Indexed OCR Text
Pages 1-20
سلسلة مؤلفات الحافظ ابن عبد الهادي (٢): تعليق د عَلَى الْعَلِ الرَّحَامِ شحات النصُفُ الثانى من المجلدِالأول تَأْلِيفٌ الحافظ أبي عبدالله محمّد بن أحمد بن عبدالهادي المقدسي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ تحقيق سَامِيُّبن مُّدبن جَادَآلله تَفْكِّرُ فضيلة الشيخ المحدث يَعْبَدُلِّن ◌ُ عَبَدِوَمَ السَّعَدِ أضْوَاءُ السََّلِفَ بسم الله الرحمن الرحيم جَّع الحقوق محفوظة الطَّبَعَة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م مَكَكتَبةُ أضِوَاءِ السَّلِفَ - تَصَاصَها على الحربي الرياض- صب ١٢١٨٩٢ - المرمز ١١٧١١ ت ٢٣٢١٠٤٥ تطلب منشور اتنامن: مَكْتَبَةُ الإمام البخاريّ - مصر - الإسماعيلية - ت ٠٦٤/٣٤٣٧٤٢ - تقديم الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم تقديم فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمَّدا عبده ورسوله ◌َله . أما بعد : فهذا كتاب لأبي عبد الله محمَّد بن أحمد بن عبد الهادي ، علَّق فيه على كتاب ((العلل)) لابن أبي حاتم، ولذلك سمّه ابن رجب: ))تعليقة على العلل لابن أبي حاتم)) ، وقال : كمل منه مجلدان ا. هـ . وسماه البغدادي في ((هدية العارفين)): ((شرح كتاب العلل على ترتيب كتب الفقه)). ولعله هو الذي عناه الحافظ ابن حجر بقوله: ((وشرع في كتاب العلل على ترتيب كتب الفقه ، وقفت منه على المجلد الأول)) ا. هـ . وقد قام الشيخ / سامي بن محمَّد بن جاد الله - وفقه الله تعالى - بتحقيق ما وجد من الكتاب ، ولم يثقل ما حقق بالحواشي ، وإنما اكتفى فقط بعزو كلام ابن عبد الهادي ، وقد بين طريقته في التحقيق ، وذكر وصف النسخة التي اعتمد عليها ، فجزاه الله خيرا . هذا فيما يتعلق بالكتاب باختصار . وأما ما يتعلق بالمؤلف : فابن عبد الهادي كان من كبار علماء عصره ، ومن كبار الحفاظ في وقته ، ومن أجلٌّ تلاميذ ابن تيمية والمزي ، ولعله أعلمهم بالحديث ، حتى قال الصفدي في ((أعيان العصر)» (٢٧٤/٤): (وتبحر في معرفة أسماء الرجال ، وضيق على المزي فيها المجال .... كان من أفراد الزمان ، رأيته يواقف شيخنا جمال الدين المزي ويرد عليه في أسماء تقديم الكتاب - الرجال ، واجتمعت به غير مرة ، وكنت أسأله أسئلة أدبية وأسئلة عربية ، فأجده فيها سيلا يتحدر ، ولو عاش لكان عجبا ) . وقال عماد الدين ابن كثير - كما في ((الدرر الكامنة)) (٤٢٢/٣) -: ( وكان حافظا ، علامة ، ناقدا، حصَّل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار ، وبرع في الفنون ، وكان جبلا في العلل والطرق والرجال ، حسن الفهم جدا ، صحيح الذهن ) (١). وقال أبو عبد الله الذهبي في ((التذكرة)) (١٥٠٨/٤): ( الإمام الأوحد ، الحافظ ذي الفنون .... واعتنى بالرجال والعلل ، وبرع، وجمع ، وتصدَّى للإفادة والاشتغال في القراءات ، والحديث ، والفقه ، والأصول ، والنحو ، وله توسع في العلوم، وذهن سيال ... ) ا.هـ. ولما تقدم نقل عن المزي والذهبي أنهما ما التقيا به إلا واستفاد منه (٢). قلت : ومما يدل على إمامته وتمكنه من العلوم - وخاصة علم الحديث - ما وجد من كتبه (٣) ، وخاصة كتابه ((الصارم المنكي في الرد على السبكي)) فإنه كتاب نفيس في بابه ، قيم في معناه ، يدل على علمه بالشريعة ، وبراعته في علم الحديث ، وعلى منهجه الأثري ، ومسلكه السلفي . وسيأتي - إن شاء الله تعالى - الكلام على شيء من ذلك . (١) وقال نحو هذا في ((البداية والنهاية)) (١٨ / ٤٦٦-٤٦٧). (٢) في ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٣٣٢/٣): ( قال المزي : ما التقيت به إلا واستفدت منه . ونقل الحسيني هذا الكلام عن الذهبي أنه قاله في جنازته ) ا.