Indexed OCR Text

Pages 41-60

فقيهاً، مفتيًا، نحويًّا، لغويًّا، نسَّابةً، إخباريًّا، عروضيًّا، فائقًا، شاعرًا،
محسنًا مرسلاً، حاذقًا، متقنًا))(١).
وأثنوا على فقهه ومعرفته بأقوال مالك وأصحابه :
بأنَّه ((كان ذابًا عن قول مالكٍ))(٢) وأنَّه («حافظٌ للفقه على مذهب مالك
نبيلاً فيه))(٣) وأنه ((كان رأسًا في مذهب مالك))(٤) وقال الحُميديُّ (٥): ((فقيهٌ
مشهورٌ، متصرفٌ في فنون الآداب وسائر المعاني، كثيرُ الحديثِ والمَشَایخ)).
وقال عيسى بن دينارٍ: (٦) ((وإنَّه لأفقه ممَّن يريد أن يأخذَ عنه العلم)) ووصفه
الذَّهبيُّ في تاريخه(٧) بأنَّه: ((أحدُ الأعلام، وأنَّه كان مشهوراً بالحذق في مذهب
مالك)) وقال الصَّفديُّ(٨): ((كان موصوفًا بالحذق في مذهب مالك)) إلى غير
ذلك من عبارات الثَّاء من علماء عصره فمَن بعدهم. وكتابه ((الواضحة)) عمدةٌ
عند المالكية .
وأثنى عليه الوَزيرُ الفتحُ بنُ خَاقَان في كتابه ((مطمح الأنفس)) (٩) - على
(١) ذكره في كتابه طبقات الأدباء ونقله عنه القاضي عياض في ترتيب المدارك.
(٢) قاله إبراهيم بن القاسم بن هلال. يُراجع: ترتيب المدارك: ١٢٤/٤ .
ترتيب المدارك: ١٢٣/٤. عن تاريخ علماء الأندلس: ٢٧٠ .
(٣)
(٤)
المصدر نفسه .
(٥)
جذوة المقتبس ٢٦٣.
ترتيب المدارك: ٤ / ٠١٢٤
(٦)
تاريخ الإسلام: ٢٥٨.
(٧)
(٨) الوافي بالوفيات: ١٥٨/١٩ .
(٩) مطمح الأنفس: ٣٦، ونفح الطيب: ٦/٢.
٤١

طريقته المسجوعة - فَقَالَ: ((الفقيهُ، العالمُ، أبومَرْوان عبدالملك بنُ حَبِيْبٍ
السُّلَمِيُّ، أَيُّ شَرَفٍ لأهل الأندلس ومفخر، وأُّ بَحْرٍ للعلوم يَزْخَرْ، خلَّدت
منه الأندلس فقيهًا عالمًا، وأعاد مجاهل جهلها مَعَالِمًا، وأقام فيها للعُلُوم
سُوقًا نافِقَةْ، وَنَشَرَ منها أَلْوِيَةً خَافِقَةْ، وجلا عن الألباب صدأ الكَسَلْ، وشحذها
شَخْذَ الصَّوارمِ والأَسَلْ، وتصرَّف في فُنُون العلومْ، وَعَرَفَ كُلَّ مَعْلُومٌ، وَسَمِعَ
بالأندلُسِ وَتَفَقَّهْ، حتَّى صَارَ أعلمَ من بها وأفقهْ، لَقِيَ أنجابَ مالكْ، وسَلَكَ
في مُناظرتهم أَوْعَرَ المَسَالِكْ، حتى أجمع عليه الاتفاقْ، ووقع على تفضيله
الإصْفَاقْ. ويقال: إنَّه لقيَ مالكًا آخرَ عُمُره (١) وروى عنه عن سعيد بن المُسَيِّب .. )).
ائِّهَامُهُ بِالگذب:
ومن ناحية أُخرى انتقده جماعةٌ من العُلماء وذقُّوه واتَّهُمُوه بالكذب
وتألَّبُوا عليه، وبَعضهم حَسَدَهُ لمكانته الاجتماعية والعلمية؛ لقُربه من السُّلطان
وكثرة إقبال الطَّلبة عليه. وتمُّنه من العلوم، وسعة حفظه، وإجادته علومًا
ومعارف لم تكن شائعةً عند علماء عصره ومصره. قال ابن حيَّان(٢): ((وقرأت
بخطِّ عُبادة الشّاعر قال: كان يحيى بن يحيى وأَصحابه الفُقهاء يَحسدون
عبدالملك بن حَبِيْبٍ؛ لتقدُّمه عليهم بعلومٍ لم يكونوا يعلمونها ولا يشرعون
فيها؛ إذ كان مع تقدمه في الفقه والحَديث عالماً بالإعراب واللُّغة، مُفتَبًّا
بالعلوم القديمة، متصرِّفاً في الآداب النَّاصعة، له تواليفُ جمَّة في أكثر
(١) هذا لا يصح بحالٍ؛ لأنه لم يرحل إلى المشرق إلاّ بعد وفاة مالك بدهرٍ، ونحن نقدر مولد
ابن حبيب سنة ١٧٤ هـ، وفاة مالك سنة ١٧٩ هـ. فهل يمكن بعد ذلك أن يلقي مالكاً،
ومالكُ بالمدينة وابن حَبيبٍ بالأندلس؟!
(٢) المقتبس: ٤٨.
٤٢

