Indexed OCR Text

Pages 1481-1500

١٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قال : فالحقُّ أن كلَّ منهما في علم الحديث مُهمٍّ، ولا شكَّ أن من
جمعهما حاز القدحَ المُعَلَّى مع قُصورٍ فيه إِنْ أخلَّ بالثالث، ومن أخل
بهما فلا حظّ له في اسمِ الحُفَّاظِ .
ومَن حرزَ الأولَ وأخلَّ بالثاني كان بعيدًا من اسم ((المحدِّث)) عُرفًا،
ومَن أحرزَ الثاني وأخلَّ بالأولِ لم يُبْعد عنه اسمُ ((المُحدِّث)) ولكن فيه
نقصٌ بالنسبة إلى الأولِ .
وبقي الكلامُ في الفنِّ الثالثِ، ولا شك أن مَن جمع ذلك مع الأوَّلين
كان أوفر سهمًا وأحظ قسمًا، ومن اقتصر عليه كان أخس حظًا وأبعد
حفظًا، فمن جمع الثلاثةَ كان فقيها محدثًا كاملًا .
ومَنِ انفردَ باثنتين منهما كان دُونه، إلا أنَّ من اقتصر على الثاني
والثالث فهو محدثٌ صِرْفٌ، لا حظَّ له في اسم ((الفقيه))، كما أنَّ من
انفرد بالأول فلا حظّ له في اسم ((المحدِّث))، ومن انفرد بالأول والثاني
فهل يُسمَّى محدثًا؟ فيه بحثٌ . انتهى .
وقد كان السلف يُطلقون المحدث والحافظ بمعنّى :
كما روى أبو سعدِ السَّمعانيُّ بسندِه إلى أبي زرعة الرازي : سمعتُ
أبا بكر ابن أبي شيبة يقول : مَن لم يكتب عشرين ألف حديث إملاءً لم
يُعدَّ صاحب حديثٍ .
وفي ((الكاملِ)) لابن عدي مِن جهة النفيليِّ، قال: سمعتُ هشيمًا،
يقول: مَن لم يحفظِ الحديثَ فليس هو من أصحاب الحديث .

١٥
مقدمة الحافظ السيوطي
والحقُّ ؛ أن الحافظ أخصُّ .
وقال الشيخ تَقِيُّ الدين السُّبكي : إنه سأل الحافظ جمال الدين المِزْي
عن حدِّ الحفظِ الذي إذا انتهى إليه الرجلُ جاز أن يُطلَق عليه الحافظُ ،
قال : يرجع إلى أهلِ العُرف .
فقلتُ : وأين أهلُ العرف؟ قليل جدًّا! قال : أقل ما يكونُ أن يكونَ
الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجِمَهم وأحوالَهم وبُلدانَهم أكثر من الذين
لا يعرفهم، ليكون الحُكم للغالبِ .
فقلتُ له: هذا عزيز في هذا الزمان، أدركتَ أنتَ أحدًا كذلك؟
فقال : ما رأينا مِثلَ الشيخ شرف الدين الدمياطي .
ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركةٌ جيِّدةٌ ، ولكن أين
الثُّريًّا من الثَّرَىُ؟!
فقلتُ : كان يصل إلى هذا الحد؟ قال: ما هو إلا كان يشارك مشاركةً
جيدةً في هذا - أعني في الأسانيد . وكان في المتونِ أكثر لأجْلِ الفِقه
والأصُول .
وقال الشيخُ فتحُ الدين ابن سيد الناس : وأما المُحدِّث في عصرنا فهو
مَنِ اشتغل بالحديثِ روايةً ودرايةً، وجمع بين رواته ، واطّلع على كثيرٍ
من الرواةِ والروايات في عصره وتميّز في ذلك حتى قوي فيه حظه ،
واشتهر فيه ضبطُه .
فإن توسّع في ذلك حتى عرف شيوخَه، وشيوخَ شيوخِه، طبقةً بعد

١٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
طبقةٍ ، بحيث يكون ما يَعرفه مِن كلِّ طبقةٍ أكثر مما يجهله منها، فهذا هو
الحافظ، وأما ما يُحكى عن بعض المتقدِّمين مِن قولهم: ((كنا لا نعدُّ
صاحبَ حديثٍ من لم يكتب عشرين ألف حديثٍ في الإملاء))، فذلك
بحسب أزمنتهم . انتهى .
وسأل شيخُ الإسلام أبو الفضل ابنُ حجر شيخَه الحافظ أبا الفضل
العراقيَّ فقال: ما يقول سيِّدي في الحدِّ الذي إذا بَلغه الطالبُ في هذا
الزمان استحقَّ أن يُسمَّى حافظًا؟ وهل يتسامحُ بنقصٍ بعضِ الأوصافِ التي
ذَكرها المزيُّ وأبو الفتح في ذلك لنقصٍ زمانه أم لا؟
فأجابَ : الاجتهادُ في ذلك يختلفُ باختلاف غلبة الظنِّ في وقت
ببلوغ بعضِهم للحفظِ وغلبته في وقتٍ آخر، وباختلاف من يكون كثيرَ
المخالطةِ للذي يَصِفُه بذلك .
وكلامُ المزيِّ فيه ضيقٌ، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصفِ إلا
الدمياطي، وأمَّا كلامُ أبي الفتح فهو أسهل، بأن ينشط بعد معرفة شيوخِه
إلى شيوخ شيوخِه وما فوق، ولا شكَّ أن جماعةً من الحُفَّظ المتقدِّمين
كان شيوخهم التابعين أو أتباعَ التابعين، وشيوخ شيوخِهم الصحابة أو
التابعين ، فكان الأمرُ في ذلك الزمان أسهلَ باعتبار تأخر الزمانِ .
فإنِ اكتفي بكونِ الحافظِ يعرف شيوخه وشيوخَ شيوخِه، أو طبقةً
أخرى، فهو سهلٌ لمن جعل فَتَّه ذلك دون غيرِهِ مِن حفظِ المتونِ
والأسانيدِ، ومعرفة أنواع علوم الحديثِ كلها، ومعرفة الصحيح من
السقيم، والمعمول به من غيره ، واختلاف العلماء، واستنباط الأحكام ،

١٧
مقدمة الحافظ السيوطي
فهو أمرٌ ممكنٌ بخلافِ ما ذكر مِن جميع ما ذكر ، فإنه يحتاج إلى فراغ
وطُولٍ عُمرٍ، وانتفاءِ الموانع، وقد رُوي عن الزهري أنه قال: ((لا يُولد
الحافظُ إلَّا في كل أربعين سنة)).
فإنْ صحَّ كان المرادُ رتبةَ الكمالِ في الحفظِ والإتقانِ، وإن وجد في
زمانه من يُوصَفُ بالحفظِ ، وكم مِن حافظٍ وغيرُه أحفظُ منه . انتهى .
ومِن ألفاظِ الناسِ في معنى الحفظ :
قال ابنُ مَهديٍّ : الحِفظُ الإتقانُ .
وقال أبو زرعة : الإتقانُ أكثرُ من حفظِ السَّرْدِ .
وقال غيرُهُ : الحِفظُ المَعرفةُ .
قال عبدُ المؤمن بنُ خلفِ النَّسَفيُّ : سألتُ أبا عليٍّ صالحَ بنَ محمد
قلتُ: يحيى بن معين هل يحفظُ؟ قال: لا، إنما كان عِنده معرفةٌ .
قال : قلتُ : فعليُّ بن المدينيِّ كان يحفظ؟ قال: نعم، ويعرِفُ.
ومما رُوي في قَدْرِ حِفِظِ الحُفاظِ :
قال أحمد بن حنبل : انتقيتُ ((المسنَد)) مِن سبعمائة ألف وخمسين
ألف حديثٍ .
وقال أبو زرعة الرازي : كان أحمد بن حنبل يحفظ ألفَ ألفِ حديثٍ .
قيل له : وما يُدريك؟ قال : ذاكرتُه فأخذتُ عليه الأبواب .
وقال يحيى بن معين : كتبتُ بيدي ألفَ ألفِ حديثٍ .

١٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وقال البخاريُّ : أحفظُ مائةَ ألفِ حديثٍ صحيح، ومائتي ألف حديثٍ
غيرِ صحيح .
وقال مسلمٌ: صنفتُ هذا ((المسند الصحيح)) من ثلاثمائة ألف حديثٍ
مسموعة .
وقال أبو داود: كتبتُ عن رسول اللّه وَ لَل خمسمائة ألفِ حديثٍ،
انتخبتُ منها ما ضمنته كتاب ((السنن)).
وقال الحاكمُ في ((المدخل)): كان الواحدُ من الحفاظِ يحفظُ
خمسمائة ألف حديثٍ؛ سمعت أبا جعفر الرازي يقول: سمعتُ
أباعبد الله ابن واره يقول : كنتُ عند إسحاق بن إبراهيم بنيسابور، فقال
رجلٌ من أهل العراق : سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول: صحَّ من الحديثِ
سبعمائة ألفٍ وكَسْرٌ، وهذا الفتى - يعني أبا زرعة - قد حفظ ستمائة ألفٍ.
قال البيهقيُّ : أراد ما صحَّ مِن الأحاديثِ وأقاويلِ الصحابة والتابعين .
وقال غيره : سُئل أبو زرعة عن رجلٍ حلفَ بالطلاقِ أنَّ أبا زرعة
يحفظ مائتي ألفٍ حديثٍ، هل يحنث؟ قال: لا. ثم قال: أحفظُ مائةً
ألفِ حديثٍ كما يحفظُ الإنسانُ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ وفي المُذاكرة
ثلاثمائة ألفٍ حديثٍ .
وقال أبو بكر محمدُ بن عُمر الرازيُّ الحافظُ : كان أبو زرعة يحفظُ
سبعمائة ألفِ حديثٍ، وكان يحفظُ مائة وأربعين ألفًا في التفسيرِ والقرآنِ .
قال الحاكمُ : وسمعتُ أبا بكر ابن أبي دارم الحافظَ بالكوفة يقول :

