Indexed OCR Text
Pages 1701-1720
٢٣٤ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي وقال ابنُ السمعانيِّ وقومٌ : يَدُلُّ؛ لتضمنِهِ تَلقيهم له بالقَبُولِ . وأجيب باحتمالِ أنه تأوَّله على تقدير صِحَّته فرضًا، لا على ثُبُوتِها عنده . • المجهول؛ أنواعه، وحكم رواية كل نوعٍ: (روايةُ مجهولِ العدالةِ ظاهرًا وباطنًا) مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه (لا تُقبلُ عندَ الجماهيرِ) . وقيل : تُقبلُ مُطلقًا . وقيل : إن كان مَن رَوَى عنه فيهم مَن لا يَروي عن غيرِ عدلٍ قُبِل ، وإلَّا فَلا . (وروايةُ المستورِ وهو عَدلُ الظاهرِ خَفِيُّ الباطنِ) أي مجهول العدالة باطنًا (يَحتجُ بها بعض مَن رَدَّ الأولَ، وهو قولُ بعض الشافعيينَ) كسليم الرازيٌ . قال: لأنَّ الإخبارَ مَبنيٍّ على حُسنِ الظنِّ بالرَّاوي، ولأنَّ رِوايَة الأخبارِ تكون عِندَ مَن يَتعذَّرُ عليه معرفةُ العدالة في الباطنِ ، فاقتصرَ فيها على معرفةِ ذلك في الظاهرِ ، بخلافِ الشهادةِ ، فإنَّها تكونُ عِندَ الحُكامِ، فلا يتعذَّرُ عليهم ذلك . (قال الشيخُ) ابنُ الصلاح: (ويشبهه أن يكونَ العمل على هذا) الرأي (في كثيرٍ من كتبِ الحديثِ) المشهورة (في جماعةٍ مِن الرواةِ تَقَادَمَ العهدُ ٢٣٥ الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به بهم، وتَعَذرت خبرتُهم باطنًا) وكذا صحَّحه المصنّفُ في ((شرح المُهذَّب)) . (وأما مجهولُ العينِ) وهو القِسمُ الثالثُ مِن أقسام المجهولِ (فقد لا يقبلُه بعضُ مَن يَقبلُ مجهولَ العدالةِ) وردُّه هو الصحيحُ الذي عليه أكثرُ العلماءِ مِن أهلِ الحديثِ وغيرِهم . وقيل: يُقبل مُطلقًا. وهو قولُ مَن لا يَشترِطُ في الراوي مَزيدًا على الإسلامِ. وقيل : إن تفردَ بالروايةِ عنه مَن لا يَروي إلا عن عَدلٍ ، كابنِ مهديٍّ ويحيى بنِ سعيدٍ، واكتفينا في التعديلِ بواحدٍ ؛ قُبِل، وإلَّا فلا . وقيل : إن كان مشهورًا في غيرِ العِلم بالزُّهد أو النجدةِ ؛ قُبل، وإلَّا فَلا . واختاره ابنُ عبد البر. وقيل : إن زكاه أحدٌ مِن أئمة الجرح والتعديلِ مع روايةٍ واحدٍ عنه؛ قُبل، وإلا فلا. واختارَه أبو الحسَنِ ابن القطّانِ، وصحَّحه شيخُ الإسلامِ. • بمَ ترفع جهالة العين؟ (ثم مَن رَوَى عنه عدلانِ عَيَّناه ارتفعت جهالةُ عينِه . قال الخطيبُ) في («الكفايةِ» وغيرِها: (المجهولُ عندَ أهلِ الحديثِ مَن لم يعرفه العلماءُ) ولم يَشتَهر بطلبِ العِلم في نَفسِهِ (ولا يُعرفُ حديثهُ إلا ٢٣٦ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي مِن جهةٍ) راوٍ (واحدٍ ، وأقلُّ ما يرفعُ الجهالةَ) عنه (روايةُ اثنينِ مشهورينٍ) فأكثر عنه، وإن لم يَثْبُت له بذلك حُكُمُ العَدالةِ . (وَنَقل ابنُ عبدِ البرِّ عن أهلِ الحديثِ نحوَه) ولفظُه كما نقَله ابنُ الصلاحِ في النوع السابعِ والأربعينِ : كلُّ مَن لم يَروِ عنه إلا رجلٌ واحدٌ فهو عندهم مجهولٌ، إلّا أن يكونَ رَجلًا مشهورًا في غيرِ حَملِ العِلمِ ، كاشتهارِ مالك بن دينارٍ بالزُّهدِ، وعَمرِو بن معد يكرب بالنجدةِ . (قال الشيخُ) ابنُ الصلاحِ - (ردًّا على الخطيبِ) في ذلك - : (وقد رَوَىُ البخاريُّ) في «صحيحه)) (عن مِردَاسٍ) بن مالك (الأسلميّ و) رَوَىُ (مسلمٌ) في ((صحيحه)) (عن ربيعةً بن كعبِ الأسلميِّ، ولم يَروِ عنهما غيرُ واحدٍ) وهو قيس بن أبي حازم عنِ الأول، وأبو سلمة بن عبد الرحمن عن الثاني، وذلك مصير منهما إلى أن الراوي قد يَخرجُ عن كونه مجهولاً مردودًا بروايةٍ واحدٍ عنه. قال: (والخلافُ في ذلك مُتَّجِة كالاكتفاءِ بتعديلٍ واحدٍ) . قال المصنّفُ - ردًّا على ابنِ الصلاح - : (والصوابُ نقلُ الخطيبِ) وقد نَقَله أيضًا أبو مسعودٍ إبراهيمُ بن محمدِ الدمشقيُّ وغيرُه (ولا يَصِحُ الردُّ عليه بمرداسٍٍ وربيعةً؛ فإنَّهما صحابيَّان مَشهورانٍ، والصحابةُ كلُّهم عدولٌ) فلا يحتاجُ إلى رفعِ الجهالةِ عنهم بتعدُّد الرواة . قال العراقي : هذا الذي قاله النوويُّ مُتَّجِهٌ إذا ثبتتِ الصُّحبةُ، ولكن بقي الكلامُ في أنه هل تَثْبُتُ الصحبةُ بروايةٍ واحدٍ عنه أو لا تثبتُ إلا برويةٍ اثنين عنه؟ وهو محلُّ نظرٍ واختلافٍ بين أهل العلم . ٢٣٧ الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به والحقُّ؛ أنَّه إن كان مَعروفًا بذِكرِهِ في الغزواتِ أو في مَن وَد مِن الصحابةِ أو نحو ذلك، فإنه تثبتُ صُحبتُه وإن لم يَروِ عنه إلا راوٍ واحدٌ ، ومرداسٌ مِن أهلِ الشجرةِ، وربيعةُ مِن أهل الصُّفَّةِ، فلا يضرُّهما انفرادُ راوٍ واحدٍ عن كلٌّ منهما، على أن ذلك ليس بصوابٍ بالنسبة إلى ربيعةً، فقد رَوىُ عنه أيضًا نُعيمٌ المُجمِرُ وحنظلةُ بن عليٍّ ، وأبو عمران الجونيُّ . قال العراقي: إذا مَشيئًا على ما قاله النوويُّ أن هذا لا يُؤْثِّر في الصحابةِ، وَرَد عليه مَن خرَّج له البخاريُّ أو مسلمٌ مِن غيرِهم ولم يروِ عنهم إلا واحدٌ . · حكم تعديل العبد والمرأة: (يُقبلُ تعديلُ العبدِ والمرأةِ العارفينِ) لقبولِ خبرِهما، وبذلك جزَم الخطيبُ في ((الكفاية))، والرازي، والقاضي أبو بكرٍ بعد أن حكى عن أكثرِ الفقهاءِ مِن أهلِ المدينةِ وغيرِهم أنَّه لا يُقبل في التعديلِ النساءُ ، لا في الرواية ولا في الشهادةِ . واستدلَّ الخطيبُ على القَبولِ بسؤالِ النبيِّ وَِّ بريرةَ عن عائشةَ في قِصَّة الإفكِ . قال: بخلافِ الصبيِّ المُراهق فلا يُقبل تعديلُه إجماعًا . · حكم حديث من عُرفت عينه وعدالته، وجُهل اسمه: (ومَنْ عُرِفَت عينُه وعدالتُه، وجُهِل اسمُه) ونسبه (احتُجَّ به) وفي ((الصحيحين)) مِن ذلك كثيرٌ، كَقولهم: ((ابن فلان))، أو ((والد فلانٍ)) . ٢٣٨ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي وقد جَزَم بذلك الخطيبُ في ((الكفاية)) ، ونقله عن القاضي أبي بكرٍ الباقلاني، وعلَّله بأن الجهلَ باسمِه لا يُخِلُّ بالعِلمِ بعدالته . ومَثَّله بحديثٍ ثُمامةَ بنِ حزنٍ القشيريِّ : سألتُ عائشةَ عَنِ النبيذِ؟ فَقَالت: هَذِه خَادِمُ رسولِ اللَّه ◌َّهُ - لجاريةٍ حبشيةٍ - فَسَلهَا - الحديث. • قول الراوي: «أخبرني فلان أو فلان»؛ على الشَّكِّ: (وإِذَا قال : ((أخبرني فلانٌ، أو فلانٌ))) على الشكُ (وهما عَدلانِ، احْتُجَّ به) لأنه قد عيَّنهما، وتحقَّق سماعهُ لذلك الحديثِ مِن أحدِهما ، وكلاهُما مقبولٌ . قاله الخطيبُ . ومَثَّله بحديثٍ شُعبةَ، عَن سَلمة بن كُهيلٍ، عن أبي الزَّعراء - أو عن زيد بن وهبٍ - ، أن سُويد بن غَفلَة دخَل على عَلَيٍّ بنِ أبي طالبٍ فقال: يا أمير المؤمنين، إنِّي مررتُ بقوم يَذكُرون أبا بكر وعُمر - الحديث . (فإن جهل عدالة أحدِهما، أو قال: ((فلانٌ أو غيرُه))) ولم يسمه (لم يُحتجَّ به) لاحتمالٍ أن يكون المخبرُ المجهولَ. · حكم رواية أهل البدع: (مَن كُفِّر ببدعتهِ) وهو - كما في ((شرح المهذَّب)) للمصنفِ - المُجَسِّمُ، ومُنكرُ عِلمِ الجُزئياتِ . قيل : وقائلُ خَلقِ القرآنِ . فقد نصَّ عليه الشافعيُّ، واختاره البلقينيُّ ، ومَنَّعَ تأويلَ البيهقيِّ له بكُفران النعمةِ بأنَّ الشافعيَّ قال ذلك في حقٌّ حفص الفرد لما أَنتَى بضَرب عُنقه، وهذا رادٌ للتأويلِ . ٢٣٩ الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به (لم يُحتَجَّ به بالاتفاقِ) قيل : دعوى الاتفاقِ ممنوعةٌ ؛ فقد قيل : إنه يُقبل مُطلقًا . وقيل: يُقبل إن اعتقدَ حُرمةَ الكَذبِ . وصحَّحه صاحبُ ((المحصولِ)). وقال شيخُ الإسلام : التحقيقُ؛ أنَّه لا يُرَدُّ كل مُكفَّر ببدعة ؛ لأنَّ كلَّ طائفةٍ تَدَّعي أنَّ مخالِفيها مبتدعةٌ، وقد تُبالغُ فتكفِّر مخالفيها ، فلو أُخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفيرَ جميع الطوائفِ، والمعتمدُ أن الذي تُردُّ روايتهُ مَن أَنكّرَ أمرًا مُتواترًا مِنَ الشرع مَعلومًا مِن الدِّين بالضرورةِ، أو اعتقدَ عَكسَهُ، وأمَّا مَن لم يكن كذلك، وانضمَّ إلى ذلك ضَبطُهُ لِمَا يَرويه مع وَرَعِهِ وتَقواه، فلا مَانِعَ مِن قَبُولِهِ . (ومَن لم يُكَفَّر) فيه خلافٌ : (قيل: لا يُحتج به مطلقًا) ونسَبه الخطيبُ لمالكٍ؛ لأنَّ في الروايةِ عنه ترويجًا لأمرِهٍ وتَنويهًا بذكره، ولأنَّه فاسقٌ بِبِدعَته، وإن كان متأولًا ، فَرُدَّ كالفاسقِ بلا تأويلِ، كما استوى الكافرُ المتأوِّلُ وغيرُه . (وقيل : يُحتج به إن لم يَكُن ممن يَستحلُّ الكذبَ في نصرةٍ مذهبه أو الأهلِ مذهبِهِ) سواءً كان داعيةً أَم لا ، ولا يُقبل إنِ استَحَلَّ ذلك . (وحُكِي) هذا القولُ (عن الشافعيّ) حكَاه عنه الخطيبُ في ((الكفاية)) لأَنَّه قال : أَقبلُ شهادةَ أهلِ الأهواءِ إلَّ الخطّابية؛ لأنَّهم يَرون الشهادةَ بِالزُّورِ لموافقيهم . ٢٤٠ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي قال: وحُكي هذا أيضًا عنِ ابنِ أبي ليلى والثّوريّ والقاضي أبي يوسفَ . (وقيل : يُحتج به إن لم يكن داعيةً إلى بدعتِه، ولا يُحتج به إن كان داعيةً) إليها ؛ لأنَّ تَزِيينَ بدعتِه قد تَحملُه على تحريفِ الرواياتِ وتسويتِها على ما يقتضيه مَذهبهُ . (وهذا) القولُ (هو الأظهرُ الأعدلُ وقولُ الكثيرِ أو الأكثرِ) مِن العلماءِ . (وضُعِّفَ) القولُ (الأولُ باحتجاج صاحِبي ((الصحيحينِ)) وغيرهما بكثيرٍ مِن المبتدعةِ غيرِ الدعاةِ) كَعِمران بنِ حطّان، وداودَ بنِ الحُصينِ . قال الحاكمُ : وكتابُ مسلمٍ مَلآن مِن الشيعةِ . وقد ادَّعى ابنُ حبان الاتفاقَ على ردِّ الداعيةِ وقبولِ غيرِه بلا تفصيلٍ . تنبيهاتٌ: الأولُ : قَيَّدَ جماعةٌ قبولَ غيرِ الداعيةِ بما إذا لم يَروِ ما يُقوِّي بِدعَته ، صرَّح بذلك الحافظُ أبو إسحاق الجوزجانيُّ شيخُ أبي داودَ والنسائيِّ، فقال في كِتابه ((معرفة الرجال)): ومنهم زائغٌ عن الحقِّ - أي عن السُّنة - صادقُ اللَّهجةِ، فليس فيه حِيلةٌ إلَّا أن يُؤخذَ مِن حديثه ما لا يكون مُنكَرًا، إذا لم يقوِّ به بدعتَه . وبه جَزَمَ شيخُ الإسلامِ في ((النخبةِ)). وقال في ((شرحها)): ما قاله الجوزجانيُّ مُتَّجِهٌ؛ لأنَّ العِلَّةَ التي لها رُدَّ ٢٤١ الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به حديثُ الداعيةِ واردةٌ فيما إذا كان ظاهرُ المرويِّ يوافقُ مذهبَ المبتدعِ ولو لم يكن داعيةً . الثاني: قال العراقي : اعتُرض عليه بأنَّ الشيخين أيضًا احتجًّا بالدعاةٍ، فاحتج البخاريُّ بِعِمرانَ بن حِطَّانَ، وهو مِن الدُّعاة، واحتجًا بعبدِ الحميدِ بنِ عبد الرحمن الحماني، وكان داعيةً إلى الإرجاءِ . وأَجابَ بأن أبا داود قال: ليس في أهلِ الأهواءِ أصحُ حديثًا مِنَ الخوارج، ثم ذكّر عِمرانَ بنَ حطان وأبا حسَّان الأعرجَ . قال: ولم يحتجَّ مسلمٌ بعبد الحميدِ ، بل أخرجَ له في ((المُقدِّمة))، وقد وثَّقه ابنُ معينٍ . الثالثُ : الصوابُ أنَّه لا تقبلُ روايةُ الرافضةِ وسابِ السَّلَفِ ، كما ذكره