الفنون، منها كتابه في ((إعراب القرآن)) وفي ((شرح الحديث)) وفي الأنساب
والنُّجوم وغیرها».
ووصفه أحمد بن عبدالبرِّ بأنَّه طويلُ اللِّسَانِ(١). وقال ابنُ الفَرَضِيِّ(٢):
((لم يقدم علينا أحد أفقهُ من سُحنون إلاَّ أنَّه قدم علينا مَنْ هو أطولُ منه لِسَانًا))
يعني ابن حَبِيْبٍ. لذلك وقَفُوا منه موقف النِّد المخالف وأعانهم على ذلك ما
اتصف به ابن حَبِيْبٍ - عفا الله عنه - من طُول لِسَانِهِ وردِّه على أفاضل العُلماء
بأَقْبِحِ رَدِّ وأخشن عبارة، كموقفه من أبي عُبَيْدِ القاسم بن سَلَّم، وتغليطِهِ له،
ووصفِهِ الإمامَ أبا حَنِيْفَةَ بالكَذِبِ، ونَقْلِهِ عن مُطَرِّفٍ عن مالكٍ أَنَّه هو وأصحابه
الدَّاءُ العُضَالُ. وذكر ابن حَبِيْبٍ كلَّ ذُلك في كتابه الذي بين أيدينا (تَفْسير
غَرِيْبِ المُوَطَّأ). ثم فساد ما بينه وبين مفتي الأندلس يحيى بن يحيى، وله
سمعةٌ حسنةٌ في أغلب الأوساط الأندلسيّة.
اتَّهَامُهُ بالسَّمَاع :
واتَّهَمُوا ابنَ حَبِيْبٍ أيضاً بأنَّه كان يأخذُ بالرُّخصة في السَّماعِ، وكان له
جَوَارٍ يُسْمِعْنَهُ، ويظهرُ أنَّ قائلَ هذا استفاده من شعرٍ بهذا المعنى قاله الشَّاعرُ
الأندلسيُّ يَخْيَى بِنُ حَكَمِ الغَزَالُ (ت ٢٥٠ هـ)(٣)، كل هذا وذاك يمكن
(١) تاريخ علماء الأندلس: ٢٧٢، وقارن بترتيب المدارك.
(٢) المصدر السابق.
(٣) شاعرٌ أندلسيُّ جميلُ الصُّورة في شبابه وكُهُولِهِ وَكِبَرِهِ، لذا لُقِّبَ بـ«الغَزَالِ))، وكان كثير
الشِّعر، محسنًا، له منزلة عالية عند خلفاء بني أميَّة بالأندلس، يبعث به سَفارة إلى البلاد،
ثقة بحكمته وعقله .. وكان شاعرًا هجَّاءٌ، وحاول الدكتور محمد رضوان الدَّاية أن يدفع
ذلك عنه؟! ونَسَبه إلى بكر بن وائل؟! ولا دليل على ذلك هو (البكريُّ) صحيحٌ لكن قد =
٤٣

الاعتذار عنه إلى حدٍّ ما، وبعضه تحاملٌ ظاهرٌ عليه - رحمه الله - مثل اتهامه
بالرخصة في السماع كما سنوضحه إن شاء الله.
تَهَاونُهُ بِالرُّوَايَةِ :
ومن صفاته التي استغلَّها خُصُومه: (تَهاؤُنُه بالرِّواية) وهذا عَيْبٌ لا
يمكن دفعه، وقد استفاض ذكره عندَ العلماء حتَّى عدُّوا ابن حبيبٍ في الضُّعفاءِ
من رُوَاةِ الحَدِيْثِ، وقد أَخَذَ العلمَ عن بعضِ العُلماءِ الَّذين لا يَرْقَوْنَ إلى درجةٍ
العَدالَةِ، وهم إلى الضَّعفِ أقربُ، وبعضهم مُتََّّقٌ على ضَعْفِهِ، فضلاً عن
تهاونه هو نَفسُهُ بالرّواية حتَّى كذَّبوه. وتختلف عبارات العلماء في تجريحه من
مقلِّ ومستكثرٍ حتى تصلَ إلى درجة وصفه بـ ((الكَذْبِ)) ولا أعلمُ أحداً من
العُلماء نفى عنه هذا. ولا يَستطيع المُدافع عنه أن ينفي ما هو قائمٌ وثابتٌ في
مؤلفاته، فهي لأزمة له، غير مُنْفَكَّةٍ عنه - رحمه الله وعفا عنا وعنه -. وقد
انَّهمه بالتَّهاون في الرِّواية عُدُوْلُ المُحدِّثين وثقاتهم من صيارفة الحديثِ،
وأكابر أهل علم الجرح والتَّعديل، خلفًا وسلفًا من أندلسيين ومشارقة من
طلابه فَمَنْ بَعدَهُم، وإن كان هو ((أولُ مَنْ أظهرَ الحديثِ بالأَنْدلسِ))(١) لكنَّه
يكون من آل أبي بكر مثلاً، وقد يكونُ من بكر بن وائل بالوَلاَءِ، فكيف يكون عربي الأرومة؟!
=
كما يقول الدكتور. وقد هجا القاضيَ يُحابر، وأخاه مُعاذاً، ونَصْراً الخَصِيَّ، وَزِرْيَاباً المغَنَّيَ.
هكذا ذكر المحقّق فيما جَمَعَهُ من شعره، وهو قليلٌ من كثيرٍ، فإنِّ دیوان الغزال كبيرٌ، جمعه
حبيب بن أحمد الشطجيري ورتّبه على حروف المعجم. يُراجع: جذوة المقتبس: ٣٧٤،
والمُطرب: ١٣٦، والبيان المغرب: ٩٣/٢، والمغرب: ٥٧/٢. ويظهر أنَّ شعره في هجاء
ابن حبيب فقد مع ما فقد من شعره فلم يذكر جامع الدِّيوان أنه عثر على شيءٍ منه.
(١) تقدم مثل هذا.
٤٤

أظهره على غير الطَّريقة التي سار عليها أهل الحديث من التَّدقيق والتَّوثيق،
وكثرة التَّحرِّي، وقوة الضَّبط، وتطبيق مبدإ الجرح والتَّعديل تطبيقًا دقيقًا،
والحكم على الأحاديث التي يُوردها في مؤلفاته إلى غير ذلك من المناهج
المحكمة التي سار عليها علماء الحديث. فلم يكن ابن حَبِيْبٍ - عفا الله عنه -
يسمع أغلب الكتب والأحاديث التي يرويها عن شيوخه ((وكان يَتَسَأَهَلُ في
سماعه ويحمل عن طريق الإجازة أكثر رواياته)) كذا قال ابن الفَرَضِيِّ(١)، وزاد:
((لم يكن لابن حَبِيْبٍ علمٌ بالحديث وكان لا يعرفُ صَحيحه من سَقيمه)). وقال
أحمد بن خالد بن الجَبَّاب(٢): ((لم يخرج ابن وضَّاح لابن حَبِيْبٍ شيئًا، وكان
لا یرضی عنه)».
أقول: ابنُ وَضِّاحٍ من تلاميذ ابن حَبِيْبٍ وكان ابن وَضَّاحِ المذكورُ يقولُ:
((إِنَّه لم يَسْمَعْ من أسد بن مُوسَىْ))(٣).
وأسدُ بنُ مُوسَى من شُيُوخِ ابنِ حَبِيْبٍ، وَأَكْثَرُ رواياته في كتابه (التُّحف .. ))
عنه؟! وروى ابن وضَّاحِ قال(٤): ((قال لي الحِزَامِيُّ(٥): أتاني صاحبكم ابن
حَبِيبٍ بِغِرَارَةٍ (٦) مملوءةٍ كُتُباً فقال لي: هذا علمك تجيزه لي؟! فقلت له:
(١) تاريخ علماء الأندلس: ٢٧٠.
(٢) ترتيب المدارك: ١٧٤/٥، ١٧٨ (الرِّباط).
(٣) ترتيب المدارك: ١٢٩/٤.
(٤) تاريخ علماء الأندلس: ٢٧٠ .
(٥) هو إبراهيم بن المنذر سبق ذكره في شُيُوخ ابن حبيبٍ، وذكره القاضي عياض في شيوخ ابن
وضَّاحٍ أيضًا (ترتيب المدارك: ٤٣٦/٤ الرباط).
(٦) الغِرَارَةُ: الوعاء، بغين معجمة مكسورة.
٤٥