١٩
مقدمة الحافظ السيوطي
سمعتُ أبا العباس أحمدَ بنَ محمد بن سعيدٍ يقول : أحفظُ لأهلِ البيتِ
ثلاثمائة ألفٍ حديثٍ .
قال : وسمعتُ أبا بكر يقول: كتبتُ بأصابعي عن مُطَيِّنٍ مائةَ ألفِ
حديثٍ .
وسمعتُ أبا بكرِ المزكي يقول : سمعتُ ابنَ خزيمة يقول: سمعتُ
عليّ بن خَشْرم يقول: كان إسحاق بن راهويه يُملي سبعين ألف حديثٍ
حفظًا .
وأسند ابنُ عدي عن ابن شُبْرُمة عن الشعبيِّ قال : ما كتبتُ سوداءَ في
بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدَّثني رجلٌ بحديثٍ قطُ إلا حَفظتُه ، فحدثتُ
بهذا الحديثِ إسحاق بن راهويه فقال: تعجبُ مِن هذا؟ قلتُ : نَعم،
قال: ما كنتُ لأسمع شيئًا إلا حفظتُه، وكأني أنظرُ إلى سبعين ألف
حديثٍ، أو قال : أكثر مِن سبعين ألف حديثٍ في كُتبي .
وأسند عن أبي داود الخفاف قال : سمعتُ إسحاق بن راهويه يقول :
كأني أنظر إلى مائة ألف حديثٍ في كتبي، وثلاثين ألفًا أسْرُدُها .
وأسندَ الخطيبُ عن محمدِ بن يحيى بن خالدٍ قال : سمعتُ إسحاق
ابنَ راهويه يقول: أعرفُ مكانَ مائة ألفِ حديثٍ كأني أنظرُ إليها، وأحفظُ
سبعين ألف حديثٍ عن ظَهْرٍ قلبي صحيحة ، وأحفظُ أربعة آلاف حديثٍ
مُزوَّرة .
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : قال أبي لداود بن عَمرو الضبي -
-----

٢٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وأنا أسمعُ - : كان يُحدِّثكم إسماعيل بن عياشِ هذه الأحاديثَ بحفظه؟
قال : نعم، ما رأيتُ معه كتابًا قط. قال له: لقد كان حافظًا، كم كان
يحفظُ؟ قال: شيئًا كثيرًا. قال: أكان يحفظ عشرةً آلافٍ؟ قال : عشرة
آلافٍ، وعشرة آلافٍ، وعشرة آلافٍ. فقال أبي: هذا كان مِثل وكيعٍ .
وقال يزيد بن هارون : أحفظُ خمسةً وعشرين ألفَ حديثٍ بإسناده .
ولا فخر . وأحفظُ للشاميين عشرين ألفَ حديثٍ .
وقال يعقوب الدورقي : كان عند هشيم عشرون ألف حديثٍ .
وقال الآجُريُّ : كان عبيد الله بن معاذ العنبريُّ يحفظُ عشرةَ آلافٍ
حديثٍ .
الفائدة الثالثةُ: قال شيخُ الإسلام : مِن أوَّل مَن صنّف في الاصطلاح
القاضي أبو محمد الرَّامَهرْمُزِيُّ، فعمل كتابَهُ ((المُحدِّثُ الفاصلُ))، لكنه
لم يَستوعبْ، والحاكمُ أبو عبد اللَّه النيسابوري، لكنه لم يُهذِّبْ ولم
يُرتبْ ، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني ، فعمل على كتابه مُستخرَجًا، وأبقى فيه
أشياء للمتعقّب، ثم جاء بعدهم الخطيبُ البغداديُّ فعمل في قوانين
الرواية كتابًا سمَّاه ((الكفاية))، وفي آدابها كتابًا سمّاه ((الجامع لآداب الشيخ
والسامع))، وقلَّ فنٌّ مِن فُنونِ الحديثِ. إلا وقد صَنَّفَ فيه كتابًا مفردًا،
فكان كما قال الحافظ أبو بكر ابن نُقطة: ((كل مَن أنصفَ علِمَ أن
المحدثین بعده عیالٌ علی کُتبه» .