هـ . وفي ((المعجم المختص)) للذهبي (٢١٦): ( كتب عني ، واستفدت منه) ا. هـ . (٣) أو ما نقل عنها ، وفي ((نصب الراية)) للزيلعي الكثير من ذلك . ٦ - تقديم الكتاب فصل في بيان شيء من منهج ابن عبد الهادي في علم الحديث ، وذكر بعض الفوائد الحديثية من كلامه . من المتقرر اختلاف مناهج أهل العلم ، وتعدد طرائقهم في الصناعة الحديثية ، كما هو الشأن في سائر العلوم . ولنذكر بعض نصوص أهل العلم التي فيها الإشارة إلى ذلك الاختلاف : ١- قال أبو جعفر بن جرير في كتابه (تهذيب الآثار - مسند علي رضَته)) (ص: ٤) - بعد أن ذكر الحديث الأول (١) - : ( وهذا خبر عندنا صحيح سنده . وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح . وذلك أنه خبر لا يعرف له مخرج عن علي عن النبي ◌َّ إلا من هذا الوجه ، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه ، وقد حدث هذا الحديث عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة غير سفيان ، غير أن في أسانيد بعضها بعض من في نقله نظر ... ) ا. هـ . وقال أيضا بعد أن ذكر الحديث الثاني : ( وهذا خبر عندنا صحيح سنده . وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح . (١) الأول بالنسبة لما وجد من كتابه هذا . ٧ تقديم الكتاب - وذلك أنه خبر لا يعرف لبعض ما فيه مخرج عن علي عن النبي وَ لا يصح إلا من هذا الوجه ) ا. هـ . وقال أيضا بعد الحديث الثالث : ( وهذا خبر عندنا صحيح سنده . وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح ، لعلل : إحداها : ما ذكرنا من اضطرب الرواة فيه على الأعمش ، فيرويه شريك عنه عن المنهال عن عباد عن علي . ويرويه أبو بكر بن عياش عنه عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن زهير بن الأقمر عن علي عن النبي تَليه. والثانية : أن الأعمش عندهم مدلس ، ولا يجوز عندهم من قبول خبر المدلس إلا ما قال فيه )) حدثنا)) أو )) سمعت)) وما أشبه ذلك. والثالثة : أنهم لا يرون الحجة تثبت بنقل المنهال بن عمرو . والرابعة : أن شريكا عندهم غير معتمد على روايته . والخامسة : أن هذا الحديث حديث قد حدث به عن المنهال بن عمرو غير الأعمش ، فقال فيه : عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب عن النبي تَّر. والسادسة: أن الصحاح من الأخبار وردت في ديون رسول الله مَ ل ومواعيده بعده ، بأن الذي تولى قضاءها وإنجازها عنه أبو بكر الصديق رحمة الله عليه ... ) ا. هـ . وقد استمر ابن جرير على هذا المنهج فيما وجد من كتابه ((تهذيب الآثار))، وهذا يدل على تباين الطرق والمسالك في الصناعة الحديثية ، وبعض ما ذكره من الاختلاف ٨ تقديم الكتاب بينه وبين الآخرين الأمر فيه واسع ، ولكن بعضه يدل على اختلاف في الطريقة والمنهج بينه وبين غيره من أئمة الحديث ، خاصة لمن توسع في دراسة منهجه في ما وصلنا من كتابه ((تهذيب الآثار)) - وهو كثير - فطريقته تمثل طريقة المتأخرين (١) أو الفقهاء . ٢- قال أبو عبد الله الحاكم في ((المدخل إلى الإكليل)) (ص: ٤٧): ( القسم الثالث من الصحيح المختلف فيه : خبر يرويه ثقة من الثقات ، عن إمام من أئمة المسلمين ، فيسنده ، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه . ومثاله: حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي وَالر أنه قال: ((من سمع النداء فلم يجب ، فلا صلاة له إلا من عذر)). هكذا رواه عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير ، وهو ثقة ، وقد وقفه سائر أصحاب سعيد بن جبير . وهذا القسم مما يكثر ، ويستدل بهذا المثال على جملة من الأخبار المروية هكذا ، فهذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء ، فإن القول عندهم فيها قول من زاد في الإسناد أو المتن إذا كان ثقة . فأما أئمة الحديث فإن القول فيها عندهم قول الجمهور الذي أرسلوه ، لما يخشى من الوهم على هذا الواحد ... ) ا.هـ . فأبو عبد الله الحاكم فرق بين طريقة أهل الحديث وطريقة الفقهاء في اختلاف الوصل والإرسال ، ومثل ذلك الاختلاف الذي يقع في وقف الحديث ورفعه ، ونحو ذلك . وهذا مرجعه إلى الاختلاف في زيادة الثقة - سواء كانت في الإسناد أو المتن - ، ومتى تكون مقبولة ؟ فمن تقدم من أهل الحديث لهم منهج في ذلك ، يختلف عن منهج الفقهاء والأصوليين ومن تبعهم ممن تأخر من أهل الحديث . (١) أي بالنسبة إلى شعبة بن الحجاج أو يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد وابن معين وابن المديني والبخاري ويعقوب بن شيبة وغيرهم ممن تقدمه . ٩ تقديم الكتاب _- ٣- وقال القاضي أبو يعلى في كتابه («العدة)) (٩٣٨/٣): (وقد أطلق أحمد رحمه الله القول بالأخذ بالحديث الضعيف ، فقال مهنا : قال أحمد : الناس كلهم أكفاء إلا الحائك والحجام والكساح . فقيل له : تأخذ بحديث : ((كل الناس ... )) وأنت تضعفه؟! فقال: إنما ضعفت إسناده ، لكن العمل عليه . وكذلك قال في رواية ابن مشيش - وقد سأله : عمن تحل له الصدقة ، وإلى أي شيء يذهب في هذا ؟ - فقال : إلى حديث حكيم بن جبير . فقلت : وحكيم ثبت عندك في الحديث ؟ قال : ليس هو عندي ثبتا في الحديث . وكذلك قال مهنا : سألت أحمد رحمه الله عن حديث : معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي ◌َّ : أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة ؟ قال : ليس بصحيح ، والعمل عليه ، كان عبد الرزاق يقول : عن معمر عن الزهري مرسلا ) . قال أبو يعلى: ( معنى قول أحمد (( ضعيف )) على طريقة أصحاب الحديث ، لأنهم يضعفون بما لا يوجب تضعيفه عند الفقهاء ، كالإرسال والتدليس والتفرد بزيادة في الحديث لم يروها الجماعة ، وهذا موجود في كتبهم : تفرد به فلان وحده . فقوله: ((هو ضعيف)) على هذا الوجه، وقوله: (( والعمل عليه)) معناه : على طريقة الفقهاء ) ا. هـ . والشاهد من هذا تفريق القاضي أبي يعلى بين منهج المحدثين ومنهج الفقهاء في الإرسال والتدليس والتفرد ، وقد انتقد منهج المحدثين في ذلك وقال : ( إنهم يضعفون بما لا يوجب التضعيف عند الفقهاء ) . قلت : وهذا فيه نظر ، ولكن ليس هذا موضع مناقشة كلام أبي يعلى ، وإنما المقصود بيان اختلاف مناهج أهل العلم في ذلك ، وأن ابن عبد الهادي سلك طريقة أئمة الحديث السابقين . ٤- قال أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه ((صيد الخاطر)) (ص ٢٢٤): ١٠ تقديم الكتاب فما أقل فهم هؤلاء الذين شغلهم الحديث من التدقيق الذي لا يزم في صحة الحديث ، وإنما وقع لقلة الفقه والفهم . إن البخاري ومسلمً تركا أحاديث أقوام ثقات لأنهم خولفوا في الحديث فنقص الأكثرون من الحديث