نَعَم، ما قرأ عليَّ منه حرفًا، ولا قرأته عليه)) مع أنَّ ابنَ وضَّاحِ كان يُتني على
ابن حَبِيْبٍ، فلعلَّه كان يثني عليه من جوانب، ولا يرضى عنه من جانب
الشَّساهل بالرِّواية. وروى ابنُ أبي مريم خبرًا مثل هذا سبق أَنْ ذكرنا أوله، وفي
آخر الخبر: « ... قلتُ فما هذه الكُتُب، متى تقرأُ هذه؟ فقال: ما أشتغل
بقراءتها، قد أجازها لي صاحبها، فخرجتُ من عنده فأتيتُ أسدَ بنَ مُوسى
فقلت: أيُّها الشَّيخُ تمنعنا أن نقرأ عليك وتجيزُ غَيرَنَا؟! فقال: أنا لا أرى
القراءة فكيفَ أجيزُ؟! إنَّما أخذ مني كُبي يكتبُ منها ليردَّها عليَّ))(١). وهذا
معنىُ قَوْلِ ابنِ وضَّاحِ: ((لم يَسْمَعْ مِنْ أَسَدِ بنِ مُوسَىْ)).
ونَقَلَ أبوالوليد الباجيُّ، وابنُ حَزْمِ عن أبي عُمَرَ بنِ عبدالبرِّ أنه كان
يُكَذِّبُهُ(٢) وقال ابنُ حَزْمٍ(٣): ((أمَّا أحاديثُ عبدالملكِ بنِ حَبِيْبٍ فَكُلُّها مَالِكَةٌ»
وعلَّقَ الحافظُ الذَّهبيُّ فَي تاريخه(٤) على ذلك فقال: ((وقد أضعف ابن حزم
وغيره عبدالملك بن حَبِيْبٍ، ولا ريبَ أنَّه كان ضَعِيفاً) ونقل الحافظُ الذَّهبيُّ
عن الصَّدفي(٥): ((كان ابنُ حَبِيْبٍ كثيرَ الجمعِ، معتمدًا على الأخذِ بالحديث،
ولم يَكُن يميّزُهُ ولا يدري الرِّجالَ، وكان فقيهاً في المَسَائل، وكان يُطعن عليه
بكثرةِ الكُتُبٍ)). وقال الصَّدَفِيُّ(٦) - أيضًا -: ((قلتُ لأحمد بن خالد: إنَّ
(١) ترتيب المدارك: ١٣٠/٤، ويراجع: تاريخ علماء الأندلس: ١٧٠، ١٧١ مع اختلاف العبارة.
(٢) ترتيب المدارك: ١٢٩/٤.
(٣) رسائل ابن حزم: ٤٣٤.
(٤) تاريخ الإسلام: ٢٥٨.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) المصدر نفسه.
٤٦

((الواضحةَ)) عجيبةٌ وإنَّ فيها علمًا عظيمًا، فما مدخلها؟ قال: أول شيءٍ أنَّه
حَكَى فيها مذاهب لم نجدها لأحدٍ من أصحابه، ولا نقلت عنهم، ولا هي في
كتبهم)) وقال القاضي عياض (١): ((إنَّ أحمد بن خالد لم يكن يرضى عنه))،
ونقل الحافظُ ابنُ حَجَرٍ عن الصَّدَفِيِّ(٢): ((كَانَ يَطْعَنُ عليه أنَّه يَستجيزُ الأخذَ
بالمناولةِ بغيرِ مُقابلةٍ)) وَنَقَلَ الحَافظُ الذَّهَبِيُّ - رحمه الله - عن أحمد بن عبدالبرِّ
النارنجي قوله(٣): ((هو أول من أظهر الحديث بالأندلس، وكان لایمیِّر صَحِيْحَهُ
من سَقِيْمِهِ، وَلاَ يَقْهَمُ طُرُقَهُ وَيُصَحِّفُ أسماءَ الرِّجَالِ، وَيَحْتَجُ بِالمَنَّاكِيْرِ، فَكَانَ
أَهلُ زمانِهِ لا يرضَون عنه وَيَنْسِبُونه إلى الكَذِبِ)) وقال الحُمَيْدِيُّ(٤): ((ما
أحاديثه إلاَّ غرائب كثيرة)) ومثله قال الضَّبيُّ(٥).
الدّفاع عنه في بعض ما نُسب إليه:
من أبرز المُدافعين عن ابن حَبِيْبٍ - رحمه الله - الإمام العلاّمة منذر بن
سَعيد البَّلُّوطي(٦) - رحمه الله - قال(٧): ((لو لم يكن من فضل عبدالملك إلاَّ أنَّك
(١) ترتيب المدارك: ١٢٩/٤.
(٢) لسان الميزان: ٤/ ٦١ .
(٣)
تاريخ الإسلام: ٢٥٩.
(٤)
جذوة المقتبس: ٢٦٣.
(٥)
بغية الملتمس: ٣٦٤.
(٦) عالم أندلسيُّ شهيرٌ، كان قاضي الجماعة بقرطبة يُنسب إلى فحص البَلُّوط موضع قرب
قرطبة، وكان خطيبًا بليغًا مفوَّهًا فقيهًا محققًا. (ت ٣٥٥ هـ).
أخباره في تاريخ علماء الأندلس: ١٤٤/١، وجذوة المقتبس: ٣٤٨ وغيرهما.
(٧) ترتيب المدارك: ١٣١/٣.
٤٧