٢١
مقدمة الحافظ السيوطي
ثم جَمع ممَّن تأخّر عنه القاضي عياضٌ كتابه ((الإلماع))، وأبو حفص
الميانجي جزءَ ((ما لا يسع المُحدِّث جَهلُه)) وغير ذلك.
إلى أن جاء الحافظُ الإمامُ تقي الدين أبو عَمرٍو عثمانُ بن الصلاح
الشَّهْرَزُورِيُّ نزيلُ دمشق، فجمع لما ولي تدريسَ الحديث بالمدرسةِ
الأشرفيَّة كتابه المشهورَ، فهذَّب فنونَه وأمْلاه شيئًا فشيئًا، واعتنى
بتصانيف الخطيب المُفرَّقة فجَمَع شتاتَ مقاصدِها، وضَمَّ إليها مِن غيرها
نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرَّق في غيره؛ فلهذا عكَفَ الناسُ
عليه، فلا يُخْصَى كم ناظم له ومختصِرٍ ومستدرِكٍ عليه ومُقتَصِرٍ،
ومُعارِضٍ له ومُنتصرٍ .
قال : إلَّا أنه لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسبٍ، بأن يذكُرَ
ما يتعلق بالمتنِ وحدَه، وما يتعلَّق بالسندِ وحدَه، وما يشتركان معًا،
وما يختصُّ بكيفيةِ التحملِ والأداءِ وحدَه، وما يختص بصفاتِ الرُّواة
وحدَه ؛ لأنه جمعَ متفرقاتِ هذا الفنِّ من كُتبٍ مطولةٍ في هذا الحجمِ
اللطيفِ، ورأى أن تحصيلَه وإلقاءَه إلى طَالِيه أهمّ من تأخيرِ ذلك، إلى
أن تحصلَ العنايةُ التامة بحسنٍ ترتيبه .
وقد تبعه على هذا الترتيب جماعةٌ؛ منهم المُصَنِّفُ ، وابنُ كثيرٍ،
والعراقيُّ، والبلقينيُّ. وغيِّره جماعة ، كابن جماعة، والتبريزي ،
والطيبي، والزركشي .

٢٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
الرابعة : اعلم أنَّ أنواع علوم الحديثِ كثيرةٌ لا تُعَدُّ، قال الحازمي في
كتاب ((العُجَالة)) : عِلْم الحديثِ يشتملُ على أنواع كثيرةٍ تبلغ مائةً، كل
نوعٍ منها عِلمُ مستقلٌّ، لو أنفقَ الطالبُ فيه عمره لما أدرك نهايتَه .
وقد ذكر ابنُ الصلاح منها . وتبعه المصنفُ - خمسةً وستين، وقال :
وليس ذلك بآخِرِ الممكن في ذلك، فإنه قابلٌ للتنويع إلى ما لا يُحصَى ؛
إذ لا تُحصَى أحوالُ رُواِ الحديثِ؛ وصفاتهم، ولا أحوال متون الحديث
وصفاتها، وما مِن حالةٍ منها ولا صفة إلا وهي بِصَدَد أنْ تفرد بالذُكْرِ
وأهلها ، فإذا هي نوع على حياله. انتهى .

٢٣
شرح مقدمة الإمام النووي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْيِ
(بسم الله الرحمن الرحيم)؛ أي: أبتدئ امتثالاً لقوله ◌َالَ: «كُلُّ أمرٍ
ذِي بال لا يُبْدأُ فيه بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فهو أقطَعُ)) رواه الرهاويُّ في
((الأربعين)) من حديث أبي هريرة .
وتصديرُ النبيِّ وََّ كُتبه بها مشهورٌ في ((الصحيحين)) وغيرِهما .
(الْحَمْدُ للَّهِ الفَتَّاح) صيغة مبالغة من الفتح بمعنى القضاء ، قال تعالى:
﴿َرَيِّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوِّنَا بِأَلْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٩].
(المثَّانِ) صيغةُ مبالغةٍ من المَنَّ ، بمعنى الكثير الإنعام .
(ذِي الطَّوْلِ) كما وصف تعالى بذلك نفسه في كتابه، وفسَّره ابن
عباس فيما أخرجه ابن أبي حاتم بذِي السَّعة والغنى .
(والفَضْلِ والإِحْسَانِ، الذي مَنَّ علينا بالإيمانِ) بأنْ هدانا إليه ووفّقنا
له .
(وفضَّلَ ديننا) وهو الإسلام (على سائر الأديانِ) كما ورد بذلك
الأحاديثُ المشهورة .
(ومَحَا بحبيبه وخليلهِ؛ عبدِهِ ورسولِهِ محمدٍ وَ﴿ر عبادةَ الأوثانِ) أي :
الأصنام التي كانت عليها كُفَّارُ الجاهليةِ في زمن الفترةِ بعد عيسى