وزادوا ولو كان ثم فقه لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة ، وتركوا أحاديث أقوام لأنهم انفردوا بالرواية على شخص ، ومعلوم أن انفراد الثقة لا عيب فيه ، وتركوا من ذلك الغرائب ، وكل ذلك سوء فهم . ولهذا لم يلتزم الفقهاء هذا ، وقالوا : الزيادة من الثقة مقبولة ولا يقبل القدح حتى بين سببه ، وكل من لم يخالط الفقهاء وجهد مع المحدثين تأذى وساء فهمه ، فالحمد لله الذي أنعم علينا بالحالتين . اهـ . ٥ - وقال ابن رجب في كتابه «مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة)) - كما في كتاب ))سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث)) ليوسف بن عبد الهادي (ص: ٤٢) ، بعد أن ذكر حديث طاوس عن ابن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول الله وَل وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم . فأمضاه عليهم - : ( فهذا الحديث لأئمة الإسلام فيه طريقان : أحدهما : وهو مسلك الإمام أحمد ومن وافقه ، ويرجع إلى الكلام في إسناد الحديث بشذوذه وانفراد طاوس به ، وأنه لم يتابع عليه ، وانفراد الراوي بالحديث وإن كان ثقة هو علة في الحديث يوجب التوقف فيه ، وأن يكون شاذا ومنكرا إذا لم يرو معناه من وجه يصح ، وهذه طريقة أئمة الحديث المتقدمين ، كالإمام أحمد ويحيى القطان ويحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهم ، وهذا الحديث لا يرويه عن ابن عباس غير طاوس ) ا. هـ . والشاهد من كلام ابن رجب هذا أنه بَيَّن طريقة أئمة الحديث المتقدمين في ١١ تقديم الكتاب _- التعامل مع التفرد الذي يقع في الحديث ، وأن هذا التفرد يوجب التوقف في صحة الخبر ، ويكون بذلك شاذا أو منكرا ، إلا إذا توبع أو جاء ما يشهد له ، وأن طريقة من تأخر بخلاف ذلك . ٦ - وقال أيضا في ((فتح الباري)) (٣٦٢/١-٣٦٣) - بعد أن ذكر حديث أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: كان النبي رو سليم ينام وهو جنب ، ولا يمس ماء - : ( وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث من السلف على إنكاره على أبي إسحاق ، منهم إسماعيل بن أبي خالد وشعبة ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة ومسلم بن الحجاج وأبو بكر الأثرم والجوزجاني والترمذي والدارقطني .... وقال أحمد بن صالح المصري الحافظ : لا يحل أن يروى هذا الحديث . يعني أنه خطأ مقطوع به ، فلا تحل روايته من دون بيان علته . وأما الفقهاء المتأخرون فكثير منهم نظر إلى ثقة رجاله فظن صحته ، وهؤلاء يظنون أن كل حديث رواه ثقة فهو صحيح ، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث . ووافقهم طائفة من المحدثين المتأخرين ، كالطحاوي والحاكم والبيهقي ) ا. هـ ففرَّق هنا أيضا بين طريقة أئمة الحديث من السلف ، وبين طريقة المتأخرين من الفقهاء - والذين تبعهم بعض المتأخرين من أهل الحديث - في تعليل الأخبار ، وبين أنه لا يكفي عند الحكم على الحديث النظر إلى ظاهر إسناده وحسب ، بل لا بد من النظر في دقائق علم الحديث . وهذا الذي نبه عليه أبو الفرج بن رجب واضح ، فكم من حديث بيَّن كبار الحفاظ علته ، ومع ذلك صحَّحه جمع ممن تأخر (١) ، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر أمثلة على ذلك . (١) وليس معنى هذا أن أكثر المتأخرين ليس عندهم اهتمام بعلم العلل ، وإنما المقصود أن طريقتهم في التعليل فيها بعض المخالفة لطريقة