Indexed OCR Text

Pages 21-40

-- تقديم الكتاب
وغيرهم ممن قوَّى هذه الأحاديث وذهب إلى ثبوتها ، وهذا كله بسبب المنهج
الضعيف الذي سلكوه في تقوية هذه الأحاديث ، والذي سوف يأتي - إن شاء الله
تعالی - بيان ضعفه .
وسوف أسوق هنا كلام السبكي على الحديث أولا - مع حذف الأسانيد التي
ذكرها والاقتصار على كلامه على الحديث من ناحية الصناعة الحديثية - أولاً ، ثم أتبعه
بكلام ابن عبد الهادي ، وأبين - إن شاء الله تعالى - موافقة كلامه لكلام كبار الحفاظ
على هذه الأحاديث ، وأنه لم يتفرد بهذا ، وأن ما يقال عن تشدده في ذلك غير
صحيح ، وإنما مرجع ذلك إلى اختلاف المنهج في الصناعة الحديثية ، وبالله التوفيق .
كلام السبكي :
قال في ((شفاء السقام)) (ص: ٢): (الحديث الأول: ((من زار قبري وجبت
له شفاعتي )) رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما ) .
ثم ساق أسانيده لهذا الحديث ، فأورده بإسناده إلى الدار قطني قال : ( حدثنا
القاضي المحاملي ثنا عبيد بن محمَّد الوراق ثنا موسى بن هلال العبدي عن عبيد الله بن
عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَله: ((من زار قبري
وجبت له شفاعتي )) ) .
ثم قال : ( هكذا في عدة نسخ معتمدة من ((سنن الدارقطني)): ( عبيد الله )
مصغرا ، منهما نسخة كتبها عنه أحمد بن محمَّد بن الحارث الأصفهاني ، وعليها طباق
كثيرة على ابن عبد الرحيم فمن بعده إلى شيخنا ، وكذلك رواه الدار قطني في غير
(السنن))، واتفقت روايته على ذلك في ((السنن))، وفي غيره ... ).
ثم ساق أسانيده إلى الرواة عن الدارقطني عنه بالإسناد السابق ، ثم قال
٢١

تقديم الكتاب
(ص: ٦): (فقد اتفقت الروايات عن الدارقطني عن المحاملي على ((عبيد الله))
مصغرا ، وكذلك رواه غير الدارقطني عن غير المحاملي عن عبيد بن محمَّد ) .
ثم ساق إسناده إلى البيهقي قال : ( أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو الفضل محمَّد
ابن إبراهيم ثنا محمَّد بن زنجويه العشيري (١) ثنا عبيد بن محمَّد بن القاسم بن أبي مريم
الوراق - وكان نيسابوري الأصل سكن بغداد - ثنا موسى بن هلال العبدي عن
عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ... ) وذكر الحديث مرفوعا ، ثم قال
السبكي : ( فقد ثبت عن عبيد بن محمَّد روايته على التصغير ، وعبيد بن محمَّد ثقة قاله
الخطيب رحمه الله تعالى .
ورواه عن موسى بن هلال عن عبيد بن محمَّد (٢) جماعة ، منهم : جعفر بن
محمَّد البزوري ... ) ونقل إسناده من ((الضعفاء)) للعقيلي، ثم قال: ( هكذا رأيته
في نسخة : عبيد الله ) .
قال : (ومنهم محمَّد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي ، واختلف عليه ، فروي
عنه مصغرا كما رواه غيره ... ) وساق إسناده بذلك إلى الأحمسي ، ثم قال
(ص: ٧) : ( وروي عنه مكبرا ) وساق إسناده بذلك إليه أيضا ، ثم قال : ( هكذا
نقلته من خط الحافظ أبي محمَّد عبد العظيم المنذري رحمه الله ، وهكذا قاله أبو أحمد
ابن عدي في كتاب ((الكامل)) ... ) ثم ساق إسناده إلى ابن عدي وغيره ، ثم قال
(ص: ٨) : ( ومرض الحافظ يحيى بن علي القرشي هذه الرواية ، وذكر أن الصواب
(( عبيد الله)) بالتصغير، ورأيت في ((تاريخ ابن عساكر)) بخط أبي عبد الله البرزالي :
المحفوظ عن ابن سمرة : عبيد الله .
وقال أبو أحمد بن عدي في ((كتاب الكامل)) ...: عبد الله أصح .
وفيما قاله نظر ، والذي نرجح أن يكون عبيد الله ، لتظافر روايات عبيد بن
(١) كذا، وصوابه: (القشيري) كما في ((سير أعلام النبلاء)) (١٤٣/١٤).
(٢) كذا ، وصوابه : ( عبيد الله بن عمر ) .
٢٢

- تقديم الكتاب
محمَّد كلها ، وبعض روايات ابن سمرة ، ولما سنذكره من متابعة مسلمة الجهني لموسى
ابن هلال كما سيأتي في الحديث الثالث .
ويحتمل أن يكون الحديث عن عبيد الله وعبد الله جميعا ، ويكون موسى
سمعه منهما ، وتارة حدث به عن هذا ، وتارة عن هذا .
وممن رواه عن موسى عن عبد الله : الفضل بن سهل ... ) ثم ساق إسناده
إلى ابن أبي الدنيا عن الفضل بن سهل عن موسى عن عبد الله بن عمر ، ثم قال :
( وهكذا قاله أبو الحسين يحيى بن الحسن الحسيني في كتاب ((أخبار المدينة)) قال : ثنا
رجل من طلبة العلم ثنا الفضل بن سهل فذكره .
قال حفيد صاحب الكتاب الحسن بن محمَّد بن يحيى في موضع آخر منه يعني
أبا بكر وكذلك رواه ابن الجوزي في ((مثير العزم الساكن)) ونقلته من خطه قال : أنبأنا
الحريري ... ) وساق إسناده إلى ابن أبي الدنيا.
ثم قال (ص: ٩): ( وهذه الطريق - إن صحت - تحمل على أن الحديث
عنهما كما قدمناه ، فإنه لا تنافي في ذلك ، على أن عبد الله المكبر روی له مسلم مقرونا
بغيره ... ) ثم ذكر أقوال أهل العلم في العمري - وسأذكرها فيما بعد إن شاء الله
تعالى - إلى أن قال : ( وقال ابن حبان : كان ممن غلب عليه الصلاح حتى غلب
[كذا، وفي ((المجروحين)): ( غفل )] عن ضبط الأخبار، وجودة الحفظ للآثار ،
تقع المناكير في روايته ، فلما فحش خطؤه استحق الترك .
وهذا الكلام من ابن حبان يعرفك أنه لم يتكلم فيه لجرح في نفسه ، وإنما هو
لكثرة غلطه ، وأما حكمه باستحقاقه الترك فمخالف لإخراج مسلم رحمه الله تعالى له
في المتابعات ، وليس هذا الحديث في مظنة أن يحصل فيه التباس على عبد الله ، لا في
سنده ، ولا في متنه ، فإنه في نافع كما سبق وخصيص به (١) ، ومتن الحديث في غاية
(١) يشير إلى قول ابن معين : إنه في نافع صالح .
٢٣

تقديم الكتاب _-
القصر والوضوح ، فاحتمال خطائه فيه بعيد ، والرواة جميعهم إلى موسى بن هلال
ثقات لا ريبة فيهم .
وموسى بن هلال قال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به . وأما قول أبي حاتم
الرازي فيه : إنه مجهول . فلا يضره ، فإنه إما أن يريد جهالة العين أو جهالة
الوصف ، فإن أراد جهالة العين - وهو غالب اصطلاح أهل هذا الشأن في هذا
الإطلاق - فذلك مرتفع عنه ، لأنه قد روى عنه أحمد بن حنبل ومحمَّد بن جابر
المحاربي ومحمَّد بن إسماعيل الأحمسي وأبو أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي وعبيد بن
محمَّد الوراق والفضل بن سهل وجعفر بن محمَّد البزوري ، وبرواية اثنين تنتفي جهالة
العين ، فكيف برواية سبعة ؟!
وإن أراد جهالة الوصف ، فرواية أحمد عنه ترفع من شأنه ، لا سيما مع ما قاله
ابن عدي فيه .
وممن ذكره في مشايخ أحمد رحمه الله أبو الفرج بن الجوزي وأبو إسحاق
الصريفيني ، وأحمد رحمه الله لم يكن يروي إلا عن ثقة ، وقد صرح الخصم بذلك في
الكتاب الذي صنفه في الرد على البكري بعد عشر كراريس منه (١) ، قال : إن القائلين
بالجرح والتعديل من علماء الحديث نوعان ، منهم من لم يرو إلا عن ثقة عنده كمالك
وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وكذلك البخاري
وأمثاله .
وقد كفانا الخصم بهذا الكلام مؤنة تبيين أن أحمد لا يروي إلا عن ثقة ،
وحينئذ لا يبقى له مطعن فيه .
وأما قول العقيلي : إنه لا يتابع عليه . وقول البيهقي : سواء أقال عبيد الله أم
عبد الله فهو منكر عن نافع عن ابن عمر لم يأت به غيره .
(١) يشير إلى الإمام ابن تيمية .
٢٤

- تقديم الكتاب
-
فهذا وما في معناه يدلك على أنه لا علة لهذا الحديث عندهم إلا تفرد موسى
به ، وأنهم لم يحتملوه له لخفاء حاله ، وإلا فكم من ثقة يتفرد بأشياء ويقبل منه ، وأما
بعد قول ابن عدي فيه ما قال ، ووجود متابع ، فإنه يتعين قبوله وعدم رده .
ولذلك - والله أعلم - ذكره عبد الحق رحمه الله في ((الأحكام الوسطى))
و ((الصغرى)) وسكت عنه، وقد قال في خطبة ((الأحكام الصغرى)): إنه تخيرها
صحيح الإسناد ، معروفة عند النقاد ، قد نقلها الأثبات ، وتداولها الثقات . وقال في
خطبة ((الوسطى)) - وهي المشهورة اليوم بـ ((الكبرى)) - : إن سكوته عن الحدیث دلیل
على صحته فيما يعلم ، وإنه لم يتعرض لإخراج الحديث المعتل كله ، وأخرج منه يسيرا
مما عمل به ، أو بأكثره عند بعض الناس واعتمد ونزع إليه عند الحاجة إليه ، وإنه إنما
يعلل من الحديث ما كان فيه أمر أو نهي أو يتعلق به حكم ، وأما ما سوى ذلك فربما
في بعضها سمح ، وليس منها شيء عن متفق على تركه .
وسبقه الحافظ أبو علي بن السكن إلى تصحيح الحديث الثالث كما سنذكره ،
وهو متضمن لمعنى هذا الحديث .
وقول ابن القطان: (( إن قول ابن عدي صدر عن تصفح روايات موسى بن
هلال لا عن مباشرة أحواله)) لا يضر أيضا ، لأن كثيرا من جرح المحدثين وتوثيقهم
على هذا التحويل هو أولى من ثبوت العدالة المجردة من غير نظر في حديثه ، وقد
وجدنا لرواية موسى بن هلال متابعة وشواهد من وجوه سنذكرها .
وبذلك تبين أن أقل درجات هذا الحديث أن يكون حسنا إن نوزع في دعوى
صحته ، فإن الحسن قسمان :
أحدهما : ما في إسناده مستور لم يتحقق أهليته ، وليس مغفلا كثير الخطأ ،
ولا ظهر منه سبب مفسق ، ومتن الحديث مع ذلك روي مثله أو نحوه من وجه
آخر ، وأقل درجات موسى بن هلال رحمه الله تعالى أن يكون بهذه الصفة ، وحديثه
بهذه المثابة .
٢٥

