Indexed OCR Text

Pages 341-360

السباع حيًّا إن فارقتك . قال : فأعط ابنك هذه الأثواب يستعين بها في
فداء أخيه . فأعطاه خمسة أثواب ثمنها ألف دينار .
وقال أحمد بن جناب المصيصي : ثنا خالد بن يزيد القسري ، ثنا
عمار بن أبي معاوية الذهني قلت لأبي جعفر محمد بن علي : حدثني
بقتل الحسين حتى كأني حضرته فقال : مات معاوية والوليد بن عتبة على
المدينة ، فأرسل إلى الحسين ليبايع ، فقال : أخرني ورفق به فأخره ،
فخرج إلى مكة فأتاه رسل أهل الكوفة أن قد حبسنا أنفسنا عليك [١/ ق
١٨٢-١] فاقدم علينا ، وكان النعمان بن بشير على الكوفة فبعث الحسين ابن
عمه مسلم بن عقيل ، فقال له : سر إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إليّ ،
فإن كان حقًّا قدمت إليهم ، فخرج مسلم حتى أتى المدينة ، فأخد منها
دليلين ، وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه فأبى ، وكتب إليه : امض إلى
الكوفة ، فخرج حتى قدمها ، فنزل على عوسجة، ودَبَّ إليه أهل الكوفة
فبايعه منها اثنا عشر ألفًا، فقام رجل ممن يهوى يزيد إلى النعمان، فقال:
إنك لضعيف قد فسد البلاد . فقال : ما كنت لأهتك سترًا ستره الله .
فكتب بقوله إلى يزيد ، فدعا مولى له فأخبره . فقال : ليس للكوفة إلا
عبيد الله بن زياد فولاه. وكان يزيد ساخطًا عليه ، وكان قد هم بعزله من
البصرة، فكتب إليه بولاية الكوفة مع البصرة وأن يقتل مسلم بن عقيل،
فأقبل عبيد الله في وجوه أهل البصرة حتى قدم الكوفة متلثمًا، فلم يمر
على مجلس من مجالسهم فيسلم عليهم إلا قالوا : وعليك السلام يا ابن
رسول الله . وهم يظنون أنه الحسين حتى نزل القصر فدعا مولى له
فأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال : اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يبايع
أهل الكوفة فأعلمه أنك من أهل حمص جئت لهذا الأمر ، وهذا مال
تدفعه إليه ليقوى به ، فخرج وتلطف حتى دُل على شيخ يلي البيعة ،
فلقيه فأخبره الخبر ، فأدخله على مسلم فأخذ منه المال وبايعه ، ورجع
٣٤١

فأخبر عبيد الله، ثم تحول مسلم إلى دار هانئ بن عروة المرادي ، وكتب
إلى الحسين يأمره بالقدوم ، وقال عبيد الله : ما بال هانئ بن عروة لم
يأتني ؟ فخرج إليه محمد بن الأشعث في أناس ، فأتوه وقالوا: إن الأمير
قد ذكرك ، فركب معهم ودخل على عبيد الله ، وعنده شريح القاضي
فقال لشريح : أتتك بحائن رِجْلاه ، وقال : يا هانئ أين مسلم ؟ قال :
ما أدري ، فأمر عبيد الله [١ / ق ١٨٢ - ب] صاحب الدراهم فخرج إلى
هانئ، فلما رآه فَظِعَ به ، فقال : والله ما دعوته إلى منزلي ولكنه جاء
فطرح نفسه علي . فقال : ائتني به . قال : والله لو كان تحت قدمي ما
رفعتها . فضربه بقضيب فشجه ، فأهوى هانئ إلى سيف شرطي ليستله
فدفع عن ذلك وحبس ، فخرج الخبر إلى مذحج ، فإذا على باب القصر
جلبة(١) ، قال: وأتى الخبر مسلمًا فنادى بشعاره فاجتمع إليه أربعون ألفًا،
وبعث عبيد الله إلى وجوه الكوفة فجمعهم عنده في القصر فلما سار إليه
مسلم وانتهى إلى باب القصر أشرفوا من فوقه على عشائرهم ، جعلوا
يكلمونهم ويردونهم، فتفرقوا حتى أمسى مسلم في خمسمائة ، فلما
اختلط الظلام ذهب أولئك أيضًا وبقي وحده ، فتردد في الطريق فأتى
باب منزل ، فخرجت إليه امرأة فاستسقاها فسقته ، ثم دخلت فمكثت ما
شاء الله ، ثم خرجت فإذا هو على الباب ، قالت : يا عبد الله ، إن
مجلسك مجلس ريبة فقم . فقال: إني مسلم بن عقيل فهل عندك مأوى ؟
قالت: نعم . فدخل وكان ابنها مولى لمحمد بن الأشعث ، فانطلق فأخبر
محمدًا، فبعث عبيد الله عمرو بن حريث المخزومي صاحب شرطته
ومحمد بن الأشعث فأحيط بالدار ، فخرج مسلم بسيفه فقاتلهم ، فأعطاه
محمد الأمان ، فأمكن من يده فجاء به إلى عبيد الله ، فضرب عنقه
وألقى جثته إلى الناس وصلب هانئًا فقال شاعرهم :
(١) الجَلَبَة: مفرد الجلب، وهي الأصوات. انظر النهاية (١ / ٢٨١).
٣٤٢

فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هانئ في السوق وابن عقيل
أحاديث من يسعى بكل سبيل
أصابهما أمر الأمير فأصبحا
أيركبُ أسماءُ الهمالِيجَ آمنًا وقد طَلَبَتْه مَذْحِج بقتيل
وأقبل الحسين - عليه السلام - بكتاب مسلم إليه، حتى إذا كان بينه
وبين القادسية ثلاثة أميال لقيه الحر التميمي، فقال: ارجع فإني لم أدع
لك خلفي خيرًا. فَهَمَّ أن يرجع وكان معه إخوة مسلم فقالوا: والله [١/ ق
١٨٣-١] لا نرجع حتى نُصيب بثأرنا أو نقتل، فقال: لا خير في الحياة بعدكم.
فسار فلقيه أول خيل عبيد الله ، فلما رأى ذلك عدل إلى كربلاء ،
وأسند ظهره إلى قصباء حتى لا يُقاتل إلا من وجه واحد ، فنزل وضربت
أبنيته وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسًا ونحواً من مائة راجل .
وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص قد ولاه عبيد الله الري، وعهد إليه
فدعاه وقال : اكفني هذا الرجل . قال : اعفني . فأبى أن يعفيه ، فتوجه
إلى الحسين ، فلما أتاه قال الحسين : اختر واحدة من ثلاث : إما أن
تدعوني فألحق بالثغور ، وإما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد ، وإما أن
تدعوني فأذهب من حيث جئت ، فقبل ذلك عمر ، وكتب به إلى عبيد
الله ، فكتب إليه عبيد الله : لا ولا كرمة حتى يضع يده في يدي . فقال
الحسين : لا ، والله لا يكون ذلك أبداً، فقاتله فقتل أصحابه كلهم وفيهم
بضعة عشر شابًّا من أهل بيته ، ويجيء سهم فيقع بابن له صغير في
حجره ، فجعل يمسح الدم عنه ويقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا
لينصرونا ثم يقتلوننا، ثم أمر بسراويل حِبَرة فلبسها، ثم خرج بسيفه فقاتل
حتى قتل ، وقتله رجل من مذحج وحَزّ رأسه ، فانطلق به إلى [ عبيد الله
ابن ](١) زياد فقال :
(١) من التهذيب .
٣٤٣

فقد قَتَلتُ المِلكَ المُحَجَّبا
أَوْقِرْ رِكَابِي فِضَّةً وذَهَبْا
وخَيَرهُمْ إذ يُنسبون نسبا
قتلت خير الناس أُمَّا وأبًا
فوفده إلى يزيد ومعه الرأس قال : ووضع بين يديه وعنده أبو برزة
الأسلمي ، فجعلَ ينكتُ بالقضيب على فيه ويقول :
علينا وهم كانوا أعقَّ وأَظلما
نُفُلِّقُ هامًا من رجالِ أعِزَّةً
فقال أبو برزة : ارفع قضيبك ، فوالله لربما رأيت فا رسول الله
وَسـ
على فيه [١ / ق ١٨٣ - ب] يلثمه.
وسرح عمر بن سعد بحرمه وعياله إلى عبيد الله ، ولم يكن بقي من
أهل بيت الحسين إلا غلام كان مريضًا مع النساء ، فأمر به عبيد الله
ليُقتل، فطرحت زينب بنت علي نفسها عليه ، وقالت:" لا تقتل حتى
يقتلوني . فرق لها فتركه ، ثم جهزهم إلى يزيد ، فلما قدموا عليه جمع
من كان بحضرته فهنئوه بالفتح ، فقام رجل أحمر أزرق ونظر إلى وصيفة
من بناتهم فقال : هب لي هذه . فقالت زينب : كلا والله ، ولا كرامة
إلا أن يخرج من دين الله . فأعادها الأزرق ، فقال له يزيد : كف ، ثم
أدخلهم إلى عياله فجهزهم وحملهم إلى المدينة ، فلما دخلوها خرجت
امرأة من بنات عبد المطلب ناشرة شعرها تبكي وتقول :
ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
ماذا تقولون إن قال النبي لكم
منهم أسارى وقتلى ضُرُجوا بدم
بِعِتْرَتَي وبأهلي بعد مُفْتَقدي
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تُخْلِفُوني بشرٌّ في ذوي رحمي
وقال أحمد بن جناب : لم أسمع البيت الآخر إلا من هذا الشيخ .
قال ابن عيينة : عن إسرائيل أبي موسى قال : سمعت الحسن يقول:
قُتل مع الحسين ستة عشر رجلاً من أهل بيته .
٣٤٤