٢٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وقد ذكّر المصنف هنا أربع صفاتٍ من أشرفِ أو صافِهِ اله .
(وخَصَّه بالمُعْجِزَةِ) المستمرةِ، أي: القرآن (والسُّننِ المُسْتَمِرَّةِ على
تعاقُبِ الأَزْمَانِ) في ((الصحيحين)) عن أبي هُريرة أنَّ رسول اللَّه وَّه قال:
((ما مِنَ الأنبياءِ نبيٌّ إلا قد أُعطي مِنَ الآياتِ ما مِثْله آمَن عليه البَشَرُ، وإنَّما كان
الذي أوتيتُ وحيًا أوحَاه اللَّه إليَّ، فأرجُو أنْ أكونَ أكْثَرهم تابعًا يومَ القيامةِ» .
أي اختُصِصْتُ مِن بينهم بالقُرآن المُعجِز للبشر، المستمر إعجازُه إلى يوم
القيامة، بخلاف سائر المعجزات فإنَّها انقضتْ في وقتها .
(صَلَّى اللّه عليه وعلى سائرِ النبيينَ وآلِ كُلِّ ما اخْتَلَفَ الَمَلَوانِ) أي
الليل والنهار، (وما تَكَرَّرَتْ حِكَمُه، وذِكْرِه وتَعَاقَبَ الجَدِيدَانِ) أي :
الليل والنهار أيضًا، قال ابن دُرَیْد :
على جديدٍ أَذْنَياهُ للبِلَى
إِنَّ الجديدَيْن إذا ما اسْتَولَيَا
وقيل : هُما الغَداة والعَشِي .
وتعبير المصنفِ عن السُّنة بـ((الحِكَم))، أخْذَا من تفسيرِ الحِكْمَةِ في
قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقوله :
﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَاَلْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]
بالسُّنّة ؛ قال ذلك قتادة والحسن وغيرهما .
(أمَّا بَعْدُ) أتى بها؛ لأن النبيَّ وََّ كان إذا خطَبَ قال: ((أمَّا بعدُ)). رواه
الطبراني، وذِكْرُها في خُطبه وَِّ مشهورٌ في ((الصحيحين)) وغيرِهما .

٢٥
شرح مقدمة الإمام النووي
(فإنَّ عِلْمَ الحديثِ مِنْ أفضلِ القُرَبِ إلى ربِّ العالمينَ، وكيف
لا يكونُ) كذلك (وهو بيانُ طريقِ خيرِ الخلقِ وأكرم الأولينَ والآخرينَ)
والشيء يَشْرفُ بِشَرفِ متعلقه، وهو أيضًا وسيلة إلى كل علم شرعي.
أما الفقه؛ فواضح، وأما التفسير فلأن أولى ما فسر به كلام اللَّه
ما ثبت عن نبيه 1 وأصحابه، وذلك يتوقف على معرفته .
(وهذا كتابٌ) في عُلوم الحديث (اخْتَصَرْتُه مِنِ كتابٍ ((الإرشادِ))
والذي اخْتَصَرْتُهُ مِن) كتاب (علوم الحديثِ للشيخِ الإمامِ الحافظِ المتقنِ
المحققِ) تقي الدين (أبي عمرو عثمانَ بن عبدِ الرحمنِ) الشَّهْرَزُورِي ثم
الدمشقي (المعروفِ بابنِ الصلاحِ) - وهو لقبُ أبيه - (َّ*ُ ، أَبالغُ فيه في
الاختصارِ . إنْ شاء اللَّه تعالى - من غيرِ إخلالٍ بالمقصودِ، وأحرِصُ على
إيضاح العبارة، وعلى اللَّه الكريم الاعتمادُ، وإليه التفويضُ والاستنادُ) .
• تقسيم الحديث:
(الحديثُ) فيما قال الخطابي في ((مَعالم السُّنن)) وتبعه ابن الصلاح :
ينقسم عند أهله إلى ثلاثة أقسام :
(صحيحٌ، وحَسَنٌ، وضعيفٌ) لأنه إمَّا مقبول أو مَردود، والمقبول
إما أن يشتمل من صفات القبول على أعلاها أو لا، والأوَّل : الصحيحُ ،
والثاني : الحسنُ، والمردود لا حاجة إلى تقسيمه؛ لأنَّه لا ترجيحَ بين
أفراده .
٠٠٠

