Indexed OCR Text

Pages 21-40

مولده:
لا نَعرفُ - على التَّحديد - متى كان مولد أَبي مَروان؟ ولا مكان ميلاده؟
ولم يتَّفقوا على سنةٍ وفاتِهِ، ولا على سِنِّه يوم وفاته، وقد تحدَّث العُلَمَاءُ في
ذلك كثيراً، وأقربُ الأقوال إلى الصَّوابِ أنَّ وفاتَه سنة ٢٣٨ هـ وأنَّ عمرَه يوم
وفاته أربعٌ وستُّون عاماً(١)، على هذا أكثر العُلماء، فتكون سنةُ ميلادِهِ
التَّقْرِيَّةُ سنةَ ١٧٤ هـ. قال الحافظ الذَّهبيُّ في ((تاريخ الإسلام))(٢): ((وُلِدَ سَنَةَ
نيٍّ وسبعين ومائة في حَيَاةِ مالك)».
طَلَبُ العلمَ وأشهرُ شُيُوخِهِ :
لم يُغادر ابنُ حَبيبٍ الأندلس إِلاَّ سنة ٢٠٧ أو سنة ٢٠٨ هـ(٣)، وهو في
حدود السَّابعة والعشرين أو الثامنة والعشرين من عُمُرِهِ، وفي هذه السَّنة أو
تلك غادر الأندلس إلى المَشرق، وكان وقتَ رحيلِهِ قد تزوّج وأنجبَ ابنةٌ، قال
- من قَصيدةٍ له كتب بها من المشرق: (٤)
فَيَالَيْتَ شِعْرِيْ هِلِ أَبِيْتَنَّ لَيْلَةً بَأَكْنَافِ نَهْرِ الثَّلْجِ حينَ يَصُوْبُ
(١) تاريخ ابن الفرضى (تاريخ علماء الأندلس): ٢٧٢.
(٢) تاريخ الإسلام: ٢٥٨ (وفيات سنة ٢٣٨هـ). وفي ترتيب المدارك: ٤٩/١ ((وعبدالملك بن
حَبِيْبٍ إِنَّما رحلَ سنةً ثمانٍ ومائتين، بعدَ موتِ مالكِ بنحو ثلاثين سنة، وإنما ولد بعد موت
مالكٍ بسنتين على ما تراه في أخباره إن شاء الله تعالى))؟ !.
أقول: لم يذكر القاضي في ترجمة المذكور شيئاً من ذلك فلعله نسي ذلك. وعلى كلام
القاضي تكون سنة ميلاده ١٨١ هـ؛ لأن وفاة الإمام مالك سنة ١٧٩ هـ؟ !.
(٣) ترتيب المدارك: ٣١/٢ (بيروت).
(٤) الإحاطة: ٥٥١/٣ وغيرها.
٢١

وَحَوْلِيَ أصْحَابِيْ وبِنْتِيْ وَأُمُّهَا وَمَعْشَرُ أَهْلِيَ وَالرَّؤُوفُ مُجِيْبُ
ولا شكَّ أنَّه في مثل هذا العمر قد استكملَ أهمّ مبادىءٍ العلوم التي كانت
سائدةً آنذاك، ومن أهمِّها - بلاشك - حفظ كتاب الله تَعالى، والتَّفقه بمعانيه،
ومعرفة ضُرُوبٍ من وجوه قراءاته السَّائدة في بلاده، وكذلك معرفةُ معالم السُّنةِ
النَّبويةِ المُطهّرةِ، فمعرفتها ضرورةٌ ملكَةٌ لكل طالبٍ علمٍ، ثُمَّالشُّرُوعُ في سائر
العلوم من فقه وعربيّة وتواريخ ... ولا شكَّ أنّ والده يأتي في طليعة شُيُوخه
ومقدِّمتهم، ولابدَّ أنَّه اعتَنَى به عنايةً تامةً؛ لمَّا رأى عليه علاماتِ النَّجابةِ،
وأماراتِ النُّبوغ، ومن شُيُوخه في الأندلس: صَعْصَعة بن سَلَّمِ الشَّامِيُّ،
وزيادُ بنُ عبد الرَّحمُن شَبَطَوْن، والغازي بنُ قَيْسٍ. وذكر الحافظ الذَّهبي(١):
أنَّه أخذَ عنهم قليلاً. ويجوزُ أن يكونَ قد أخذ في الأندلس قبل رحلته أو بعدها
عن غيرهم للكنْ لم تُحفظ أسماؤهم، ولا شَكَّ أنَّ تَتَبِّعي لأخبارِ ابن حَبيبٍ
عامةٌ، وشُيُوخِهِ وطُلَّبِه ومؤلّفاته خَاصةٌ تَتَبِّعٌ ناقصٌ لم يقمْ على استقراءٍ شاملٍ في
المصادرِ، لكنَّه جُهْدُ المُقِلِّ، وهو مَدخلٌ لتقديمِ أثرٍ من آثارِ هذا الرَّجُل
حَسْبُ. ولا نعرفُ شَيئا عن رحلاته داخل الأندلس لطلب العلم.
أَمَّا خارجُ الأندلس فَرَحَلَ ابن حَبِيْبٍ سنة ٢٠٨هـ، أو سنة ٢٠٧هـ (٢)
إلى المشرق لأداء فريضة الحجِّ، وزيارة مسجد النَّبِيِّ نَّهِ، وللتّزوُّد بالعلم،
وسماع الحديث من كبار محدِّئي أهلِ المشرقِ، لا سيّما في المدينة الشَّريفة
التي يقطنها أكثر أصحاب مالكٍ - رحمه الله - الذي ذاع صيته، وعلا ذكره،
وانتشر خبره في الآفاق، وعرفه القاصي والدَّاني من طلبة العلم المهتمين
(١) تاريخ الإسلام: ٢٥٨.
(٢) ترتيب المدارك: ٣١/٢ (بيروت).
٢٢