تقديم الكتاب --
والقسم الثاني للحسن : أن يكون راويه مشهورا بالصدق والأمانة ، لم يبلغ
درجة رجال الصحيح لقصوره في الحفظ ، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما
ينفرد به من حديثه منكرا ، وهذا الحديث قد يقتضي إطلاق اسم الحسن على بعض ما
سنذكره من الأحاديث أيضا .
وليس لقائل أن يقول إن هذا يقتضي سلب اسم الحسن عن الحديث الذي نحن
فيه ، فإن ما ذكرناه ليس اختلافا في حد الحسن ، بل هو تقسيم له ، والحديث الحسن
صادق على كل من النوعين ، ثم إن الأحاديث التي جمعناها في الزيارة بضعة عشر
حديثا مما فيه لفظ الزيارة ، غير ما يستدل به لها من أحاديث أخر ، وتظافر الأحاديث
يزيدها قوة حتى أن الحسن قد يترقى بذلك إلى درجة الصحيح .
والضعيف قسمان :
قسم يكون ضعف راويه ناشئا من كونه متهما بالكذب ونحوه ، فاجتماع
الأحاديث الضعيفة من هذا الجنس لا يزيدها قوة .
وقسم يكون ضعف راويه ناشئا من ضعف الحفظ ، مع كونه من أهل الصدق
والديانة ، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حققه ولم يختل فيه
ضبطه له .
هكذا قاله ابن الصلاح رحمه الله وغيره .
فاجتماع الأحاديث الضعيفة من هذا النوع يزيدها قوة ، وقد يترقى بذلك إلى
درجة الحسن أو الصحيح .
ولهذا لما تكلم النووي رحمه الله في أن ميقات ذات عرق هل هو منصوص عليه
أو مجتهد فيه ؟ وصحح أنه منصوص عليه ، وذكر عن جمهور أصحابنا تصحيحه
الأحاديث الواردة فيه ، وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة ، فمجموعها يقوي بعضه
بعضا ، ويصير الحديث حسنا ويحتج به . هكذا ذكره في ((شرح المهذب)) في كتاب
٢٦

ـــ تقديم الكتاب
-
الحج .
فهذه مباحث في إسناد هذا الحديث :
أولها : تحقيق كونه من رواية عبيد الله المصغر ، وترجيح ذلك على من رواه
عن عبد الله المكبر .
وثانيها : القول بأنه عنهما جميعا .
وثالثها : على تقدير التنزل وتسليم أنه عن عبد الله المكبر وحده ، فإنه داخل
في قسم الحسن ، لما ذكرناه .
ورابعها : على تقدير أن يكون ضعيفا من هذا الطريق وحده - وحاشى الله -
فإن اجتماع الأحاديث الضعيفة من هذا النوع يقويها ويوصلها إلى رتبة الحسن .
وبهذا بل بأقل منه يتبين افتراء من ادعى أن جميع الأحاديث الواردة في الزيارة
موضوعة ، فسبحان الله أما استحى من الله ومن رسوله في هذه المقالة التي لم يسبقه
إليها عالم ولا جاهل ، لا من أهل الحديث ولا من غيرهم ، ولا ذكر أحد موسى بن
هلال ولا غيره من رواة حديثه هذا بالوضع ، ولا اتهمه به فيما علمنا ، فكيف يستجيز
مسلم أن يطلق على كل الأحاديث التي هو واحد منها أنها موضوعة ، ولم ينقل إليه
ذلك عن عالم قبله ، ولا ظهر على هذا الحديث شيء من الأسباب المقتضية للمحدثين
للحكم بالوضع ، ولا حكم متنه مما يخالف الشريعة ، فمن أي وجه يحكم بالوضع
عليه لو كان ضعيفا ، فكيف وهو حسن أو صحيح ؟
ولنقتصر على هذا القدر مما يتعلق بسند هذا الحديث الأول ) ا. هـ كلام
السبكي .
٢٧

تقديم الكتاب-
وأما كلام ابن عبد الهادي :
فإنه بدأ الكلام على الحديث بذكر خلاصة لكلام السبكي السابق ، ثم قال
(ص: ٣٠) : ( والجواب : أن يقال : هذا الحديث الذي ابتدأ المعترض بذكره وزعم
أنه حديث حسن أو صحيح هو أمثل حديث ذكره في هذا الباب ، وهو مع هذا
حديث غير صحيح ولا ثابت ، بل هو حديث منكر عند أئمة هذا الشأن ، ضعيف
الإسناد عندهم ، لا يقوم بمثله حجة ، ولا يعتمد على مثله عند الاحتجاج إلا
الضعفاء في هذا العلم .
وقد بين أئمة هذا العلم والراسخون فيه ، والمعتمد على كلامهم ، والمرجوع
إلى أقوالهم ضعف هذا الخبر ونكارته ، كما سنذكر بعض ما بلغنا عنهم في ذلك إن شاء
الله تعالى .
وجميع الأحاديث التي ذكرها المعترض في هذا الباب ، وزعم أنها بضعت عشر
حديثا ليس فيها حديث صحيح ، بل كلها ضعيفة واهية ، وقد بلغ الضعف ببعضها
إلى أن حكم عليه الأئمة الحفاظ بالوضع كما أشار إليه شيخ الإسلام .
ولو فرض أن هذا الحديث المذكور صحيح ثابت ، لم يكن فيه دليل على
مقصود هذا المعترض ، ولا حجة على مراده ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى (١) ،
فكيف وهو حديث منكر ضعيف الإسناد ، واهي الطريق ، لا يصلح الاحتجاج
بمثله ، ولم يصححه أحد من الحفاظ المشهورين ، ولا اعتمد عليه أحد من الأئمة
المحققين .
بل إنما رواه مثل الدار قطني الذي يجمع في كتابه غرائب السنن ، ويكثر فيه من
رواية الأحاديث الضعيفة والمنكرة ، بل والموضوعة ، ويبين علة الحديث وسبب
ضعفه وإنكاره في بعض المواضع ، أو رواه مثل أبي جعفر العقيلي وأبي أحمد ابن عدي
في كتابيهما في الضعفاء ، مع بيانهما لضعفه ونكارته ، أو مثل البيهقي مع بيانه أيضا
(١) وقد بسط الكلام على ذلك في ((الصارم)) من (ص: ٤١) إلى (ص: ٥٤).
٢٨