٢٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
واعترض؛ بأن مراتبه أيضًا متفاوتةٌ، فمنه ما يَصْلُحُ للاعتبارِ
وما لا يصلح، كما سيأتي، فكان ينبغي الاهتمامُ بتمييزِ الأوَّل عن غيره .
وأُجِيبٌ؛ بأن الصَّالح للاعتبارِ داخلٌ في قِسْمِ المَقبولِ؛ لأنَّه من قسم
الحَسَن لغيره، وإن نظر إليه باعتبار ذاته فهو أعلى مراتبِ الضعيف ، وقد
تفاوتتْ مراتبُ الصحيح أيضًا ولم تنوعْ أنواعًا، وإنَّما لم يذكرِ الموضوعَ
لأنه ليس في الحقيقةِ بحديثٍ اصطلاحًا، بل بِزَعْم واضعه .
وقيل : الحديث صحيحٌ وضعيفٌ فقط، والحسَن مُندَرِجْ في أنواع
الصحیحِ .
قال العراقي في ((نُكتِهِ)): ولم أرَ مَن سبقَ الخطابيَّ إلى تقسيمِهِ
المذكورِ، وإن كان في كلام المُتقدِّمين ذِكْرُ الحسَن، وهو موجودٌ في
كلام الشافعيِّ والبخاريِّ وجَماعةٍ ، ولكنَّ الخطابيَّ نقَل التقسيمَ عن أهلٍ
الحديث، وهو إمامٌ ثقة، فتبعه ابنُ الصلاح .
قال شيخُ الإسلام ابنُ حجر: والظاهرُ أنَّ قوله: ((عند أهل الحديث))
مِن العامِّ الذي أُريد به الخصوص، أي الأكثر، أو الأعظم، أو الذي
استقرَّ اتفاقُهم عليه بعد الاختلاف المُتقدِّم.
قال ابن كثيرٍ : هذا التقسيمُ إن كان بالنسبة لما في نفس الأمر فليس إلا
صحيحٌ وكّذِبٌ، أو إلى اصطلاح المحدثين فهو ينقسم عندهم إلى أكثرَ
مِن ذلك .
وجوابُه : أن المُراد الثاني، والكلُّ راجعٌ إلى هذه الثلاثة .

٢٧
الأول : الصحيح
• النَّوعُ الأوَّلُ :
الصَّحِيحُ
وهو فَعيلٌ - بمعنى فاعل - من الصحة، وهي حقيقة في الأجسام،
واستعمالها هنا مجازٌ، أو استعارة تبعيةٌ . (وفيه مسائلُ):
• الأُولى : في حَدِّه:
(وهو ما اتَّصلَ سَندُه) عَدَل عن قول ابن الصلاح: ((المسند الذي
يتصل إسناده)) لأنه أخصرُ وأشْملُ للمرفوعِ والموقوفِ.
(بالعُدُولِ الضابطينَ) جمعٌ باعتبار سلسلة السند، أي: بنقل العَدْل
الضابط عن العَدْلِ الضابط إلى منتهاه، كما عبَّر به ابنُ الصلاح .
(من غيرِ شذوذٍ ولا عِلَّةٍ).
فخرَج بالقيد الأولِ : المنقطعُ ، والمعضلُ، والمرسلُ على رأي مَن
لا يقبله. وبالثاني : ما نقله مجهولٌ عينًا أو حالاً، أو معروفٌ بالضعف .
وبالثالث: ما نقله مُغَفَّلٌ كثيرُ الخطإ. وبالرابع والخامس : الشاذُّ
والمُعلَّلُ .
• تعريف الخطابي للصحيح:
حَدَّ الخطابيُّ الصحيحَ بأنه: ما اتصل سندُه وعُدِّلَتْ نقلتُه .
قال العراقي : فلم يشترط ضبط الراوي، ولا السلامة من الشذوذ

٢٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
والعلة. قال : ولا شكَّ أن ضبطه لا بُدَّ منه؛ لأن من كثر الخطأ في
حديثه وفحش استحق الترك .
قلتُ : الذي يظهرُ لي أن ذلك داخلٌ في عبارته، وأن بين قولنا :
((العَدْل)) و((عَدَّلُوه)) فَرْقًا؛ لأن المغَفَّلَ المستحقّ للترك لا يصح أن يُقال
في حقه: ((عَدَّله أصحابُ الحديث))، وإن كان عدلًا في دينه، فتأمل .
ثم رأيتُ شيخَ الإسلام ذكر في ((نكتِهِ)) معنى ذلك فقال: إنَّ اشتراط
العدالة يسْتدعي صِدْقَ الراوي، وعدمَ غفلته، وعدمَ تساهله عند التحمُّل
والأداء .
وقيل : إنَّ اشتراط نفي الشذوذ يُغْني عن اشتراط الضبطِ؛ لأن الشاذّ
إذا كان هو الفردَ المخالِفَ، وكان شرط الصحيح أن ينتفي، كان مَنْ
كَثُرت منه المخالفةُ . وهو غيرُ الضابطِ - أولى .
وأجيبَ بأنه في مقام التّبْبين، فأراد التنصيصَ ولم يكتفِ بالإشارةِ .
قال العراقي : وأمَّا السلامةُ مِن الشذوذِ والعلةِ، فقال ابن دقيق العيد
في ((الاقتراح)): إن أصحاب الحديث زادُوا ذلك في حدِّ الصحيح.
قال : وفيه نظرٌ على مُقتضى نظرِ الفقهاءِ؛ فإن كثيرًا من العلل التي يُعلِّل
بها المحدِّثون لا تجري على أُصول الفقهاء .
قال العراقي : والجوابُ : أن من يصنف في علم الحديث إنما يذكر
الحَدَّ عند أهله لا عند غيرهم من أهل علم آخر، وكُونُ الفقهاء
والأصوليين لا يشترطون في الصحيح هذين الشرطين لا يُفسدُ الحدَّ عند
من يشترطُهما .