بالحديث سماعاً وإسماعاً، وحفظاً وتلقِّياً، وكانت رحلته مروراً بمصر وعودةً
إليها، وهي بلدُ العلم والعلماء، ومَحَطُّ رحال الرُّواة والفُضَلاَءِ، من المتفقّهة
في الدَّين، ونقلة السُّنة، فَأفاد من علمائها، لكنَّه ألقى عصا التِّسيار بالمدينة
الشَّريفةِ بعد أداء الحج فيما يظهر، ورَوَى المَقَّرِيُّ في ((نفح الطِّيب))(١) لابن
حَبيبٍ قصيدةً قالها عند وصوله المدينة في مدح النَِّّ وَّةٍ؛ وأنا لا أدري مدى
صحّة نسبتها إليه؛ لتضمّنها إطراءً مما شاع في القُرون المتأخرة، منها:
نَحْوَ المَدِيْنَةِ تَقْطَعُ الفَلَوَاتِ
لله دَرُّ عِصَابَةٍ صَاحَبْتُها
مازِلْتُ أَذْكَرُهَا بِطُوْلِ حَيَاتِي
وَمَهَامِةٍ قد جُبْتُهَا ومَفَاوِزٍ
وبقي في المَشرق ما يقرُبُ من ثلاثِ سنين(٢) يقرأُ ويكتُبُ، ويسَمِعُ ويحفَظُ،
ويُجَالِسُ العُلَمَاءَ، ويَحْضُرُ حَلَقَاتِ العِلْمِ، في مكّة والمَدينة ومِصْرَ، ولا أعلم
أنةَ سمع في غيرها من البلاد، فحصَّل من العلم ما أمَّله للتَّصدُّرِ والزَّعامة
والإمامة والسِّيادة، ولم يكن ابنُ حبيب بدعاً في ذلك، فأغلب علماء الأندلس
يفدون إلى المشرق، ويَرْحَلُون للحَجِّ والزيارة، ثم للطَّلَبِ والرِّواية، فإن كان
راوياً مُسِنِداً مُحصِّلاً قبلَ وفوده طلبَ العُلُوَّ في الإِسناد، وكثرة الرّواية من
مختلفِ البلادِ؛ فإنَّ ذينك مَطلبان مهمَّان لَدَى المُحَدِّثين، تنوّعِ الرِّواية وعُلُوِّ
إسنادها من جهة، ثم اختلاف البلاد التي يُسمع فيها من جهةٍ ثانية.
(١) نفح الطيب: ٤٦/١. وسأذكرها في مبحث (شعره) إن شاء الله.
(٢) عاد ابن حبيب إلى الأندلس سنة ٢١٠هـ ترتيب المدارك: ٣١/٢ (بيروت) قال: ((وانصرف
إلى الأندلس سنة عشرة؟)) وقوله هذا يناقض ما جاء في آخر الترجمة: ((وأنشد له ابن
الفرضيِّ قصيدة كتب بها إلى أهله من المشرق سنة عشرين ومائتين)) إلاَّ أن يكون عاد إلى
المشرق ثانية؟! فالله أعلم. والغالب على الظنِّ أنها خطأ، فلعلها سنة عشرٍ.
٢٣

والرَّحلةُ في طلبِ العلمِ؛ أو في طلبِ الحديثِ، أو في طلب عُلُوٌّ
الإسناد صفةٌ غالبةٌ في أكثر المحدِّثين في المشرق والمغرب، لكنَّ وَفْرَةَ
العُلَمَاءِ وكثرةَ مَراكز الحضارة في المَشرق جعلت المغاربةَ والأَندلسيِّين أكثرَ
حاجةٌ إليها .
والأندلسيُّون عند عودتهم إلى الأندلس يعودون وقد وصلوا أسانيدهم
الأندلسيّة بأسانيدَ مشرقيّة لكبار رواة الحديث من أهل المشرق، ويحملون
معهم من الكُتُبِ والمُصَنَّفَاتِ المَشرقيّةِ المُهمَّةِ القَديمةِ والحَديثةِ، بِسَمَاعَاتٍ
صَحيحةٍ، وإجازاتٍ موثوقةٍ، بِخُطُوطِ كُتَّبِهَا، أو أكابرِ العُلماء، كما تَفِدُ معهم
أهمُّ المُؤْلَّفات الأندلسيَّة إلى المشرق، وهي في غايةِ التَّوثيق والضَّبطِ
والعنايةِ؛ لهذا وذاك كانت رحلةُ ابن حَبِيْبٍ - رحمه الله -. ولكن نظراً لتعدُّد
مناحي الثّقافةِ عندَ ابن حَبِيْبٍ فهو الفَقيهُ، المحدِّتُ، المُفَسِّرُ، الفَرَضيُّ،
النَّحْوِىُّ، اللُّغَوىُ، النَّسَّابةُ .. ((رجع إلى الأندلس بعلمٍ جمٌّ وفقهٍ كبيرٍ) لم يكن
له الاهتمام التَّامِ بالرِّواية والحديثِ في زمنٍ وَصَلَ فيه الاهتمامُ برواية الحَديث
إلى الذِّروة فهو في عصر الإمام أحمد والبُخاري ومُسلم ... فلم يستَثَمِرْ
رحلتَهُ إلى المَشرقِ الاسْتِثمارَ المَرْجُوَّ منه، ولذا كَثُرت الأحاديثُ الضَّعيفةُ في
رواياته؛ نظراً لضعفٍ كثيرٍ من شُيُوخه الذين التقى بهم في رحلته التي دامت
مايزيدُ على ثلاثة أعوامٍ، وغير ذلك من الأسباب كما سيأتي - إن شاء الله -.
ومن أشهر شيوخه الَّذين ذُكِرُوا في ترجمته في المصادر المختلفة، أو حدَّث
هو عنهم في مؤلّفاته التي وقفت عليها:
١- إبراهيمُ بنُ المُنذر بن عبدالله بن المُنذر بن المُغِيْرَةِ بن عبدالله بن خالد بن
حِزَامِ (ت٢٣٠ هـ) وجدُّ الأعلىُ خالدٌ بن حِزَامٍ صحابيٍّ، هو أخو (حَكِيْمٍ بن
٢٤

حِزَامٍ يحدِّث المؤلّف عنه في مؤلّفاته بـ«الحِزَامِيِّ)) وربَّما تحرَّفت إلى
(الحرامي) أو (الجذامِي) المقصود هذا. عرَّفتُ به في أول ذكره في هامش
الكتاب يراجع : (فهرس الأعلام).
٢- إسحُقُ بنُ صالحِ(؟) حدَّث عنه في كتابه ((الثُّحف والظُرف)) وهو نفسه
كتاب ((صفة الفِرْدَوس)) عن ابن ◌َهِيْعَةَ (ت١٧٤هـ) ولم أتبين من إسحاق
هذا؟ هل هو أخو هرُون بن صالحٍ الآتي؟
٣- أسدُ بنُ مُوَسَى بن إبراهيم بن الوليد بن عبدالمَلكِ بن مرَوان، حفيدُ الخليفةِ
الوليد بن عبدالملك كما تَرَى، يُعرف بـ«أسد السُّنة)) (ت٢١٢هـ) وقد
طُعِنَ على ابن حبيبٍ بأنَّه لم يَسْمَعْ من أسدٍ هذا، كما سيأتي في الحديث
عن أقوال العُلَمَاءِ فيه إن شاء الله تعالى. وقد أكثرَ المؤلِّفُ من الرِّواية عنه
في مصنَّاته، في كتابنا هذا وفي غَيرِهِ، وأَغلبُ رواياته في كتاب «التُّحَفِ))
عنه. عرَّفتُ به في موضعه من الكتاب، يُراجع: (فهرس الأعلام).
٤- إسماعيلُ بنُ عبدالله بن عبدالله (مكرر) بن أبي أُوَيْسِ الأَصْبَحِيُّ المَدَنِيُّ
(ت٢٢٧هـ) ابنُ أختِ الإمامِ مَالكِ، حدَّث عنه المؤلِّفُ في كتابنا هذا
وخرّجتُ ترجمته في موضعه من الكتاب، يراجع: (فهرس الأعلام).
٥- أَصْبَغُ بنُ الفَرَجِ بنِ سَعيدِ بنِ نافعِ الأُمَوِىُّ، مولى عُمَرَ بن عبد العزيز رحمه الله،
(ت٢٢٥ هـ) تكرّر ذكره في مؤلفاته، وأكثر من الرِّواية عنه، وهو من أشهر
شيوخه، خرَّجتُ ترجمته في موضعه من الكتاب، يُراجع : (فهرس الأعلام)،
وهو مذكور من بين (شُرَّاح المُوطًا) خرّجتُ ترجمته هناك أيضاً كما سيأتي
إن شاء الله .
٦- وممن نَقَلَ عنهم: حَبِيْبٌ كاتبُ الإمامِ مالكِ، نقل عنه في كتابنا في خبر
(هيت) المُخَنَّث وغيره. وهو حبيب بن أبي حَبيب، واسم أبي حَبیب مَرْزُوق،
٢٥

