Indexed OCR Text
Pages 1761-1780
٢٩٤ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي ● هل يشترط القبولُ في الإجازة؟: لا يُشترطُ القبولُ في الإِجازةِ كما صرَّح به البلقينيُّ . قلتُ : فلو ردّ، فالذي يَنقدحُ في النَّفْسِ الصِّحَّةُ، وكذا لو رجَع الشيخُ عنِ الإجازةِ، ويَحتملُ أن يُقال: إنْ قُلنا: الإِجازةُ إخبارٌ؛ لم يضرَّ الردّ ولا الرجوعُ، وإِنْ قُلنا: إذنْ وإباحةٌ؛ ضرًّا؛ كالوقفِ والوكالةِ، ولكن الأوَّل هو الظاهرُ، ولم أرَ مَن تعرَّض لذلك . • أركان الإجازة: قال شيخُنا الإمامُ الشمني : الإِجازةُ في الاصطلاح إذنٌّ في الرواية لفظًا أو خطًّا، تفيدُ الإخبارَ الإجمالي عُرفًا، وأركانُها أربعةٌ: المُجيزُ، والمُجَازُ له، والمُجَازُ بهِ، ولفظُ الإِجازةِ . ● القسم الرابع: المناولة: (القسم الرابعُ) مِن أقسام التحمُّلِ (المناولةُ) والأَصْلُ فيها: ما علَّقه البخاريُّ في العِلْمِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ كَتَبَ لِأَميرِ السَّريَّةِ كِتَابًا وقالَ: ((لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا))، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلك المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَِّّ ◌َ . وصَله البيهقيُّ والطبرانيُّ بسندٍ حَسنٍ . قال السُّهيليُّ : احتجَّ به البخاريُّ على صِحَّةِ المُناولةِ ، فَكَذَلك العالمُ إذا ناوَلَ التلميذَ كِتَابًا جَازَ له أن يَروِيَ عنَه ما فِيه . قال: وهو فِقْهٌ صَحِيحٌ . ٢٩٥ الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله قال البلقينيُّ : وأَحْسَنُ مَا يُسْتدلُّ به عَليها: ما استدلَّ به الحاكم من حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إلى كِسْرَى مَعَ عبدِ اللَّهِ بِنِ حُذَافَةً، وأَمَرَهُ أنْ يَدِفَعَهُ إِلى عَظِيمِ البَحْرَينِ، فَذَفَعَه عَظِيمُ البَحْرَينِ إلى کِسْرَى . (وهي ضَرْبانٍ : مقرونةٌ بالإجازةِ، ومجردةٌ) عنها : ● المناولة المقرونة بالإجازة، وصورها: (فالمقرونةُ) بالإِجازةِ (أعلى أنواع الإِجازةِ مطلقًا) ونقَل عياضٌ الاتفاقَ على صِحَّتِها . (ومن صورِهَا) وهُو أَعلاها - كما صرَّح به عِياضٌ وغيرُهُ - : (أنْ يدفعَ الشيخُ إلى الطالبِ أصلَ سماعِه أو) فَرِعًا (مقابَلًا به، ويقولَ) له : (((هذا سماعي - أو روايتي عن فلانٍ) - أو لا يسميه، ولكن اسمه مذكور في الكتاب المناوَل - (فازوِهِ) عَنِّي - (أو أجزتُ لك روايته عني))، ثم يُبْقِيه معه تمليكًا أو لِيَتْسَخَهُ) ويُقابِل به ويَرُده، (أو نحوه) . (ومنها : أن يدفعَ إليه) أي : إلى الشيخ (الطالبُ سماعَه) أي : سماع الشيخ - أصلًا أو مُقابَلًا به - (فيتأمَّله الشيخُ وهو عارفٌ متيقظٌ، ثم يعيدَه إليه) أي: يُناولُه للطالبِ (ويقولَ) له: ((هو حديثي - أو روايتي) عن فلانٍ، أو عمَّن ذكر فيه - (فازوِه عني - أو أجزتُ لك روايتَه))، وهذا سَمَّاه غيرُ واحد مِن أئمة الحديث ((عَرْضًا))، وقد سَبَقَ أنَّ القراءةَ عليهِ تُسمَّى ((عَرْضًا))، فليسمَّ هذا «عَرْضَ المناولة))، وذلك ((عَرْضَ القراءةِ)). ٢٩٦ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي • المفاضلة بينها وبين السماع والقراءة: وهذه المناولةُ كالسَّماع في القوةِ) والرُّتبة (عندَ الزُّهريٍّ، وربيعةَ، ويحيى بن سعيدِ الأنصاريِّ) مِن المدنيِين، (ومجاهد) المكيِّ، (والشعبيّ، وعلقمةَ، وإبراهيمَ) النَّخعيان مِن الكُوفيِين، (وأبي العاليةِ) البَصْريِّ، (وأبي الزبيرِ) المكْيِّ (وأبي المتوكلِ) البصري (ومالكٍ) مِن