لاتجدُأحداً ممن تُحْكَى عنه معارضَتُهُ وَالرَّدُّ لقوله ساواه في شيءٍ، وأكثر ماتجد
أحدهم يقول: كَذَبَ عَبْدُالملك، وَأَخْطَاً، ثم لا يأتي بدليلٍ على ما ذكره)).
ومن المُدافعين عن ابنِ حَبِيْبِ القاضي عياضٌ - رحمه الله - قال(١).
((وقد ذكرنا في أخبار ابن وهبٍ بعد هذا قصته التي تُحُومِلَ علیه بها، وليس بها
ما يقوم به دلالة على تكذيبه وترجيح نقلٍ غيره على نقله. وكان أحمد بن خالد
سَيِّءَ الرأي فيه. )) يشيرُ القاضي عياض إلى قِصَّةٍ ذكرناها في مبحث الخلاف
بین یحیی بن یحیی وابن حَبِيْبٍ.
ودافع القاضي عياض - رحمه الله - عن ابن حَبيبٍ فيما وقع فيه الشّاعرُ
يحيى بن حكم الغَزَالُ الشَّاعرُ القُرْطُبِيُّ (ت ٢٥٠ هـ) حيث اتَّهَمَ ابن حَبِيْبٍ في
إياحة السَّماع في شعر قاله نسج عليه ابن الفرضيِّ خيوط العنكبوت فقال(٢):
((كان يأخذ بالرُّخصة في السَّماع وكان له جوارٍ يُسمعنه)) فقال القاضي عياض(٣):
(«والأشبهُ بُطلانُ هذه الحكايةِ؛ فإنَّ لابن حَبِيْبٍ كتابًا في كراهية الغناء)). كما
دافع القاضي عياضٌ - رحمه الله - عن خبر تكذيبه قائلاً: (٤) ((وليس بها ما يقوم
به دلالة علی تکذیبه وترجیح نقل غيره علی نقله، وکان أحمد بن خالدٍ سيّءَ
الرأي فیه». وردًّ القاضي عياض - رحمه الله - على ما ذکر أُنَّه روي عن أسد بن
موسى، وإبراهيم بن المُنذر كتبهما وهو لم يَسْمَعْهَا عليهما، ولا قابلها مَعَهُمًا،
ردّ القاضي عياض على مثل هذا الاتهام وأحال إلى كتابه ((الإلماع)) هذا ما رَدَّ
(١) المصدر نفسه: ١٢٩.
(٢) ترتيب المدارك: ١٣٠/٤، ١٣١.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) ترتيب المدارك: ١٢٩/٤.
٤٨

به منذر بن سَعيدٍ، والقاضي عياض وهُما في مقدمة المدافعين عن ابن حَبِيْبٍ.
وتكذيب النُّقَّاد والمحدِّثين لابن حَبِيْبٍ إنَّما هو عائد علىْ تَرَخُّصُه وتسامحه
في الرِّواية بـ ((الوِجَادِ)) وهي من أضعف طرق الرِّواية، وهذه الرِّواية الضَّعيفة
لا تقبل من ابن حَبِيْبٍ الذي عاش في زمن الذّروة في المحافظة على السُّنة، في
زمن كثرت فيه الفتن، وتهاون كثير من أهل البدع من المسلمين بالرِّواية وتمسّكُوا
بأحاديث ضعافٍ أو موضوعةٍ في حججهم وأقوالهم، وشنُّوا حرباً لا هوادة
فيها على علماء السلَّف، فقد عاش ابن حَبِيْبٍ في ذروة القول بخلق القرآن،
لذلك كان مذهب السّلف الصَّالح من أهل السُّنة والجماعة هو التمسُّك الصَّحيح
بالسُّنة، والتأكيد على صحّة نقلها، ومعرفة الطُرق والأسانيد ودراسة أحوال
الرِّجال جرحاً وتعديلاً؛ للاعتصام بالسُّنة الصَّحيحة بعد الاعتماد على ظاهر
القرآن؛ لردِّ شُبَهِ المخالفین، وقمع بدع المبتدعین. ونظراً إلى تهاون ابن حبيب
بالرِّواية وقد عاش في ذلك الزَّمن انتقدوه وكذَّبوه ووصفوه بهذه الصِّفات التي
سقنا بعضها، مع أنهم امتدحوه هم أنفسهم بجودة الحفظ، وقوة الفهم، وحسن
التَّأليف، وجلالة القدر، والذَّكاء والفِطنَةِ وتنوع المعلومات وكثرتها ونفع
العامة بالفتوى، والخاصة من طلبة العلم، ونصح الولاة وغيرهم. فأقوالهم
فيه هي الإنصافُ بعينه وإن كنّا لا نجهل أنَّ هناك تحاملاً شديدًا من بعض العلماء
على ابن حَبِيْبٍ لا نزالُ نجهلُ أسبابه ودوافعه الحقيقية. أسأل الله تعالى أن
يغفر لنا وله ولهم، ويعفو عنّا وعنه وعنهم أجمعين.
وفاته :
توفي ابن حَبِيْبٍ - رحمه الله - يوم السَّبت لأربعٍ ليالٍ مَضَيْنَ من شهر
رمضان سنةً ثمانٍ وثلاثین ومائتين في أَوَّل ولاية الأمير محمد - رحمه الله - كذا
٤٩

قال ابن الفَرَضِيِّ(١) قال: ((أخبرني بذلك أبو محمَّدٍ الباجيُّ وغيرُه، ذكره أحمد،
وقال لنا أبوالحسن بن مجاهدٍ، عن أصبغَ، قال لنا سعيد بن فلحون ...
أخبرنا بذلك ختنه أبوعبدالله محمَّدُ بن قَمَرِ الزَّاهدُ الفقيهُ - رحمه الله - وكانت
عِلَّتُهُ الحَصَاة، ماتَ وهو ابنُ أَربعٍ وستين سَنَةً)).
وفي ((ترتيب المدارك))(٢) قال القاضي عياضٌ: ((وَتُوُفِّيَ ابنُ حَبِيْبٍ في
ذي الحجَّةِ سنةَ ثمانٍ وثلاثين، وقيل: تسع وثلاثين ومائتين، وقد بلغ سنًّا
وخمسين سنةً. وقال الشِّيرازيُّ: ثلاثًا وخمسين سنةً. وصَّلَى عليه أحمد بن
زياد. قاله ابن الفَرَضِيِّ. وقال غَيْرُهُ: صلَّى عليه ابنه يَحيى. وقبرُهُ بقرطبة
بمقبرة أمّ سلمة في قبلة مسجد الضّيافة. وقال محمّد بن حارث: توفي سنة
سبع وثلاثین ومائتين إلى ستة شهور من ولایة محمّد.)).
وماذكره ابن الفَرَضِيِّ هو اختيار الحافظ الذَّهَبِيِّ(٣) وغيره، وهو مؤكّد بالرِّواية
فهو أولى بالاختيار. قال القاضي عياضٌ: ورثاه أبو عُبادة الرَّشَّاش (٤) بقوله:
وَقَدْ قَلَّ فِينَا مَنْ يُقَالُ المُهَذَّبُ
لَئِنْ أَخَذَتْ مِنَّا المَنَايَا مُهَذَّبًا
لِمَنْ هُوَ مَغْمَومُ الْفُؤَادِ مُعَذَّبُ
لَقَدْ طَابَ فِيهِ المَوْتُ وَالمَوْتُ غِبْطَةٌ
ولأحمد بن هانيء فیه:
مَاذَا تَضَمَّنَ قَبْرٌ أَنْتَ سَاكِنُهُ
عَجِبْتُ لِلْأَرْضِ فِي أَنْ غَيَبَتْكَ وَقَدْ
مِنَ الثُّقَى وَالنَّدَى يَا خَيْرَ مَفْقُودِ
مَلأَتَهَا حِكَماً فِي البِيْضِ وَالسُّوْدِ
(١) تاريخ علماء الأندلس: ٢٧٢ .
(٢) هو وما بعده في ترتيب المدارك: ١٤١/٤ .
(٣) تاريخ الإسلام: ١٦١.
(٤) سيأتي التعريف به إن شاء الله في مبحث (شعره).
٥٠