ويُقال: رُزَيْقٌ (ت٢٢٨ هـ) عَّفت بِه في موضعه، يراجع: (فهرس الأعلامِ).
٧- زيّادُ بنُ عبد الرّحمن بن زيادِ اللَخْمِيُّ (ت٢٠٤هـ) المعروف بـ«شَبَطَوْن))
وهو لَقبٍ، يُراجع ألقاب ابن الفَرَضِيِّ: ١٠٤، وكشف النِّقاب لابن
الجَوزي: ١/ ٢٨٧، ونُزْهَةِ الأَلباب للحَافظ ابن حَجَرٍ: ٣٩٥/١ قال:
((بفتحاتٍ)) وقد حَرَّفه ابنُ الجَوْزِيِّ - رحمه الله - إلى (شطون) وليس هذا
خطأً من الثُّشَّاخ؛ لأنهً وضعه بين الضَّادِ والعَیْن، وهو يُرتَّب على حروف
المعجم. ومحقَّق كتاب ابن الجوزي (أراد أن يُعربه فأعجمه) عفا الله عنه
فرسمه، (شَيَطون) بالِيَاءَ المُثَنَّاة التحتيّة، والتَّرتيبُ لا يساعده، ولا رسم
الَّلفظة في التُّسخة التي اعتمد عليها وهي عندي؟ ! .
يُعتبر زيادٌ - رحمه الله - أوَّلَ مَنْ أدخلَ مذهبَ مالكٍ إلى بلاد الأندلس(١)،
وهو من تلاميذ مالكٍ، وكان أغلب أهل الأندلس آنذاك على مذهب
الأوْزَاعِيِّ، كذا قالوا. وإن كنتُ أرى أنَّ المذاهبَ لم تتمايز في ذلك الوقت
بَعْدُ، ولم يشتهر الاتباع للمذاهب فهو إذاً مهَّد الطريق إلى انتشار مذهب
مالك هناك، رحمهما الله، وزيادٌ المذكور من شُيُوخِهِ في الأندلس. أخباره
في: قُضاة قرطبة: ٣٣، وجذوة المقتبس: ٢٠٢، وترتيب المدارك:
١١٦/٣، وبغيه الملتمس: ٢٩٤، والدّيباج المذهب: ٣٧/١.
٨- صَعْصَعَةُ بنُ سلَّمِ الشَّامِيُّ، أبو عبدالله (ت ١٩٢ هـ). من أقدم شيوخِ ابنِ
حَبَيْبٍ في الأندلس ذكره المؤلِّفُ، وحدَّث عنه في كتابنا هذا وغيره. عرّفتُ به
في موضعه من الكتاب، يراجع: (فهرس الأعلام).
٩ - طَلْقٌ المَعَافِيُّ؛ طَلْقُ بن السَّمْح بن شرحبيل بن طَلْق بن نافعِ اللَّخميُّ
(١) سيأتي أنّ أول من أدخل ((الموطأ)) للأندلس (غازي بن قيس ت١٩٩ هـ) وكلاهما من تلاميذ مالك
٢٦

المَعَافِرِيُّ المِصْرِيُّ (ت ٢١١هـ). روى عنه المؤلِّ في كتاب ((التُّحف .. ))
وكتاب أدب النِّساء: ١٤٠ في الأول عن ضمامٍ، وفي الثَّني دون سَنَدٍ.
١٠ - عبدُ العَزيزِ بنُ عبدِ الله بن يَحْيَى بن عمرو بن أويس القُرشِيُّ المَدَنِيُّ (ت في
حدود ٢٢٠ هـ). حدَّث عنه المؤلِّف في كتابنا هذا وغيره من مؤلفاته.
وعرفت به في موضعه، يُراجع: (فهرس الأعلام).
١١- عبدالله بن صالح الجهني، كاتب الليث بن سعد، ذكره المؤلف في
كتابنا، وعرف به في موضعه. راجع (فهرس الأعلام).
١٢ - عَبدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الحَكَمِ بنِ أعين بن لَيْثٍ، الفقيه، مولى عثمان بن عقَّان
رضي الله عنه (ت٢١٤ هـ) ذكره المؤلِّف، وتكرر ذكره في مؤلّفاته،
عرَّفت به في موضعه يراجع (فهرس الأعلام).
١٣ - عبدُالله بنُ دِيْنَارِ؟ انفرد بذكره محمد مخلوف في شجرة النُّور: ٧٤ .
١٤ - عبدُ اللهِ بنُ المُبارك؟ كذا في ترتيب المدارك: ٣١/٢.
١٥ - عبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّد بنِ المُغَيْرَةِ الكُوفِيُّ، ساكنُ مصرَ (ت؟) حدَّث عنه
المؤلِّفُ فربّما قَالَ: ((حدَّثني ابنُ المُغِيْرَةِ)) وربما سقطت لفظة ((ابن)) فتبقى
((حدَّثني المغيرة))، أو (حدَّثني عبدالله بن المغيره) والمقصود هذا، تكرر
ذكره في مؤلَّفاته، وعرَّفت به عند أول ذكره، يُراجع: (فهرس الأعلام).
١٦ - عَبْدُ اللهِ بنُ مُوسَى وهو غير (عُبَيْدِ اللهِبنِ مُؤْسَى) الآتي كلاهما من شُيُوخه،
وربَّما حُرِّفت (عبيدالله) إلى (عبدالله) فاختلط الأمر. وعبدالله هذا ابن
موسى بن إبراهيم بن طلحة بن عُبَيْدالله، التَّيْمِىُّ القُرَشِيُّ الحِجَازِيُّ،
أبو محمَّدٍ. (ت؟) حدَّث عنه في كتابنا هذا وفي كتاب «التُّحف .. )) ولم
يَعْرِفْهُ المُحَقِّقُ وأصلحه في بعض المواضع بـ(عُبَيْد الله)؟! وهذا غيرُ ذَاك،
٢٧