أهلِ المدينةِ (وابنِ وهبٍ، وابنِ القاسم)، وأشهبَ مِن أهلِ مِضْر ( وجماعاتٍ آخرينَ ) مِنَ الشَّامِيِّين والخُراسانيِّين، وحكاه الحاكم عن طائفةٍ مِن مشايخه . ونقل ابنُ الأثير في مقدمة «جامع الأصولِ)) أنَّ بعضَ أصحابٍ الحديثِ جَعلها أرفعَ مِنَ السماعِ؛ لأنَّ الثقةَ بكتابِ الشيخ مع إذنه فوقَ الثقةِ بالسماع منه وأثبتُ ؛ لما يدخلُ مِن الوهمِ على السامعِ والمُسمعِ . (والصحيحُ : أنها منحطةٌ عن السماع والقراءةِ، وهو قولُ) سفيانَ (الثوريِّ، والأوزاعيّ، وابنِ المُبارَكِ، وأبي حنيفة، والشافعيّ، والبُويطيّ، والمُزَنِيّ، وأحمدَ) بن حنبل (وإسحاقَ) بنِ راهويه (ويحيى بنِ يحيى) ، وأسنده الرامهر مزي عن مالكٍ. (قال الحاكمُ: وعليه عَهِدْنا أئمتنا، وإليه نذهبُ) . قال العراقيُّ: وقد اعتُرِضَ ذِكْرُ أبي حنيفة مع هؤلاء بأنَّ صاحبَ ((القنية)) مِن أصحابِهِ نقَل عنه وعن محمدٍ : أن المحدِّث إذا أعطَاه الكتابَ وأجاز له ما فيه ولم يسمعْه ولم يعرفْه؛ لم يجزْ. ٢٩٧ الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله قال : والجوابُ أنَّ البطلانَ عندهما لا للمناولةِ والإِجازةِ، بل لعدمِ المعرفةِ؛ فإنَّ الضميرَ في قوله: ((ولم يعرفه))، إن كانَ للمُجَازِ - وهو الظاهرُ لتتفقَ الضمائرُ - فَمُقتضاه أنه إذا عَرف ما أُجيز له صَحَّ، وإنْ كان للشيخ فَسيَأتي أنَّ ذلك لا يَجوزُ، إلَّا إنْ كان الطالبُ مَوثوقًا بخبرِهِ. قلتُ : ومما يُعترض به في ذِكرِ الأوزاعيِّ: أنَّ البيهقيَّ رَوَىُ عنه في (المدخلِ)) قال: في العَرْضِ يقولُ: ((قرأتُ)) و ((قُرِئ))، وفي المناولةِ یتدین به ولا يُحدِّث . · صورة أخرى : (ومِن صورِها : أنْ يناولَ الشيخُ الطالبَ سماعَه ويجيزَه له، ثم يمسكه الشيخُ) عنده، ولا يُبقيهِ عِند الطالبِ (وهذا دون ما سَبَق)؛ لعدم احتواءِ الطالبٍ على ما تَحمله وغَيبتِه عنه، (وتجوزُ روايتُه) عنه (إِذَا وَجَد) ذلك (الكتابَ) المناوَلَ له، مع غَلبةٍ ظنّه بسلامته من التغييرِ، (أو) وَجَدَ فرعًا (مقابَلًا به موثوقًا بموافقتِهِ ما تناولته الإِجازةُ؛ كما يُعتبرُ) ذلك (في الإجازةِ المجردةِ) عن المناولةِ (ولا يظهرُ في هذه المناولةِ كبيرُ مزيةٍ على الإجازةِ المجردةِ) عَنها (في معيَّنٍ) مِن الكتبِ . (و) قد (قال جماعةٌ من أصحاب الفقهِ والأصولِ : لا فائدةَ لهَا . و) لكنْ (شيوخُ الحديثِ - قديمًا وحديثًا - يَرَوْنَ لها مزيةٌ معتبرةً) على الإِجازةِ المُعيَّنِةِ . ٢٩٨ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي · صورة أخرى : (ومنها: أن يأتيّه الطالبُ بكتابٍ، ويقول) له: ((هذا روايتُك فناولْنِيه، وأَجِزْ لي روايتَهُ))، فيجيبُه إليه) اعتمادًا عليه (مِن غيرِ نظرٍ فيه ، و) لا (تحقق لروايته) له ، (فهذا باطلٌ، فإنْ وَثِق بخبرِ الطالبِ ومعرفتِهِ) وهو بحيثُ يُعتمدُ مِثْلُه (اعتمدَه، وصَحَّت الإجازةُ) والمُناوَلةُ (كما يعتمد في القراءةِ) عليه من أصلهِ إذا وَثِقِ بِدِينه ومعرفتِهِ . قال العراقيُّ : فإنْ فَعَل ذلك - والطالبُ غيرُ موثوقٍ به، ثم تبيَّن بَعدَ ذلك بخبرٍ مَن يُعتمدُ عليه أنَّ ذلك كان مِن مَرْوياته - فهل يُحكم بِصِحَّةٍ الإجازةِ والمُناوَلَةِ السَّابقيْن؟ لم أَرَ مَن تَعرَّض لذلك، والظاهرُ: نَعَمِ؛ لزوالٍ ما كُنَّا نَخْشاه مِن عدم ثقةِ المخبر. انتهى . (فلو قال: «حَدِّثْ عني بما فيه إنْ كان مِن حديثي مع براءتي مِن الغَلَطِ) والوهم»، (كان) ذلك (جائزًا حَسَنًا). • المناولة المجردة عن الإجازة: (الضربُ الثاني): المناولة (المجردةُ) عن الإِجازة (بأنْ يناولَه) الكتابَ كما تَقدَّم (مقتصرًا على) قولِهِ: (((هذا سماعي) - أو من حديثي))، ولا يقولُ له: ((ازوِهِ عنِّي - ولا أَجزتُ لكَ روايتَه))، ونحو ذلكَ؛ (فلا تجوزُ الروايةُ بها على الصحيح الذي قاله الفقهاءُ، وأصحابُ الأصولِ، وعابوا المحدثينَ المجوّزِين) لها . قال العراقيُّ: ما ذكره النوويُّ مخالفٌ لكلام ابنِ الصَّلاحِ؛ فإنَّه إنَّما ٢٩٩ الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله قال : فهذهِ مُناوَلةٌ مُختلَةٌ لا تجوزُ الروايةُ بها، وعابَها غير واحدٍ مِن الفقهاءِ والأُصوليين على المُحدِّثين الذين أَجَازوها، وسوَّغوا الروايةَ بها ، وحكَى الخطيب عن طائفةٍ مِن أهلِ العلمِ أنَّهم صحَّحوها، ومخالفٌ أيضًا لما قاله جماعةٌ من أهلِ الأُصولِ، مِنهم الرازي؛ فإنه لم يَشترطِ الإِذنَّ، بَلْ ولا المُناوَلَةَ، بل إذا أشارَ إلى كتابٍ، وقال: ((هذا سَماعي مِن فلانٍ)» جازَ لِمَنْ سَمعه أنْ يَرويَه عنه، سواءٌ ناوَله أَمْ لا، وسواءٌ قال له: ((ازْوِهِ عَنِّي)) أَمْ لا . وقال ابنُ الصلاح: إِنَّ الروايَةَ بها تترجَّح على الروايةِ بمجرَّد إعلامِ الشَّيخ لما فيه مِن المُناولَةِ ؛ فإنَّها لا تَخلو مِن إشعارٍ بالإذنِ في الرّوايةِ . قلتُ : والحديثُ والأثرُ السَّابقان أَوَّلَ القِسْمِ يَدُلانٍ على ذلك؛ فإنَّه ليس فيهما تصريحٌ بالإذنِ . نَعَم ؛ الحديثُ الذي علَّقه البخاريُّ فيه ذلك، حيث قال: ((لا تَقرأه حتَّى تبلغَ مَكَانَ كَذا)»، فَمَفْهُومُه: الأَمرُ بالقراءَةِ عِندَ بُلوغِ المكانِ . وعندي ؛ أن يُقالَ : إن كانتِ المناولةُ جَوابًا لسؤالٍ ، كأن قال له : ((ناوِلْني هذا الكتابَ لأَزْويَهُ عَنك)). فَنَاوَله ولم يصرِّحْ بالإذنِ؛ صحَّتْ، وجازَ لَه أنْ يَرويَه - كما تقدَّم في الإجازةِ بالخطِّ - بل هذا أبلغُ، وكذا إذا قال له: ((حدِّثني بما سمعتَ مِن فلانٍ)). فقال: ((هذا سماعي مِن فُلانٍ)) كما وقَع مِن أنسٍ؛ فتصحُّ أيضًا، وما عدا ذلك فلا، فإنْ نَاوَلَه الكِتابَ ولم يُخبره أنَّه سماعُه لم تجز الروايةُ به بالاتفاقِ . قاله الزَّرْكشيُّ . ٣٠٠ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي · ألفاظُ الأداءِ لِمَنْ تَحَمَّلَ بالإِجازةِ والمناولةِ: (جَوَّز الزهريُّ ومالكٌ وغيرُهما) كالحسَنِ البصريِّ (إطلاقَ «حَدَّثنا)) و ((أَخْبَرنا)» في الروايةِ بالمناولةِ، وهي مقتضى قول مَن جَعَلها سماعًا . وَحُكِيَ عن أبي نعيم الأصبهانيّ وغيرِهِ) كأبي عُبيد اللَّه المرزبانيُّ (جوازُه) أي: إطلاق ((حدثنا)) و((أخبرنا)) (في الإجازةِ المجردةِ) أيضًا، وقد عِيبا بذلك، لكن حكاه القاضي عياض عن ابن جُريج، وحكَاه الوليدُ ابنُ بكرٍ عن مالكِ وأهلِ المدينةِ، وصحَّحه إمامُ الحرمين، ولا مانعَ منه . ومن اصطلاح أبي نعيم: أن يقول: ((أخبرنا عبدُ الله بنُ جَعفر فيما قُرِئَّ عليه)). ويريدُ بذلك: أنَّه أخبره إجازةً، وإن كان ذلك قُرئ عليه، لأنَّه لم يَقُلْ: ((وأنا أَسْمِعُ))، بدليل أنه قد يُصرِّحُ بأنَّ سَمعه بواسطةٍ عنه، وتارةً يضمّ إليه: ((وأَذِنَ لي فِيهِ)). وهذا اصطلاحٌ له مُوهِمْ . قال المصنّفُ - كابنِ الصَّلاحِ -: (والصحيحُ الذي عليه الجمهورُ وأهلُ التحري) والوزَعِ (المنعُ) من إطلاقِ ذلك (وتخصيصُها بعبارة مشعرة بها) تبين الواقع (كـ «حَدَّثنا) إجازةً - أو مناولةً وإجازةٌ)) (و((أَخْبَرنا إجازةً - أو مناولةً وإجازةً))، أو ((إذْنَا))، أو ((في إِذْنه))، أو ((فيما أَذِنَ لي فِيه))، أو ((فيما أَطْلقَ لي روايتَه))، أو ((أَجَازني))، أو) ((أجاز (لي))، أو ((ناولني))، أو