،
وَقَالَ: الزَّوجان الأوَّلان أَحَقُّ بهما ما لم يَبْتَنِ بِهِمَا الزَّوْجَانِ الآخران، وبهذا
نَقُوْلُ، وقدجَاءَ به الأثَرُعن عُمَرَ بن الخَطَّابِ في امرأةِ المَفقودِ، وامرأةِ المُرتَجِعِ
حَدَّثَنِي ابنُ المُغِيْرَةِ، عن سُفيان الثَّوريِّ، عن حَمَّادٍ، والأعمش،
وَمَنَصور، وإبراهيم النَّخَعِيِّ: ((أنَّ أباكَتِفٍ طَلَّقَ امرأتَهُ عَلَنِيَةٌ، ثُمَّ رَاجَعَهَا وهو
غَائِبٌ، وَأَشْهَدَ على ذلك، وكَتَبَ إليَها بالرَّجْعَةِ، فلم يَبْلُغْهَا الكِتَابُ حتَّى
انقَضَتْ عِدّتُها، وَتَزوَّجَتْ رَجُلاً، فَخَرَجَ أَبُوكَتِفٍ من الكُوْفَةِ عامِداً إلى عُمَرَ بنِ
الخَطَّاب، فأخبَرَهُ خَبَرَهُ، فَكَتَبَ لَهُ عُمَرَ كتاباً فقال له: اذْهَبْ فإِنْ لَمْ تَجِدْ
زَوْجَهَا قَدْ دَخَلَ بها فأنتَ أَحَقُّ بامْرَأَتِكَ، فَجَاءَ أَبُوكَتِفٍ وَمَعَهُ كِتَابُ عُمَرَ حَتَّى
انتَهَى إليهاِ لَيْلَةَ بِنَائِهَا، وعندَها نِسْوَتُها لِيَدْفَعْنَهَا إلى زَوْجِهَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا،
فاسْتَحْلَفَهَا باللهِ مَا غَشِيَهَا فحَلَفَت، فَأَغْلقَ البابَ وباتَ معَهَا حتَّى أَصْبَحَ، فَلَمَّا
أَصْبَحَ أَخْرَجَ كتابَ عُمرَ))(١).
دعت حاجةٌ إلى ذلك. وما ذهب إليه أبو حَنِيْفَةً هو رأيُ بعض المالكيَّة أيضاً، قال أبو الوليد
=
الباجيُّ في المنتقى: ٧٥/٤ ((قال عبدُالملك من أصحابنا: لا لعانَ بينهما ولا قذفَ حتَّى
تضعَ؛ إذ لعلَّه لا حملَ بها، وبه قال أبوحنيفة ... )).
(١) الاستذكار لأبي عمر: ٣١٤/٧، ٣١٥ بروايات مختلفة عن مصنف عبدالرزاق: ٣١٤/٦، =
٤١٤

وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ مُؤْسَى(١)، عن عِيْسِىُ الحَنَّطِ، عن عامرِ الشَّعِبِيِّ:
أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ قَضَىْ بمثلِ ذلك في امرأة المَفْقُودِ.
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرْح (الأَقْرَاءِ) في حديثِ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن ابنِ شِهَابٍ: أَنَّه كان يَقُولُ: ((عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ الأَفْرَاءُ وَإِنْ
تَبَاعَدَتْ)) [٥٧٨/١ رقم (٦١)] مَا الأَقْرَاءُ؛ الأطهارُ أَمِ الخَيْضُ؟
قال عبدُالمَلكِ: هَذَا مما اختَلَفَ فيه عُلَمَاءُ المَدِيْنَةِ وَعُلَمَاءُ الحِرَاقِ(٣)،
=
ويراجع: مصنف ابن أبي شيبة: ١٩٤/٥.