عرَّفتُ به في موضعه من الكتاب. يراجع: (فهرس الأعلام) وإنّما استظهرت
أن يكون هو المقصود استظهاراً فعسى أن أكونَ مُصِيْباً. فليراجع؟ ! .
١٧ - عبدُ الله بنُ نافع بن ثابت بن عبدالله بن الزُّبير بن العوَّم، القُرَشِيُّ الأَسَدِيُّ
الزُّبِيرُّ، أبو بكرِ المَدَنِيُّ، يعرفُ بـ(عبد الله بن نافع الأصغر)) (ت٢١٦هـ)
ذكره القاضي عياض وغيره في شيوخه. ذكره ابن حِبَّان في الثّقات. وقال
أبو بكر بن أبي خَيْئَمَةَ عن يحيى بن معين: ((صَدُوقٌ لا بأسَ به)). أخباره
في طبقات ابن سعد: ٤٣٩/٥، وجمهرة نسب قُريش: ٩٥،٩٤، وثقات
ابن حبَّان: ٣٤٧/٨ تهذيب الكمال: ٢٠٣/١٦ وسير أعلام التُّبلاء:
١/ ٣٧٤، وتهذيب التهذيب: ٦/ ٥٠.
١٨ - عبدُ المَلِكِ بنُ عَبْدِ العَزِيز بن عبد الله بن أبي سلمة المَاجِشُوْنَ القُرَشِيُّ النَّيَّمِىُّ
مولاهم (ت٢١٢هـ) من أشهر شُيُوخ المؤلِّف، تكرر ذكره في كتابنا هذا
وغيره من مؤلَّفاته، عرَّفت به في موضعه من الكتاب. يراجع: (فهرس الأعلام).
١٩- عُبَيْدُ الله بنُ مُؤْسَى بن أبي المختار العَبْسِىُّ الكُوِفِيُّ، أبو محمَّدٍ
(ت٢١٣هـ) ذكره المؤلِّف في كتابنا هذا، وفي كتابه ((التُّحف .. )) وقد
عرَّفت به في موضعه. يراجع: (فهرس الأعلام).
٢٠ - عليٌّ بنُ جَعفرِ بنِ محمَّدٍ بن عَلِيٍّ بن الحُسين (ت٢١٠ هـ)، والده جعفر
الصَّادق. ذكره الضَّبِّيُّ في بغية الملتمس: ٣٦٤، وحدَّث عنه المؤلِّف في
أدب النِّساء في موضعين: ٢٣١، ٢٩١ .
٢١ - علىُّ بن مَعْبَدِ بن شَدَّادِ العَبْدِيُّ (ت٢١٨هـ)، حدَّث عنه المؤلِّف في كتابنا
هذا وفي كتاب ((التُّحف)) وعرَّفت به في موضعه من الكتاب. يراجع:
(فهرس الأعلام).
٢٨

٢٢- عيسى بن رَزِيْنِ الكَلَاعِيُّ (؟) حدَّث عنه المؤلّف هُنَا وفي كتاب «التُّحف .. )).
٢٣ - الغازي بن قَيْسٍٍ، أبو محمدٍ (ت١٩٩ هـ) من أهل قُرطبة، وهو من تلاميذ
الإمام مالك رحمه الله، وهو أول من أدخل ((المُوطأ)) إلى الأندلس، ولم
یکن صاحب رواية فيه، لكنّه سمعه منه، کما سمع من الأوزاعي وابن أبي
ذئب، وكان آية في حفظ ((المُوَطَّأ)). قال القاضي عياضٌ رحمه الله:
(روى عنه ابنه، وابن حَبِيْبٍ ... )) حدَّث عنه المؤلِّف في أدب النِّساء:
٢٥٠، ٢٥٨، والتُّحف. أخباره في ترتيب المدارك: ١١٤/٣.
٢٤ - قُدَامَةُ بنُ مُحَمَّدِ المَدَنِيُّ الأَشْجَعِيُّ، حدّث عنه المؤلّف في كتابنا،
وعرَّفت به في موضعه يُراجع: (فهرس الأعلام) وحدّث عنه أيضاً في أدب
النِّساء: ٢٠٨ وغيرهما.
٢٥ - مُحَمَّدُ بنُ سَلَّم الجُمَحِيُّ الأديبُ النَّاقدُ المشهورُ صاحبُ ((طبقات فحول
الشُّعراء)» (ت ٢٣١هـ). ذكره المؤلِّ في كتابنا هذا وغيره. عزَّفتُ به
في أول ذكره. يُراجع: (فهرس الأعلام).
٢٦ - مُطرِّفُ بنُ عبد الله بن سُليمان بن يَسَارٍ ، اليَسَارِيُّ، الهِلَاَلِيُّ، المَدَنِيُّ، مَوْلَى
ميمونة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها. (ت٢٢٠ هـ) من أشهرِ شُيُوخِ ابنِ حَبِيْبٍ
تكرر ذكره في مؤلَّفاته، عرَّفتُ به في أول ذكره. يراجع: (فهرس الأعلام).
٢٧ - مُعاذُ بنُ عبدِ الحَكَم؟ ذكره المؤلِّف هنا وفي ((التُّحف .. )) روى عنه عن
مُقاتل.
٢٨- المَكْفُوْفُ، اسمُهُ القاسمُ بنُ عبد الله الثَّلِّيُّ، منسوبٌ إلى تَلِّ ماسح - بالسِّين
والحاء المهملتين - من قُرى حلب، حدَّث عنه المؤلّف في كتابنا هذا
وعرَّفتُ به عند ذكره في هامش الكتاب يراجع: (فهرس الأعلام) وحدَّثَ
عنه في كتابه صفة الفردوس (التُّحف): ٦، ٥٥، ٦٥، ٦٨، وفي أدب
٢٩

النِّساء: ٣٤٩ وقال محقِّقه أحسن الله إليه: ((لم نهتدٍ إلى التَّعريف به)).
٢٩ - هَرُوْنُ بنُ صَالِحٍ بنِ إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عُبَيْدِ اللهِ، القُرشِيُّ،
التَّمِيُّ الطَّلْحِىُّ، المدنِيُّ (ت قبل ٢٢٠هـ) نقل عنه المؤلّف في ((التُّحف))
ذكره أيضاً في كتابنا هذا، وعرَّفتُ به في موضعه. يُراجع: (فهرس الأعلام).
٣٠ - أَبُو مُعَاوِيَةَ المَدَنِيُّ؟ حدَّث عنه في كتابنا هذا ولم أعثر عليه.
٣١ - أَبُو الحَسَنِ الشَّامِيُّ؟ حدَّث عنه في ((النُّحف .. )) ولم أعثر عليه.
٣٢- الحَنَفيُّ؟ هكذا حدَّث عنه في كتابنا هذا. ولم أعثر عليه.
٣٣ - التَّقِيُّ؟ هكذا حدَّث عنه في «التُّحف .. )). ولم أعثر عليه.
وبعد أن حصَّلَ أبو مَرْوَان العلمَ في بلدِهِ، ورَحَلَ إليه إلى بلاد المشرقِ
فأخذ عن جملةٍ من العُلماء كما أسلفنا، وساعده على التّحصيل حافظةٌ قويةٌ،
وقدرةٌ على الاستيعابِ والفَهمِ، وحُبٌّ في المطالعةِ، وجَلَدٌ على المُداومةِ،
وصَبرٌ وأناةٌ، مع إخلاصٍ في طلب العلم، كلُّ هذا وذاك أَهَّلَهُ للتَّصدُّر، فلمَّا
عاد إلى بلده الأندلس التي كان في شوقٍ عظيمٍ إليها يقولُ: (١)
أَلاَ كُلُّ غَزْبِيٍّ إليَّ حَبِيْبُ
أُحِبُّ بِلَدَ الغَرْبِ والغَرْبُ مُوْطِي
وكان ((قَدْ جَمَعَ علماً عظيماً)(٢) ((فنزل بلدة إِلْبِيْرَةَ، وقد انتشر سُمُوُّه في
العلم والرِّواية)»(٣) ومكث فيها مُدَّة، وكان قاضي قُرطبة يَحْيى بن مَعْمَرٍ بن
عِمْرَان بن حَنْبَلِ الأَلْهَانِىُّ (ت ٢٢٦هـ)(٤) لمَّا وَجَّهَه الأميرُ عبدُالرَّحمن بن
(١) سيأتي في مبحث شعره إن شاء الله.
(٢) ترتيب المدارك: ١٢٣/٤.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) ترتيب المدارك: ٤/ ١٤٥ فما بعدها.
٣٠