وفي ((طبقات)) ابن سعد قال : أبنا محمد بن عمر ، ثنا ابن أبي
ذئب ، حدثني عبد الله بن عمير مولى أم الفضل . قال محمد بن عمر:
وأنا عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ، عن أبيه ، وأنا يحيى بن سعيد
ابن دينار ، عن أبيه ، وحدثني ابن أبي الزناد ، عن أبي وجزة السعدي،
عن علي بن الحسين .
قال ابن سعد : وأنا علي بن محمد ، عن يحيى بن إسماعيل بن
عبيد الله ، عن أبيه .
وعن لوط بن يحيى ، عن محمد بن بشر الهمداني ، وغيره .
وعن محمد بن الحجاج ، عن عبد الملك بن عمير .
وعن هارون [١ / ق ١٨٤ -١] بن عيسى ، عن يونس بن أبي إسحاق ،
عن أبيه .. وعن يحيى بن أبي زائدة ، عن مجالد ، عن الشعبي .
قال ابن سعد وغيرهم أيضًا : قد حدثني في هذا الحديث بطائفة
فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين - رضي الله عنه - أن أهل الكوفة
كانوا يدعونه إلى الخروج زمن معاوية فيأبى ... إلى أن قال: فجاءه أبو
سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله، بلغني أنه كاتبك قوم من شيعتكم فلا
تخرج إليهم؛ فإني سمعت أباك بالكوفة يقول: والله، لقد مللتهم
وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما بلوت منهم وفاء، ومن فاز بهم فاز
بالسهم الأخيب، والله ما لهم ثبات، ولا عزم أمر، ولا صبر على السيف.
وقدم المسيب بن نَجَبَة الفزاري وعدَّةٌ معه إلى الحسين بعد وفاة
الحسن، فدعوه إلى خلع معاوية وقالوا : قد علمنا رأيك ورأي أخيك .
قال : إني لأرجو أن يعطي الله أخي على نيته في حب الكف ، وأن
يعطيني على نيتي في حب جهاد الظالمين . وكتب مروان إلى معاوية : إني
لست آمن أن يكون حسين مُرصداً للفتنة ، وأظن يومكم من حسين
٣٤٥

طويلاً .
فكتب معاوية إلى الحسين - رضي الله عنهما - أن من أعطى الله صفقة
يمينه وعهده لجدير بالوفاء ، وقد أنبئت أن قومًا دعوك إلى الشقاق وأهل
العراق من قد جربت قد أفسدوا على أبيك وأخيك فاتق الله واذكر الميثاق،
فإنك متى تكِدْني أَكِدْك .
فكتب إليه الحسين : أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني لجدير ،
والحسنات لا يهدي بها إلا الله ، ولا أردت لك محاربة ولا عليك خلافًا،
وما أظن لي عند الله عذرًا في ترك جهادك ، وما أعلم فتنة أعظم من
ولايتك أمر هذه الأمة .
فقال معاوية : إن أَثَرْنا بأبي عبد الله إلا أسدًا .
قالوا : ولما احتضر معاوية قال ليزيد : انظر حسين بن فاطمة بنت
رسول الله حمّله فإنه أحب الناس إلى الناس ، فصل رحمه وارفق به
يصلح لك أمره ... إلى أن قال: ولقي ابن عمر الحسين فقال: لا تخرج
فإن رسول الله وَ له خير بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ، وإنك بضعة
منه ولا تنالها - يعني الدنيا - فاعتنقه وبكى وودعه فكان ابن عمر يقول :
غلبنا الحسين بالخروج ، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة ، ورأى من
الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش ، وأن
يدخل في صالح ما دخل فيه الناس ، فإن الجماعة خير .
وقال له ابن عباس : أين تريد ، إني كاره لوجهك هذا ، تخرج إلى
قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطة ومَلةً لهم ، أذكرك الله
أن تغرر بنفسك .
وقال أبو واقد الليثي : أدركت الحسين بملل فناشدته الله أن لا يخرج؛
فإنه يخرج في غير وجه خروج ، إنما يقتل نفسه ، فقال : لا أرجع .
٣٤٦

وقال جابر : كلمت حسينًا فعصاني . وكتب إليه المسور بن مخرمة :
إياك أن تغتر بأهل العراق . وكتب إليه غير واحد سماهم ، فصمم على
المسير ، حتى قال له ابن عباس : والله إني لأظنك ستقتل غدًا بين نسائك
وبناتك كما قتل عثمان ، وإني لا أخاف أن تكون الذي يُقاد به ، فإنا لله
وإنا إليه راجعون . فقال : يا أبا العباس ، إنك شيخ قد كبرت . فقال
ابن عباس : لولا أن يُزْرَى ذلك بي أو بك لنشبت يدي في رأسك ، ولو
أعلم أنا إذا تناصينا أقمت لفعلت . قال: لأن أقتل بمكان كذا أحب إليّ
من أن تُسْتَحل بي ، يعني بمكة . فبكى ابن عباس ، وقال : أقررت عين
ابن الزبير ، ثم خرج ابن عباس فلقي ابن الزبير فقال : قد أتى ما أحببت
قرت عينك ، هذا أبو عبد الله يخرج ويتركك والحجاز ... إلى أن قال :
وخرج متوجهًا إلى العراق في عشر ذي الحجة سنة ستين ...
محمد بن عبيد الطنافسي ، ثنا شرحبيل(١) بن مدرك ، عن عبد الله
ابن نُجي ، عن أبيه أنه سافر مع علي وكان صاحب مطهرته ، فلما
حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين ، قال : صبرًا أبا عبد الله صبرًا أبا
عبد الله بشط الفرات . قلت : ومن ذا أبو عبد الله ؟ قال : ((دخلت
على رسول الله وَل﴿ وعيناه تفيضان ، فقلت: يا نبي الله ، أغضبك أحد ؟
فقال : قام من عندي جبريل قبل ، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات ،
وقال : هل لك أن أشمك من تُربته؟ قلت : نعم . فمدّ يده فقبض قبضة من
تراب فأعطانيها ، فلم أملك عيني أن فاضتا )) .
عمارة بن زاذان، ثنا ثابت، عن أنس قال: ((استأذن مَلَك القَطْر
ربَّه أن يزور النبي ◌َّ فأذن له، وكان في يوم أم سلمة ، فقال : يا أم سلمة،
(١) كتب بحاشية ((د)): شرحبيل ثقة، وعبد الله ضعيف، أخرجه أحمد . وقال
الذهبي في السير (٣ / ٢٨٨): هذا غريب ، وله شويهد .
٣٤٧