آثاره:
( أ) مؤلفاته :
وُصِفَ ابنُ حَبِيبٍ بأنَّه ((عالم الأَنْدَلُسِ)(١) وأَنَّه ((كان جَمَّاعاً كثيرَ الكُتُب))(٢)
يقولُ ابنُ عَذَارِيٍ(٣): ((له مؤلَّفَاتٌ حِسَانٌ في الفقهِ والأدبِ والتَّواريخ كثيرةٌ» .
ويقول القاضي عياض(٤): ((وأَلَّف ابنُ حَبِيبٍ كتباً كثيرةً حِسَاناً ... )) قال
بعضُهم: قلتُ لعبدِ الملكِ: كم كُتُبك التي ألَّفْتَ؟ قال: ألفُ كتابٍ وخمسون
كتاباً. أثنى العُلماءُ على كُتُبِ ابنِ حَبِيْبٍ، ونالت استحسانهم وإعجابهم، وكتابه
(الوَاضِحَةُ)) من أكثر كتب المذهب شُهرةً، وأعظمها قدراً. قال عبدُالأعلى بن
مُعلَّى: ((هل رأيتُ كُتُباً تحبّب عبادة الله تعالى إلى خلقه وتعرّفهم به ککتب
عبدالملك بن حَبِيْبٍ؟! يريدُ كتبه في الرَّغائب والرَّهائب)»(٥) .
والسُّؤال هنا: هل صحيحٌ أنَّه ألّفَ أَلْفَ كِتَابٍ وخَمسين كتاباً؟! والجوابُ:
أن نقولَ: المقصودُ بالكتاب في هذه العبارة الملزمةُ من الكتاب أو نحو ذلك.
وهو القِسْمُ المُشْتَمِلُ على معنى خاص داخل الكتاب المجموع، مثل كتاب
(الصَّلاة) وكتاب (الزَّكاة) ... في كتابٍ في الفقه مثلاً. والدَّليلُ على ذلك قول
القاضي عياض لمَّا عدَّد مؤلفاته: ((وكتابُ أخيارِ قُريش وأخبارها وأنسابها))
(١) قائله محمد بن عمر بن لبابة، يرويه عن ابن مُزَيِّن. يراجع: البيان المغرب: ١٦٤ وطبقات
التُّحاة وغيرها. وتاريخ علماء الأندلس: ٢٧١ .
(٢) قائله أحمد بن عبدالبر، الإحاطة: ٥٤٩/٣ .
(٣) البيان المغرب: ١٦٥.
(٤) ترتيب المدارك: ١٢٧/٤.
(٥) المصدر نفسه: ١٢٨/٤.
٥١

خمسة عشر كتابًا. فإذا قدَّرنا الكتاب على تعبيره بست عشرة ورقة، فسيكون
کتاب «أخیار قریش» المذکور في حدود خمسين ومائتي ورقة، وهذا حجمٌ
مقبولٌ في مثل هذا الموضوع ليس بالصَّغير ولا بالكَبيرِ. وعلى هذا فيمكن أن
يقاسَ باقي مؤلّفاته، ومن المُتَوَقَّعِ أن تكون في حُدُوْدِ خَمسين مؤلَّفاً، وإليكَ
ما عرفته منها، مرتبةً على حروف المُعْجَمِ :
١ - أخيارُ قُريْشٍ وأخبارُها وأنسابُها .
٢ - أَدبُ النِّساءِ (الغاية والنِّهاية) طبع بتحقيق عبدالمجيد تركي بدار الغرب
الإسلامي سنة ١٤١٢ هـ، وأفدت من مقدمته کثیراً. جزى الله محققه خیرًا.
٣ - إعراب القُرآن.
٤ - الباه والنَّساء.
٤ - التّاريخ، في مكتبة بودليانا بأُكسفورد في بريطانيا، يظهر أنه بدأه ابن
حبيب، وأتمه تلميذه ابن أبي الرِّقاع إلى سنة ٢٧٤ هـ. يُراجع تاريخ الأدب
العربي لبروكلمان، ومقدِّمة أدب النِّساء.
٦ - تفسيرُ القرآن.
٧ - تفسيرُ المُوَطَّأ (هو كتابنا الذي نقدم له فيما يَظهرُ) سنتحدث عنه حديثاً
مفصّلاً إن شاء الله.
٨ - الجامع، لعله هو (شرح الحديث) الآتي.
٩ - حُرُوبُ الإسلام.
١٠ - الحسبةُ في الأمراض.
١١ - الحكمُ والعمل بالجوارح.
١٢ - رغائبُ القرآن والمغازي والحدثان.
٥٢

١٣ - الرُّهونُ والمَغارمُ.
١٤ - السَّخاءُ واصطناعُ المعروفِ.
١٥ - الرِّياء بالياء المثناة التَّحْتِيَّةِ، وفي بعض المصادر بالباء المُوحدة؟!
١٦ - السُّلطانُ.
١٧ - سيرة الإمام في المُلحدين.
١٨ - شرح الحديث. ذكره ابن خَيْرِ الإشبيليُّ، والرَّوداني، قال ابنُ خَيْر: ((شرح
الحديث لعبدالملك بن حَبِيْبٍ - رحمه الله - حدَّثني به الشيخ أبو محمد بن عَتَّاب
- رحمه الله - إجازةً، عن أبيه - رضي الله عنه -... وساق سندًا إلى يوسف بن
يحيى المغامي تلميذ ابن حَبِيْبٍ عنه، وقال: هو عشرة أجزاء، الأول منها
(شرح الموطأ)) والثاني: ((شرح جامع الموطأ)» والجُزء الثّالث ابتدأ فيه شرح
حديث النَّبِي عليه السلام، وأخذ كتب أبي عُبَيْدٍ إلاَّ أنَّه خلطها بتقديمٍ وتأخيرٍ
وانتحلها وردّ على أبي عُبَيْدٍ أكثرها وتَحامل فيها عليه، ثم ذكر على هذا النحو
أحاديث الصَّحابة والتَّابعين وخَتَمَ كتب الشَّرح - وهو العاشر فیھا ۔ بکتاب
طبقات العلماء)) وشرح مَنْ زُنَّ منهم بالأهواءِ، وهو كتابٌ صغيرٌ ذَكَرَ ذُلك كلَّه
أبو عبدالله محمد بن عتَّاب رحمه الله)) .
١٩ - طبقاتُ الفقهاء والتَّابعين (طبقات المُحَدِّثين).
٢٠ - غريب الحديث.
٢١ - الفَرائضُ. ذكر بروكلمان في تاريخ الأدب العربي: ٨٧/٣ (الترجمة
العربية) وعنوانه (التَّلخيص في الفرائض) ويُعتبر من أقدم ما وصل إلينا مما
أُلِّف في هذا الفن إن ثبتت نسبته إلى ابن حَبِيْبٍ، ولا شَكَّ أنَّ لابن حَبِيْبٍ كتاباً
في هذا الفن. يراجع: ترتيب المدارك: ١٢٨/٤. وقد رواه ابن خير الإشبيلي
٥٣

في فهرسته؛ بسنده إلى ابن حَبِيْبٍ عن طريق يوسف المغامي تلميذه. لكن هل
هو هذا؟! لم أقف علیه بعد.
٢٢ - فضائل الصَّحابة.
٢٣ - فضائل عُمر بن عبدالعزيز.
٢٤ - فضائل مالك بن أنس.
٢٥ - فضائل النَّبيِّ وَل﴿ و أصحابه.
٢٦ - كراهية الغناء.
٢٧ - مختصر الطِّبِّ. طبع بعنوان: ((الطّب النبوي)) بتحقيق د/ محمد علي البار
سنة ١٤١٣ هـ.
٢٨ - کتاب المسجدیْن.
٢٩ - مَصَابيح الهُدَى. في مكتبة الملك عبدالعزيز التَّبعة للحرس الوطني في
مدينة الرِّياض كتابٌ بهذا الاسم، مصوَّر؟! منسوب إليه في الفهرست، وعند
الاطلاع عليه ثبت أنه ليس له بأدلة لا يتسع المقام هنا لذكرها.
٣٠ - معرفة النُّجوم. منه نسخة في المكتبة العامة بالرّباط رقم ١٨٥ ولم أقف
عليه، وهو برواية تَصِلُهُ بيوسف المَغامي إلى ابن حَبِيْبٍ.
٣١ - مغازي رسول الله وَله .
٣٢ - المغازي. هكذا لعله سابقه.
٣٣ - مكارم الأخلاق. ذكره ابن خَيْرِ الإشبيلي في فهرسته: ٢٩٠ وساق إليه
سنداً عن طريق تلميذه يوسف المغامي.
٣٤ - النَّاسخُ والمَنسوخ.
٣٥ - وصف الفردوس (التُّحف والظُّرف) منه نسخة في الأزهرية، وأخرى في
٥٤

المكتبة المركزيَّة بجامعة أم القرى، وطبع في بيروت سنة ١٤٠٧ هـ، وحققه
بعض طلبة الدِّراسات العليا في جامعة أم القرى.
٣٦ - الوَاضِحَةُ. هو من أشهر مؤلفات ابن حَبِيبٍ(١). أحال عليها في كتابنا
هذا. وذكرها القاضي عياض في ((ترتيب المدارك))(٢) فقال: ((لم يؤلَّف مثلها))
وسُئِلَ يوسف المغامي وقيل له: ((لو أوضحت هذا السَّماع في واضحة ابنِ
حَبِيبٍ! يريد: مالم يوضحه ابن حَبِيبٍ في كتابه؟ فقال: حاولتُ ذلك فوجدت
نفسي معه كمرفٌّع الخزِّ باللَّبُود)»(٣) قال الضَّبِّيُّ(٤): ((وله في الفقه الكتاب الكبير
المُسَمَّى بـ ((الواضحة في الحديث والمسائل على أبواب الفقه .. )).
أقول - وَعلى الله أعتمد -: يوجد منها قطعة في مكتبة القَرويين بفاس،
وأُخرى في مكتبة القيروان بتونس ... ولا أعلم أنها تُوجد كاملة، ولا أستبعدُ
وجودَ نُسخٍ منها في مكتبات خاصَّة أو عامّة لشهرة الكتاب وذیوعه، وهو من
الكتب التي رواها عبيدالله عن أبيه عبدالملك المؤلِّف، كما رواه المغاميُّ عن
مؤلِّمه ولم يروه ابن خیر في فهرسته؟!
واختصره فضلُ بنُ سَلَمَةَ بن جَريرِ الجُهَنِيُّ (ت ٣١٧هـ) كذا في جذوة
المقتبس: ٥٢٠/٢. وفي ترتيب المدارك: ٢٢٢/٥: ((ومختصر الواضحة زاد
فيه من فقهه وتعقب على ابن حَبيْبٍ كثيراً من قوله، وهو من أحسن کتب
المالکیین)» ووالد مؤلِّفه من تلاميذ ابن حَبِيْبٍ.
(١) في كشف الظنون: ١٩٩٦/٢ ((الواضحة في إعراب القرآن)» وهو خطأٌ ظاهرٌ.
(٢) ٣٥/٢.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) تاريخ علماء الأندلس: ٢٧٠ .
٥٥

٣٧ - الوَرَعُ في العلم. ذكره القاضي عياض ثم ذكر (الوَرَع في المال) فهل هما
كتابان؟ ويُوجد من كتابه (الوَرَع) هكذا في المكتبة الوطنية بمدريد بأسبانيا رقم
(٥١٤٦) ولم أطّلع على الكتاب. ولا أعلمُ مقدار ما فيه من العلم ويظهر أنه
صغيرُ الحجم، حَسَب وصفهم له وأنه في إحدى وعشرين ورقة، ولا أدري
أيضًا هل هي نسخة كاملة أو قطعة من الكتاب؟!
هذه هي مؤلّفات ابن حَبِيْبٍ التي ذُكرت في المصادر التي اطلعتُ عليها
علمًا بأنَّ كتب ابن حَبِيْبٍ قد يدخلُ بعضها في بعضٍ، وقد يَحملُ الكتابُ
الواحدُ أكثرَ من عنوان.
ورحلت كُتُب ابن حَبِيبٍ إلى المَشْرِقِ، فسمعها النَّاسُ على يد تلميذه
الوفي - الذي قيل: إنَّه كان صِهْرَه - يوسف بن يحيىُ المَغَامِي (ت ٢٨٨ هـ)
قال عنه أبو العَرَبِ التَّمِيْمِيُّ في ((طبقاته)) (١): ((كان المغاميُّ ثقةٌ، إماماً، عالماً،
جامعاً لفنون من العلم، عالمًا بالذبِّ عن مذهب الحجازيين، فقيه البَدَنِ،
عاقلاً، وقوراً، قلَّما رأيتُ مثلَ عقلِهِ وأدبِهِ وخُلِقِهِ، إن جَلَسَ جَلْسَةً لم يغيِّرِها
حتى يقومُ .. وقال غيرُهُ: ((لا أعلمُ منزلةٌ يستحقها عالمٌ بعلمٍ أو فاضلٌ بحسنٍ
مذهبٍ إلا ويوسف بن يحيى أهلها)). رَحَلَ إلى المشرق وأقام بها أَحَدَ عَشَرَ
عاماً منها سبع سنين مجاوراً بالحَرَمَيْن، وتَصَدَّر للعِلْمِ بمصرَ، واليَمَن، والقَيْرَوَان،
وعاد إلى الأندلس. قال القَصْرِيُّ: ((غَابَ المَغَامي إلى المَشرقِ فأقامَ أَحَدَ عَشَرَ
عاماً ومَضَىْ بِأَلَفي دينارٍ فَأَتى وعليه الدَّين؛ أنفقها في طَلَبِ العلمِ)).
قال ابنُ الفَرَضِيِّ: ((وَرَوَى عن عبد الملك بن حَبِيْبَ مصنَّفاته)) وقال
(١) يُراجع طبقات أبي العرب: والخبر وما بعده من ترجمة المغامي في ترتيب المدارك:
٤/ ٤٣٠ فما بعدها.
٥٦