٢٩
الأول : الصحيح
ولذا؛ قال ابن الصلاح - بعد الحدِّ -: فهذا هو الحديث الذي
يُحكم له بالصحة بلا خِلافٍ بين أهلِ الحديث، وقد يختلفون في صِحة
بعضٍ الأحاديث لاختلافهم في وجودِ هذه الأوصافِ فيه، أو لاختلافهم
في اشتراطِ بعضِها كما في المُرسَل .
• اعتراضات على تعريف ابن الصلاح:
الأول : قيل: بقي عليه أن يقول : ولا إنكار .
ورُدَّ بأنَّ المنكَر عند المصنّفِ وابنِ الصلاح هو والشاذُّ سِيَّان، فَذِكْرُه
معه تكرير، وعند غيرهما أسوأ حالاً من الشاذ، فاشتراطُ نفي الشذوذ
يقتضي اشتراط نفيه بطريق الأولى .
الثاني : قيل: لم يُفصِحْ بمرادِهِ من الشذوذ هنا، وقد ذكر في نوعه
ثلاثة أقوالٍ ؛ أحدها : مخالفة الثقة لأرجحَ منه. والثاني : تفرُّد الثقة
مُطلقًا. والثالث : تفرُّد الراوي مطلقًا .
ورَدَّ الأخيرين (١)؛ فالظاهرُ أنه أراد هنا الأوَّل.
قال شيخ الإسلام: وهو مُشْكِلٌ؛ لأن الإسنادَ إذا كان مُتصلًا،
ورُواته كلُّهم عدولًا ضابطين ، فقد انتفتْ عنه العللُ الظاهرةُ. ثم إذا انتفى
كونُه معلولًا؛ فما المانع من الحُكْم بصحته؟ فمجرَّدُ مخالفة أحدٍ رواته
لمن هو أوثق منه أو أكثر عددًا لا يستلزمُ الضعفَ، بل يكون من باب
صحيحٍ وأصحَّ .
(١) لم يردّهما، بل فضَّل .

٣٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قال: ولم أرَ مع ذلك عن أحدٍ من أئمة الحديثِ اشتراطَ نفي الشذوذ
المعبّر عنه بالمخالفة، وإنما الموجودُ في تصرفاتهم تقديمُ بعض ذلك
على بعضٍ في الصحة .
وأمثلةُ ذلك موجودةٌ في ((الصحيحين)) وغيرِهما؛ فمن ذلك: أنَّهما
أخرجا قصة جَمل جابرٍ من طُرق، وفيها اختلافٌ كثيرٌ في مِقدار الثَّمن،
وفي اشتراطِ رُكوبه، وقد رجَّح البخاريُّ الطّرقَ التي فيها الاشتراطُ على
غيرها مع تخريجه للأمرين، ورجّح أيضًا كون الثمنِ أوقية مع تخريجه
ما يخالِفُ ذلك .
ومن ذلك : أن مسلمًا أخرج فيه حديثَ مالكِ عن الزهري عن عروة
عن عائشة في الاضطّجاع قبل ركعتي الفجر، وقد خالفه عامةُ أصحاب
الزهريِّ ؛ كمَعْمَرٍ ويونس وعمرو بن الحارث والأوزاعيِّ وابن أبي ذئب
وشُعيبٍ، وغيرِهم عن الزهري، فذكر الاضطجاعَ بعد رَكْعتي الفجر قَبل
صلاة الصُّبح، ورجّح جمعٌ من الحفاظ روايتهم على رواية مالك، ومع
ذلك فلم يتأخّرْ أصحابُ الصحيح عن إخراج حديثِ مالكِ في كُتبهم،
وأمثلةُ ذلك كثيرة .
ثم قال : فإن قيل : يلزم أن يُسمَّى الحديثُ صحيحًا، ولا يُعمل به .
قُلْنَا: لا مانع من ذلك، ليس كلٌّ صحيحٍ يُعمل به، بدليل المنسوخِ .
قال: وعلى تقدير التسليم أنَّ المخالف المرجوح لا يُسمَّى صحيحًا،
ففي جعل انتفائه شرطًا في الحُكْم للحديث بالصِّحة نَظَرِّ، بل إذا
:جججج- جوب رئيس