(١) هو عُبَيْدُالله بن مُوسَى بن أبي المختار العَبْسِيُّ مولاهم، أبو محمد الكوفيُّ (ت٢١٣هـ)
محدِّثٌ، صَدُوقٌ، ثِقَةٌ. روى عن شُعبةٍ وسفيان الثَّوري وابن جُرَيْجٍ. وروى عنه البخاري،
وإسحق الكوسج، والحارث بن أبي أسامة، وإسحلق بن راهويه وغيرهم. وثقه يحيى بن
معين، قال معاوية بن صالح: سألت يحيى بن معين عنه فقال: ((اكتب عنه فقد كتبنا عنه)
وقال أبوحاتم: ((صَدُوقٌ، ثقةٌ، حَسَنُ الحديث)). أخباره في طبقات ابن سَعْدٍ: ٤٠٠/٦،
وتاريخ الدُّوريّ: ٣٨٤/٢، والتاريخ الكبير للبخاري: ٤٠١/٥، وتاريخ خليفة: ٤٧٤،
وطبقاته: ١٧١، والجرح والتعديل: ٣٣٤/٥، وتهذيب الكمال: ١٦٤/١٩، وسير أعلام
النُّبلاء: ٥٥٣/٩، وتذكرة الحفاظ: ٣٥٣/١، وتهذيب التهذيب: ٥٠/٧، وشذرات
الذهب: ٢٩/٢.
(٢) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ١/ ٢٨٠، ٣٣٤/٤، وغريب ابن قتيبة: ٢٠٥/١،
وغريب الخَطَّبي: ٦٩٧/١، والغريبين: ١٥١٦، والفائق: ١٧٧/٣، وغريب ابن الجوزي:
٢٢٧/٢، والنّهاية: ٣٢/٤. ويُراجع: العين: ٢٠٥/٥، ومختصره: ٥٨٢/١، وجمهرة
اللُّغة: ١٠٩٢، وتهذيب اللُّغة: ٩٧١/٩، والزّاهر للأزهري: ٣٤١، وتفسير غريب القرآن:
٥٢، والتَّمهيد: ٨٥/١٥، وطلبة الطلبة: ٥٢، وتهذيب الأسماء واللُّغات: ٨٦/١،
والمصباح المنير: ٧٧١، وتفسير القرطبي: ١١٧/٣، والصِّحاح والِّسان والتَّاجِ: (قرأ).
والقُرْءُ يُطلقُ على الُّهر والخَيْضِ معاً فهو من الأضدادِ، وذلك أنَّ يُطلق ويُراد به وقت =
٤١٥

فقال عُلَماء المَدينةِ: الأقراءُ: الأَطهارُ، فإذَا دَخَلَتِ المُطَلَّقَةُ في الدَّمِ من الحَيْضَةِ
الثَّالثةِ حَلَّتْ، وقال عُلَمَاءُ العِرَاقِ: الأقراءُ: الخَيْضُ، فلا تَحِلُّ المُطلقةُ بدخولها
في الدَّم من الحَيْضَةِ الثّالثةِ حتَّى تَغْتَسِلَ منها، وكذلك اختلفوا في تأويل قول الله
عزَّوجلَّ: (١) ﴿ وَ الْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ تَثَةَ قُرُوَّةٍ﴾ والقُرْءُ هي الأَقراء(٢).
الشَّيءِ إذا حَضَرَ، هكذا قال أبو عُبَيْدٍ وغيره، فيصلح أن يكون وقت الطُّهر ووقت الحَيْضِ
=
وكلاهما صَحيحٌ في الاصطلاح اللُّغوي، وفي الجمع بين هذين المعنيين يكون اللَّفظ نفسه
للشيء وضدِّه. يُراجع: الأضداد لابن الأنباري: ٢٧، وأضداد أبي الطَّيب اللُّغوي: ٢/ ٥٧١،
وأضداد أبي حاتم: ١١٥، وأضداد ابن السِّكيت: ١٦٣، وأضداد الصَّغاني: ١١٢ .