الحكم إلى قضاء قرطبة مرّةً ثانية بعد عزله «فلمَّا قدم حَلَفَ أن لا يستبقيَ یحیی
ابنَّ يحيىُ، ولا وزانَ الكاتبَ(١)، ولا سَعيدَ بنَ حسَّان(٢) القاضي، فبقيت
الأحكام معلّقةً إلى مقدم الأمير، فَبَلَغَهُ، فأنكرَ ذلك، فقال له: قد أقسمتُ
علىُ ذُلك وفي إِلْبيرة رَجُلٌ من أهل العلم والتَّقُدُّم ستَغْنَى به عنهم، يعني
عَبدَالمَلكِ بنَ حَبِيْبٍ، فأقدمه وانفرد بفتياه) فقدم ابن حَبِيْبٍ قُرطبة فكان ندًّا
ليَحيى بن يَحيى في الإفتاء والمشاورة، ((وكان الذي بينهما سَيِّاً جدًّا))(٣)
وتقدَّمه يَحيى بن يحيى في المَمَاتِ، فبقي عبدالملك بعده منفرداً في الإفتاء
والزَّعامة والوجاهة لدى الأمراء مايقرب من أربع سنين حتى لحق بربِّه.
هكذا عَادَ عَبدُالمَلكِ إلىْ قُرْطُبَةَ التي أخرج منها، عادَ إليها مُعَزَّزاً مُكرَّماً
وتولى أعلى سلطة دينية فيها؛ الإفتاء والمشاورة. ((وعرض عليه القضاء فامتنع))(٤).
وكان مع هذا لا يفتأ من المُطالعة والمُراجعة والتَّلِف، والتصدُّر
للتَّدريس، فكان من نتيجة ذلك سَعَةٌ في المعلومات، وتنوُعٌ في الثَّقافة، وكثرةٌ
في التّليف التي خلَّدت في النَّاس ذكرَه، وشهرت أمرَه، وأفادت طلبةُ العلمِ
جيلاً بعد جيلٍ، حتى يومنا هذا، وأعدادٌ كبيرةٌ من الطلبة لَهَجُوا بالثَّاء عليه،
وأكثروا بعد موته من الَتَرُم عليه، وعُدَّ ابنُ حَبِيبٍ بعدَ ذلك من مفاخر
الأندلس، ولازالت فتاواه في كتب أهلِ العلمِ مسطورةٌ، وعلى ألسنتهم
مذكورةً، يُؤْنَس بها مَعَ فَتَاوى كبارِ أهلِ العلمِ.
(١) تاريخ علماء الأندلس: ٢٦٩.
(٢) المصدر نفسه: ١٧٥ .
(٣) ترتيب المدارك: ١٢٣/٤.
(٤) المُغرب لابن سعيد: ٩٦/٢.
٣١

خلاف عبدالملكِ ليحيى بن يَحْیَى:
عَرَفْنَا فِيما سبق أنَّ القاضيَ بقُرطُبَةَ يحيى بن مَعْمَرِ الألْهَانِيَّ (ت ٢٢٦هـ)
حَلَفَ أن لا يسْتَفْتِيَ يحيى بن يحيى ... وأنَّه أشار على الأمير عبدالرّحمن بن
الحكم باستقدام ابن حَبيبٍ من إِلْبِيْرَةَ، وأَنَّهُ يُغْنِيه ... وكان ذُلك، وقدم ابنُ
حَبِيْبٍ قُرْطُبَةً، ولم يكن قدومُهُ وَتَوَلِّيه هذا المنصب لِيَقَعَ مَوْقِعًا حسناً عند
يحيى رحمه الله. وَنَقَلَ ابْنُ الفَرَضِيِّ وغيره أنَّ الذي بينهما كان سيِّئاً. ونقل
الحافظُ الذَّهبيُّ (١) عن أحمدَ بن عبد البرِّ النَّارنجيِّ(٢) أنَّ ابنَ حَبِيْبٍ كان كثيرٌ
المُخالفةِ لَيَحيى، وكان قد لَقِيَ أَصْبِغَ بمصرَ فأكثرَ عنه، وكان إذا اجتَمَعَ مع
يحيى بن يحيى، وسعيد بن حسَّان ونظرائهما عند الأميرِ عبدالرَّحمان وقُضاتِهِ
فيسُئِلوا قال يحيى ما عنده، - وكان أسنَّ القوم وأولاهم بالتقدُّم - يدفع عليه
عبدُالملك بأنَّه سَمِعَ أصبغَ بنَ الفَرج يقولُ كَذَا، فكان يَحْیَی یغُّه مخالفته له.
فلمَّا كان بعضُ الأيَّام جمعهم القاضي في الجامع فسألهم عن مسألة، فأفتَى
فيها يَحيى بن يحيىُ وَسَعِيد بن حسَّانَ ونظراؤهما، فخالفهما عبدالملك، وذكر
خلافَهُ لهما روايةً عن أصبغَ. وكان عبدالأعلىُ بن وَهْبٍ من أحداث أهل
زمانه، وكان قد حَجَّ وأدركَ أصبغَ بن الفَرَج بمصر، ورَوَى عنه، فدخلَ يوماً
بائر شُورَى القاضِي على سعيد بن حسَّان، فقال له: يا أبا وَهْبٍ: ما تقول في
مسألةٍ كَذَا؟ المسألة التي سألهم فيها القاضي هل تَذْكرُ لأَصْبَغَ بن الفَرِجِ فيها
شيئًا؟ فقال: نَعَمْ، أصبغُ يقولُ فيها كَذَا، وأفتى بموافقة يحيىُ وسَعِيْدٍ. فقال له
(١) تاريخ الإسلام: ٢٥٨.
(٢) منسوب إلى نارنج. بلدة بالأندلس.
٣٢