٣١
الأول : الصحيح
وُجدتِ الشروطُ المذكورةُ أولًا حُكِمَ للحديث بالصحة، ما لم يظهرْ بعد
ذلك أنَّ فيه شذوذًا؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الشذوذ، وكون ذلك أصلًا مأخوذٌ
من عدالة الراوي وضبطِه، فإذا ثبتت عدالته وضبطُه كان الأصلُ أنَّه حَفِظَ
ما روى حتى يتبيَّن خِلافُهُ .
الثالث : عبارةُ ابنِ الصلاح: ولا يكون شاذًّا ولا معللًا .
فاعترض ؛ بأنه لا بُدَّ أن يقول : بعلةٍ قادحةٍ .
وأجيبَ؛ بأنَّ ذلك يُؤْخَذ من تعريفِ المعلولِ حيث ذُكِرَ في موضعه .
• إيرادان على تعريف ابن الصلاح:
أُورِدَ على هذا التعريف ما سيأتي :
الأول : أن الحسَن إذا رُوي من غيرِ وجهٍ ارتقى من درجة الحسن إلى
درجة الصحة، وهو غيرُ داخلٍ في هذا الحدِّ، وكذا ما اعتضد بتلقّي
العلماءِ له بالقبول .
وأجيب عن ذلك بأن المراد بالحدِّ: الصحيحُ لذاتِهِ لا لغيرهِ،
وما أورد من قَبيل الثاني .
الثاني: أورد أيضًا المتواتر؛ فإنه صحيحٌ قطعًا، ولا يُشترط فيه
مَجموعُ هذه الشروط .
قال شيخُ الإسلام : ولكن يُمكن أنْ يُقال: هل يُوجدُ حديثٌ متواترٌ لم
تَجتمعْ فيه هذه الشروط ؟

٣٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
· بقي للصحيح شروطٌ مُختلف فيها:
منها: ما ذكره الحاكم في ((علوم الحديث)) : أن يكون راويه مشهورًا
بالطلب .
وليس مُراده الشهرةَ المُخرجة عن الجهالةِ ، بل قدرٌ زائدٌ على ذلك .
قال عبد اللَّه بنُ عونٍ: لا يُؤْخَذُ العِلمُ إلا عمن شُهِدَ له بالطلب .
وعن مالكِ نحوه .
وفي ((مقدمة مسلم)) عن أبي الزناد : أدركتُ بالمدينة مائة كلُّهم
مأمون، ما يُؤخَذ عنهم الحديث ، يُقال : ليس مِن أهله .
قال شيخُ الإسلام : والظاهرُ من تصرُّف صاحِبَي ((الصحيح)) اعتبارُ
ذلك، إلا إذا كَثُرتْ مخارجُ الحديث فيستغنيان عن اعتبار ذلك، كما
يُستغنى بكثرة الطرق عن اعتبارِ الضبط التامُ .
قال شيخُ الإسلام: ويُمكن أن يُقالَ: اشتراطُ الضبطِ يُغني عن ذلك ؛
إذ المقصودُ بالشهرةِ بالطلبِ أنْ يكونَ له مزيدُ اعتناءٍ بالروايةِ ؛ لِتَرْكَنَ
النفسُ إلى كَونه ضبَطَ ما رَوى .
ومنها: ما ذكره السمعانيُّ في ((القواطع)): أنَّ الصحيحَ لا يُعرف
برواية الثقات فقط، وإنما يُعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع
والمُذاكرة .
قال شيخُ الإسلام: وهذا يُؤخذ من اشتراط انتفاء كونه معلولًا؛ لأنَّ
الاطلاع على ذلك إنَّما يَحصلُ بما ذكر من الفهم والمذاكرة وغيرهما .

٣٣
الأول : الصحيح
ومنها : أنَّ بعضَهم اشترطَ عِلمه بمعاني الحديثِ حيث يروي
بالمعنى، وهو شَرطٌ لا بُدَّ منه، لكنَّه داخلٌ في الضبط، كما سيأتي في
معرفة من تُقبل روايتُه .
ومنها: أنَّ أبا حنيفة اشترطَ فِقْهَ الراوي .
قال شيخُ الإسلام: والظاهرُ أنَّ ذلك إنَّما يُشترطُ عند المخالفةِ أو عند
التفرُدِ بما تَعمُّ به البلوى .
ومنها : اشتراطُ البُخاريِّ ثبوتَ السماع لكل راوٍ مِن شيخه، ولم
يكتفِ بإمكان اللقاءِ والمُعاصرةِ كما سيأتي .
وقيل : إن ذلك لم يذهب أحدٌ إلى أنَّه شرطٌ للصحيح بل للأصَحْيَّةِ .
ومنها : أنَّ بعضهم اشترط العدد في الرواية كالشهادة .
قال العراقي : حكاه الحازمي في ((شروط الأئمة)) عن بعضٍ متأخري
المعتزلة، وحُكي أيضًا عن بعض أصحاب الحديث .
قال شيخُ الإسلام : وقد فَهم بعضُهم ذلك من خلالِ كلام الحاكم في
((علوم الحديث))، وفي ((المدخل)) كما سيأتي في شرطِ البخاريّ
ومسلم، وبذلك جزم ابنُ الأثير في مقدمة ((جامع الأصول)) وغيره .
وأعجبُ من ذلك ما ذكره الميانجيُّ في كتاب «ما لا يسع المحدِّث
جهله)): شرطُ الشيخين في ((صحيحيهما)) أن لا يُدْخِلا فيه إلا ما صحَّ
عندهما، وذلك ما رواه عن النبيِّ وَ ﴿ اثنان فصاعدًا، وما نقله عن كلِّ