القاضي عياضٌ: ((قال ابنُ فَلْحُون: لمَّا رَحَلَ المَغَامِيُّ إلى اليمن للزُّبَيْرِيِّ ألفاه
بحال محنته، فكتب إليه رسالةً وشعراً، وذكر فيه غربتَه وبُعْدَ بلده واستلطفه
فيه فدخل عليه، فلما كلَّمه وشاهد عقله وعلمه وبيانه قال له: عزيزٌ عليَّ قصد
مثلك إليَّ، وقال: يؤذن لمن أراد السَّماع في دولة يوسف المغربيِّ، فأخبره أنه
من وراء أقصى المغرب من جزيرة الأندلس، فاحتفل النَّاسُ، فكان المغاميُّ
يقرأُ لهم بأثره بعد انصرافهم من مجلس الزُّبيريِّ فوجدوه بحراً، وسألوه أن
یجعلَ لهم دولة بالعشيّ فأجابهم فسمعوا علیه کتب ابن حبیبٍ».
(ب) شعره:
لم يكن ابن حبيبٍ شاعراً مطبوعاً - وإن كان ينتمي إلى أسرة عريقة في الشِّعر -
فجده الأعلى العبّاس بن مرداس من كبار شعراء الصَّحابة - رضي الله عنهم -
وجدَّتُهُ - من فوق - الخنساءُ الشَّاعرةُ المشهورةُ، وما أثر عن ابن حَبِيْبٍ هي
مشاركة شعرية، تدلُّ علىْ وُجُودِ القريحةِ والاستعداد لدى الرجل لنظم الشِّعر،
لكنَّه لا يعدُّ في الشُّعراء، وشعره لا يرقَى إلى درجةِ الإبداعِ الشّعريّ وإن كنَّا لا
نستطيع الحكمَ على شعره حكماً قاطعاً؛ لأنَّ ما وصل إليناَ من شعره قليل جدًّا
لا يكفي لإصدارِ حكمٍ عامٍّ على شاعريَّته. صنَّه ابنُ الفَرَضِيِّ مع الأُدباء في
كتابه في ((طَبقات الأُدباء)) ((وَجَعَلَهُ صَدْراً فيهم)) ووصفه بأنَّه كان ((عروضيًّا فائقاً،
شاعراً مُحسناً، مُرسلاً حَاذِقاً .. ))(١) وقال الوزير الفتح بن خافان في ((مَطْمَحٍ
الأنْفُسِ)): ((وكان له شعرٌ يتكلّم فيه مُتَبَخِّراً، ويُرَى ينبوعُهُ فيه مُنْفَجِّراً)(٢) ومن
(١) ترتيب المدارك.
(٢) مطمح الأنفس: ٣٦.
٥٧

شِعرِهِ ما كَتَبَ به إلى الرَّشَّاش الأديب(١) يستهديه مِدَاداً، ووجه إليه بقار ورة
كبيرة: (٢)
فَامْدُدْ لَنَا مِنْهُ فَدَيْنَاكَا
احْتَجْتُ مِنْ حِبْرٍ إِلَى سَقْيَةٍ
وَلاَ يَكُنْ دُوناً فَلْحَاكَا
وَابْعَثْ وَإِنْ قَلَّ بِهِ طَيِّباً
فَإِنَّنَا أَقْنَعُ مِنْ ذَاكَا
وَلاَ تَهُولَنَّكَ قَارُورَتِي
قال ابنُ سَعِيْدٍ(٣): ومن شعره قولُهُ، وقد شاع أنَّ السُّلطانَ المذكورَ [عبدالرَّحمن
ابن الحكم] غَنَی زِرْیَابٌ بین یدیه بشعرٍ فأطربه فأعطاه ألف دینار :
هَيِّنٌ عَلَى الرَّحْمَنِ فِي قُدْرَتِهِ
مِلاَكُ أَمْرِي وَالَّذِي أَرْتَجِي
لِعَالِمِ أَرْبَى عَلَىْ بُغْيَتِهِ
أَلْفٌ مِنَ الشُّقْرِ وَأَقْلِلْ بِهَا
وَصَنْعَتِي أَشْرَفُ مِنْ صَنْعَتِهِ
يَأْخُذُهَا زِرْيَابُ فِي دَفْعَةٍ
وكتب إلى الأمير عبدالرَّحمن بن الحَكَم في ليلة عاشوراء(٤):
وَاذْكُرْهُ لاَزِلْتَ فِي الأَحْيَاءِ مَذْكُورًا
لاَتَنْسَ لاَيْسِكَ الرَّحْمَنُ عَاشُورَا
قَوْلاً وَجَدْنَا عَلَيْهِ الْحَقَّ وَالنُّورَا
قَالَ الرَّسُولُ صَلاَةُ اللهِ تَشْمَلُهُ
يَكُنْ بِعِيشَتِهِ فِي الْحَوْلِ مَحْبُورًا
مَنْ بَاتَ فِي لَيْلٍ عَاشُورَاءَ ذَا سَعَةٍ
خَيْرُ الْوَرَى كُلُّهُمْ حَيًّا وَمَقْبُورًا
فَارْغَبْ فَدَيْئُكَ فِيمَا فِيهِ رَغَّبَّنَا
(١) هو أبو عثمان سعيد بن الفرج المعروف بـ((الرَّشَّاش)) مولى بني أمية، وهو القائل:
إني أكره الهِجَاءَ وَلَكِنْ لِيْ إِلَى اللهِ فِي هِجَائِكَ قُرْبَة
يراجع: جذوة المقتبس: ٢١١، والمغرب: ١١٤/١.
(٢) ترتيب المدارك: ١٣٨/٤.
(٣) المُغرب لابن سعيدٍ: ٩٦/٢. وغيره وهي مشهورةٌ.
(٤) البيان المغرب: ١٦٥/٢، ونفح الطيب: ٦/٢.
٥٨