تقديم الكتاب
لإنكاره ، قال البيهقي في كتاب («شعب الإيمان)» : .... ).
وساق إسناده من رواية موسى عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر وذكر
الحديث ، ثم قال (ص: ٣١): ( قال البيهقي: وقيل عن موسى بن هلال العبدي عن
عبيد الله بن عمر .. ) .
ثم رواه بإسناده من هذا الوجه ، ثم قال : ( قال البيهقي : وسواء قال :
عبيد الله ، أو : عبد الله ، فهو منكر عن نافع عن ابن عمر لم يأت به غيره .
هكذا ذكر الإمام الحافظ البيهقي أن هذا الحديث منكر عن نافع عن ابن
عمر ، سواء قال فيه موسى بن هلال : عن عبيد الله ، أو عن عبد الله ، والصحيح
أنه عن عبد الله المكبر ، كما ذكره أبو أحمد بن عدي وغيره ، وهذا الذي قاله البيهقي
في هذا الحديث وحكم به عليه قول صحيح بين ، وحكم جلي واضح ، لا يشك فيه
من له أدنى اشتغال بهذا الفن ، ولا يرده إلا رجل جاهل بهذا العلم .
وذلك أن تفرد مثل هذا العبدي - المجهول الحال الذي لم يشتهر من أمره ما
يوجب قبول أحاديثه وخبره - عن عبد الله بن عمر العمري - المشهور بسوء الحفظ
وشدة الغفلة - عن نافع عن ابن عمر بهذا الخبر ، من بين سائر أصحاب نافع الحفاظ
الثقات الأثبات - مثل : يحيى بن سعيد الأنصاري ، وأيوب السختياني ، وعبد الله بن
عون ، وصالح بن كيسان ، وإسماعيل بن أمية القرشي ، وابن جريج ، والأوزاعي ،
وموسى بن عقبة ، وابن أبي ذئب ، ومالك بن أنس ، والليث بن سعد ، وغيرهم من
العالمين بحديثه ، الضابطين لرواياته ، المعتنين بأخباره ، الملازمين له - من أقوى
الحجج ، وأبين الأدلة ، وأوضح البراهين على ضعف ما تفرد به ، وإنكاره ، ورده ،
وعدم قبوله ، وهل يشك في هذا من شم رائحة الحديث أو كان عنده أدنى بصر به ؟!
هذا مع أن أعرف الناس بهذا الشأن في زمانه ، وأثبتهم في نافع ، وأعلمهم
بأخباره ، وأضبطهم لحديثه ، وأشدهم اعتناء بما رواه : مالك بن أنس - إمام دار
الهجرة - ، قد نص على كراهية قول القائل: زرت قبر النبي قَدِله.
٢٩

تقديم الكتاب _-
ولو كان هذا اللفظ معروفا عنده أو مشروعا أو مأثورا عن النبي ◌َّ لم
يكرهه ، ولو كان هذا الحديث المذكور من أحاديث نافع التي رواها عن ابن عمر ، لم
يخف على مالك الذي هو أعرف الناس بحديث نافع ، ولرواه عن مالك بعض
أصحابه الثقات ، فلما لم يروه عنه ثقة يحتج به ، ويعتمد عليه علم أنه ليس من
حديثه ، وأنه لا أصل له ، بل هو مما أدخل على بعض الضعفاء المغفلين في طريقه ،
فرواه وحدث به ) .
ثم ذكر كلام العقيلي وابن عدي على الحديث - وسيأتي ذكر نص كلامهما إن
شاء الله تعالى - ، ثم قال (ص: ٣٤) : ( وهذا الذي صححه ابن عدي هو الصحيح
- وهو أنه من رواية عبد الله بن عمر العمري الصغير المكبر المضعف ، ليس من رواية
أخيه عبيد الله العمري الكبير المصغر الثقة الثبت ، فإن موسى بن هلال لم يلحق
عبيد الله ، فإنه مات قديما سنة بضع وأربعين ومائة ، بخلاف عبد الله فإنه تأخر دهرا
بعد أخيه وبقي إلى سنة بضع وسبعين ومائة .
ولو فرض أن الحديث من رواية عبيد الله لم يلزم أن يكون صحيحا ، فإن تفرد
موسى بن هلال به عنه دون سائر أصحابه المشهورين بملازمته وحفظ حديثه
وضبطه ، من أدل الأشياء على أنه منكر غير محفوظ .
وأصحاب عبيد الله بن عمر المعروفون بالرواية عنه ، مثل : يحيى بن سعيد
القطان ، وعبد الله بن نمير ، وأبي أسامة حماد بن أسامة ، وعبد الوهاب الثقفي ،
وعبد الله بن المبارك ، ومعتمر بن سليمان ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى ، وعلي بن
مسهر ، وخالد بن الحارث ، وأبي ضمرة أنس بن عياض ، وبشر بن المفضل ،
وأشباههم ، وأمثالهم من الثقات المشهورين .
فإذا كان هذا الحديث لم يروه عن عبيد الله أحد من هؤلاء الأثبات ، ولا رواه
ثقة غيرهم ، علمنا أنه منكر غير مقبول ، وجزمنا بخطأ من حسنه أو صححه بغیر
علم ) .
٣٠