سَعِيْدٌ: انظر إلى ما تَقُولُ؟ أنتَ على يقين من هذا؟ قال: نَعَمْ، قال: فأتني
بكتابك. قال عبدُالأعلى: فخرجت مُسرعاً، ثم نَدِمْتُ، وَدَخَلَ عليَّ الشّكُ،
ثم أتَيتُ داري، وأخرجتُ الكتابَ من قرطاسٍ، كما رَوَيْتُهُ عن أَصْبَغَ،
فسُررتُ، ومضيتُ إلى سَعِيْدٍ بالكتابِ، فقال: تمضِي به إلى أبي مُحَمَّدٍ،
فمضَيْتُ به إلى يَحْيِى بن يَحْيَى، فأعلمتُهُ، ولم أدرِ ما القِصَّة! فاجتَمَعَا
بالقاضي، وقالا: إنَّ عبدَالملكِ يُخالفنا بالكَذِبِ، والمسألة التي خالفنا فيها،
عندك هنا رجلٌ قد حَجَّ وَأَدرَكَ أصبغَ، وروى عنه هذه المسألةَ كقولنا على
خلافٍ ما ادَّعاه عبدالملك، فَارْدَعْهُ وَكُنَّه. فجمعهم القاضِي ثانياً، وتكلّمُوا،
فقال عبدُالملكِ: قد أَعْلَمْتُكَ ما يقولُ فيها أَصبغُ، فبدر عبدالأعْلَى بن وَهْبٍ،
وقال: يَكْذِبُ عَلَىْ أَصْبَغَ، وأنا رَوَيْتُ هذه المسألة عنه على ما قال هذان،
وهذا كتابي، فأخرجَ المسألةَ، فأخذَ القاضي الكتابَ، وقرأ المسألةَ، وقال
لعبدِ المَلكِ ما ساءَهُ من القَوْلِ، وقال: تُقتينا بالكذبِ والخطأِ، وتخالفُ
أصحابَكَ بالهوى؟! لولا البُقيا عليك لعاقبتك. ثم قاموا. قال عبدُالأَعْلى:
فلمَّا خرجتُ مررتُ على دار ابن رُستُمِ الحاجبِ، فرأيتُ عبدَالملكِ خارجًا من
عِنْدِهِ، وفي وَجْهِهِ الشَّرُّ، فقلتُ: مالي لا أدخُلُ على ابن رُسْتُم؟ فدخلتُ فلم
يَنْتَظِرْ جُلُوسي حتَّى قالَ: يا مسكينٌ، من غَرَّك؟ أو مَن أدخلك في هذا العَارض؟
مثلُ عبدِالملكِ بن حَبيبٍ وَتُكَذِّبُهُ؟! فقلتُ: أَصْلَحَكَ الله، إنَّما سَألني القاضي
عن شَيءٍ، فَأَجبتُهُ بما عندي، ثم خرجتُ من عنده، وكان عبدُالملك قد شَكَا
إليه ما وقع، وقال: إنَّ القاضي أتى بِرَجُلٍ ليس من أهل العلم والرِّواية، فأُجْلِسَ
معي، وكَذَّبِنِي، وأَوْقَفَني موقِفاً عَجَّباً. فقال له ابنُ رُستُمٍ: اكْتُبْ بطاقةٌ بِالقِصَّةِ،
وارفعها للأمير، فَكَتَبَ يَصِفُ القِصَّة، وَيُشَنِّعُ. فأمرَ الأميرُ أن يُبعثَ إلى
٣٣

القاضي، فبُعثَ فيه، فَخَرَجَتْ وصيّةُ الأميرِ يقولُ: لك في أمرك أن تُشَاوِرَ
عبدالأَعْلَى؟! وكان عبدُالملِكِ قد بَنى بطاقته على أنَّ يحيى بن يحيى أمره بذلك.
فقال القاضي: ما أمرني أحدٌ بمشاورته، ولكنَّه كان يَخْتَلِفُ إليَّ، وكنتُ أعرفُهُ
من أهلِ الخيرِ والعلمِ، مَعَ الحَرَّكةِ والفَهمِ، والحَجِّ والرِّحلةِ، فلم أرَ نفسي في
سعةٍ من تَرْكِ مُشاورةٍ مثلِهِ، وسألَ الأميرُ وُزَرَاءَهُ عن عبدِ الأَعْلَىُ، فأثْنَوْا عليه،
ووصفُوا علمَه وولاءَه، وكان له ولاءٌ. قال عَبدُالأعلىُ: فصبَّحتُ يوماً عِيْسَى
ابن الشّهيدِ، فقال لي: قد رُفِعَتْ عَلَيْكَ بطاقةٌ رَدِيْتَةٌ، لكنْ دفعَ اللهُ شرَّهَا)) .
ومع ما في هذا الخبر من سُوءِ العلاقةِ بين الرَّجلين يحيى بن يحيى
وعبد الملك بن حَبِيْبٍ، إلاَّ أنَّه لا يُضْمِرُ أحدُهُما للآخرِ إلاَّ خَيْراً. فاختلافهما
- هنا على الأقل - عِلْمِيٌّ خَالِصٌ، كَمَا يظهرُ من سياقِ الخَبَرِ، ولا أظنُّ أنَّ ابن
حَبِيْبٍ يَتَعَمَّدُ الكذبَ على شَيخه، فلعلَّه واهمٌ في ذلك، أو فَهِمَ منه غير
مقصوده أو يكون لأصبغَ - رحمه الله - أكثرُ من رَأْيٍ ... والدَّليل علىْ سَلَامَةِ
السَّريرةِ في كلِّ واحدٍ منهما تِجَاه الآخرِ ما حَكَىْ القاضي عياضٌ - رحمه الله -
(أنَّ الأميرَ عبدالرَّحمن بن الحكم وجد على ابن حَبِيْبٍ، وقال له: تعلم يدي
عندك وأريدُ أن أسألَكَ عن شيءٍ فاصدقني فيه، فقال: نَعَم، لا تَسألني عن
شيءٍ إلا صدقتك فيه، فقال: إنَّه قد رُفِعَ إلينا عن يحيىُ والقاضِي أَنَّهما يعملان
علينا في هذا الأمر. فقال ابنُ حَبِيْبٍ: قد عَلِمَ الأميرُ ما بيني وبين يحيى،
ولنكنِّي لا أقولُ عليه إلا الحقَّ، ليس يَحيى بن يحيى إلاَّ مِمَّن يُخِي الحقَّ،
وكلُّ ما رُفع عليه فبَاطِلٌ، وأمَّا القاضِي ... ))(١).
(١) ترتيب المدارك: ١٣١/٤.
٣٤

وبالمُقابلِ فإنَّ يَحيىُ بنَ يَحيىْ عَامَلَهُ بِمِثْلِ ذُلك في قصَّةٍ رواها القاضي
عياضٌ أيضاً. قال: ((وقد ذُكِرَ أنَّ بعضَ جيران ابن حَبِيْبٍ اشْتَكَى إِليه بأنَّ بعضَ
المُتصَرِفِينَ لِبَعْضِ الوُزَرَاءِ يُؤذيه ويَستطيلُ عليه، فأمرَ عبدُالملك برصده،
فَجِيءَ به إليه، فَضُرِبَ بين يديه ضرباً مبرِّحاً، فَشَكًا إلى صاحبه، فكتب إلى
يحيى بنِ يحيى، فذكر له ما صَنَعَ ابنُ حَبِيْبٍ بصاحبه وحاشيته، وَسَأَلَهُ تَأْبِيدَهُ
عليه عندَ الأمير، فَكَتَبَ إليه يَحيى: ما كنَّا نُعِيْنُكَ علىُ العلمِ وأهلِهِ، وَأَيُمُ الله
لِأَقْلَمُنَا أَنْفَذُ مِن سِهَامِكُمْ، فَانْصَرِفْ عن رأيكَ والسَّلام.))(١)
ففي هَذين الخَبرِين يَتَجَلَّى خُلُوْصُ النَّةِ، وصِدْقُ الطَّوِيَّةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ
- رَحِمَهُمَا الله - وعفا عنَّا وعنهما .
تَصَدُّرُهُ لِلْعِلْمِ وَأَشْهَرُ تلاميذه:
لمَّا عاد ابنُ حبيبٍ إلى الأندلس تَصَدَّرَ لنَفْعِ الطَّلبةِ ونَشرِ العلمِ فَأَقْبَلَ عليه
الطَّبةُ، وهُرِعُوا للأخذ عنه؛ لما تَمَيَّزَ به من تَنَوُّعِ في الثَّقَّافة، وَسَعَةٍ في
الاطّلاع، ورحابة الصَّدر؛ لذا كان «يَخْرُجُ من الجَامعَ وخلفَهُ نحوٌّ من ثلاثمائة
من طالبٍ حديثٍ، وفرائض، وفقهٍ، وإعراب، وقد رَتَّبَ الدُّولَ عليهم كُلَّ يومٍ
ثلاثين دَوْلةٌ، لا يُقْرَأُ عليه فيها شيءٌ إلاَّ تآليفه أو ((مُوَطَّأ مالك)) ... ))(٢) ولذلك
لا يستغرب قول أحد طلابه: («لو رأيتَ ما كان على باب ابن حَبِيْبٍ لازدريتَ
غيره)(٣) فشاع عِلْمُهُ بالأندلس حتَّى عم أغلب أقطارها، فَصَارَ - كما قيل -:
(١) المصدر نفسه.
(٢) المصدر نفسه: ١٢٤ .
(٣) من كلام تلميذه يوسف المغامي. كما في المصدر السابق.
٣٥