وقد تحدَّث الإمام الحافظ أبو عمر بن عبدالبر في ((التَّمهيد)) عن مذاهب الفقهاء وأقوال
أئمة الحديث ونقلة اللُّغة بأوسع لفظ وأجزل عبارة فلتراجع هناك.
قال الفّقيه مُوفَّق الدِّين أبو محمَّد بن قُدامة في المغني: ١٩٩/١١ ((واختلف أهل العلم
في قوله سبحانه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بَأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُؤٍُ﴾ واختلفت الرِّواية في ذلك عن أحمد،
فرويّ أنَّها الحيضُ، روي ذُلك عن عُمر، وعليٍّ، وابن عبّاسٍ، وسعيد بن المسيّبِ،
والثّوريِّ، والأوزاعِيِّ، والعَنبريِّ، وإسحق، وأبي عُبيدٍ، وأصحاب الرأي، وروي ذُلك
عن أبي بكر الصدِّيق، وعثمان بن عمَّان، وأبي مُوسَى، وعبادة بن الصَّامت، وأبي
الدَّرداءِ ... قال: والرِّوايةُ الثّانيةُ عن أحمد: أنَّ القُرُوءَ الأطهارُ، وهو قول زيدٍ، وابن عُمر،
وعائشة، وسليمان بن يَسَارٍ، والقاسم بن محمَّدٍ، وسالم بن عبدالله، وأبان بن عثمان،
وعمر بن عبدالعزيز، والزُّهري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وقال أبوبكر بن
عبدالرَّحمن: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلاَّ وهو يقولُ ذُلك. قال ابن عبد البرِّ رَجَعَ أَحمدٌ
إلى أنَّ القروءَ الأطهارُ قال: وهي رواية الأثرم، ورأيت الأحاديث عمن قال: إنَّه أحقُّ بها
حتى تدخلَ الحَيْضَة الثالثة أحاديثها صحاحٌ قويّةٌ ... )).
(١) سورة البقرة: الآية: ٢٢٨.
(٢) كذا جاء في الأصل.
٤١٦

قال عبدُالملكِ: فأمَّا أهلُ العِرَاقِ فلم أَسْمَعْ لهم فيه قَوْلَةٌ يَحْتَجُوْنَ بها(١)
وأمَّا أهلُ المَدينةِ فالحُجَّة لهم فيه بالآثار وبكَلاَمِ العَرَبِ قَوِيَّةٌ بَيْنَةٌ.
رَوَى مَالٌ عن ابنِ شِهَابٍ عن عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: ((الأقراءُ:
الأَطْهَارُ)). [١/ ٥٧٧ رقم (٥٤)].
وَرَوَاهُ مالكٌ أيضاً عن نافع عن ابن عمر عن أبيه عن رَسُوْلِ اللهِ﴾ [٨٩]
[٥٧٨/١ رقم (٥٨)].
وَرَوَاهُ مالكٌ أيضاً عن عُمَرَ بنِ الخطّابِ، وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو، وَزَبْدِ بنِ
ثابتٍ، وسعيدِ بنِ المُسيَّبِ وسليمانَ بنِ يَسَارٍ، وَالقَاسمِ بنِ محمَّدٍ، وَسَالمٍ بِنِ
عبدِالله، وَأَبي بكرِ بنِ عبدالرَّحمن بنِ الحَارثِ بنِ هشامٍ، وَابْنِ شِهَابٍ،
وَيَحْيَى بِنِ سَعيدٍ، وَزَيْدِ بنِ أَسْلَمِ، ونافعٍ مولى ابنِ عُمَرَ، وَعُلَمَاءِ المدينة
أَجْمَعِيْنَ من الصَّحَابَةِ والتَّابِعِيْنَ أَنَّهِم قَالُوا: الأَقراءُ: الأطْهَارُ، فَإِذَا دَخَلَتِ
المُطَلَّقَةُ في الدَّمِ من الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ حَلَّتْ.
قَالَ عبدُالملكِ: وقد قَال أعشى [بَكْرٍ] مَا يَدُلُّ علىُ ذُلِكَ مِمَّا قد أقرَّ
بقَولِهِ أَهلُ العِراقِ ولم يَنْكِرُوْهُ، وإنَّما هُوَ كلامُ العَرَبِ مِنْهُمْ يُؤْخَذُ، وَعَنْهُمْ
يُحْمَلُ قالَ - وهو يَمْدَحُ رَجُلاً غَزَا غَزْوَةً فَغَنِمَ فيها وَظَفِرَ -: (٢)
(١) حججهم في التَّمهيد وغيره.
(٢) ديوان الأعشى (الصُّبح المنير): ٦٧ وروايته هناك: ((مورثةٍ مالاً وفي المَجْدِ رِفْعَةً) وهي أولى
من رواية المؤلِّف التي نقلها عن أبي عُبَيْدٍ. لأنَّ العَزَّ والرفعةَ معناهما واحدٌ. والبيت في
غريب أبي عُبَيْدٍ: ١/ ٢٨٠، ٣٣٤/٤، وفيه (مورثةً) بالنَّصب، والصَّوابُ جرُّها؛ لأنَّ قبله:
. تَشُدُّ لأَقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكًا
وَفِيْ كلِّ عَامٍ أنتَ جاشمُ غَزْوَةٍ
. البيت
مُوَرَّثَةٍ مالاً ..
=
٤١٧

لِمَا ضَاعَ فِيْهَا مِنْ قُرُوْءِ نِسَائِكًا
مُوَرَّثَةٌ عِزَّا وَفِيْ الحَيِّ رِفْعَةً
فَمَعنىُ القُرْءُ هَهُنا: الأطهارُ: لأَنَّه ضَيَّعَ أَفْرَاءَهُنَّ في غَزَاتِهِ فَثَرَهَا عَلَيْهِنَّ
وشُغِلَ عَنْهُنَّ.
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حديث مالك
الَّذِي رَوَاهُ عن عبدِ الله بنِ أبي بكرِ بنِ حَزْمٍ، عن حُمَيْدِ بنِ نافعٍ، عن
زَيْنَبَ بِنتِ أبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَمِّي أُمُ سَلَّمَةَ زوجُ النَِّيِّ ◌َّآ تقول:
(جَاءَتِ امرأةٌ إِلَى النَّبِّ ◌ِ ﴿ فقالَتْ: يارَسُولَ اللهِ إِنَّ ابنَتِيْ تُوفي عنها زَوْجُهَا وقد
اشْتَكَت عَينيها أَفَتَكْحِلُهَا؟ فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِوَلَ: لاَ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ مَرَّتين أَو ثَلَاثاً كلُّ
ذُلك يَقُوْلُ: لَاَ. ثُمَّ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ لَّهَآ إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وعَشْراً، وقد
كَانَت إِحْدَاكُنَّ في الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِى بالبَعْرَةِ على رأسِ الحَوْلِ. قَالَ حُمَيْدُ بنُ
نَافِعِ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وما تَرْمِى بالبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ؟ فَقَالَتْ [زَيْنَبُ]:
كانتِ المَرأةُ إذا تُوفي عنها زَوجُها دَخَلَتْ حِفْشاً، وَلَّبِسَتْ شَرَّثِيَابِهَا، ولم تمسَّ
طِيباً ولا شيئاً حَتَّى تَمُرَّ بها سَنَةٌ، ثُم تُأتَى بِدَابَّةِ حِمَارٍ أوشَاةٍ أو طِيْرٍ فَتَفْتَضَّ بِهِ،
فقلّ ما تَقْتضُّ بشيءٍ إلاَّ ماتَ، ثم تَخرجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً ثم تَرْمِيْ بها، ثم تُراجِعُ
بعدُ ما شَاءَتْ من ◌ِيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ. [٢/ ٥٩٧ رقم (١٠٣)].