شِبه ذلك) كَ ((سَوَّغ لي أَن أَروِيَ عَنه»، و ((أَبَاحَ لي)» . (وعن الأوزاعيّ تخصيصُها) أي الإِجازةُ (بـ ((خبَّرنا))) بالتشديد (و) تخصيص (القراءة بـ «أَخبرنا))) بالهمزةِ . ٣٠١ الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله قال العراقيُّ: ولم يَخْلُ مِنَ النزاع؛ لأنَّ ((خبّر)) و((أخبر)) بمعنّى واحدٍ ، لغةً واصطلاحًا . واختار ابنُ دقيق العيد أنَّه لا يَجوزُ في الإِجازةِ ((أخبرنا))، لا مُطلقًا ولا مقيدًا؛ لبُعدِ دلالةِ لفظِ الإِجازةِ على الإِخبار؛ إذْ معناه في الوضعِ الإذنُ في الرواية . قال : ولو سمع الإسنادَ مِنَ الشيخ وناوله الكتابَ؛ جاز له إطلاقُ ((أخبرنا))؛ لأنه صدَق عليه أنه أَخبَره بالكتابِ، وإن كان إخبارًا جمليًّا، فلا فَرْقَ بينه وبين التَّفصيليّ . (واصطلح قومٌ مِن المتأخرينَ على إطلاقٍ ((أنبأنا)) في الإجازةِ، واختاره) أبو العبَّاس الوليدُ بنُ بكرِ الغمريُّ المالكي (صاحبُ كتاب ((الوجازة) في تجويز الإِجازة))، وعليه عملُ الناس الآن، والمعروفُ عند المُتقدِّمين أنَّها بمنزلةِ ((أخبرنا)). (وكان البيهقيُّ يقولُ: ((أنبأني) - وأنبأنا - (إجازةً)))، وفيه التصريحُ بالإجازةِ معَ رعاية اصطلاح المتأخرين . (وقال الحاكمُ : الذي أختاره، وعهدتُ عليه أكثرَ مشايخي وأئمةٍ عصري: أنْ يقولَ فيما عرَض على المحدِّثَ فأجازه شفاهًا: ((أنبأني))، وفيما كَتَب إليه: «كَتَب إليَّ)»). واستعملَ قومٌ مِن المُتأخّرين في الإجازةِ باللفظِ: ((شَافَهني))، و (( أنا مُشافهةً))، وفي الإِجازةِ بالكتابةِ: ((كتبَ إليَّ))، ((وأَنَا كتابةً))، أو ((في کتابهِ )) . ٣٠٢ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي قال ابنُ الصلاح : ولا يَسلمُ مِنَ الإيهامِ وطَرَفٍ من التَّدليسِ؛ أمَّا ((المشافهةُ)) فَتُوهِمُ مشافهتَه بالتحديثِ، وأمَّا ((الكتابةُ)) فتُوهمُ أَنَّه كتب إليه بذلك الحديثِ بعينه ، كما كان يفعله المتقدِّمون . وقد نصَّ الحافظُ أبو المظفرِ الهمدانيُّ على المنعِ مِن ذلك للإيهامِ المذكور . قلتُ : بعدَ أن صارَ الآن ذلك اصطلاحًا عَرِي من ذلك، وقد قال القسطلانيُّ - بعد نقْلِهِ كلامَ ابنِ الصلاح -: إلا أنَّ العُرف الخاصَّ مِن كثرة الاستعمالِ يَدفعُ ما يُتوقَّعُ مِن الإشكالِ . (وقد قال أبو جعفر) أحمدُ (ابنُ حمدانَ) النيسابوري : (كُلُّ قولٍ البُخاريِّ: ((قال لي فلانٌ)) عَرْضٌ ومناولةٌ) وتقدَّم أنها محمولةٌ على السماعِ، وأنها غَالبًا في المُذاكرةِ ، وأنَّ بعضَهم جَعلها تعليقًا، وابن منده إجازةٌ . (وعبَّر قومٌ) في الروايةِ بالسَّماعِ (عن الإجازةِ بـ ((أخبرنا فلانٌ، أَنَّ فلانًا حَدَّثَه - أو أَخْبَرِه))) فاستعمَلُوا لفظ ((أنَّ)) في الإجازةِ . (واختاره الخطابيُّ أو حَكَاه، وهو ضعيفٌ) بعيدٌ مِنَ الإِشعارِ بالإِجازة . وحكَاه عياضٌ عنِ اختيارِ أبي حاتم الرازي، قال: وأنكَر هذا بعضهم، وحقُه أنْ يُنْكَرَ، فلا مَعْنى له يُتَفَّهَّمُ المراد منه، ولا اعْتِدَ هذا الوضعُ في المسألةِ لغةً ولا عُرفًا . ٣٠٣ الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله قال ابنُ الصلاح : وهو - فيما إذا سمعَ منه الإِسنادَ فَقط وأجازَ له ما رَواه قريبٌ - فإنَّ فيها إشعارًا بوجودِ أصلِ الإِخبارِ، وإنْ أَجْمَلَ المُخْبَرَ به ، ولم يذكره تفصيلاً . قلتُ : واستعمالُها الآن في الإِجازةِ شائعٌ، كما تقدَّم في العَنْعَنةِ . (واستَعْمَل المتأخرونَ في الإِجَازَةِ الواقعة في روايةٍ مَن فوقَ الشيخ حرفَ (عَنْ)) فيقولُ - في مَن سَمِع شيخًا بإجازتِهِ عن شيخ - : ((قرأتُ على فلانٍ عن فلانٍ))) كما تقدَّم في العنعنةِ . (ثم إن المنعَ من إطلاقِ ((حدَّثَنَا)) و((أَخْبَرنا))) في الإِجازةِ والمناولةِ (لا يزولُ بإباحةِ المجيز ذلك) كما اعتاده قومٌ منَ المشايخ في قولِهِمْ في إجازاتهم لمن يُجيزون: ((إنْ شاء قال: حذَّثنا، وإنْ شاءَ قال: أخبرنا))؛ لأنَّ إياحةَ الشيخ لا يغير بها الممنوعُ في المصطلحِ . ● القسم الخامس : الكتابة : (القسمُ الخامسُ) من أقسام التحمُّل (الكتابةُ)، وعِبارةُ ابنِ الصلاح وغيرِه: المُكاتبة (وهو أن يكتبَ الشيخُ مسموعَه) أو شيئًا مِن حديثِه (الحاضرٍ) عِندَه (أو غائبٍ) عَنه، سواءٌ كَتَب (بخطّه، أو) كُتِبَ عنه (بأمره . وهي ضَرْبانِ : مُجرَّدةٌ عن الإجازةِ، ومَقْرونةٌ بـ((أَجَزْتُك ما كتبتُ لك - أو) كتبتُ (إليك -) أو ما كتبتُ به إليك)) (ونحوه من عبارةِ الإجازةِ، وهذا في الصحة والقوةِ كالمناولةِ المقرونة) بالإجازة . ٣٠٤ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي (وأما) الكتابةُ (المجردةُ) عن الإِجازةِ، (فَمنَعَ الروايةَ بها قومٌ ؛ منهم: القاضي) أبو الحسن (الماوردي الشافعي) في ((الحاوي))، والآمديُّ، وابنُ القطان . (وأجازها كثير مِن المتقدمينَ والمتأخرينَ ، منهم : أيوب السختياني، ومنصورٌ، والليثُ) بنُ سَعدٍ ، وابنُ أَبي سبرةَ . رواه البيهقيُّ في ((المدخلِ)) عنهم، وقال: في البابِ آثارٌ كثيرةٌ عنٍ التابعين فَمَنْ بَعْدَهم، وكُتُبُ النبيِّ وََّ إلى عُمَّالِه بالأحكام شاهدةٌ لِقَولِھم . (وغيرُ واحدٍ من الشافعيين)، منهم: أبو المُظفِّرِ السمعانيُّ (وأصحابِ الأصولِ)، منهم : الرازي . (وهو الصحيحُ المشهورُ بينَ أَهلِ الحديثِ، ويوجدُ في مصنفاتِهم) كثيرًا: (((كَتَب إليَّ فلانٌ قال: حَدَّثَنا فلانٌ)). والمرادُ به هذا، وهو معمولٌ به عندَهم معدودٌ في الموصولِ) من الحديثِ دُون المنقطع ؛ (لإشعارِهِ بمعنى الإجازةِ . وزاد السمعانيُّ فقال: هي أقوى من الإجازَةِ) . قلتُ: وهو المُختَارُ، بَل وأَقْوىُ مِن أكثرِ صورِ المُناوَلةِ. وفي ((صحيح البخاريِّ)) في ((الأيمانِ والنُّذورِ)): ((كَتَبَ إليَّ محمدُ ابنُ بشارٍ)). وليس فيه بالمكاتبة عن شُيوخِهِ غيرُهُ، وفيه وفي ((صحيح مسلم)) أحاديثُ كثيرةٌ بالمُكاتَبةِ في أثناءِ السَّندِ . ٣٠٥ الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله منها : ما أَخْرَجاه عن وَرَّادٍ قال: كتَبَ مُعاويةُ إلى المُغيرةِ : أن اكتبْ إلَيَّ ما سمعتَ مِن رسولِ اللهِ وَ. فكتبَ إليه - الحديثَ في القولِ عِقِبَ الصلاةِ . · يَكْفِي في الرواية بالكتابةِ معرفةُ المكتوب لَه خَطّ الكاتبِ، وإن لم تقم البيئةُ عليه: (ومنهم مَن شَرَط البينة) عليه؛ لأنَّ الخطَّ يُشبه الخطَّ، فلا يجوزُ الاعتمادُ على ذلك، (وهو ضعيفٌ). قال ابنُ الصلاح: لأنَّ ذلك نادرٌ، والظاهرُ أنَّ خطَّ الإِنسانِ لا يشتبه بغيرِهِ، ولا يقعُ فيه إلباس . وإنْ كانَ الكاتبُ غيرَ الشيخ فلابُدَّ مِن ثُبُوتِ كَونِهِ ثقة، كما تقدَّمتِ الإِشارةُ إليه في نَوعِ المُعلَّلِ . • ألفاظ الأداء لمن تحمل بالكتابة: (ثم الصحيحُ أنَّه يقولُ في الروايةِ بها : («كَتَب إليَّ فلانٌ قال: حَدَّثنا فلانٌ))، أو ((أَخْبَرني فلانٌ مكاتبةً - أو كتابةً))، ونحوه)، وكذا ((حدَّثنا)) مقيدًا بذلك . (ولا يجوزُ إطلاقُ ((حَدَّثْنا)) و((أَخْبَرِنا))، وجَوَّزَهُ الليثُ، ومنصور، وغيرُ واحدٍ مِن عُلماءِ المحدثينَ وكبارِهم)، وجوَّز آخرون ((أخبرنا» دُون ((حدَّثنا)). · القسم السادس: الإعلام: (القسمُ السادسُ) مِن أقسام التحمُّل: (إعلامُ الشيخ الطالبَ أنَّ هذا ٣٠٦ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي الحديث أو الكتابَ سماعُه) مِن فلانٍ (مقتصرًا عليه) دون أنْ يأذنَ في روايته عنه، (فَجَوَّز الرواية به كثيرٌ مِن أصحابِ الحديثِ والفقه والأصولِ والظاهرِ ؛ منهم : ابنُ جريجٍ، وابنُ الصباغِ الشافعيُّ، وأبو العباس) الوليدُ ابن بكرِ (الغَمْرِي - بالمعجمةِ) نِسْبَةً إلى بني الغَمرِ، بطن مِن غافق - (المالكيُّ) ونصَره في كتابه ((الوجازة))، وحكَاه عياضٌ عن الكثيرِ، واختاره الرامهرمزيُّ ، وهو مذهبُ عبدِ الملكِ بن حبيبِ المالكيِّ، وجزمَ به صاحبُ ((المحصولِ)) وأتباعُه، بَلْ (قال بعضُ الظاهريةِ: لو قال: «هذه روايتي))) وضمَّ إليه أن قال: (((لا تزوِها) عنّي، أو لا أُجيزُها لك)) (كان له) مع ذلك (روايتُها عنه) وكذا قالَ الرامهر مزيُّ أيضًا . قال عياض : وهذا صحيحٌ، لا يَقتضي النظرُ سواه؛ لأنَّ مَنْعَه أنْ لا يُحدِّث بما حدَّثه لا لعلةٍ ولا ريبةٍ لا يُؤَثِّرُ، لأنه قَد حدَّثه، فهو شيءٌ لا یرجع فيه . قال المصنّف - كابنِ الصلاحِ -: (والصحيحُ ما قاله غيرُ واحدٍ مِن المحدثينَ وغيرِهم : أنه لا تجوزُ الروايةُ به) . وبه قَطَع الغزاليُّ في ((المُستصفَى))، قال: لأنه قد لا يُجَوِّزُ روايتَهُ - مع کونِه سماعهُ - ؛ لخلل يعرفه فِیهِ . وعلى المنع قال المصنّفُ - كابنِ الصلاح - : (لكنْ يجبُ العملُ به) أي: بما أَخْبره الشيخُ أنَّه سَمعه (إِنْ صَحَّ سنده). وادَّعى عياضٌ الاتِّفاقَ على ذلك . : ٣٠٧ الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله · القسم السابع: الوصية: (القسمُ السابعُ) من أقسام التحمُّل : (الوصيةُ: هي أن يُوصِيَ) الشيخُ (عندَ موتِهِ أو سفرِهِ) لشخصٍ (بكتابٍ يروبه) ذلك الشيخ، (فجَوَّز بعضُ السلفِ) وهو محمدُ بن سِيرين وأبو قلابة (للموصى له روايته عنه) بتلك الوصيةِ . قال القاضي عياضٌ : لأنَّ في دَفْعها له نَوعًا منَ الإذنِ وشبهًا مِن العَرْضِ والمُناوَلَةِ. قال: وهو قريبٌ منَ الإعلامِ . (وهو غَلَطْ) عبارةُ ابنِ الصلاح: وهذا بَعيدٌ جدًّا، وهو إما زَلَّهُ عَالم، أو مُتَأَوِّلٍ على أنه أرادَ الروايةَ على سبيلِ الوِجَادةِ، ولا يصحُ تشبيهُه بقسمِ الإِعلامِ والمناولةِ، (والصوابُ أنه لا يجوز). وقد أنكَر ابنُ أبي الدم عَلى ابنِ الصلاحِ، وقالَ : الوصيةُ أرفعُ رُتبةً منَ الوِجَادةِ بلا خلافٍ، وهي معمولٌ بها عِندَ الشافعيِّ وغيرِه ؛ فهذا أولى . • القسم الثامن: الوِجَادة: (القسمُ الثامنُ) مِن أقسام التحمُّل : (الوِجَادةُ: وهي) بكسر الواو (مصدرٌ لـ((وَجَدَ))، مُؤَلَّدٌ غيرُ مسموعٍ من العربِ. وهي أن يَقِفَ على أحاديثَ بخطُ راويها)) غير المُعاصِرِ له، أو المُعاصِر ولم يَلْقَه، أو لَفِيَه ولم يَسمِعْ منه، أو سَمِعَ مِنه ولكن (لا يَزْويها) - أي تلكَ الأحاديثَ الخاصةَ - (الواجدُ) عنه بسماع ولا إجازةٍ . ٣٠٨ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي • ألفاظ الأداءِ لمن تحمل بالوجادة: (فله أن يقولَ : ((وَجَدت، أو قَرَأْتُ بخطُ فلان، أو في كتابِهِ بخطُه : حدَّثنا فلانٌ)) . ويسوقُ الإسنادَ والمتنَ، أو: ((قرأتُ بخطّ فلانٍ عن فلانٍ . هذا الذي استمر عليه العملُ قديمًا وحديثًا). وفي «مسندِ أحمدَ)) كثيرٌ من ذلك مِن روايةِ ابنهِ عنه بالوِجَادة . (وهو من بابِ المنقطع، و) لكنْ (فيه شَوْبُ اتصالٍ) بقوله : ((وجدتُ بخطّ فلانٍ)). وقد تَسَهَّلَ بعضُهم فأتى فيها بلفظ: ((عن فلانٍ)). قال ابنُ الصلاح : وذلك تدليسٌ قَبِيحٌ، إذا كان بحيث يُوهِم سماعَه منه . (وجازف بعضُهم، فأطلق فيها ((حَدَّثْنَا)) و((أَخْبَرِنا))، وأُنْكِرَ عليه) ولم يُجِزْ ذلك أحدٌ يُعتمدُ عليه . (وَإِذْا وَجَد حديثًا في تأليف شخصٍ) وليس بخطُّه (قال: ((ذَكَرَ فلانٌ - أو قال فلانٌ - : أخْبَرنا فلانٌ))، وهذا منقطعٌ لا شَوْبَ) مِنَ الاتّصالِ (فيه) . (وهذا كُلُّه إذا وَثِق بأنَّه خطُّه أو كتابُه، وإلا فَلْيَقُلْ: ((بَلَغَني عن فلانٍ))، أو ((وَجَدتُ عنه))، أو ((قرأتُ في كتابٍ أخبرني فلانٌ أنّ بخطّ فلانٍ))، أو ((ظننتُ أنَّه خَطُّ فلانٍ))، أو ((ذكرَ كاتبُه أنه فلانٌ))، أو ((تصنيفُ فلانٍ))، أو ((قيل: بخطّ) فلانٍ)) (أو) ((قيل: إنه (تصنيف فلانٍ))) ونحو ذلك من العباراتِ المُفْصِحة بالمُسْتَنْدِ . ٣٠٩ الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وقد تُستعملُ الوِجَادةُ مع الإِجازةِ، فيقال: ((وجدتُ بخطِّ فلانٍ وأجازَه لي)) . (وإِذا نَقَل) شيئًا (مِن تصنيفٍ، فلا يَقُلْ) فيه: (((قال فلانٌ))) - أو ((ذكّر)) بصيغة الجَزْم (إلا إذا وَثِق بصحةِ النسخةِ بمقابلتِهِ) على أصْلٍ مُصنّه (أو) مقابلة (ثقة لها، فإنْ لم يُوجَدْ هذا ولا نحوُه فليقُلْ: ((بَلَغني عن فلانٍ))، أو ((وَجَدتُ في نُسخةٍ مِن كتابِهِ))، ونحوه . وتسامَح أكثرُ الناسِ في هذه الأعصارِ بالجزم في ذلك من غيرِ تحرِّ) وتثبُّتٍ ، فَيطَالعُ أحدُهم كتابًا منسوبًا إلى مصنّفٍ مُعيَّنٍ ، وينقلُ منه عنه مِن غيرِ أنْ يثقَ بصحةِ النُّسخةِ ، قائلًا: ((قال فلان - أو ذكرَ فلانٌ كذا)). (والصوابُ: ما ذكرناه، فإنْ كان المطالعُ) عَالمًا فَطِنًا (متقنًا) بحيثُ (لا يخفَى عليه غالبًا الساقطُ والمغيّرُ، رَجَونا جوازَ الجزم له) فيما يَحکِیه ، (وإلى هذا استروح كثيرٌ من المصنفينَ في نقلِهِم) مِن كُتبِ النَّاسِ . العمل بالوجادة: • (وأما العملُ بالوجادةِ ؛ فنُقِل عن معظم المحدثينَ والفقهاءِ المالكيين وغيرِهم : أنه لا يجوزُ، وعن الشافعيّ ونُظَّارِ أصحابِه جوازُه، وقطَع بعضُ المحققينَ الشافعيين بوجوبِ العملِ بها عندَ حصولِ الثقةِ) به، (وهذا هو الصحيحُ الذي لا يَتَّجه هذه الأزمانَ غيرُه) . قال ابنُ الصلاح : فإنَّه لو توقّف العملُ فيها على الروايةِ لانْسَدَّ بابُ العملِ بالمنقولِ لتعذُّرِ شُروطِها . تريد حجم بين الف لوري، وص سبع كاد سد فى ٣١٠ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي قال البلقينيُّ: واحتجَّ بعضُهم للعملِ بالوجادَةِ بحديثِ: ((أيُّ الخلقِ أَعْجَبُ إِيمَانًا؟)) قالوا: الملائِكَةُ. قال: ((وكَيفَ لا يُؤْمنون وهُم عندَ رَبِّهم؟)) قالوا: الأَنْبِياءُ. قال: ((وكيفَ لا يُؤمنونَ وهُمْ يأتيهمُ الوحيّ؟)) قالوا: فَنَحْنُ. قال: ((وكَيفَ لا تُؤْمنونَ وأنا بين أَظهُرِكُم؟)) قالوا: فَمَنْ يارسُولَ اللَّه؟ قال: ((قومٌ يأْتُونَ مِنْ بَعْدِكُم، يَجِدُونَ صُحُفًا يؤمنون بما فیھا)» . قال البلقينيُّ : وهذا استنباطٌ حَسَنٌ . قلتُ : المحتجُّ بذلك هو الحافظُ عمادُ الدينِ ابنُ كثيرٍ، ذكر ذلك في أوائل ((تفسيره)). والحديثُ رواه الحسنُ بنُ عرفة في ((جُزْئه)) من طريقِ عمرو بنِ شعيب عن أبيه عن جَدِّه، وله طُرُقٌ كثيرةٌ أوردتُها في ((الأمالي)) . وفي بعضٍ ألفاظِهِ : (بَلْ قَومٌ مِن بعدكُم، يأتيهِمْ كِتَابٌ بينَ لَوْحَينِ، يُؤمِنُونَ به، ويَعْمَلُون بما فيه، أولئكَ أَعْظَمُ مِنْكُمْ أَجْرًا)». أَخْرَجهُ أحمدُ والدارميُّ والحاكمُ مِنْ حديثٍ أبي جُمعةَ الأنصاريِّ . وفي لفظٍ للحاكم من حديثِ عُمر: ((يَجِدونَ الوَرَقَ المعلَّقَ، فَيَعْمَلُون بما فيهِ ، فهؤلاء أفضلُ أَهْلِ الإيمانِ إيمانًا)) . ٣١١ الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه · النَّوعُ الخَامِسُ والعِشرُونَ : كِتَابَةُ الحَدِيثِ وَضَبْطُهُ · حكم كتابة الحديث: (اختَلَف السلفُ) مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعين (في كتابةِ الحديثِ ؛ فکرِهها طائفةٌ) مِنهم : ابنُ عُمَرَ ، وابنُ مَسعودٍ ، وزيدُ بنُ ثابتٍ ، وأبو موسى، وأبو سَعيدِ الخُذْري، وأبو هريرة، وابنُ عبَّاسٍ، وآخرون . (وأباحها طائفةٌ) وَفَعلوها، مِنْهُم: عُمَرُ، وعليٍّ، وابنه الحسنُ، وابنُ عَمرٍو ، وأنسٌ ، وجابرٌ ، وابن عباسٍ ، وابنُ عُمر أيضًا، والحسنُ ، وعطاءٌ، وسعيدُ بن جُبيرٍ، وعُمرُ بنُ عبد العزيزِ . وحكاه عياضٌ عَن أكثرِ الصحابةِ والتّابعين، منهم: أبو قلابة وأبو المليح . قال البلقينيُّ : وفي المسألةِ مذهبٌ ثالثٌ حكاهُ الرامهر مزيُّ وهو : الكتابةُ والمحوُ بعدَ الحِفظِ . (ثم أجمعوا) بعد ذلك (على جوازِها) وزالَ الخلافُ. قال ابنُ الصلاحِ: ولولا تَدْوينُه في الكُتبِ لَدرس في الأَعْصُرِ الأخيرةِ . (وجاء في الإباحةِ والنهي حديثانٍ) : ٣١٢ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي فحديثُ النهي: ما رواه مُسلمٌ عن أبي سَعيدٍ الخدريِّ، أنَّ النبيِّي وَله قالَ : ((لا تَكْتُبُوا عَنِّي شيئًا إلا القُرآنَ، ومَن كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا غيرَ القُرآنِ فَلْيَمْحُهُ)) . وحديثُ الإباحةِ: قولُهُ بَّرَ: ((اكْتُبُوا لأبي شاهٍ)) مُتَّفقٌ عليهِ. ورَوى أبو داود والحاكمُ وغيرُهما عن ابنِ عَمرِو قال: قلتُ : يا رسولَ اللَّهِ ، إنِّي أسمعُ مِنكَ الشيءَ فَأَكْتُبُهُ؟ قال: ((نَعَمْ)). قال: في الغَضَبِ والرِّضى؟ قال: ((نَعَمْ؛ فَإِنِّي لا أَقُولُ فِيهِمَا إلا حَقًّا)) . وقالَ أبو هريرة: ليسَ أحدٌ مِن أصحابِ النبيِّ وَّرُ أكثرَ حديثًا عَنه مِنِّي، إلا ما كانَ مِن عبدِ الله بن عمرو، فإنَّه كان يَكتبُ، ولا أَكتبُ . رواه البخاريُّ . وفي البابِ أحاديثُ غيرُ ذلك . وقد اختُلفَ في الجَمْعِ بينها وبينَ حديثٍ أبي سعيدِ السابقِ كما أشار إليه المصنّفُ بقولِهِ : (فالإِذنُ لمن خِيفَ نسيانُهُ، والنهيُّ لمن أَمن) النّسيانَ، ووثِقِ بحفْظِهِ (وخيفَ اتكالُهُ) على الخطِّ إذا كتبَ، فيكون النهيُّ مَخصوصًا . (أو نُهي) عنه (حينَ خِيفَ اختلاطُه بالقرآنِ، وأُذِن) فيهِ (حينَ أُمن) ذلك، فيكون النهيُ منسوخًا . وقيل : المرادُ النهي عَن كتابةِ الحديثِ معَ القرآنِ في صحيفةٍ واحدةٍ ؛ ٣١٣ الخامس والعشرون : كتابة الحديث وضبطه لأنَّهم كانوا يسمعونَ تأويلَ الآيةِ فَرُبَّما كَتَبوه معها، فَنُهوا عن ذلكَ لخوفٍ الاشتباهِ . وقيل : النهي خاصٍّ بوقتِ نزولِ القرآنِ خَشيةَ التباسه، والإذنُ في غيره . ومنهم مَن أعلَّ حديثَ أبي سعيدٍ وقال: الصوابُ وقُفُه عليه؛ قاله البخاريُّ وغيرُه . • ضبط الحديث وتحقيقه شكلًا ونَقْطًا: (ثم على كاتِبه صرفُ الهمةِ إلى ضبطِهِ ، وتحقيقِه شَكْلًا ونَقْطًا يؤمنُ) معهما (اللبس) ليؤدِّيه كما سَمِعَهُ . قال الأوزاعيُّ : نورُ الكتابِ إِعْجَامُهُ . قال الرامهر مزيُّ : أي نَقْطُهُ؛ أن يُبيِّنَ التاءَ من الياءِ، والحاءَ من الخاءِ . قال : والشَّكلُ تقييدُ الإعرابِ . قال ابنُ الصلاح : إعجامُ المكتوبِ يمنعُ منَ استعجامهِ، وشکْلُهُ يمنع من إشكالِهِ . قال: وكثيرًا ما يعتمدُ الواثِقُ علىَ ذِهنِهِ، وذلك وخيمُ العاقبةِ ؛ فإنَّ الإنسان مُعرَّضٌ للنسيانِ . انتهى . (ثم قيل : إنما يُشكلُ المُشْكل . وتُقِل عن أهل العلم كراهيةُ الإعجامِ)