احفظي علينا الباب . فبينا هي على الباب ، إذ جاء الحسين فاقتحم فدخل
فوثب على رسول الله وَليه، فجعل رسول الله وَليقول يلثمه ويقبله، فقال له
المَلَك: أتحبه ؟ قال: نعم . قال: أما إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك
المكان الذي يقتل فيه . فأراه إياه فجاء بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أم
سلمة فجعلته في ثوبها. قال ثابت : فكنا نقول: إنها كربلاء))(١).
عبد الله بن أحمد ، ثنا [ عباد ](٢) بن زياد ، ثنا عمرو بن ثابت ،
عن الأعمش، عن أبي وائل ، عن أم سلمة قالت: ((كان الحسن
والحسين يلعبان بين يدي رسول الله ګ في بيتي فنزل جبريل فقال: يا
محمد ، إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك. فبكى رسول الله وضمه ، ثم
قال : وضعت عندك هذه التربة . فشمها رسول الله قال﴾ وقال : ريح کرب
وبلاء . وقال :يا أم سلمة ، إذا تحولت هذه التربة دمًا فاعلمي أن ابني قد
قتل ، فجعلتها أم سلمة في قارورة ثم جعلت تنظر إليها كل يوم وتقول :
إن يومًا تُحوَّلين (١ / ق ١٨٥ -ب] دمًا ليوم عظيم))(٣).
أبو بكر بن عياش ، عن موسى بن عقبة ، عن داود قال : قالت أم
سلمة: ((دخل الحسين على رسول الله وَلِ ففزع، فقالت أم سلمة: ما لك
يا رسول الله ؟ قال : إن جبريل أخبرني أن ابني هذا يقتل ، وأنه اشتد غضب
الله على من يقتله))(٤).
وفي الباب عن جماعة من الصحابة .
قلت : وقال علي بن الحسين بن واقد : نا أبي ، نا أبو غالب ، عن
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٢٤٢، ٢٦٥).
(٢) في ((د، هـ)) والتهذيب: عبادة. وهو تحريف، والمثبت من المعجم الكبير
للطبراني ، وعباد بن زياد بن موسى الأسدي ستأتي ترجمته .
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٣ / ١٠٨ رقم ٢٨١٧).
(٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤ / ١٩٣).
٣٤٨

أبي أمامة (( أن رسول الله بَّير قال لأم سلمة: لا تدعي أحدًا يدخل . ونزل
جبريل ، فجاء حسین فیکی فخلته أم سلمة يدخل ، فدخل حتى جلس في
حجر رسول الله ، فقال جبريل : إن أمتك ستقتله . قال : يقتلونه وهم
مؤمنون ؟ قال : نعم وأراه تربته))(١) .
موسى بن يعقوب الزمعي ، عن هاشم بن هاشم بن عتبة ،عن
عبد الله بن وهب بن زمعة، أخبرتني أم سلمة (( أن رسول الله وَله
اضطجع ذات يوم فاستيقظ وهو خاثر النفس(٢) ، ثم اضطجع ثم استيقظ
وهو خائر دون المرة الأولى ، ثم رقد ، ثم استيقظ وفي يده تربة حمراء وهو
يقلبها، فقلت : ما هذه التربة ؟ قال : أخبرني جبريل أن هذا يقتل بأرض
العراق - للحسين - وهذه تربتها))(٣).
رواه إبراهيم بن طهمان ، عن عباد بن إسحاق ، عن هاشم مثله ،
ولم يذكر الاضطجاع .
وكيع ، حدثني عبد الله بن سعيد ، عن أبيه ، عن عائشة أو أم
سلمة أن النبي وَّل قال لها: ((لقد دخل عليّ ملَك لم يدخل علي قبلها،
فقال لي : إن ابنك هذا مقتول ، وإن شئت أريتك تربة الأرض التي يقتل
فيها )) .
أخرجه أحمد في ((مسنده )) (٤).
ورواه عبد الرزاق ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند مثله ، فقال :
(١) رواه ابن عساكر في تاريخه (١٤ / ١٩٠ - ١٩١) من طريق علي بن الحسين به
مطولاً. وقال المصنف فى السير (٣ / ٢٨٩): إسناده حسن .
(٢) أي ثقيل النفس غير طيب ولا نشيط. انظر النهاية (٢ / ١١).
(٣) رواه الطبراني في الكبير (٣ / ١٠٩ - ١١٠ رقم ٢٨٢١) ، وابن عساكر في
تاريخه ( ١٤ / ١٩٢) كلاهما من طريق موسى بن يعقوب به .
(٤) المسند (٦ / ٢٩٤).
٣٤٩