- تقديم الكتاب
ثم ترجم لموسى بن هلال ، فنقل ترجمته من ((الجرح والتعديل)) لابن أبي
حاتم ، ثم ذكر كلام ابن القطان الفاسي في ((بيان الوهم والإيهام)) .
ثم ترجم لعبد الله العمري ونقل أقوال الأئمة فيه ، فذكر كلام ابن حبان من
((المجروحين)) وكلام الترمذي والبخاري والعقيلي وغيرهم - وسأذكر جل هذه النقول
فيما يأتي إن شاء الله تعالى - ، ثم قال (ص: ٣٨) : ( فإذا كانت هذه حال عبد الله بن
عمر العمري عند أهل هذا الشأن ، والراوي عنه مثل موسى بن هلال المنكر
الحديث ، فهل يشك من له أدنى علم في ضعف ما تفرد به ، ورده ؟! وهل يجوز أن
يقال فيما روياه من الحديث منفردين به : حسن أو صحيح ؟! وهل يقول هذا إلا رجل
لا يدري ما يقول ؟ ) .
ثم نقل كلامًا عن كتاب لأحد الحفاظ الكبار - لم يعرفه - حول الحديث ،
أشار فيه إلى اختلاف الرواة في شيخ موسى بن هلال - وسأذكر كلامه فيما بعد إن شاء
الله تعالى - ، ثم قال (ص: ٣٨) : ( انتهى كلام هذا الحافظ ، وهو في طبقة أبي عبد
الله بن منده وأبي عبد الله الحاكم - صاحب ((المستدرك)) - ، والكتاب الذي روى فيه
هذا الحديث ، ووقفت على بعضه ، يدل على سعة حفظه ورحلته ، ولا يجوز أن
يكون هو ابن منده ، لأن ابن منده له شيوخ كثيرة ، وهو معروف بكثرة الرواية عنهم
، كالأصم وابن الأعرابي وغيرهما ، ولم يرو مؤلف هذا الكتاب فيه عن واحد منهم
فيما وقفت عليه ، ولأن صاحب هذا الكتاب له شيوخ لا يعرف ابن منده بالرواية
عنهم ، وروى في بلاد لم يدخلها ابن منده ، كالبصرة وأنطاكية ونصيبين .
ولا يجوز أن يكون الحاكم أبا عبد الله ، لأن رحلة هذا المؤلف أوسع من رحلة
الحاكم ، ولأنه دخل إلى بلدان كثيرة لم يدخلها الحاكم ، كالشام وغيرها .
ولا يجوز أن يكون الحافظ أبا نعيم لتأخره عن هذا .
وفي الجملة مؤلف هذا الكتاب حافظ كبير من بحور الحديث ، وقد ذكر في
هذا الكتاب من الأحاديث الغريبة والمنكرة والموضوعة شيئا كثيرا ، وذكر في هذا الباب
٣١

تقديم الكتاب -
الذي روى فيه هذا الحديث - وهو الباب الثلاثون بعد المائتين - عدة أحاديث
موضوعة ، لا أصل لها ، وقد ذكر أن هذا الحديث تفرد به موسى بن هلال عن
العمري ، وذكر أن بعض الرواة قال في حديثه: عن عبيد الله ، وقد ذكرنا أن الأصح
رواية من قال : عن عبد الله ، وكأن موسى بن هلال حدث به مرة عن عبيد الله
فأخطأ ، لأنه ليس من أهل الحديث ، ولا من المشهورين بنقله ، وهو لم يدرك
عبيد الله ولا لحقه ، فإن بعض الرواة عنه لا يروي عن رجل عن عبيد الله ، وإنما
يروي عن رجل عن آخر عن عبيد الله ، فإن عبيد الله متقدم الوفاة كما ذكرنا ذلك فيها
تقدم ، بخلاف عبد الله فإنه عاش دهرا بعد أخيه عبيد الله ، وكأن موسى بن هلال لم
يكن يميز بين عبد الله وعبيد الله ، ولا يعرف أنهما رجلان ، فإنه لم يكن من أهل
العلم ، ولا ممن يعتمد عليه في ضبط باب من أبوابه .
فقد تبين أن هذا الحديث الذي تفرد به موسى بن هلال لم يصححه أحد من
الأئمة المعتمد على قولهم في هذا الشأن ، ولا حسنه أحد منهم ، بل تكلموا فيه ،
وأنكروه ، حتى أن النووي ذكر في ((شرح المهذب)) أن إسناده ضعيف جدا .
وقد تفرد هذا المعترض على شيخ الإسلام بتحسينه أو تصحيحه ، وأخذ في
التشنيع والكلام بما لا يليق ، الذي يقدر آحاد الناس على مقابلته بمثله ، وبما هو أبلغ
منه ، وجميع ما تفرد به هذا المعترض من الكلام على الحديث وغيره خطأ ، فاعلم
ذلك ، والله الموفق ) .
ثم ذكر الاعتراض على تضعيف موسى بن هلال بأن الإمام أحمد روى عنه
وهو لا يروي إلا عن ثقة ، وأجاب عنه ، وسوف أذكر كلامه فيما يأتي إن شاء الله
تعالى ، ثم قال (ص: ٤١) : ( ولو فرض أن موسى بن هلال العبدي وعبد الله بن
عمر العمري من الرواة الثقات الأثبات المشهورين ، والعدول الحفاظ المتقنين
الضابطين ، وقدر أن هذا الحديث المروي من طريقهما من الأحاديث الصحيحة
المشهورة المتلقاة بالقبول ، لم يكن فيه دليل إلا على الزيارة الشرعية ، وتلك لا ينكرها
شيخ الإسلام ولا يكرهها ، بل يندب إليها ويحض عليها ، ويستحبها ) ا. هـ المقصود
٣٢

ــ تقديم الكتاب
من كلام ابن عبد الهادي .
فصل
في بيان صحة ما ذهب إليه ابن عبد الهادي
أقول وبالله التوفيق : ما ذهب إليه ابن عبد الهادي من تضعيف هذا الحديث
هو الصحيح ، وقد سبقه إلى هذا كبار الحفاظ كما تقدم في كلامه السابق ، وسوف
أتكلم في هذا الفصل - إن شاء الله تعالى - عن ذلك ، وأذكر وجوه التضعيف لهذا
الخبر ، مع بعض التوسع ، وأنقل كلام الحفاظ في الحكم على هذا الحديث ، مع
ملاحظة أن أكثر الذي سوف أذكره ذكره ابن عبد الهادي وغيره من الحفاظ ، ولكن
بحمد الله تعالى قد تبين لي صحته .
فأقول وبالله التوفيق : هذا الحديث حديث منكر ، ولا يصح بحال ، وذلك
أنه معلول بثلاث علل (١) :
العلة الأولى: أن موسى بن هلال لا يحتج به ، ولم يوثقه واحد من الحفاظ فيما
أعلم ، وهو مقل من الحديث ، وقد تفرد بهذا الحديث ، وهذا يوجب التوقف في
حديثه ، بل رده وتضعيفه ، ولذلك قال أبو جعفر العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (٤/
١٧٠) : ( موسى بن هلال ، سكن الكوفة ، عن عبيد الله بن عمر ، لا يصح ولا
يتابع عليه ) ا. هـ .
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١٦٦/٨): (موسى بن
(١) كل هذه العلل قد ذكرها ابن عبد الهادي ، ولكن توسعت في الكلام عليها بعض الشيء ، مع نقل بعض
كلام أهل العلم في ذلك ، وسوف أقتصر هنا على العلة الأولى والعلة الثانية ، وأما العلة الثالثة - وهي
التفرد - فسوف أتكلم عنها في موضع آخر إن شاء الله تعالى .
٣٣
--