وَأَنْشَدَ له ابنُ الفَرَضِيُّ قصيدة كَتَبَ بها إلى أهلِهِ من المَشرقِ سنةَ عشرٍ
ومائتين: (١)
أَلَ كُلُّ غَرْبِيٍّ إِلَيَّ حَبِبٌ
إِذَا نُضِيَتْ عَنْهُ النِّابُ قَضِيبُ
يُلَدِّعُها بِالكَاوِيَاتِ طَبِيبُ
وَطُولُ مَقَامِي بِالحِجَازِ غَرِيبُ
وَمِنْ دُونِهِمْ بَحْرٌ أَنَجُّ مَهِيبُ
وَسَيْرٌ حَئِثٌ للرِّكابِ دَؤوبُ
وَحَسْبُكَ دَاءٌ أَنْ يُقَالَ غَرِيبُ
بِأَكْنَافِ نَهْرِ الثّلْجِ حِينَ يَصُوبُ
وَمَعْشَرُ أَهْلِي وَالرَّؤُوفُ مُجِيبُ
أُحِبُّ بِلاَ الْغَرْبِ وَالْغَرْبُ مَوْطِي
فَيَّا جَسَدًا أَضْنَاهُ شَوْقٌ كَأَنَّهُ
وَيَا كَبِدًا عَادَتْ رُفَاتًا كَأَنَّمَا
بَلِيتُ وَأَبْلانِيِ اغْتِرَابِي وَنَأْيَةٌ
وَأَهْلِي بَأَقْصَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ دَارُهُمْ
وَهَوْلٌ كَرِيةٌ لَيْلُهُ كَنَهَارِهِ
فَمَا الدَّاهُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ بِغُرْبَةٍ
فَيَالَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِتَنَّ لَيْلَةً
وَحَوْلِيَ أَصْحَابِي وَبِنْتِي وَأُثُّهَا
قال المَقَّرِيُّ في ((نَفْحِ الطِّيب)»(٢) وكَتَبَ إلى الزَّجَّالي(٣) رسالة وصلها بهذه
الأبيات:
حَالَتُهُ الْيَوْمَ كَحَالِ الغَرِقْ
كَيْفَ يُطِيقِ الشَّعْرَ من أَصْبَحَتْ
فَرَاغِ قَلْبٍ وَاتِّساعٍ الْخُلُقْ
والشِّعرُ لا يَسْلُسُ إِلاَّ على
(١) ترتيب المدارك: ١٣٩/٤.
(٢) النفح: ٧/٢، ٨، والأبيات في طبقات النُّحاة للزّبيدي: ٢٨٣، ومطمح الأنفس: ٢٣٣،
وإنباه الرُّواة: ٢٠٦/٢ .
(٣) هو محمد بن سعيد الزَّجَّالي، بربريُّ الأصل، عربيُّ الثَّقَّافة واللِّسان، كان ذكيًّا فصيحًا
حافظًا، لُقِّبَ بـ ((الأصمعي)) لذلك. له أخبارٌ وأشعارٌ وفوائدُ في المغرب لابن سعيد: ١/
٣٣٠، ونفح الطِّيب، وغيرهما. وقوله: ((بأدنى العَنَقْ)) العنق نوع من السِّير.
٥٩

يَرْضَىْ مِنَ الحَظِّ بِأَذَتَى العَنَقْ
فَاقْنَعْ بِهَذَا القَوْلِ مِنْ شَاعِرٍ
بَانَ لِأِهْلِ الأَرْضِ ضَوْءُ الشَّفَقْ
فَضْلُكَ قَدْ بَانَ عَلَيهِ كَمَا
فَهُوَ مِنَ المَحْتُومِ فِيمَا سَبَقْ
أَمَّا ذِمَامُ الوُّدِّ مِنِّي لَكُمْ
قال المَقَّرِيُّ: وحُكِيَ أَنَّه قال في دخوله المَشْرِقَ - وحضر بعض الأكابر فَازْدَرَاهُ
مَنْ رآه - [فقال]:
وَانْظُرْ لِصَدْرِي وَمَايَحْوِي مِنَّ السُّنَّنِ
لاَ تَنْظُرَنَّ إِلَىْ جِسْمِي وَقِلَِّهِ
وَرُبَّ مَنْ تَزْدَرِيهُ العَيْنُ ذُو فِطَنِ
فَرُبَّ ذِي مَنْظَرٍ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ
لَمْ يُلْقَ بَالٌ لَهَا إِلاَّ إِلَى زَمَن
وَرُبَّ لُؤُلُؤَّةٍ فِي عَيْنِ مَزْبَلَةٍ
وأنشد له المَقَّرِيُّ في ((النَّفْح))(١): وما أَحْسَنَ قَوْلَ عالِمِ الأَنْدَلُسِ المالكيِّ
اللَّبِيبِ عبدالملك الشُّلميِّ المشهور بـ ((ابن حَبِيْبٍ)):
للهِ دَرُّ عِصَابَةٍ صَاحَبْتُها
وَمَهَامِهٍ قَدْ جُبْتُهَا وَمَفَاوِزٍ
حَتَّى أَتَيْنَا القَبْرَ قَبْرَ مُحَمَّدٍ
خَيْرُ البَرِيَّةِ وَالنَِّيُّ المُصْطَفَى
لَمَّا وَقَفْتُ بِقُرْبِهِ لِسَلَّمِهِ
وَرَأَيْتُ حُجْرَتَهُ وَمَوْضِعَهُ الَّذي
مَعَ رَوْضَةٍ قَدْ قَالَ فِيهَا إِنَّها
وَبِمَنْزِلِ الأَنْصَارِ وَسْطَ قِبَابِهِمْ
وَبِطَيْبَةٍ طَابُوا وَنَالُوا رَحْمَةٌ
نَحْوَ المَدِينَةِ تَقْطَعُ الفَلَوَاتِ
مَازِلْتُ أَذْكُرُهَا بِطُولِ حَيَاتِي
خَصَّ الإِلَهُ مُحَمَّدًا بِصَلَةٍ
هَادِي الوَرَىُّ لِطَرَائِقِ الجَنَّاتِ
جَادَتْ دُمُوعِي وَاكِفَ الْعَبَرَاتِ
قَدْ كَانَ يَدْعُو فِيهِ في الخَلَوَاتِ
مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَوْضَةِ الجَنَّاتِ
بَيْتُ الهِدَايَةِ كَاشِفُ الغَمَرَاتِ
مَغْنَى الكِتَابِ وَمُحْكَمِ الآياتِ
(١) نفح الطيب: ٤٦/١.
٦٠