المصنّفُ في ((الروضة)) في باب ((القضاء)) في مسائل الإفتاء، وإن سكت في بابِ الشهاداتِ عن التصريح باستثنائهم إحالةً على ما تقدَّم؛ لأنَّ (سِباب المسلم فُسوقٌ)) فالصحابةُ والسَّلفُ مِن بابٍ أَولی . وقد صرَّح بذلك الذهبيُّ في ((الميزان))، فقال: البدعةُ على ضَربين : صُغرىُ : كالتشيع بلا غُلوِّ، أو بغلوِ، كمن تكلّم في حقِّ مَن حَارب عليًّا، فهذا كثيرٌ في التابعين وتابعيهم مع الدِّينِ والوَرَعِ والصدقِ، فلو رُدَّ هؤلاء لَذَهَبَ جُملةٌ مِن الآثارِ النبويةِ، وهذه مفسدةٌ بينة . ثم بدعةٌ كُبرى : كالرفضِ الكاملِ ، والغُلوِّ فيه، والحطّ على أبي بكرٍ وعُمَرَ، والدعاءِ إلى ذلك، فهذا النوعُ لا يُحتجُّ بهم ولا كَرَامةَ . ٢٤٢ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي وأيضًا، فما أستحضرُ الآنَ في هذا الضربِ رَجُلًا صادقًا ولا مأمونًا، بلِ الكذبُ شعارُهم ، والتقيةُ والنفاقُ دِثارُهم . انتهى. وهذا الذي قاله هو الصَّوابُ الذي لا يِحَلُّ لِمُسلم أن يعتقدَ خِلافه . وقال في موضع آخر : اختلفَ الناسُ في الاحتجاج برواية الرافضةِ على ثلاثة أقوالٍ: المنعُ مُطلقًا، والترخُّصُ مُطلقًا إلَّا من يكذبُ ويَضَعُ ، والثالثُ : التفصيلُ بين العارفِ بما يُحدِّثُ وغيرِهِ . وقال أشهبُ: سُئل مالكٌ عن الرافضةِ فقال: لا تُكَلِّمهم، ولا تَروِ عنهم . وقال الشافعي: لم أَرَ أَشهَدَ بالزورِ مِنَ الرافضةِ . وقال يزيدُ بنُ هارونَ : يُكتبُ عن كلِّ صاحبٍ بِدعةٍ إذا لَم يَكن داعيةً إلّا الرافضةَ. وقال شَريكٌ : احمِل العلمَ عن كلِّ مَن لَقيتَ إلَّا الرافضةَ. وقال ابنُ المباركِ : لا تُحدِّثوا عن عَمرِو بنِ ثابتٍ ؛ فإنَّه كان يَسُبُ السَّلفَ . الرابعُ: مِنَ الملحَقِ بالمُبتدِعِ: مَن دَأَبُه الاشتغالُ بعلومِ الأوائل، كالفلسفةِ والمَنطقِ، وصَرَّح بذلك السلفيُّ في ((معجم السفر»، والحافظُ أبو عبد الله ابن رشيد في(( رحلته) . فإن انضمَّ إلى ذلك اعتقادُه بما في عِلم الفلسفةِ مِن قِدَمِ العالَمِ ونحوهِ .. - . ٢٤٣ الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به فكافرٌ، أو لِما فِيها ممَّا وَرَدَ الشرعُ بخلافه، وأقامَ الدليلَ الفاسدَ على طريقتِهم، فلا تأمن ميلَه إليهم . وقد صرَّح بالحطّ على مَن ذُكِر وعدم قبولِ روايتِهم وأقوالِهم : ابنُ الصلاح في ((فتاويه)) والمصنّفُ في ((طبقاته))، وخلائقُ مِن الشافعيةِ، وابنُ عبد البرِّ وغيرُه مِنَ المالكية - خصوصًا أهل المغرب - والحافظ سراج الدين القزويني وغيره من الحنفيةِ، وابنُ تيمية وغيرُه من الحنابلة ، والذهبيُّ لَهِجَ بذلك في جَميعِ تَصَانيفهِ . · حكم رواية التائب من الفسق والكذب في غير الحديث النبويِّ: (تُقبلُ روايةُ التائبِ مِن الفسقِ) ومِنه الكذب في غيرِ الحديثِ النبويُّ ، كشهادتِهِ ؛ للآياتِ والأحاديثِ الدالَّةِ عَلى ذلك (إلَّا الكذبَ في حديث رسولِ اللَّهِ وَ له فلا تُقبلُ) رواية التائب مِنه (أبدًا، وإن حَسُنَت طريقتُه . كذا قال أحمدُ بنُ حنبلٍ، و) أبو بَكرِ (الحميديُّ شيخُ البخاريِّ، و) أَبو بَكرٍ (الصيرفيُّ الشافعيُّ). بل (قال الصيرفيُّ) زيادةً على ذلك في ((شرح الرسالةِ)): (كلُّ مَن أسقطنا خبرَه) مِن أهل النقلِ (بكذبٍ) وَجَدناه عليه ( لم نَعُد لقبولِه بتوبةٍ) تَظهرُ (ومَن ضَعَّفناه لم نُقَوِّه بعده بخلافِ الشهادةِ). قال المصنّفُ: ويَجوزُ أن يُوجَّهَ بأن ذلك جعل تَغليظًا عليه، وزَجرًا بليغًا عَنِ الكذبِ عليه ◌ِّهِ؛ لِعِظَم مفسدتِه، فإنَّه يصيرُ شرعًا مستمرًّا إلى يوم القيامةِ، بخلافِ الكذبِ على غيرِهِ والشهادةِ، فإنَّ مفسدتَها قاصرةٌ ليست عامَّة . ٢٤٤ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي (وقال) أبو المظفر (السمعانيُّ: مَن كَذَب في خبرٍ واحدٍ، وَجَب إسقاطُ ما تَقَدَّم مِن حديثِهِ). قال ابنُ الصلاح : وهذا يُضاهي مِن حيثُ المعنى ما ذكره الصَّيرفيُّ . قال المصنفُ (قلتُ : هذا كُلُّه مخالفٌ لقاعدةِ مذهبِنا ومذهبٍ غيرِنا ، ولا يقوى الفرق بينَه وبينَ الشهادةِ) وكذا قال في ((شرح مسلم)»: المختارُ القَطعُ بِصِحَّةٍ تَوبتهِ، وقبول روايتهِ كشهادتهِ، كالكافرِ إذَا أَسلم . وأنا أقولُ : إن كانتِ الإشارةُ في قولِهِ هذا كله لقولِ أحمدَ والصيرفيِّ والسمعانيُّ، فلا واللَّهِ ما هو بمخالِفٍ ولا بعيدٍ، والحقُّ ما قالَه الإمامُ أحمد تَغليظًا وزَجرًا . وإن كانت لقولِ الصيرفيِّ بناءً على أنَّ قوله: ((يَكذبُ)) عامٌّ في الكذبِ في الحديثِ وغيرِهِ، فقد أجابَ عنه العراقيُّ بأنَّ مُرادَ الصيرفيِّ ما قاله أحمد، أي في الحديثِ لا مُطلقًا، بدليلٍ قولِهِ: ((مِن أهلِ النقلِ )) وتقييدِه بـ((المحدِّث)) في قولِهِ أيضًا في ((شرح الرسالة)): وليس يطعنُ على المحدِّث إلَّا أن يقولَ: تعمَّدت الكذبَ، فهو كاذبٌ في الأولِ، ولا يُقبل خبرُه بَعدَ ذلك . انتهى . وقوله : ((ومَن ضَعَّفناه)) أي بالكذبِ ، فانتظَمَ مع قولِ أحمدَ . · حكم ما رواه ثقة عن ثقة، ثم نفاهُ المُسْمِع: (إذا رَوَى) ثقةٌ عن ثقةٍ (حديثًا، ثم نفاه المُسمِعُ) لما رُوجع فيه (فالمختارُ) عِندَ المُتأخّرين (أنه إن كان جازمًا بنفيه، بأن قال: ما رويتُه) ٢٤٥ الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به أو كذب عليَّ (ونحوه، وَجَب ردُّه) لِتَعارضِ قولِهما، معَ أنَّ الجاحدَ هُو الأصلُ (و) لكن (لا يقدحُ) ذلك (في باقي رواياتِ الراوي عنه) ولا يثبتُ به جَرحُه، لأنه أيضًا مُكذِّبٌ لشيخِه في نَفيهِ لذلك، وليس قَبولُ جَرِحِ كلِّ منهما أَولى مِن الآخَر، فتساقطا . فإن عاد الأصلُ وحدَّث به، أو حدَّث به فرعٌ آخَرُ ثِقةٌ عنه ولم يُكذِّبه، فهو مقبولٌ، صرَّح به القاضي أبو بكرِ والخطيبُ وغيرُهما . ومقابل المختارِ في الأول عدمُ ردِّ المروي، واختارَه السمعانيُّ، وعزاهُ الشاشي للشافعيِّ، وحكى الهنديُّ الإجماعَ عليه . وجَزم الماورديُّ والرويانيُّ بأنَّ ذلك لا يقدحُ في صحَّةِ الحديثِ ، إلَّا أنَّه لا يَجوزُ للفرعِ أن يَرويه عن الأصلٍ ؛ فحَصَل ثلاثةُ أقوالٍ . وثَمَّ قولٌ رابعٌ : أنهما يتعارضان، ويرجح أحدهما بطريقه، وصار إليه إمام الحرمين . ومن شواهدِ القبولِ : ما رواه الشافعيُّ ، عن سُفيانَ بنِ عُيينة ، عن عَمرو بنِ دينارٍ ، عن أبي مَعبدٍ ، عنِ ابنِ عباسٍ قال : كُنتُ أعرفُ انقضاءَ صلاةِ رسولِ اللهِ وَ لِ بالتكبيرِ. قال عَمرو بنُ دينارٍ ، ثم ذكرتُه لأبي مَعبدٍ بَعدُ، فقال: لم أُحَدِّثكَهُ . قال عمرو : قد حَدَّثتنیه . قال الشافعيُّ : كأنَّه نَسِيهُ بَعدَما حدَّثه إِيَّاه . والحديثُ أخرجه الشيخان مِن حديثِ ابنِ عُبينة . ٢٤٦ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي (فإن قال) الأصلُ: (لا أعرِفُه، أو لا أذكُره، أو نحوه) مما يقتضي جوازَ نِسيانِهِ (لم يَقْدَح فيه) ولا يُرَدُّ بذلك . (ومَن رَوَىْ حديثًا ثم نَسِيَه جاز العملُ به على الصحيح، وهو قولُ الجمهورِ مِن الطوائفِ) أهلِ الحديثِ والفقهِ والكلام (خلافًا لبعضٍ الحنفيةِ) في قولِهم بإسقاطِهِ بذلك . وبَنوا عليه : ردَّ حديثٍ رواه أبو داود والترمذيُّ وابنُ ماجه مِن روايةٍ ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سُهيلٍ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ◌ََّ قَضَى باليمينِ مَعَ الشَّاهِدِ . زاد أبو داود في روايةٍ أنَّ عبد العزيز الدراورديَّ قال: فذكرتُ ذلك لسُهيلٍ، فقال: أخبرني ربيعةُ - وهو عندي ثقةٌ - أني حَدَّثْتُهُ إِيَّه، ولا أَحفَظُه . قال عبدُ العزيزِ : وقد كان سهيلٌ أصابته عِلةٌ أذهبت بعضَ عَقلِهِ ، ونَسي بعضَ حديثهِ، فكان سهيلٌ بَعدُ يُحدِّثه عن ربيعةً عنه عن أبيه . ورواه أبو داود أيضًا مِن روايةٍ سليمانَ بنِ بلالٍ، عن رَبِيعَة، قال سُليمانُ: فلقيتُ سُهيلًا فسألتُه عن هذا الحديث؟ فقال: ما أَعرفه . فقلتُ له : إن ربيعةً أخبرني به عَنكَ. قال: فإن كان ربيعة أخبركَ عنِّي، فحدِّث به عَن ربيعةً عَنِّ. فإن قيل: إن كان الراوي مُعرَّضًا للسهوِ والنسيانِ ، فالفرعُ أيضًا كذلك، فينبغي أن يُسقَطا . ٢٤٧ الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به أجيب : أنَّ الراوي ليس بنافٍ وقوعَه، بل غيرُ ذاكرٍ له، والفرعُ جازمٌ مُثبِتٌ، فَقُدِّم عليه . قال ابنُ الصلاح : وقد رَوىُ كثيرٌ مِن الأكابرِ أحاديثَ نَسوها بَعدَمَا حذَّثوا بها، فكان أحدُهم يقول: حدَّثني فلانٌ عَنِّي عن فلانٍ بكذا . وصنّف في ذلك الخطيبُ: ((أخبار مَن حدَّث ونَسِي))، وكَذلك الدار قطنيُّ . (ولا يخالفُ هذا كراهيةَ الشافعيِّ وغيرِهِ) كشعبةَ ومَعمرِ (الروايةَ عن الأحياءِ) لأنّهم إنما كَرهُوا ذلك ؛ لأنَّ الإنسانَ معرَّضٌ للنسيانِ، فیبادِرُ إلى جُحودِ ما روي عنه وتكذيب الراوي له . · حكم أخذ الأجرة على التحديث: (مَن أَخَذ على التحديثِ أجرًا لا تُقبلُ روايتُه عندَ أحمدَ) بن حنبلٍ (وإسحاقَ) بنِ راهويه (وأبي حاتم) الرازيّ . (وتُقبلُ عندَ أبي نُعَيم الفضلِ) بنِ دُكينٍ شيخِ البُخاريِّ (وعليّ بنِ عبدِ العزيزِ) البغوي (وآخْرِينَ) تَرخُصًا . (وأَفتى الشيخُ أبو إسحاقَ الشيرازيُّ) أبا الحسين ابن النقور (بجوازها؛ لـ) أنه مِنْ (مَنِ امَنَع عليه الكسبُ لعياله بسببِ التحديثِ). ويَشهدُ له : جوازُ أخذِ الوصِيِّ الأُجرة مِن مالِ اليتيم إذا كان فقيرًا، واشتغلَ بحفظِه عن الكسبِ، من غيرِ رجوع عليه لظاهرِ القرآنِ . ٢٤٨ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي · حكم رواية مَنْ عُرف بالتساهل في سماعه أو إسماعه: ( لا تُقبلُ رواية مَن عُرِف بالتساهلِ في سماعِه أو إسماعِهِ، كَمَن لا يبالي بالنوم في السماع) منه أو عليه (أو يُحدثُ لا مِن أصلٍ مُصَححٍ) مقابل على أصله أو أصل شيخه (أو عُرِف بقبولِ التلقينِ في الحديثِ) بأن يُلقَّن الشيءَ فيحدِّث به مِن غيرِ أن يَعلَم أنَّه مِن حديثِه، كما وقَع لموسى بنِ دينارٍ ونحوه (أو كثرةٍ السهوِ في روايتهِ إذا لم يُحدث مِن أصلٍ) صحيحٍ، بخلافٍ ما إذا حدَّث منه، فلا عِبرة بكثرةِ سهوِه، لأنَّ الاعتمادَ حينئذٍ على الأصلِ لا على حِفظه (أو كثرةِ الشواذٌّ والمناكير في حديثهِ). قال شعبة : لا يَجِيتُك الحديثُ الشاذُّ إلا مِنَ الرَّجلِ الشاذُ. وقيل له : مَنِ الذي يترك الروايةُ عنه؟ قال : مَن أكثرَ عنِ المعروفِ مِن الروايةِ ما لا يعرف، وأكثرَ الغَلَطَ . · حكم رواية المُصِرِّ على الخطإِ: (قال) عبدُ اللَّه (بنُ المباركِ وأحمدُ بنُ حنبلٍ والحميديُّ وغيرُهم: مَن غَلِطَ في حديثٍ، فَبِيِّن له) غلطُه (فأصرَّ على روايتهِ) لذلك الحديثِ ، ولم يرجع (سَقَطْتِ روايتُه) كلُّها، ولم يُكتَب عنه . قال ابنُ الصلاح : وفي هذا نظرٌ. قال : (وهذا صحيحٌ إِن ظَهَر أنه أَصَرَّ عنادًا أو نحوه) وكذا قال ابنُ حبان . قال ابنُ مهدي لشعبةَ: مَنِ الذي يترك الرواية عنه؟ قال : إذا تمادى في غَلطٍ مُجمَع عليه، ولم يتهم نفسه عند اجتماعهم على خلافهِ . ٢٤٩ الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به قال العراقيُّ : وقيَّد ذلك بعضُ المتأخرين بأن يكون المبيِّن عالمًا عند المبين له، وإلا فلا حَرَج إذًا . · ما يكفي من هذه الشرائط المذكورة في العصور المتأخرة: (أعرض الناسُ) في (هذه الأزمان) المتأخّرةِ (عن اعتبارِ مجموع) هذه (الشروطِ المذكورةِ) في رواةِ الحديثِ ومشايخِه، لتعذر الوفاء بها علي ما شرط، و(لكونِ المقصودِ) الآن (صار إبقاءَ سلسلةِ الإِسنادِ المختص بالأمةِ) المحمدية ، والمحاذرة من انقطاع سلسلتها . (فليعتبر) مِن الشروطِ (ما يليقُ بالمقصودِ) المذكورِ على تجرده، وليكتف بما يذكر (وهو كونُ الشيخ مسلمًا بالغًا عاقلاً غيرَ متظاهرٍ بفسقٍ أو سُخفٍ) يُخِلُّ بمروءته لتتحقق عدالته . (و) يكتفى (في ضبطِه بوجودِ سماعِه مثبتًا بخطُ) ثقةٍ (غيرِ متهم، وبروايتهِ مِن أصلٍ) صحيحٍ (موافقٍ لأصل شيخِه . وقد قال نحوّ ما ذكرناه الحافظُ أبو بكرِ البيهقيُّ) وعِبارتُه : توسع مَن توسع في السماع مِن بعضٍ مُحدِّثي زماننا الذين لا يحفظون حديثَهم ، ولا يُحسنون قراءتَه مِن كُتبهم، ولا يعرِفون ما يُقرأ عليهم بعد أن تكون القراءةُ عليهم مِن أصلِ سماعهم، وذلك لتدوينِ الأحاديثِ في الجوامع التي جمعها أئمةُ الحديثِ . قال : فَمَن جاء اليومَ بحديثٍ لا يُوجَدُ عند جَميعِهم لا يُقبَلُ منه، ومَن جاءَ بحديثٍ معروفٍ عندهم، فالذي يَرويه لا ينفرد بروايته، والحُجَّة ٢٥٠ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي قائمةٌ بحديثه بروايةٍ غيرِهِ، والقصدُ مِن روايتِه والسماع منه أن يصيرَ الحديثُ مسلسلًا بـ((حدثنا)) و((أخبرنا))، وتَبقَى هذه الكرامةُ التي خُصَّت بها هذه الأمةُ شَرفًا لنبيِّنَا وَِّ . وكذا قال السلفيُّ في جزءٍ له في شَرطِ القراءةِ . قال الذهبيُّ في ((الميزان)): ليس العُمدة في زمانِنا على الرواةِ، بل على المُحدِّثين والمفيدين الذين عُرفت عدالتهم وصِدقُهم في ضَبطِ أسماءِ السامعين . قال: ثُم مِن المعلوم أنَّه لابُدَّ مِن صَونِ الراوي وسترِه. انتهى . • ألفاظ الجرح والتعديل، ومراتبها: (ألفاظُ الجرح والتعديلِ ، قد رَتَّها ابنُ أبي حاتم) في مُقدمةٍ كتابه ((الجرح والتعديل))، وفصل طبقاتِ ألفاظِهم فيها (فأحسَن) وأجاد . (فألفاظُ التعديلِ مراتبُ) ذكّرها المصنف كابنِ الصلاحِ تَّبَعًا لابن أبي حاتم أربعةً، وجعلها الذهبيُّ والعراقيُّ خمسةً، وشيخُ الإسلامِ سِتَةً. (أعلاها) بحسب ما ذكره المصنف ((ثقةٌ))، أو ((متقنَ))، أو (ثَبتْ))، أو ((حُجَّةٌ))، أو (عَدلٌ حافظٌ))، أو) ((عدلٌ (ضابطٌ))). وأما المرتبةُ التي زادها الذهبيُّ والعراقيُّ، فإنَّها أَعلى من هذه، وهو ما كُرِّر فيه أحدُ هذه الألفاظِ المذكورة، إمَّا بعينه، كـ «ثقة ثقة)»، أَو لا: كـ ((ثقة ثبت))، أو ((ثقة حجة))، أو ((ثقة حافظ)). والمرتبةُ التي زادها شيخُ الإسلامِ أعلى مِن مرتبةِ التكريرِ، وهي ٢٥١ الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به الوصفُ بأفعلَ، كـ(أوثق الناس))، و((أثبت الناس))، أو نحوه، كـ(( إليه المنتهى في التثبت)». قلتُ: ومنه: ((لا أحدَ أَثبتُ مِنه))، و((مَن مِثل فلانٍ))، و((فلانٌ لا يسأل عنه))، ولم أَرَ من ذكر هذه الثلاثةَ، وهي في ألفاظِهم . فالمرتبةُ التي ذكرها المصنّفُ أَعلَى، هي ثالثةٌ في الحقيقةِ . (الثانية) من المراتب، وهي رابعة بحسَب ما ذكرناه: (((صدوقٌ))، أو ((محلهُ الصدقُ))، أو ((لا بأسَ به))). زاد العراقي: أو ((مأمون))، أو ((خيار))، أو ((ليس به بأس)). (قال ابنُ أبي حاتم) : مَن قیل فیه ذلك (هو ممن يُكتبُ حدیثُه ، ويُنظرُ فيه، وهي المنزلَةُ الثانيةُ). قال ابنُ الصلاح : (وهو كما قال؛ لأن هذه العبارةَ لا تُشعرُ بالضبطِ ، فيُعتبرُ حديثُه) بموافقةِ الضابطينِ (على ما تَقَدَّم) في أوائلِ هذا النوعِ. (وعن يحيى بن معينٍ) أنَّه قال لأبي خيثمة - وقد قال له : إنَّكَ تقول : فلانٌ ليس به بأسٌ ، فلانٌ ضعيفٌ - : (إذا قلتُ) لك (لا بأسَ به ، فهو ثقة) وإذا قلتُ لك: هو ضعيفٌ، فليس هو بِثقةٍ، لا يُكتبُ حديثُه . فأشعرَ باستواءِ اللفظين . قال ابنُ الصلاح : وهذا ليس فيه حكايةٌ عن غيرِهِ مِن أهلِ الحديثِ ، بل نسبه إلى نَفسه خاصَّة (ولا يقاومُ قولُه عن نفسِه نقلَ ابنِ أبي حاتمٍ عن أهلِ الفنٌ) . ٢٥٢ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي قال العراقيُّ: ولم يَقل ابنُ معينٍ: إنَّ قولي: ((ليس به بأس)) كقَولي: ((ثقةٌ))، حتى يلزم منه التسويةُ، إنما قال: إنَّ مَن قال فيه هذا فهو ثِقةٌ، وللثقة مراتبُ، فالتعبيرُ بـ ((ثقة)) أرفعُ مِن التعبير بـ((لا بأس به)) وإنِ اشتركا في مُطلقِ الثقةِ . ويدلُّ على ذلك: أنَّ ابن مَهديٍّ قال: حدَّثنا أبو خلدة . فقيلَ له: أكَان ثقة؟ فقال: كان صَدوقًا، وكان مأمونًا، وكان خيرًا، الثقةُ شُعبة وسُفيان . وحكى المروذيُّ قال : سألتُ ابنَ حنبلٍ : عبدُ الوهابِ بنُ عطاءِ ثِقةٌ؟ قال : تَدري ما الثقةُ؟ إنَّما الثقة يحيى بنُ سعيدِ القطَّانُ . ● تنبية : جعَل الذهبيُّ قولَهم ((محلُّهُ الصِّدق)) مؤخّرًا عن قولهم: ((صدوق)) إلى المرتبة التي تَليها، وتبعهُ العراقيُّ؛ لأن ((صدوقًا)) مبالغةٌ في الصدقِ ، بخلافِ محله الصّدقُ، فإنَّه دالٌّ على أنَّ صاحبها محلُّه ومرتبتُه مُطلَقُ الصدقِ . (الثالثةُ) مِن المراتبِ، وهي خامسةٌ بحسب ما ذكرنَا (شيخٌ). قال ابنُ أبي حاتم : (فيُكتبُ) حديثهُ (ويُنظرُ) فيه . وزاد العراقيُّ في هذه المرتبةِ - مع قولِهم ((مجلُّه الصدقُ)) -: ((إلى الصِّدقِ ما هو))، ((شيخٌ وسَطٌ))، مكرَّر (١)، ((جيدُ الحديثِ))، «حَسَنُ الحديثِ)). (١) أي: بذكر الوصفين: ((شيخ))، و((وسط))، لا أن يكررا جميعًا، فيقال: ((شيخ وسط، شيخ وسط))، كما قد يوهم السياق . ٢٥٣ الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به وزادَ شيخُ الإسلام: ((صدوقٌ سَيئُ الحفظِ))، ((صدوقٌ يَهِم))، ((صدوقٌ له أَوهامٌ))، ((صَدُوقٌ يُخطئ))، ((صدوقٌ تغيَّر بأَخْرَةٍ)). قال: ويُلحق بذلك، مَن رُمِي بنوعٍ بدعةٍ؛ كالتشيعِ، والقَدَرِ ، والنَّصبِ، والإِرجاءِ، والتَّجُهُمِ . (الرابعةُ) وهي سادسةٌ بحسَبِ ما ذكرنا: (((صالحُ الحديث)))؛ فإنَّه (يُکتبُ) حديثه (للاعتبارِ) . وزاد العراقيُّ فيها: ((صَدُوقُ إِن شاءَ اللَّه))، ((أَرجو أن لا بَأْسَ به))، (صُویلخ)). وزادَ شيخُ الإسلام: ((مقبولٌ)). (وأما ألفاظ الجرح فمراتبُ) أيضًا : أدناها ما قَرُبَ مِنَ التعديلِ (فإذا قالوا : لينُ الحديثِ، كُتِب حديثُه ويُنظرُ) فيه (اعتبارًا) . (وقال الدارقطنيُّ) - لما قال له حمزة بنُ يوسفَ السهميُّ : إذا قلتَ : فلانٌ لينٌ، أيشِ تُريدُ - : (إذا قلتُ : لينُ الحديثِ لم يكن ساقطًا) متروكَ الحديثِ (ولكن) يكون (مجروحًا بشيءٍ لا يسقطُ عن العدالةِ). ومن هذه المرتبة - فيما ذكّره العراقي :- ((فيه لِينٌ))، ((لَيِّن)) ((فيه مَقالٌ))، ((ضُعِّفَ))، ((تَعرفُ وتُنكِرُ))، ((ليس بذاك))، ((ليس بالمتينِ))،