تقديم الكتاب _-
هلال العبدي ، روى عن هشام بن حسان ، سمعت أبي يقول ذلك ، قال أبو محمَّد -
قلت : يعني عبد الرحمن - : وروى عن عبد الله العمري ، روى عنه : أبو بجير
محمَّد بن جابر المحاربي ومحمَّد بن إسماعيل الأحمسي وأبو أمية الطرسوسي محمَّد بن
إبراهيم ، سألت أبي عنه فقال: مجهول ) ا. هـ .
وسأل البرقاني الدارقطني عنه فقال: مجهول . كما في ((ذيل الميزان)) للعراقي
(ص: ٤٣٥) و((اللسان)) (١٣٦/٦).
وقال ابن القطان الفاسي - بعد أن نقل كلام أبي حاتم السابق - : ( هو كما
قال ) كما في ((بيان الوهم والإيهام)) (٣٢٣/٤).
وأما إقلاله من الحديث : فلما تقدم من وصف أبي حاتم والدار قطني وابن
القطان الفاسي له بالجهالة ، ويستأنس لهذا بعدم رواية أصحاب الكتب الستة له ، وإنما
اشتهر بهذا الحديث .
وأما قول أبي أحمد بن عدي - بعد ما ذكر له حديث الزيارة - قال : ( ولموسى
غير هذا ... ) فالذي يظهر من هذا الكلام أن له أحاديث قليلة ، فلو كان له
أحاديث كثيرة لبيَّن ذلك ، أو ذكر ما يفيده ، كما يفعل ذلك أحيانا ، وإنما قال
( ولموسى غير هذا ... ) أي غير هذا الحديث ، فظاهره أنها أحاديث قليلة ، والله
أعلم .
هذا مع أنه عمِّر بعض الشيء - فيما يظهر - ، لأنه سمع من هشام بن
حسان، قال أحمد في ((الزهد)) (ص: ٢٧٩) : ( ثنا موسى بن هلال ثنا هشام بن
حسان ... )، وله خبر آخر عن هشام كما في ((الحلية)): (٢١٣/٦)، وهشام توفي
إما سنة (١٤٦) أو (١٤٧) أو (١٤٨).
وروى عن كهمس بن الحسن البصري أبو عبد الله العابد ، فقال - كما في
((الحلية)) (٢١٣/٦) -: ( قال لي كهمس بمكة ... )، وكهمس هذا ترجم له ابن
٣٤

ـ- تقديم الكتاب
حبان في ((ثقاته)) (٣٥٨/٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١١/٦)، ولم يذكرا متى توفي.
ولكن في ((المعرفة)) ليعقوب بن سفيان (١٢٧/١): ( ثني أبو جعفر محمَّد بن
منصور ثنا موسى بن هلال قال : مات كهمس سنة ١٤٣) ا. هـ وكهمس يحتمل أن
يكون كهمس بن الحسن التميمي أو النمري البصري ، أبو الحسن ، وليس الأول ،
وإن كان الأول أقرب لعلاقة موسى بن هلال به كما تقدم ، بخلاف الثاني فلم يذكر
أنه روى عنه ، ولأن الثاني ذكر ابن حبان أنه توفي سنة (١٤٩) ، فالله أعلم.
وقد روى عنه بعض الذين تأخرت وفياتهم ، ومنهم : أبو أمية الطرسوسي ،
وقد توفي سنة (٢٧٣) ، ويبدو أن ولادته بعد (١٨٠)، لأن جمعا من شيوخه - إن لم
يكن كلهم - كانت وفياتهم ما بين سنة (٢٠٤) وما بعدها ، ولذلك قال الذهبي في
((النبلاء)) (٩١/١٣): (ولد في حدود سنة ثمانين ومائة) ا. هـ
فيكون موسى بن هلال حيا سنة (٢٠٤) ، وإذا قلنا أن موسى ولد قبل
(١٣٠) أو نحوها لأنه روى عن من توفي سنة (١٤٣) أو (١٤٧)، فيكون عمره
عندما توفي نحو ثمانين سنة أقل أو أكثر ، والله تعالى أعلم .
وقد وُقفَ له على ثلاثة أحاديث مرفوعة ، وبعض الآثار ، وهي :
١ - قال أبو عوانة في ((مستخرجه)) (٨٦/١): ثنا أبو أمية ثنا موسى بن هلال
العبدي عن هشام بن حسان عن الحسن وابن سيرين عن عمران بن حصين قال : قال
رسول الله وَل: ((أعطاني ربي سبعين ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب)). قال
ابن سيرين في حديثه : فقام عكاشة بن محصن ، فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن
يجعلني منهم. فقال: ((أنت منهم)). ثم قام رجل آخر ، فقال : يا رسول الله،
ادع الله أن يجعلني منهم. قال: ((سبقك بها عكاشة)). رواه عيسى بن يونس عن
هشام كذا عن ابن سيرين بمثله . ا. هـ
وهذا الحديث حديث صحيح ، أخرجه مسلم (٢١٨) ثنا يحيى بن خلف ثنا
٣٥