أم سلمة . ولم يشك .
محمد بن مصعب ، ثنا الأوزاعي ، عن شداد بن عبد الله ، عن أم
الفضل بنت الحارث نحواً منه(١) ، وهذا منقطع .
أبو إسحاق السبيعي ، عن هانئ بن هانئ ، عن علي قال : ليقتلن
الحسين قتلاً، وإني لأعرف تربة (١ / ١٨٦-١] الأرض التي يقتل بها .
حصين بن عبد الرحمن ، عن العلاء بن أبي عائشة ، عن أبيه ، عن
رأس الجالوت قال : كنا نسمع أنه يقتل بكربلاء ابن نبي ، فكنت إذا
دخلتها ركضت فرسي حتى أجوز عنها ، فلما قتل الحسين جعلت أسير
على هينتي .
قال المزي : وقال ابن سعد : أنا يحيى بن حماد ، أبنا أبو عوانة ،
عن الأعمش ، ثنا أبو عبد الله الضبي قال : دخلنا على ابن هرثم الضبي
حين أقبل من صفين وهو مع علي وهو جالس على دكان له ، وله امرأة
يقال لها : ( جرداء )(٢)، فجاءت شاة فبعرت ، فقال : لقد ذكرني بعر
هذه الشاة حديثًا لعلي - رضي الله عنه - أقبلنا مرجعنا فنزلنا كربلاء،
فصلى بنا الفجر بين شجيرات ودوحات حرمل ، ثم أخذ كفَّا من بعر
الغزلان فشمه ، ثم قال : أوه أوه ، يقتل بهذا الغائط قوم يدخلون الجنة
بغير حساب ، فقالت ( جرداء )(٢) : وما ينكر من هذا ؟ هو أعلم بما
قال منك .
وقال عمرو بن أبي قيس ، عن أبي حيان يحيى بن سعيد ، عن
قدامة الضبي ، عن جرداء بنت سُمير ، عن زوجها هرثمة بن سُلْمَى
قال: خرجنا مع علي فأتى كربلاء فشم تربتها ثم قال : واهًا لك تربة ،
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ( ٣ / ١٧٩).
(٢) ومثله في تاريخ ابن عساكر (١٤ / ١٩٨ - ١٩٩) وفي التهذيب : خرداء .
٣٥٠

ليقتلن بك قوم يدخلون الجنة بغير حساب .
عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس قال: «أوحى الله إلى النبي ټڼ إني قتلت بیحیی بن ز کریا
سبعين ألفًا ، وأنا قاتل بابن بنتك سبعين ألفًا وسبعين ألفًا))(١).
هذا حديث منكر ، تفرد به محمد بن شداد المسمعي أحد الضعفاء ،
ثنا أبو نعيم ، ثنا عبد الله بن حبيب .
وروى علي بن مسهر عن جدته قالت : كنت شابة لما قتل الحسين
فمكثت السماء سبعة أيام بليا ليهن كأنها علقة .
علي بن مدرك ، عن جده الأسود بن قيس قال : احمرت آفاق
السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر كأنها الدم .
أبو شيبة عثمان بن إبراهيم ، عن عيسى بن الحارث الكندي قال : لما
قتل الحسين مكثنا سبعة أيام إذا صلينا العصر فنظرنا [١ / ق ١٨٦ - ب] إلى
الشمس على أطراف الحيطان كأنها الملاحف المعصفرة ، ونظرنا إلى
الكواكب يضرب بعضها بعضًا .
وعن نضرة الأزدية قالت : لما قتل الحسين مطرت السماء دمًا ،
فأصبحت وكل شيء لنا ملآن دمًا .
ابن لهيعة ، عن أبي قبيل قال : لما قتل الحسين كسفت الشمس
وبدت الكواكب نصف النهار .
قطن بن نُسير ، ثنا جعفر بن سليمان ، حدثتني خالتي قالت : لما
قتل الحسين مطرنا مطرًا كالدم .
(١) تاريخ بغداد (١ / ١٤١ - ١٤٢) من طريق محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي
عن محمد بن شداد به .
٣٥١

مهدي بن ميمون ، سمعت مروان مولى ابنة المهلب قال : حدثني
بواب عُبيد الله بن زياد قال : لما جيء برأس الحسين فوضع ، رأيت
حيطان دار الإمارة تسايل دمًا .
حماد بن زيد ، عن عمر ، قال الوليد : أيكم يعلم ما فعلت أحجار
بيت المقدس يوم قتل الحسين ؟ فقال الزهري : بلغني أنه لم يُقلب حجر
إلا وجد تحته دم عبيط(١) .
روی مثله زید بن عمرو الكندي عن أم حيان .
وقال جرير بن عبد الحميد : عن يزيد بن أبي زياد قال : قتل الحسين
ولي أربع عشرة سنة وصار الورس(٢) الذي في عسكرهم رمادًا ،
واحمرت آفاق السماء ، ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها
النيران .
وقال ابن عيينة ، عن جدته ، فذكرت الورس صار رمادًا ، قالت :
ولقد رأيت اللحم كأن فيه النيران .
وقال حماد بن زيد ، عن جميل بن مرة قال : أصابوا إبلاً في عسكر
الحسين يوم قتل ، فنحروها وطبخوها فصارت مثل العلقم ، فما استطاعوا
أن يُسيغوا منها شيئًا .
وقال قرة بن خالد ، عن أبي رجاء العطاردي قال : لا تسبوا أهل
هذا البيت ، فإنه كان لنا جار من بلهُجيم ، فقال : أما ترون إلى هذا
الفاسق ابن الفاسق ، قتله الله - يعني الحسين - فرماه الله بكوكبين في
عينيه فعمي .
عطاء بن مسلم ، عن ابن السدي ، عن أبيه قال : أتيت كربلاء أبيع
(١) أي طري. انظر النهاية ( ٣ / ١٧٣ ).
(٢) هو نبات أصفر يُصْبَغ به. انظر النهاية (٥ / ١٧٣).
٣٥٢