((أكثرُ فقهاء الأندلُسِ وشعرائِهِم، فعن عبدِ الملكِ يأخذُ، وعن مجلِسِهِ ينهضُ))(١)
وسواء في ذُلك حُكَّامُهُم وعامَّتُهُم («فكان أكثرَ من يختلف إليه الملوكُ وأبناؤُهُم
من أهلِ الأدب))(٢) وكان من بین طلبته:
١ - إبراهيمُ بنُ خَلَّدِ اللَّخْمِيُّ (ت ٢٧٠ هـ).
٢ - إبراهيمُ بنُ شُعَيْبٍ الباهليُّ (ت ٢٦٥ هـ).
٣ - إبراهيمُ بنُ لَبِيبٍ، أبو إسحق بن الحائك (ت؟).
٤ - إبراهيمُ بنُ يزيد بن قُلزم الأُمَوِيُّ (ت ٢٦٨ هـ).
٥ - أحمدُ بنُ مروان الرُّصافيُّ (ت ٢٨٦ هـ).
٦ - بقيُّ بنُّ مخلد بن يزيد القرطُبيُّ (ت ٢٧٦ هـ).
٧ - زكريّا بنُ شَمُوسٍ، يُعرف بـ((ابن الطَّنجيَّة))، الإِشْبِيْلِيُّ (ت ٣٠٠هـ) قال
القاضي عياض: ((وهو آخر من روى عنه)). (٣)
٨ - سعيدُ بنُّ نمير (٤) بن سُليمان بن الحَسن الغَافِيُّ (ت ٢٦٩ هـ).
٩ - سليمانُ بنُ نَصْرٍ بن منصور المُرِّيُّ (ت ٢٦٠ هـ).
١٠ - صباحُ بنُ عبدالرّحمن بن الفضل بن عَمِيرَةَ العَتِيقِيُّ (ت ٢٩٤ هـ).
١١ - عامرُ بنُ معاوية بن عبدالسَّلام بن زيادِ القُرْطُبِيُّ (ت ٢٧٧ هـ).
١٢ - عبدُالأعلىُ بنُ مُعلَّى الخولاني (ت؟) ذكره القاضي عياضٌ وقال: أخذ
(١) ترتيب المدارك: ١٢٥/٤. (الرِّباط).
(٢) ترتيب المدارك: ١٢٨/٤. (الرّباط).
(٣) قارن تاريخ وفاة المذكور بقول القاضي عياض: ((كان المغامي آخرهم موتًا)) وتوفي المغامي
- رحمه الله - سنة ٢٨٨ هـ؟! وانظر في وفياته غيره أيضًا من تلاميذه ممن توفي بعد المغامي.
(٤) في ترجمة ابن حبيب في ترتيب المدارك ((نمير))، وفي ترجمته هو سعيد بن نمر. أو (النمر)).
٣٦

عن ابنٍ حَبِيْبٍ، ثم نقل عن علي بن الحسن قوله: ((أدرَكَ ابن حَبَيْبٍ ولم يأخذ
عنه))؟!
١٣ - عَبدُالجبّار بنُ فتح بن منتصر البَلَوِيُّ (ت ٢٥٦ هـ).
١٤ - عبدُ الرَّحمن بنُ محمد بن أبي مريم (ت ٢٩٠ هـ).
١٥ - عبدُالله بنُ الفرج النُّميريُّ (ت ٢٦٠ هـ).
١٦ - عبد المجيد بنُ عقَّان البَلَوِيُّ (ت ٢٦٨ هـ).
١٧ - عُبَيْدُ الله بنُ عبدالملك بن حَبيبٍ (ت ٢٩١ هـ) ابن المؤلِّفِ. جاء في
ترتيب المدارك: ١٢٣/٤ (عبدالله) وفي ترتيب المدارك: ١٤١/٤: ((خلَّف
ابنین محمدًا وَعُبَيْدَاللهِ)، وذكر وفاته هنا سنة ٢٩١ کما ذكرنا، وفي ص٤٣٥
ذكر عبيد الله أيضًا. وقال: توفي سنة نيفٍ وتسعين؟ !. وسنذكر أخاه محمدًا
في موضعه إن شاء الله .
١٨ - عُبَيْدُ اللهِ بْنُ قَمَرِ الزَّاهدُ: ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك:
٤/ ٤٣٥ هو وأخاه محمدًا، وقال: ((وتزوَّج عبيدالله ابنته بعد وفاته)) وفي تاريخ
علماء الأندلس: ٢٧٢ (أخبرني بذلك ختنه أبو عبدالله محمد بن قَمَرِ الزَّاهدُ
الفقیهُ رحمه الله. فأيُّهما کان ختنه عبيدالله أو محمد؟! أو كلاهما کان ختنا له.
١٩ - عُمَرُ بنُ موسى الكناني الإلبيريُّ (ت ٢٥٧ هـ).
٢٠ - فَضْلُ بنُ فضل بن عَمِیرَةَ بن راشد (ت ٢٦٥ هـ).
٢١ - كُرْزُ بنُ يحيى بن محرز الصَّدفي (ت في إمرة عبدالرحمن بن الحكم؟).
٢٢ - مَالكُ بنُ مَعْرُوفٍ (ت ٢٦٤هـ).
٢٣ - مُحَمَّدُ بنُ الحارث بن أبي سعيدِ القُرْطُبِيُّ (ت ٢٦٠هـ).
٢٤ - مُحَمَّدُ بنُ سعيد بن حسَّان (ت ٢٦٦ هـ). والده من كبارِ الفُقَهَاء.
٣٧