تقديم الكتاب -_-
المعتمر عن هشام عن ابن سيرين به .
وأحمد (٤٣٦/٤) ثنا يزيد أنا هشام عن الحسن به .
والطحاوي في ((شرح المعاني)) (٣٢٠/٤) ثنا أبو بكر ثنا وهب بن جرير ثنا
هشام عن الحسن به .
٢ - وأما الحديث الثاني: فهو ما رواه أحمد في ((مسنده)) (١٢٠٣١)، قال:
ثنا موسى بن هلال ثنا هشام عن ابن سيرين عن أنس قال : تزوج أبو طلحة أم
سليم - وهي أم أنس والبراء - ، فولدت له ولدا كان يحبه ... فذكر الحديث ، فقال
رسول الله وَ ل: ((فبتما عروسين، وهو إلى جنبكما؟)). فقال: نعم ، يا رسول
الله. قال: (( بارك الله لكما في ليلتكما)).
وأخرجه أيضا في موضع آخر (١٢٨٦٥)، قال عبد الله بن أحمد: قرأت على
أبي هذا الحديث وجده فأقر به ، وحدثنا ببعضه في مكان آخر ، قال : ثنا موسى بن
هلال ثنا همام عن ابن سيرين به مطولا .
هذا الحديث حديث صحيح ، وقد جاء من طرق كثيرة عن أنس ، ومنها من
طريق ابن عون عن ابن سيرين به ، أخرجه الشيخان وغيرهما .
لكن لم أقف عليه في غير ((المسند)) من طريق همام أو هشام بن حسان ، وتقدم
في الإسناد الأول أن شيخ موسى هو هشام ، وفي الثاني همام .
وهذا يحتمل : أن أحد الموضعين خطأ ؛ أو أن موسى بن هلال اضطرب
فيه ؛ أو أنه رواه عنهما جميعا ، ولكن هذا بعيد (١) .
(١) قال من حقق ((المسند)) - طبع دار الرسالة - (٢٣٠/٢٠): ( ويغلب على ظننا أن أحد الموضعين خطأ ،
ولم يمكنا ترجيح أحد الاحتمالين، لكن الحافظ ابن حجر لم يذكر في («الأطراف)): (٥٠٩/١) وفي
(«إتحاف المهرة)) (٢٧٩/٢) سوى إسناد همام، والله أعلم بالصواب ) ا. هـ .
قلت : لكن ابن حجر لم يذكر أن هذا الحديث وقع في موضعين من («المسند» كلاهما من طريق موسى
عن همام ، وفي أحدهما ذُكر الحديث مطولا، وفي الآخر مختصرا ، وإنما قال في «أطراف المسند» بعد أن =
٣٦

ــ تقديم الكتاب
ويؤيد كون هذا الاختلاف اضطراب من موسى بن هلال ، الاختلاف الذي
وقع في حديث الزيارة في شيخ موسى بن هلال : هل هو عبد الله بن عمر أو
عبيد الله؟ قال ابن عبد الهادي في (( الصارم المنكي (((ص: ٣٩): ( وكأن موسى
ابن هلال حدَّث به مرة عن عبيد الله فأخطأ ، لأنه ليس من أهل الحديث ، ولا من
المشهورين بنقله ، وهو لم يدرك عبيد الله ولا لحقه ، فإن بعض الرواة عنه لا يروي
عن رجل عن عبيد الله ، وإنما يروي عن رجل عن آخر عن عبيد الله ، فإن عبيد الله
متقدم الوفاة كما ذكرنا ذلك فيما تقدم بخلاف عبد الله فإنه عاش دهرا بعد أخيه
عبيد الله ، وكأن موسى بن هلال لم يكن يميز بين عبد الله وعبيد الله ، ولا يعرف أنهما
رجلان ، فإنه لم يكن من أهل العلم ، ولا ممن يعتمد عليه في ضبط باب من أبوابه
٠٠٠) ا. هـ .
وأما متن هذا الحديث من رواية موسى بن هلال فقد جاء بنحوه من طرق
أخرى ، ولكن رواية موسى بن هلال تفردت بأمرين - فيما أعلم - :
الأول : قوله : ( تزوج أبو طلحة أم سليم وهي أم أنس والبراء ... ) .
قلت : وهذا الكلام - أي : وهي أم أنس والبراء - ممن دُون أنس ، ويحتمل
أنه من قول ابن سيرين ، ولكن لم أقف عليه في الطريق الآخر الذي جاء عن ابن
سيرين ، ويحتمل - وهو الأقرب - أنه من قول موسى بن هلال ، والله تعالى أعلم .
وقد اختلف أهل العلم في أنس والبراء هل هما أخوان شقيقان أو من الأب
دون الأم ؟
الثاني : قوله : ( فمرض الغلام مرضا شديدا ) .
وهذه الزيادة لعلها رواية بالمعنى ، لأن موت هذا الغلام بسبب هذا المرض
ذكر الحديث: ( الحديث بطوله)، وفي ((إتحاف المهرة)) قال: (رواه أحمد مطولا) ا.هـ
=
فهذا يؤيد أنه وقف على هذا الحديث في أحد الموضعين دون الآخر ، فلعل هذا من اختلاف نسخ
(«المسند»، والله أعلم .
٣٧

تقديم الكتاب -
يدل على شدته ، والله أعلم .
٣ - وأما الحديث الثالث: فأخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٩٦٨) من
طريق أبي أمية ثنا موسى بن هلال العبدي ثنا هشام بن حسان عن الحسن قال : كان
حذيفة يقول سمعت رسول الله وَ ل يقول: ((إن الله عز وجل ليتعاهد وليه بالبلاء ، كما
يتعاهد المريض أهله بالطعام ، وإن الله ليحمي عبده الدنيا كما يحمى المريض الطعام)).
هذا الخبر صحيح إلى موسى بن هلال ، ولكنه منقطع ما بين الحسن وحذيفة .
وقد جاء هذا الخبر من طرق أخرى ، فقد أخرج أبو نعيم في ((الحلية)) (٢/
٢٧٦) والبيهقي في ((الشعب)) (٩٦٤٨) من طريق الحسن بن سفيان ثنا محمَّد بن عبد الله
ابن عمار ثنا المعافى عن اليمان بن مغيرة ثنا أبو الأبيض المدني عن حذيفة أنه قال : إن
أقرَّ أيامي لعيني يوم أرجع إلى أهلي وهم يشكون إلي الحاجة ، والذي نفس حذيفة بيده
سمعت رسول الله والله يقول: ((إن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء، كما يتعاهد الوالد
ولده بخير ، وإن أقرَّ أيامي لعيني يوم أدخل على أهلي فيشكون إلي الحاجة )) . وهذا
لفظ البيهقي ، وأما أبو نعيم فأخرج الموقوف فقط .
ويبدو أنه جاء من طريق آخر أيضا ، فقد أخرجه ابن عساكر - كما في
(تهذيب تاريخ دمشق)) (١٠٣/٤) - قال: وأخرج الحافظ من طريق عبد الله بن وهب
عن حذيفة به .
وأخرج البيهقي في ((الشعب)) (٩٩٦٧) من طريق ابن أبي الدنيا (١) حدثني
محمَّد بن عثمان العجلي ثنا حسين الجعفي قال : ذكر زائدة عن شيخ من أهل البصرة
عن أمية بن قسيم عن حذيفة عن النبي بَ لٍ قال: ((إن الله عز وجل يحمي عبده
المؤمن ، كما يحمي الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة)) (٢).
(١) وهو في كتابه ((ذم الدنيا)) (٢١٠).
(٢) رمز السيوطي لضعفه في ((الجامع الصغير)) (٢٩٨/٢) والمناوي في ((الفيض)) (٢٩٩/٢).
٣٨