من تقدم ، وأنهم عندهم شيء من التساهل في ذلك . ١٢ تقديم الكتاب وقد نبه أبو الفرج بن رجب في كتبه مرات عدة على طريقة السابقين ، والأئمة المتقدمين ، في مسائل أخرى من علم المصطلح . ٧ - وقال أبو إسحاق الشاطبي في كتابه ((الموافقات)) (٩١/١) - في المقدمات التي ذكرها في بدايته ، وعددها ثلاثة عشر - قال في المقدمة الثانية عشرة : ( من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به : أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام .... ) . إلى أن قال (٩٦/١): ( فصل ، وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم عن أهله ، فلذلك طريقان : أحدهما : المشافهة ..... والطريق الثاني: مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين ، وهو أيضا نافع في بابه بشرطين : الأول : أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب ، ومعرفة اصطلاحات أهله ، ما يتم له به النظر في الكتب .... والشرط الثاني : أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد ، فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين ، وأصل ذلك التجربة والخبر . أما التجربة فهو أمر مشاهد في أي علم كان ، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما ما بلغه المتقدم ، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري ، فأعمال المتقدمين - في إصلاح دنياهم ودينهم - على خلاف أعمال المتأخرين ، وعلومهم في التحقيق أقعد . فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين ، والتابعون ليسوا كتابعيهم ، وهكذا إلى الآن ، ومن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم أبصر العجب في هذا المعنى . ١٣ تقديم الكتاب _- وأما الخبر: ففي الحديث: ((خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم)) .... ) . إلى أن قال : ( والأخبار هنا كثيرة ، وهي تدل على نقص الدين والدنيا ، وأعظم ذلك العلم ، فهو إذا في نقص بلا شك . فلذلك صارت كتب المتقدمين وكلامهم وسيرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم على أي نوع كان ، وخصوصا علم الشريعة ، الذي هو العروة الوثقى ، والوزر الأحمى ، وبالله تعالى التوفيق ) ا. هـ . فبين أبو إسحاق الشاطبي أنه ينبغي لطالب العلم أن يتحرى كتب المتقدمين ، وذلك لكون المتقدمين أقعد بالعلم من غيرهم من المتأخرين ، ودليل ذلك التجربة والخبر، وما قاله الشاطبي عام في كل العلوم ، ويدخل في ذلك علم الحديث ، والله تعالى أعلم . فصل وما تقدم من قول ابن جرير والحاكم وأبي يعلى وابن الجوزي وابن رجب والشاطبي وكذلك كلام غيرهم يدل على اختلاف مناهج علماء الحديث ، وتباين طرقهم في مسائله ، وهذا مطرد في سائر العلوم ، والمصيب منهم له أجران ، والمخطئ له أجر واحد ، لأن هذه المسائل اجتهادية كما هو معلوم . والدليل الثاني الذي يدل على ذلك : اختلافهم في الحكم على الحديث تصحيحا وتضعيفا ، وقبولا وردا ، ويظهر ذلك لمن توسع في المقارنة بين أحكام المتقدمين على الأحاديث وأحكام المتأخرين ، وهذا الاختلاف مرجعه إلى أمرين : ١ - إما لعدم العلم بشيء له علاقة بتصحيح خبر بعينه أو تضعيفه ، بحيث لو علمه الطرف الآخر لوافق حكم الأول ، كالانقطاع في السند مثلا ، أو ضعف راو ، ١٤ تقديم الكتاب ونحو ذلك . والاختلاف الناشئ عن هذا الأمر لا يعد من الاختلاف في المنهج ، وبالتالي ليس هو المقصود