البز بها ، فعمل لنا شيخ من طيء طعامًا فذكرنا قتل الحسين ، فقلنا ما
شرك أحد في قتله إلا مات بأسوأ ميتة. فقال: ما أكذبكم ! [١ / ق ١٨٧ -١]
أنا ممن شرك في ذلك . فلم يبرح حتى دنا من المصباح وهو يتقد بنفط
فذهب يخرج الفتيلة بأصبعه فأخذت النار فيها ، فذهب يطفئها بريقه
فأخذت النار في لحيته، فغدا فألقى نفسه في الماء ، فرأيته كأنه حُمَمَةٍ (١).
ورواها بعضهم عن عطاء بن مسلم، قال: قال السدي ... فذكرها .
وقال شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن رجل شهد الأمر قال :
وقام رجل فقال للحسين : أبشر بالنار . قال : أبشر برب رحيم وشفيع
مطاع ، من أنت ؟ قال : أنا حُويزة . قال : اللهم حُزْهُ إلى النار فنفرت
به الدابة ، فتعلقت رجله في الركاب ، فوالله ما بقي عليها منه إلا
رجله .
وقال ابن عيينة : حدثتني جدتي أم أبي قالت : شهد رجلان من
الجعفيين قَتْل الحسين ، فأما أحدهما فطال ذكره حتى كان يلفه ، وأما
الآخر فكان يستقبل الرَّاوية بفيه حتى يأتي على آخرها . قال سفيان :
رأيت ابن أحدهما مجنونًا .
وقال حماد بن سلمة : عن عمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس
قال: ((رأيت رسول الله ويسالقر فيما يرى النائم نصف النهار أشعث أغبر وبيده
قارورة فيها دم ، فقلت : يا رسول الله ، ما هذا ؟ قال : هذا دم الحسين
وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم )) . فأُحصيَ ذلك اليوم فوجدوه قتل
يومئذ .
وقال قرة بن خالد : أخبرني عامر بن عبد الواحد ، عن شهر بن
حوشب قال: إنا لعند أم سلمة زوج النبي وَّجُل فسمعت صارخة فأقبلت
(١) أي فحمة. انظر النهاية (١ / ٤٤٤).
٣٥٣

حتى انتهت إلى أم سلمة ، فقالت : قتل الحسين . قالت : فعلوها ،
ملأ الله بيوتهم - أو قبورهم - عليهم نارًا. ووقعت مغشيًّا عليها ، فقمنا.
وقال حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أم سلمة ،
سمعت الجن تنوح على الحسين .
وقال عمرو بن ثابت : عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أم سلمة
قالت : ما سمعت نوح الجن منذ قبض النبي ◌َّ له إلا الليلة، وما أرى
ابني إلا قد قتل - يعني الحسين . فقالت لجاريتها : اخرجي فسلي ،
فأخبرت أنه قد قتل ، وإذا جِنّة تنوح :
[١/ ق ١٨٧ - ب] ألا يا عين فاحتفلي بجَهدٍ ومن يبكي على الشهداء بَعْدي
على رهَط تقودهمُ المنايا إلى مُتَخيرٍ في مُلك عبد
وقال عطاء بن مسلم ، عن أبي جناب الكلبي قال : أتيت كربلاء
فقلت لرجل من أشراف العرب بها : بلغني أنكم تسمعون نوح الجن .
قال : ما تلقى حُرًّا ولا عبدًا إلا أخبرك أنه سمع ذلك . قلت : فأخبرني
ما سمعت أنت ؟ قال : سمعتهم يقولون :
فله بريق في الخدود
مسح الرسولُ جبينه
ـش جَدُّه خير الجدود
أبواه من عليا قُريـ
السري بن منصور بن عمار ، عن أبيه ، عن ابن لهيعة ، عن أبي
قبيل قال : لما قتلوا الحسين احتزوا رأسه ، وقعدوا في أول مرحلة يشربون
النبيذ ، فخرج عليهم قلم من حديد من حائط فكتب سطر دم :
أترجو أمةً قتلت حُسينًا شفاعة جده يوم الحساب
فهربوا وتركوا الرأس ، ثم رجعوا .
٣٥٤٠

وقال أحمد بن سعيد الجمال ، عن أبي نعيم ، وسألته عن قبر
الحسين فكأنه أنكر أن يعلم أين هو .
وروي أنهم دفنوا جئته وأجروا عليه الماء أيامًا فاختفى .
قلت : ومن أخباره :
قال ابن جريج : سمعت عمرو بن عطاء يقول : رأيت الحسين
يخضب بالوشم .
زبيد اليامي ، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة (( أن النبي ◌َّة
جلل(١) على فاطمة وعلي وحسن وحسين كساء، ثم قال : اللهم هؤلاء
أهل بيتي وحامتي (٢)، اللهم أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرًاً))(٣).
رواه جماعة عن شهر ، وروي بطرق عن أم سلمة .
عاصم ، عن زر، عن ابن مسعود قال: ((رأيت رسول الله وَ لل أخذ
بيد الحسن والحسين ، وقال : هذان ابناي ، فمن أحبهما فقد أحبني ، ومن
أبغضهما فقد أبغضني ))(٤) .
روى أبو الجحاف ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة مثله(٥).
ورواه سالم بن أبي حفصة - أيضًا - وغيره عن أبي حازم ، لكن قال
بدل ((أبي هريرة)) ((زيد بن أرقم)).
وعن عبيد الله [١ / ق ١٨٨ -١] الوصافي ، وغيره : أن الحسين حج
(١) أي غطى. انظر النهاية (١ / ٢٨٩).
(٢) حامة الإنسان: خاصته ومن يقرب منه. انظر النهاية (١ / ٤٤٦).
(٣) أخرجه الترمذي (٥ / ٦٥٦ - ٦٥٧ رقم ٣٨٧١) من طريق زبيد به ، وقال : هذا
حديث حسن ، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب .
(٤) رواه ابن عساكر (١٤ / ١٥١) من طريق ابن عياش عن عاصم به .
(٥) أخرجه النسائي في الكبرى ( ٥ / ٤٩ رقم ٦١٦٨).
٣٥٥