قال عبدُالملكِ: أمَّا الحِفْشُ فالبيتُ الصَّغِيرُ(١) الرَّدِىء الخَرِبُ،
ولذلك أنشدهما بَعْضُ العلماء معاً ليعرفَ ذلك، يُراجع: غريب ابن قتيبة: ١/ ٢٥٠.
=
(١) اللَّفظَةُ مفسَّرَةٌ في غَريب أبي عُبَيْدٍ: ١٩٦/٣، وغريب ابن قتيبة: ٣١١/١، ٣١٢،
٤٩٦/٢، وذكر حديثَ الموطَّأ وفسّره عن ابن وَهْبٍ، والفائق: ٢٩٥/١، والنِّهاية:
٤٠٧/١، وغريب الأندلسيِّ المجهول: ورقة: ٣٩، وفي هامشه فوائد عن السَّفاقسي وابن
الأعرابي. وهي في غريب الوَقِّشِيِّ والاقتضاب لليفرني. ويُراجع: جمهرة اللُّغة: ٥٣٧، =
٤١٨

وَالحِصْنُ الرَّدِىءُ، أو المطلةُ الدَّنيئَةُ وما أشبهها، كانتِ المرأةُ تَدْخُلُهُ إذَا تُوفِّيَ
عنها زوجُها، وتلبسُ شرَّ ثيابِهَا، وَتَجْلِسُ على شرِّ أثاثِها وأقبحَ أحلاسِهَا، فلا
تمسُّ طِيباً، ولا تغتَسِلُ، ولا تَخرجُ من ذلك البيت إلى رأس الحَولِ فيكثرُ
عليها الوَسَخُ وَالعَرَقُ، وَيَشْتَدُّ تَفلها، فإذَا كَانَ إلى رأسِ الحَوْلِ أُنِيَتْ بدايَةٍ
حِمَارٍ أو شَاةٍ أو طيرٍ (١) أو شَيْءٍ فَتَقْتَضُّ بِهِ، معناه: تَتَمَسَّحُ به، تَمْسَحُ بِهِ
فَرْجَهَا، وَجَسَدَهَا ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ، فَقَلَّ ما كانتْ تتمَسَّحُ بِشَيءٍ إلَّ مَاتَ، وذُلِكَ
مِنْ شِدَّةٍ تَفَلِهَا (٢) وقُبح رِئْجِهَا، ثم تُؤْتَىُ بالبَعْرَةِ مِن بَعْرِ الغَنَمِ أَوِ الإِبلِ فَتَرِمِي
بها أَمَامَهَا، فيكونُ ذُلِكَ إِحْلَالَهَا. هَكَذا فَشَّرَ لي مُطَرِّفٌ وابنُ المَاجِشُوْنَ
وَغَيْرُهُمَا. وَلَقَدْ قُلْتُ لِبَعْضِهِمِ: مَا كَانَ معنىْ رَمْيْهَا بالْبَعْرَةِ؟ فَقَالَ: كانت تَرمِي
به من عَرَضَ لَهَا من كَلْبٍ أو غَيْرِهِ، يَرَى من حَضَرَها أنَّ مقامَها حَوْلاً بَعْدَ
زَوْجِهَا على تلكَ الحالِ من حُزْنِهَا وإِحْدَادِهَا أهونُ عليها من بَعْرَةٍ تَرمِي بِهَا
كَلْباً، وقد ذَكَرَتِ العَرَبُ في أَشْعَارِهَا تلكَ الإِقامةَ حَوْلاً، قَالَ لَبِيْدٌ (٣):
والمُرْمِلَاتِ إِذَا تَطَاوَلَ عَامُهَا
وهُمُ رَبِيْعٌ لِلْمُجَاوِرِ فِيْهُمُ
وتهذيب اللُّغة: ١٨٩/٤، ومجمل اللُّغة: ٢٤٤، والمحكم: ٨٠/٣، والتَّمهيد:
يس
٣١١/١٧، ٣٢١، والأفعال للسّرقُسطي: ٣٩٣/١ والصِّحاح واللَّسان والتَّاجِ: (حَفَش).