هنا ، وإنما المقصود هنا الأمر الثاني ، وهو : ٢- ما كان بسبب الاختلاف في المنهج ، وهذا هو الذي سبقت الإشارة إلى شيء منه في كلام أبي يعلى وغيره ، ويظهر هذا أيضا من خلال المقارنة بين كلام أهل العلم في الحكم على الأحاديث ، فالمقارن يجد اختلافا كبيرا بينهم في ذلك ، وهذا الاختلاف مرجعه في كثير منه إلى هذا الأمر ، ولذلك قال الذهبي في أول كتابه (الموقظة)) (ص: ٢٤): ( الحديث الصحيح هو : ما دار على عدل متقن واتصل سنده ، فإن كان مرسلا ففي الاحتجاج به اختلاف . وزاد أهل الحديث : سلامته من الشذوذ والعلة ، وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء ، فإن كثيرا من العلل يأبونها . فالمجمع على صحته إذا : المتصل السالم من الشذوذ والعلة ، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس ) ا. هـ (١) . وقال محمَّد بن إبراهيم الوزير في كتابه ((العواصم)) (٩١/٢): ( وعامة التضعيف إنما يكون بقلة الحفظ ، وكثرة الوهم ، وللمحدثين تشديد كثير لا يوافقون عليه ، فإن المعتبر عند الأصوليين أن يكون وهم الراوي أكثر من إصابته على قول ..... أو يكون مساويا على قول الأكثرين ، وأما إذا كان وهمه أقل فإنه يجب قبوله عند الأصولين، وليس كذلك مذهب المحدثين .... ) ا. هـ. وهذا الذي قاله ابن الوزير فيه بعض النظر ، وليس هذا المكان محل بيان ذلك ، (١) سبق الذهبي إلى هذا الكلام شيخُه ابنُ دقيق العيد في)) الاقتراح))، و)) الموقظة)) اختصار لِ ))الاقتراح))، ولكن ما قاله الذهبي هنا لا شك أنه يرى صحته ، ولذلك جزم به ، ولم ينسبه ١٥ تقديم الكتاب - وإنما الشاهد منه أن كثيرا من الاختلاف الذي يقع عند الحكم على الحديث مرجعه إلى اختلاف مسالك أهل العلم ، وتباين طرائقهم في علم أصول الحديث ، ولا شك أن طريقة من تقدم من أهل الحديث هي الطريقة المثلى التي ينبغي أن يسار عليها (١) . فصل قلت : وقد سلك أبو عبد الله بن عبد الهادي طريقة السابقين ، ومنهج الأئمة المتقدمين في علم الحديث ، والدليل على هذا من جهتين : ١ - إجمالا . ٢ - تفصيلا. أما إجمالا : فالدليل على هذا من جهتين : (١) موافقة أحكامه على الأحاديث لأحكام من سبقه من الأئمة الحفاظ ، وتسليمه لهم فيما ينقله عنهم . (٢) في حكمه على الأحاديث التي لم يسبق فيها حكم للأئمة السابقين ، يلاحظ أنه يسير على طريقتهم ، ويسلك منهجهم ، وإذا أردت التحقق من ذلك فانظر كتابه : ((الصارم المنكي)) وكتابه ((المحرر)) وكتابه ((تنقيح التحقيق))، فسوف تلاحظ ذلك ، والله تعالى أعلم . وأما تفصيلا ، فالدليل من جهتين أيضا (١): (١) كتاب ((الصارم المنكي)) من أنفس كتب ابن عبد الهادي ، والصناعة لأحد . (١) وليس معنى هذا أنهم لم يختلفوا في شيء من المنهج ، فهذا الظن غير صحيح ، فقد اختلفوا ولكنهم متفقون في أكثر قضايا علم الحديث ، فأصبحوا يمثلون منهجا واحداً متقاربا ، ولذلك صح أن يقال : منهج من تقدم من أهل الحديث ، أو : منهج أهل الحديث - كما تقدم في كلام بعض أهل العلم - ، وما اختلفوا فيه يؤخذ فيه بما دل عليه الدليل ٠ (٢) سوف أقتصر هنا على ذكر الجهة الأولى ، وأما الجهة الثانية - وهي كلامه المتفرق في كتبه ١٦ . تقديم الكتاب الحديثية فيه عالية ، وقد رد فيه على كتاب ((شفاء السقام في زيارة خير الأنام)) لتقي الدين السبكي ، وسوف أنقل بعض مقدمة ابن عبد الهادي لكتابه («الصارم)) وكلامه على الحديث الأول ، وأقارن به كلام السبكي ، مع العلم بأن كلام ابن عبد الهادي يمثل منهج الأئمة المتقدمين ، وأما كلام السبكي فيمثل منهج المتأخرين . وقبل الشروع في ذلك أبين من هو السبكي ؟ بذكر بعض كلام أهل العلم الذين ترجموا له ، فأقول وبالله التوفيق : تقي الدين السبكي ممن اشتهر بالعلم في زمنه ، حتى قال عنه أبو عبد الله الذهبي في ((معجم شيوخه الكبير)) (٣٤/٢): ( الحافظ ، العلامة، البارع ، عالم الديار المصرية .... المحدث ) ا. هـ . وقال عنه في ((المعجم المختص بالمحدثين)) (ص: ١٦٦): ( القاضي ، الإمام ، العلامة ، الفقيه ، المحدث ، الحافظ ، فخر العلماء .... وكان صادقا متثبتا ، خيرا دينا ، متواضعا حسن السمت ، من أوعية العلم ، يدري الفقه ويقرره ، وعلم الحديث ويحرره ، والأصول ويقرئهما ، والعربية ويحققها ..... وصنف التصانيف المتقنة ، وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق والفضل ) ا. هـ . وقال في ((تذكرة الحفاظ)) (١٥٠٧/٤): (وسمعت من العلامة ذي الفنون فخر الحفاظ ... ) ا.هـ . وقال البرزالي : ( وفي يوم ... ذكر الدرس الإمام العلامة تقي الدين السبكي المحدث بالمدرسة الهكارية) ا. هـ من ((البداية)) (١٨/ ٢١٠). وقال عماد الدين ابن كثير في ((البداية)) أيضا (١٨/ ٢٢٤): (وفي سلخ ربيع الأول درَّس العلامة المحدث تقي الدين السبكي ) ا. هـ . وقال أيضا (٥٦٦/١٨): ( ... سمع الحديث في شبيبته بديار مصر ، ورحل إلى الشام ، وقرأ بنفسه ، وكتب وخرّج ، وله تصانيف كثيرة منتشرة ، كثيرة ١٧ تقديم الكتاب- الفائدة ، وما زال في مدة القضاء يصنف ويكتب إلى حين وفاته ، وكان كثير التلاوة ، وذكر لي أنه كان يقوم من الليل رحمه الله ) ا. هـ . وقال عنه أبو الحجاج المزي : ( شيخ الإسلام ) . كما في ((طبقات الشافعية الكبرى)) لعبد الوهاب بن علي السبكي (١٩٥/١٠). وقال عنه الإمام أبو العباس بن تيمية : ( لقد برَّز هذا على أقرانه ) كما في ((الطبقات)) أيضاً (١٠/ ١٩٥). قلت : ومع ذلك كله فإن منهجه (١) في الصناعة الحديثية فيه نظر بين ، ومسلكه في ذلك فيه ضعف ظاهر ، حتى قال أبو عبد الله بن عبد الهادي في مقدمة كتابه ((الصارم)) (ص: ١٨): ( أما بعد : فإني وقفت على الكتاب الذي ألفه بعض قضاة الشافعية في الرد على شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية في مسألة شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور ، وذكر أنه كان قد سماه ((شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة))، ثم زعم أنه اختار أن يسميه ((شفاء السقام في زيارة خير الأنام))، فوجدت كتابه مشتملا على تصحيح الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة ، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة ، والآثار القوية المقبولة ، أو تحريفها عن مواضعها ، وصرفها عن ظاهرها ، بالتأويلات المستنكرة المردودة ، ورأيت مؤلف هذا الكتاب المذكور رجلا مماريا ، معجبا برأيه ، متبعا لهواه ، ذاهبا في كثير مما يعتقده إلى الأقوال الشاذة ، والآراء الساقطة ، صائرا في أشياء مما يعتمده إلى الشبه المخيلة ، والحجج الداحضة ، وربما خرق الإجماع في مواضع لم يسبق إليها ، ولم يوافقه أحد من الأئمة عليها ، وهو في الجملة لون عجيب ، وبناء غريب .... إلى آخره ) ا. هـ . قلت : والذي دعى تقي الدين السبكي إلى تقوية الأحاديث الضعيفة والساقطة ، وتثبيت الأحاديث المعلولة والمنكرة ، أمران : (١) وأشد