٢٥ - مُحَمَّدُ بنُ عبدالبر الكلاي (ت ٢٨٣ هـ).
٢٦ - مُحَمَّدُ بنُ عبدالرّحمن بن إبراهيم بن محمد بن قيس (ت ٢٨٢ هـ).
٢٧ - مُحَمَّدُ بنُ عبد الملك بن حبيب (ابن المُؤَلِّف) تُراجع ترجمة أخيه (عبيد الله).
٢٨ - مُحَمَّدُ بنُ عمر بن يوسف الكِنْدِيُّ (ت؟) قال القاضي عياض في ترجمته
شرك أخاه يحيى في أكثر رجاله إلا سحنون، وأبا زيد، وابن بُكَيْرٍ، وذكر في
شيوخ أخيه يحيى الآتي عبدالملك بن حَبِيْبٍ .
٢٩ - مُحَمَّدُ بنُ عَمِيرَةَ العَتِيقِيُّ (ت ٢٧٦ هـ).
٣٠ - مُحَمَّدُ بنُ قَمَرِ الزَّاهد. يراجع ترجمة أخيه عُبَيْدِاللهِ.
٣١ - مُحَمَّدُ بنُ وضاح بن بَزِيْعِ الأُمويُّ (ت ٢٨٧ هـ).
٣٢ - مُطَرِّفُ بنُ عبدالرَّحمن بن إبراهيم، أبو سعيد الأُمَوِيُّ (ت ٢٨٢ هـ).
٣٣ - مُطَرِّفُ بنُ قَيْسٍ (ت؟).
٣٤ - يَحْيَى بِنُ رَاشدٍ، أبوبكر القُرْطُبيُّ (ت في حدود ٢٨٧ هـ).
٣٥ - يَحْيَى بنُ عمر بن يوسف الكِنْدِيُّ (ت ٢٨٩ هـ).
٣٦ - يُؤْسُفُ بنُ يَحْيَى المَغَامِيُّ (ت ٢٨٨ هـ) راوي مؤلَّفات ابنِ حبيبٍ.
وقيل: إِنَّه زوج ابنته؟
أقوال العلماء فیه من مدح وقدح :
ابنُ حَبيبٍ - رحمه الله وَعفا عنَّه - فيه كغيره صفاتٌ حميدةٌ تستحقُّ أن
تذكرَ فتشكرَ، ويثني عليه فيها وتُنشر، وفيه صفاتٌ ذميمةٌ لا يستطيع الباحث
المُنصف أن يُغفلَها؛ لأنَّه يَجبُ أن يكونَ حاكِماً عَدْلاً ناقداً مُنْصِفاً يَذْكُرُ المَحَاسنَ
والمَسَاوِىءَ؛ وليس كلُّ ما يُقال من مَدحٍ أو قَدحٍ يلزمُ المَمْدُوح أو المقدوح
فيه، بل هذه الأقوال خاضِعةٌ للدَّرسِ والتَّمحيصِ والتَّحليلِ، ويجبُ أن
٣٨

لا يُغْفَلَ أثرُ المعاصرة في إصدارِ بعض الأحكام، وما يُصاحب ذلك من تأثرِ
نَفسيٍّ أو سياسيٍّ أو اجتِمَاعِيٍّ ..
ولقد كَثُرَتْ عباراتُ المَدحِ وِالقَدْحِ فِي عَالِمِنَا الإمامِ العلاَّمةِ عبدِالملكِ
ابنِ حبیبٍ. فَمِمَّا جاء في مدحه:
ثناؤهم عليه في (حفظه وجودة تأليفه):
فوصفه ابنُ الفَرَضِيِّ(١) بأنَّه ((كان ... مؤلِّقًا مُتقنًا)) وقال: ((كان عبدُالملكِ
حافظًا للفقه على مذهب مالكٍ، نبيلاً فيه)) وقال العُثْبِيُّ: (٢) ((ما أعلمُ أحداً أَلَّفَ
على مذهب أهل المدينةِ تأليفه، ولا لطالبٍ أنفع مِن كُتُبُه، ولا أحسن من
اختياره)). ويصفه ابنُ عَذَارِي بقوله(٣): ((وكان ابنُ حبيب أديباً، نحوياً، حافظاً،
شاعراً، متصرِّفاً في فنون العلم من الأخبار والأنساب والأشعار، وله مؤلفات
حسان في الفقه والأدب والتواريخ كثيرةٌ) وبنحو هذا وصفه ابنُ الفَرَضِيِّ في
كتابه المُؤلّ في طبقات الأُدباء(٤).
وثناؤهم على كثرة قراءته، وسعة اطلاعه :
كان ((جَمَّاعةٌ كثيرَ الكُتُبٍ))(٥) وقال ابنُ أبي مَريم(٦): ((كان ابنُ حَبيبٍ
عندنا نازلاً بمصر، وما كنتُ رأيتُ أدومَ منه على الكتاب، فدخلتُ عليه في
(١) تاريخ علماء الأندلس: ٢٧٠.
(٢) ترتيب المدارك: ١٢٦/٤.
(٣)
البيان المغرب: ١٦٥ .
نقله القاضي عياض في ترتيب المدارك: ١٣٠/٤.
(٤)
قاله أحمد بن عبدالبرٌّ، نقله القاضي عياض في ترتيب المدارك: ٤/ ١٢٤.
(٥)
(٦) المصدر نفسه: ١٣٠/٤.
٣٩

القائلةِ في شِدَّة الحرِّ، وهو جالسٌ على سُدَّةٍ، وعليه طويلةٌ، فقلت: ما هذا؟!
فَلَنْسُوة في مثل هذا؟! فقال: هي تيجانُنا، فقلتُ له: فما هذا الكتاب؟ مَتَى
تقرأُ هذا؟ !... )).
وقال المغاميُّ(١): ((طرقتُ عبدالملك بن حبيب يومًا بغلسٍ حرصًا على
الاقتباس منه، واستأذنتُ عليه، فأذن لي، ودخلتُ فإذا هو جالسٌ في مجلسه
عاكفًا على الكتب قد أحاطت به، فنظر فيها والشَّمعةُ بين يديه تَقِدُ، وطويلة
عليه، فسأَّمتُ فرَّد عليَّ، وقال لي: يا يوسف، أوقد انسلخ الصُّبحُ؟! قلتُ:
نعم، وقد صَلَّینا، فقام إلى صلاةِ الصُّبح فصلاها، ثم رجع إلى مقعده، وقال:
يا يوسف ما صلَّيتُ هذه الصَّلاة إلاَّ بوضوء العِشاءِ الآخرةِ».
وممَّا يَدُلُّ على سعةِ علمِهِ وثقافته، وكثرة العُلوم التي يُجيدها، وبراعته
ما ذكر القاضي عياض - رحمه الله - قال(٢): ((ذكر بعضُ المشيخة أنَّه لما دنا
من مصر في رحلته أصابَ جماعةً من العلماء بارزين لتَلقِّي الرُّفقة على عادتهم،
فكلَّما أَطَلَّ عليهم رجلٌ له هيبةٌ ومنظرٌ رجَّحوا الظَّنَّ به، وقضوا بفراستهم
عليه، حتَّى رأوه - وكان ذا منظرٍ جميلٍ - فقال قومٌ: هذا فقيهٌ، وقال آخرون
طبيبٌ، وقال آخرون: خطيبٌ، فلمَّا كثر اختلافهم تقدَّموا نحوه وأخبروه
باختلافهم فيه وسألوه عن ما هو؟ فقال لهم: كلهم قد أصاب، وجميع ما
قررتم ◌ُحْسِنُهُ، والخبرة تكشف الحيرة، والامتحان يجلي عن الإنسان .. فلما
حَطَّ رحله ولقي الناس شاع خبره، قصده كلُّ ذي علم يسأله عن فنّه، وهو
يجيبه جواب متحقق، وعجبوا من ثُبُوتِ علمِهِ) ووصفه ابن الفرضي بأنه ((كان
(١) المصدر نفسه.
(٢) ترتيب المدارك: ٤/ ١٢٥ .
٤٠