(١) جاء في تعليق أبي الوليد الوقَّشيِّ: ٥٧/٢: ((وَقَعَ في بَعْضِ الرِّوايات ((أو طَيْرِ)) والصَّوابُ:
(طائِرٌ))؛ لأَنَّ الطَّيْرَ جمعُ طائِرٍ)).
(٢) التَّقَلُ: النََّنُ، وامرأة متفالٌ، قال امرؤ القَيْسِ: [ديوانه: ٣١]
تميلُ عَليهِ هَوْنَةٌ غيرَ مِتْفَالٍ
إِذَا مَا الضَّجِيْعُ ابْتَّها مِنْ ثِياِبِهَا
كذا في اللِّسان: (تغل) وهذه القافية هي قافية البيت الذي بعده في ديوانه يراجع.
(٣) ديوان ◌َبِيْدٍ: ٣٢١، والبيتُ من معلقته المشهورة، وهو في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢/ ٩٧ وغيره.
٤١٩

وَنَزَلَ بِذْلِكَ القُرْآنُ وَهُوَ قَوْلُهُ [عَزَّوَجَلَّ](١): ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ
وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ ثُمَّ نُسِخَ ذُلِكَ بِقَوْلِهِ
[عَزَّ وَجَلَّ](٢): ﴿ يَتَرَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرً﴾ فقال رَسُوْلُ اللهِ وَلِ: (كيفَ
لا تَصْبِرُ إِحْدَاكُنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْراً، وَقد كَانَتْ تَصْبِرُ حَوْلاً علىْ أَسْوَأْ حَالِهَا؟!)).
(شرحٌ غريبٍ كتابِ الحُدُودِ)(٣)
[من موطأ مالك بن أنس رحمه الله]
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح (العَسِيْفِ) في حدیثٍ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن ابن شهابٍ، عن عُبَيْدِ الله بنِ عبدِ الله بن عُتْبَةَ بنِ مَسْعُوْدٍ،
عن أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزيدِ بنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ: ((أنَّهما أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَجُلين اختَصَمَا إلى
رَسُوْلِ اللهِ وَال﴾ فقال أحدُهُما: يارَسُوْلَ الله اقْضٍ بَيْنَنَا بَكِتَابِ اللهِ، وَقَالَ الآخَرُ
- وهو أَفْقَهُهُمَا -: أَجَلْ يَارَسُوْلَ اللهِ اقضٍ بَيْنَنَا وائْذَنْ لِي فِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، قَالَ:
تَكَلَّمْ، فَقَالَ: إِنَّ ابني كَانَ عَسِيْفاً عَلَى هَذَا فَنَى بامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ عَلَى
ابنِي الرَّجْمَ، فَاقْتَدَيْتُ منه بمَائِةٍ شَاةٍ وَيِجَارِيةٍ لي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلَتُ أهْلَ العِلْمِ،
فَأَخبرُونِي أَنَّما على ابني جَلْدُ مَائِةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، وأَخْبَرُوني إِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى
(١) سورة البقرة: الآية: ٢٤٠.
(٢) سورة البقرة: الآية: ٢٣٤.
(٣) الموطأ رواية يحيى: ٨١٩/٢، ورواية أبي مُصعب الزُّهريِّ: ١٥/٢، ورواية محمد بن
الحسن: ٢٤١، والاستذكار لأبي عمر: ٢٤ /٧، والتَّعليقُ على المُوطَّأ لأبي الوليد الوَقَّشيِّ:
٢٤٧/٢، والمنتقى لأبي الوليد الباجي: ١٣٢/٧، والقبس لابن العربي: ٩٧٧، وتنوير
الحوالك: ٣٨/٣، وشرح الزُّرقاني: ١٣٥/٤، وكشف المغطى: ٣١١.
٤٢٠