من هذا وأعظم تخليطه في منهجه العقدي، ومخالفته للكتاب والسنة . ١٨ -- تقديم الكتاب - ١- منهجه العقدي ، فقد سلك نهج الخلف ، ولم يتبع منهج السلف . ٢- وأيضا في الصناعة الحديثية سار على طريقة المتأخرين ، ولم يسلك طريقة المتقدمين من أئمة الحديث . وعندما تقارن بين كتاب ابن عبد الهادي وكتاب السبكي تجد فرقا واضحا ، وبونا شاسعا بين المنهجين في الصناعة الحديثية (١) . فالسبكي ذهب إلى تقوية الأحاديث الواردة بلفظ الزيارة إلى قبر الرسول مق لي ، مثل حديث : (( من زار قبري وجبت له شفاعتي )) وغيره مما هو في معناه ، فذكر خمسة عشر حديثا حكم بثبوت الحديث الأول منها ، فقال عنه : حسن أو صحيح ، وباقي الأحاديث قوَّى بعضها وجعله صالحا لأن يعتضد بغيره . فبيَّن شمس الدين ابن عبد الهادي نكارة هذه الأحاديث وسقوطها ، وبطلان بعضها ووضعه ، وأنها أحاديث لا يصح منها شيء ، وأنها دائرة بين أن تكون أحاديث منكرة أو معلولة أو موضوعة . كما بيَّن أن بعض الأحاديث التي جعلها السبكي أحاديث متعددة هي في حقيقتها حديث واحد ، ولكن تعمد بعض الكذابين أن يرويها على أوجه متعددة ، ومنها ما أخطأ فيه بعض الضعفاء فرواها على أوجه أخرى . وختم ابن عبد الهادي كلامه على هذه الأحاديث بقوله : ( فقد تبين أن جميع الأحاديث التي ذكرها المعترض في هذا الباب ليس فيها حديث صحيح ، بل كلها ضعيفة أو موضوعة لا أصل لها ، وكم من حديث له طرق أضعاف هذه الطرق التي ذكرها المعترض وهو موضوع عند أهل هذا الباب ، فلا يعتبر بكثرة الطرق وتعددها ، وإنما الاعتماد على ثبوتها وصحتها ، والحاصل أن ما سلكه المعترض من جمع الطرق في هذا الشأن ، وتصحيح بعضها واعتماده عليه ، وجعل بعضها شاهدا لبعض ومتابعا (١) هذا فضلا عن الاختلاف في المنهج العقدي . ١٩ تقديم الكتاب _- له ، هو مما تبين خطؤه فيه ، وظهر تعصبه وتحامله في فعله ، وأن ما ذهب إليه شيخ الإسلام - من تضعيفها وردها وعدم قبوله - هو الصواب ... ) ا.هـ من (( الصارم المنكي (((ص: ٢٤٣ - ٢٤٤). وقد قوَّى هذه الأحاديث غير علي بن عبد الكافي السبكي جمعٌ من المتأخرين ، : منهم ١ - القاضي محمد بن أبي بكر الأخنائي المالكي، فقال - كما في ((الرد على الأخنائي)) للإمام ابن تيمية (ص: ١٣٤) - : ( وورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح ، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ، ويحصل بها الترجيح ) ا. هـ . ٢ - ومنهم : ابن علاَّن الصديقي المكي ، فقد رد على ابن عبد الهادي ، وسمَّى كتابه: ((المبرد المبكي في رد الصارم المنكي))، كما في ((فهرس الفهارس)) للكتاني (١/ ٢٧٧) . ٣ - ومنهم : إبراهيم بن عثمان السمنودي المصري ، فقد رد على ابن عبد الهادي في هذه القضية، وسمَّى رده : ((نصرة الإمام السبكي برد الصارم المنكي))، وهو مطبوع . ٤ - ومنهم : عبد الحي اللكنوي ، قال عبد الحي الكتاني في ((فهرس الفهارس)) (٧٣٠/٢): (وله في مسألة زيارة القبر النبوي وشد الرحال له عدة مصنفات ، منها: ((الكلام المبرم في نقض القول المحكم))، و((الكلام المبرور في رد القول المنصور))، و((السعي المشكور في رد المذهب المأثور))، وقال رحمه الله: ألفتها ردا لرسائل من حج ولم يزر قبر النبي ◌ّله ، وحرم زيارة قبره المعهودة في العصور الإسلامية . ا. هـ من كتابه ((إبراز الغي الواقع في شفاء العي))، وكتبه الثلاثة هي كالرد على (( الصارم المنكي)) ) ا. هـ . ٢٠