- تقديم الكتاب
وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢/ ٢٧٦) من طريق سفيان وزائدة عن أبان بن
أبي عياش عن أمية به ، موقوفا من رواية سفيان ، ومرفوعا من رواية زائدة ، قال أبو
نعيم بعد أن ذكره موقوفا : ( رفع زائدة الكلام الأخير في الحمية ) ا. هـ .
وأخرج هناد في ((الزهد)) (٥٩٣) رواية سفيان ، وأخرجه أبو نعيم أيضاً في
((الحلية)) (٢٧٦/٢ -٢٧٧) فقال : ثنا سليمان بن أحمد ثنا محمَّد بن عبد الله الحضرمي ثنا
أبو كريب ثنا عمر بن بزيع ثنا الحارث بن الحجاج عن أبي معمر التيمي عن ساعد بن
سعد (١) بن حذيفة أن حذيفة كان يقول : ما من يوم أقر لعيني ... وذلك أني
سمعت رسول الله ◌َ ﴿ يقول: ((إن الله تعالى أشد حمية للمؤمن ... )) فذكره.
وهذه الأسانيد وإن كان لا يصح منها شيء ، وفي بعض ألفاظها اختلاف ،
ولكن تعدد أسانيدها ، وتباين مخارجها يفيد أن لهذا الخبر أصلا .
والمقصود أن موسى بن هلال لم يتفرد بهذا الخبر .
ولحديث حذيفة هذا شاهد من حديث محمود بن لبيد عن قتادة بن النعمان
رفعه: (( إذا أحب الله عز وجل عبدا حماه، كما يحمي أحدكم مريضه الماء)) (٢).
أخرجه الترمذي وقال : حسن غريب . وصححه ابن حبان والحاكم .
وقد اختلف في هذا الحديث : فجاء عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج ،
وجاء عن محمود بن لبيد حسب ، وهذا الاختلاف لا يضر كما هو معلوم ، ومحمود
صحابي صغير ، وإثبات صحبته هو مذهب البخاري - فيما يظهر - وابن حبان
ورجحه ابن عبد البر ، والله تعالى أعلم .
وروى موسى بن هلال بعض الآثار الموقوفة :
١- منها: ما رواه أحمد في ((الزهد)) (ص: ١١٠)، قال: أنا موسى بن هلال
(١) كذا .
(٢) وجاء موقوفا من كلام بكر بن عبد الله المزني ، كما في الزهد لأحمد (٣١٥).
٣٩
۔

تقديم الكتاب ------
ثنا هشام بن حسان عن الحسن قال : دخل سلمان على أبي بكر - وهو يكيد بنفسه -
فقال : يا خليفة رسول الله ، أوصني . فقال له : إن الله عز وجل فاتح عليكم
الدنيا ، فلا تأخذوا منها إلا بلاغكم ، وإن من صلى الصبح فهو في ذمة الله عز وجل
، فلا تخفرن الله عز وجل في ذمته ، فيكبك في النار على وجهك .
٢ - ومنها ما في ((الزهد)) أيضا (ص: ٢٧٩) : ثنا موسى بن هلال ثنا هشام
ابن حسان قال : ذكروا التواضع عند الحسن وهو ساكت ، حتى إذا أكثروا عليه ،
قال لهم : أراكم قد أكثرتم الكلام في التواضع ؟ قالوا : أي شيء التواضع يا أبا
سعيد ؟ قال : يخرج من بيته فلا يلقى مسلما إلا ظن أنه خير منه .
٣ - ومنها ما في ((الزهد)) أيضا (ص: ٢٧٩) : ثنا موسى بن هلال ثنا هشام
صاحب الدستوائي عن رجل عن الحسن قال : أتاه رجل فسأله عن مسألة ، فأفتاه
الحسن ، قال : فقال الرجل : يا أبا سعيد ، من الفقيه ؟ قال : الزاهد في الدنيا ،
الراغب في الآخرة ، البصير بدينه ، المجتهد في العبادة ، هذا الفقيه .
٤ - ومنها ما في ((الزهد)) (١) أيضا (ص: ٣٠٨)، قال : ثنا موسى بن هلال
قال : سمعت هشام بن حسان يذكر ، قال : كان ابن سيرين إذا دعي إلى وليمة أو إلى
عرس ، دخل منزله فيقول : أسقوني شربة سويق . فيقال له : يا أبا بكر ، أنت
تذهب إلى العرس تشرب سويقا ؟ فكان يقول : إني أكره أن أجعل جد (٢) جوعي
على طعام الناس .
٥ - ومنها ما رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٦/٢ -٢٦٧) من طريق أحمد ،
قال : ثنا موسى بن هلال ثنا هشام بن حسان قال : دخلنا على كهمس - وهو
بمكة ، وهو في دار لسليمان بن علي على المسعى ، قد اشتراها بأربعين ألف دينار ، قال
هشام : وقد أنفق عليها مثلها - قال : فدخلنا عليه بعد العصر ، فرفع إنسان رأسه
(١) ومن طريقه رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٦/٢ -٢٦٧).
(٢) في («الحلية)): ( حر ) .
٤٠