خمسًا وعشرين حجة ماشيًا ، ونجائبه تقاد معه .
وبعضهم يروي ذلك عن الحسن .
وذكر ابن عساكر : أن الحسين كان ممن غزا القسطنطينية ، وهذا من
مناقبه .
إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : استشارني
الحسين في الخروج ، فقلت : لولا أن يزرى بك وبي لنشبت يدي من
رأسك ..
يحيى بن إسماعيل ، سمعت الشعبي يقول : كان ابن عمر قدم
المدينة فأخبر بأن الحسين قد وجه إلى العراق ، فلحقه على مسيرة ليلتين
ونهاه . فقال : هذه كتبهم وبيعتهم ، قال : إن الله خير نبيه بين الدنيا
والآخرة فاختار الآخرة ، وإنكم بضعة منه . لا يليها أحد منكم أبدًا ، وما
صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير ، فارجعوا . فأبى ، فاعتنقه ابن عمر
وقال : أستودعك الله من قتيل ، وبكى .
ابن عيينة ، عن لبَطَةَ بن الفرزدق ، عن أبيه قال : لقيني الحسين وهو
خارج من مكة في جماعة عليهم يلامق الديباج ، فقال : ما وراءك ،
قلت : القلوب معك والسيوف مع بني أمية . قال الفرزدق : وإذا في لسانه
ثقل من مرض عرض له بالعراق ، فأشرت عليه بالرجوع ، فلم يطعني .
وقال شهاب بن خراش ، عن رجل قال : لقيت الحسين فسلمت
عليه فقال : وعليك السلام . وكانت فيه غُنَّةً .
قال شهاب : فحدثت به زيد بن علي بن الحسين فأعجبه : وكانت
فيه غنة .
جعفر بن سليمان ، عن يزيد الرشك، حدثني من شَافَهَ الحسين قال:
٣٥٦

رأيت أبنية مضروبة للحسين بالفلاة ، فأتيت فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع
تسيل على خدَّيه ، فقلت : يا ابن رسول الله ، ما أنزلك هذه الفلاة
التي ليس بها أحد ؟ قال : هذه كتب أهل الكوفة إليَّ ولا أراهم إلا
قاتليّ، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا انتهكوها، فيسلط الله عليهم
من يذلهم حتى يكونوا [١/ ق ١٨٨ -ب] أذل من فَرَم(١) الأَمَة، يعني مقنَعتها.
أبو معشر السندي ، عن بعض مشيخته ، أن الحسين حين نزل
كربلاء، قال : ما اسم هذه الأرض ؟ قالوا : كربلاء . قال : کرب وبلاء.
فبعث عبيد الله بن زياد عمر بن سعد فقاتلهم ، فقال الحسين : يا
عمر ، اخْتَرْ مني إحدى ثلاث : إما تتركني أن أرجع ، أو تسيرني إلى
يزيد فأضع يدي في يده فيحكم فيما يرى ، فإن أبيت فيسرني إلى الترك
فأقاتلهم حتى أموت .
فأرسل عمر بذلك إلى ابن زياد فهم أن يسيره إلی یزید ، فقال له
شمر بن ذي الجوشن : لا ، إلا أن ينزل على حكمك . قال : فأرسل
إليه بذلك . فقال الحسين : والله لا أفعل ، وأبطأ عمر عن قتاله ،
فأرسل إليه شمرًا فقال: أن تقدم عُمر وقاتل ، وإلا فاقتله وكن
مكانه. وكان مع عمر بن سعد ثلاثون رجلاً من أهل الكوفة ، فقالوا :
يَعرِض عليكم ابن بنت رسول الله ثلاث خصال ، فلا تقبلون منها شيئًا .
وتحولوا إلى الحسين فقاتلوا معه .
وقال عباد بن العوام ، عن حصين ، عن سعد بن عبيدة قال : رأيت
الحسين وعليه جبة برود ورماه رجل يقال له : عمرو بن خالد الطهوي
بسهم ، فنظرت إلى السهم معلقًا بجنبه .
قال سعد : وقاتلهم عمر بن سعد حتى قتلهم ، وإني لأنظر إليهم ،
(١) هو بالتحريك : ما تعالج به المرأة فرجها ليضيق . وقيل : هو خِرقة الحيض .
انظر النهاية ( ٣ / ٤٤١ ).
٣٥٧

وإنهم لقريب من مائة ، فيهم من صُلب عَليَّ: خمسة(١) أو سبعة،
وعشرة من بني هاشم ، ورجل من كنانة ، وآخر من سليم .
وقال غيره : قاتل الحسين يومئذ ، وكان بطلاً شجاعًا إلى أن أصابه
سهم في حنكه فسقط عن فرسه ، فنزل الشمر فاحتز رأسه ، وقيل : بل
طعنه سنان النخعي فصرعه واحتَزّ رأسه خولي الأصبحي ، لا رضي الله
عن الثلاثة .
شريك ، عن مغيرة قالت مرجانة لابنها عبيد الله : يا خبيث ، قتلت
ابن رسول الله ، لا ترى الجنة أبداً .
المدائني ، عن إبراهيم بن محمد ، عن عمرو بن دينار ، حدثني
محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه قال : قتل الحسين ودخلنا الكوفة
فلقينا رجل فدخلنا [١ / ق ١٨٩ -١] منزله فألحفنا، فنمت فلم أستيقظ إلا
بحسِّ الخيل في الأزقة، فَحُملنا إلى يزيد ، فدمعت عينه حين رآنا وأعطانا
ما شئنا ، وقال : إنه سيكون في قومك أمور فلا تدخل معهم في شيء .
فلما كان من أهل المدينة يوم الحرة ، كتب مع مسرف(٢) بن عقبة كتابًا فيه
أماني وفيه : استوص بعلي بن الحسين خيرًا ، وإن دخل معهم في أمرهم
فآمنه واعف عنه .
قد مر في خبر أبي جعفر الباقر أن عبيد الله بعث بالرأس الكريم إلى
یزید .
(١) عد منهم الذهبي في السير (٣ / ٣٢٠) خمسة وهم : الحسين وإخوته الأربعة:
جعفر ، وعتيق ، ومحمد ، والعباس الأكبر ، وعدّ ابن كثير في البداية والنهاية
(٨/ ١٩١) منهم ستة، وهم : جعفر، والحسين ، والعباس، ومحمد ،
وعثمان، وأبو بكر .
(٢) هو مسلم بن عقبة ، وسمي مسرف بن عقبة لإسرافه في سفك دماء الصحابة وأئمة
التابعين يوم الحرة، واستحلاله لمدينة رسول الله وَلة ثلاثة أيام.
٣٥٨

وقال محمد بن الضحاك الحزامي ، عن أبيه قال : خرج الحسين يريد
الكوفة ، فكتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد واليه على العراق: إن جيشنا
صائر إليك، وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان،
وأنت من بين العمال ، وعندها تعتق أو تعود عبدًا . فقتله ابن زياد ،
وبعث برأسه إليه .
وقال الزبير بن بكار : حدثني محمد بن حسن المخزومي قال : لما
دخل تفل الحسين على يزيد ووضع رأسه بين يديه ، بكى يزيد وقال :
نفلِّق هامًا من أناس أعزة
علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلمــ
أما والله ، لو كنت صاحبك ما قتلتك أبدًا .
وقال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان وكان حاضرًاً :
لهامٌ بجنب الطَّفِّ أدنى قرابةٌ
من ابن زياد العبد ذي النسب الوغل
سمية أمسى نسلها عدد الحصى
وبنت رسول الله ليس لها نَسل
فقال يزيد له : اسكت .
يحيى بن بكير ، حدثني الليث بن سعد قال : أبى الحسين -
رضي الله عنه - أن يُستأسر ، فقاتلوه ، فقتل هو وابنه وأصحابه بالطَّفِّ ،
وانطلق بينيه علي وفاطمة وسكينة إلى ابن زياد ، فبعث بهم إلى يزيد
فجعل سكينة خلف سريره لئلا ترى رأس أبيها ، وعلي بن الحسين في
غل فضرب على ثنيتي الحسين وقال: نفلق هامًا ... البيت (١ / ق ١٨٩ -ب]
فقال علي: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن
٣٥٩

نَبْرَأَهَا ﴾(١) فثقل على يزيد أن تمثل ببيت، وتلا علي آية فقال: بل ﴿فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾(٢) فقال: أما والله لو رآنا رسول الله وَظله
مغلولين لأحب أن يخلينا. قال : صدقت، خلوهم . قال : ولو وقفنا
على رسول الله {قَله من بعد لأحب أن يقربنا. قال: صدقت، قربوهم.
فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان لتريا رأس [ الحسين] (٣) أبيهما ،
وجعل يزيد يتطاول في مجلسه ليستره عنهما، ثم أمر بهم فجهزوا وأصلح
إليهم، وأخرجوا إلى المدينة .
وقال كثير بن هشام ، ثنا جعفر بن برقان ، عن يزيد بن أبي زياد
قال : لما أُتي يزيد بن معاوية برأس الحسين جعل ينكت بمخصره معه سنَّه،
ويقول : ما كنت أظن أبا عبد الله بلغ هذا السن ، وإذا رأسه ولحيته قد
نصل من الخضاب الأسود .
ابن سعد ، عن الواقدي والمدائني عن رجالهما أن محفز بن ثعلبة
العائذي قدم برأس الحسين على يزيد ، فقال : أتيتك يا أمير المؤمنين برأس
أحمق العرب والأمهم . قال يزيد : ما ولدت أم محفز أحمق وألأم ،
لكنه لم يقرأ كتاب الله: ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾(٤)
الآية ، ثم بعث يزيد بالرأس إلى عامله بالمدينة فقال : وددت أنه لم
تبعث به إليّ ، ثم دفنه بالبقيع عند قبر أمه .
وقال عبد الصمد بن سعيد القاضي : ثنا سليمان بن عبد الحميد
البهراني ، سمعت أبا أمية الكلاعي ، سمعت أبا كرب قال : كنت في
القوم الذين توثبوا على الوليد بن يزيد ، وكنت فيمن نهب خزانتهم
(١) سورة الحديد: ٢٢.
(٢) سورة الشورى: ٣٠ .
(٣) من ( هـ).
(٤) سورة ال عمران : ٢٦ .
٣٦٠