Indexed OCR Text
Pages 921-940
١٧٤ النوع الثلاثون ومعنويٍّ: وهُو أنْ ينقلَ جماعةٌ يستحيلُ تَواطُؤهم على الكذبِ، وقائعَ مختلفةٌ تَشْتركُ في أمرٍ، يَتَواترُ ذَلِكَ القَدْرُ المُشتَرَك. كما إذا نقَل رجلٌ عَن حاتم مثلًا أنه أَعْطَى جَمَلًا، وآخَرُ أَنَّه أعْطَى فَرسًا، وآخرُ أنَّه أعطَى دِينارًا، وهَلُمَّ جرًّا، فيتواترُ القَدْرُ المُشتَرَكُ بَيْنَ أَخْبارِهم، وهو الإعطاءُ؛ لأنَّ وجودَهُ مُشترٌَ مِن جَميعِ هذه القضايا . قلتُ : وذلك أيضًا يأتي في الحديثِ، فَمِنْهُ ما تَواتَر لفظُه كالأمثلةِ السابقةِ، ومنه ما تواترَ مَعناهُ كأحاديثٍ رفع اليدين في الدُّعاءِ. فقد ورد عنه وَّ نَحو مائةٍ حديثٍ، فيه رفْعُ يديهِ في الدُّعاء، وقد جمعتُها في جزءٍ، لكنَّها في قَضايا مُختلفةٍ ، فكلُّ قضيةٍ منها لم تَتواتر، والقَدْرُ المشترَكُ فيها وهو الرَّفعُ عِند الدُّعاءِ، تواترَ باعتبارِ المجْموع . ١٧٥ الغريب ، والعزيز النوع الحادي والثلاثون : الغَرِيبُ ، والعَزيزُ إِذَا انفرَدَ عَنِ الزُّهرِيِّ وَشِبهِهِ - مِمَّن يُجِمَعُ حَدِيثُهُ - رَجُلٌ بِحَدِيثٍ، سُمِّي: ((غَرِيبًا))، فَإِنِ انفردَ اثنَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ، سُمِّي : ((عَزِيزًا))، فَإِن رَوَاهُ جَمَاعَةٌ، سُمِّي: ((مَشْهُورًا)). (النوع الحادي والثلاثون : الغريبُ والعزيزُ : إذا انفردَ عن الزهريِّ، وشبهِهِ - ممَّنْ يُجمعُ حديثُه) مِنَ الأئمةِ، كَقَتَادةَ - (رجلٌ بحديثٍ، سُمِّيَ غَريبًا . فإن انفرَدَ) عنهم (اثنانٍ، أو ثلاثةٌ سُمِي ((عزيزًا)) . وإنْ رَوَاه) عنهم (جماعةٌ سُمِّي ((مَشْهورًا))) كذا قالَ ابنُ الصلاح(١)، أخذًا مِن كلام ابنِ مَنده (٢) . وأمَّا شيخُ الإسلام وغيرُه، فإنَّهم خصُّوا الثلاثةَ فما فَوقها بالمشهورِ ، والاثنين بالعزيزِ، لِعزَّتِهِ؛ أي: قوتِه بمجيئهِ مِن طريقٍ آخر، أو لقلةٍ وُجودِه(٣). (١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٦٨، ٢٦٩). (٢) وهو في (( شروط الأئمة)) لابن طاهر (ص: ١٨). وهو أيضًا قول العراقي وابن دقيق العيد وابن جماعة وغيرهم . (٣) التحقيق: أن العدد ليس شرطًا في ذاته، بل ((العزيز)) صفة لما بين الغريب والمشهور، وربما وصفوا به الغريب ، وربما المشهور . = ١٧٦ النوع الحادي والثلاثون قال شيخُ الإسلامِ(١) : وقدِ ادَّعىُ ابنُ حِبَّن أنَّ روايةً اثنينِ عن اثنين لا تُوجَدُ أَصلّاً، فإنْ أرادَ اثنينٍ فَقَطْ عن اثنين فقط فَمُسَلَّم، وأمَّا صورةٌ العزيزِ التّي جوّزها فمَوجودةٌ، بأنْ لا يرويه أقلُّ مِن اثنينٍ عَن أقلَّ مِن اثنين . مثالُه: ما رواه الشيخان مِن حديثٍ أنسٍ (٢)، والبخاريُّ مِن حديثٍ أبي هُريرة (٣): أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَه قال: ((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِليهِ مِنْ وَالدِهِ وَوَلَدِهِ)) الحديث . ورواه عن أنسٍ : قتادةُ، وعبدُ العزيز بنُ صهيب . ورواه عن قتادةً: شُعبةُ، وسعيدٌ. ورواه عَن عبدِ العزيزِ: إسماعيلُ بنُ عُليَّة، وعبدُ الوارثِ . ورَواه عَن كُلِّ جَماعةٌ . وَيَدَخُلُ فِي الغَرِيبِ مَا انفرَدَ رَاوٍ بِرِوَايَتِهِ، أَو بِزِيَادَةٍ فِي مَتْنِهِ وإِسِنَادِهِ، وَلَا يَدخُلُ فِيهِ أَفْرَادُ البُلدَانِ . راجع: ((الكامل)) لابن عدي (١ /٤٢٨) و ((مجموع الفتاوى)) لشيخ الإسلام (٤٥/١٨). == وأما مأخذه؛ فالظاهر أنه من قلة وجوده، وليس من قوته بمجيئه من طريقٍ آخر ، وإلا لكان المشهور أولى بهذا الوصف . ومنه قولهم: ((فلان عزيز الحديث))، أي : قليل الرواية ، لا أن كل حديث من حديثه قد تابعه عليه واحد أو أكثر. والله أعلم . (١) ((نزهة النظر)) (ص: ٦٢). (٢) أخرجه: البخاري (١٠/١)، ومسلم (٤٩/١). (٣) ((صحيح البخاري)) (١٠/١). ١٧٧ الغريب ، والعزيز سيمية (ويدخلُ في الغريبِ: ما انفردَ راوٍ بروايته) فلم يَروِه غيرُه كما تقدَّم مثالُه في قِسم الأفرادِ (أو بزيادةٍ في مَثْنه وإسنادِه) لم يذكرها غيرُه . مثالُهما : حديثٌ رواه الطبرانيُّ في ((الكبير)) مِن روايةٍ عبد العزيزِ بن محمد الدراورديٌّ (١)، ومِن روايةٍ عبادٍ بنِ منصورٍ (٢)، فَرَّقهما، كِلَاهُما عَنْ هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة بحديثٍ أُمّ زرعٍ . ففيه غرابةُ بعض المتنِ ؛ حيثُ جَعَلاه [مرفوعًا، وإنما المرفوع منه: ((كُنت لك كأبي زرع لأم زرع)). وبعض السند ؛ حيث جعلاه](٣) عَن هشام عن أبيه عن عائشة . والمحفوظُ : ما رواه عيسى بنُ يُونسَ، عن هِشام، عن أخيهِ عبدِ اللهِ ابنِ عُروةً عن عُروة، عن عائشةً، هكَذا أخْرَجه الشَّيخان (٤). وكذا رواه مسلمٌ (٥) أيضًا مِن روايةٍ سعيدِ بنِ سلمةَ بنِ أبي الحُسام، عن هِشَامِ . (ولا يدخُلُ فيه أفرادُ البُلْدَانِ) التي تقدَّمت في نوع ((الأفرادِ)). وَيَنْقَسِمُ إِلَى صَحِيحٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْغَالِبُ. (١) ((المعجم الكبير)) (١٧٦/٢٣). (٢) ((المعجم الكبير)) (١٧١/٢٣). (٣) سقط من ((ص). (٤) أخرجه: البخاري (٣٤/٧)، ومسلم (١٣٩/٧). (٥) ((صحيح مسلم)) (١٤٠/٧). ١٧٨ النوع الحادي والثلاثون (وينقسمُ) أي : الغريبُ (إلى صحيح)، كأفرادِ الصحيح، (و) إِلى (غيرِهِ) أي : غيرِ الصحيح؛ (وهو الغَالِبُ) على الغرائبِ. قال أحمدُ بنُ حنبل(١): لا تَكتبُوا هذه الأحاديثَ الغرائبَ؛ فإنَّها مَناكيرُ، وعامَّتها عَنِ الضعفاءِ . وقال مالكٌ (٢): شَرُّ العِلْمِ الغريبُ، وخيرُ العِلم الظاهرُ الذي قَد رواه الناس . وقال عبد الرزّاق (٣): كُنا نرى أنَّ غريبَ الحديثِ خيرٌ، فإذا هو شرٌّ . وقال ابنُ المُبَارَك : العِلمُ: الذي يَجيتُكَ مِن هَاهُنا وهَاهُنا - يعني : المشهورَ. رواها البيهقيُّ في ((المدخَلِ)) . ورُوي عن الزهريِّ قال : حَدَّثتُ عليَّ بنَ الحسَين بحديثٍ، فلمَّا فرغتُ قالَ: أَحسنتَ، باركَ الله فِيكَ، هكَذا حُدِّثنا، قلتُ : ما أُراني إلا حَدَّثتُك بحديثٍ أنتَ أَعْلَمُ به مِنِّي ، قال: لا تَقُلْ ذلك، فليس مِنَ العِلم ما لا يُعرف، إنَّما العِلمُ ما عُرف وتَوَاطَأتْ عَليه الأَلسُنُ . ورَوى ابنُ عديٍّ (٤)، عن أبي يُوسفَ قال: مَن طَلَبَ الدِّينَ بِالكَلام (١) ((أدب الإملاء والاستملاء)) للسمعاني (ص: ٥٨). (٢) ((المصدر السابق)). (٣) ((أدب الإملاء والاستملاء)) (ص: ٥٩). (٤) ((أدب الإملاء والاستملاء)) (ص : ٥٨). ١٧٩ الغريب ، والعزيز تَزَنْدَقَ، ومَن طَلبَ غريبَ الحديثِ كذبَ، ومَن طَلَبَ المالَ بالكيمياءِ أفلس . وَإِلَى غَرِيبٍ مَتنَا وَإِسِنَادًا، كَمَا لَو تَفَرَّدَ بِمَثْنِهِ وَاحِدٌ . وَغَرِيبٍ إِسِنَادًا: كَحَدِيثٍ رَوَىُ مَتنَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، انفَرَدَ وَاحِدٌ بِرِوَايَتِهِ عَنِ صَحَابِيٌّ آخَرَ، وَفِيهِ يَقُولُ التِّمِذِيُّ : ((غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجِهِ)). وَلَا يُوجَدُ غَرِيبٌ مَتْنَا لا إِسِنَادًا، إِلَّا إِذَا اشتَهَرَ الفَردُ، فَرَوَاهُ عَنِ المُنفَرِدِ كَثِيرُونَ، صَارَ غَرِيبًا مَشهُورًا، غَرِيبًا مَتنًا لَا إِسِنَادًا بالنِّسبَةِ إِلَى أَحَدِ طَرَفَيهِ: كَحَدِيثِ، ((إِنَّمَا الأعمَالُ بِالنِّيَّاتِ)). (و) يَنقسمُ أيضًا (إلى غريبٍ متنا وإسنادًا؛ كما لو تفرد(١) بمتِهِ) راوٍ (واحدٌ، و) إلى (غريب إسنادًا) لا مَتنّا (كحديثٍ) معروفٍ (روى متنهُ جماعةٌ من الصَّحابَةِ، انفردَ واحدٌ بروايته عن صحابيٍّ آخَر، وفيه يقول الترمذيُّ: ((غريبٌ مِنْ هَذا الوجهِ))). ومِن أمثلتِهِ - كما قال ابنُ سيدِ الناس - : حديث رواه عبدُ المجيدِ بنُ عبدِ العزيز بن أبي رَوَّاد، عن مالكِ، عن زيدِ بنِ أسلم، عن عَطاءٍ بن يسارٍ، عن أبي سَعيدِ الخدريِّ، عَنِ النبيِّي ◌َّرَ قَالَ: ((الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ)) . قال الخليليُّ في ((الإرشادِ)) (٢): أخطأَ فيه عبدُ المجيدِ ، وهو غيرُ (١) في ((ص): ((انفرد)). (٢) (١٦٧/١). .... Im ١٨٠ النوع الحادي والثلاثون محفوظ، عن زيدٍ بن أسلمَ بوجهٍ، قال: فهذا ممَّا (١) أخطَأ فيه الثقةُ عن الثقة(٢) . قال ابنُ سيدِ الناسِ : هذا إسنادٌ غريبٌ كلّه، والمَتنُ صَحِيحٌ(٣). (ولا يوجدُ) حديث (غريبٌ متنًا) فقط (لا إسنادًا، إلا إذا اشتهرَ الفردُ، فرواه عن المنفرد كثيرون، صار غريبًا مشهورًا، غَرِيبًا متنًا لا إِسنَادًا بالنسبة إلى أحد طَرَفَيهِ) المشتهر، وهو الأخيرُ . (كحديثِ: ((إنَّما الأعمالُ بالنياتِ))) كما تقدَّم تحقيقهُ، وكسائرٍ الغرائبِ المشتملةِ عليها التصانيفُ المُشتهرةُ . وقال العراقي (٤) : قد أطلق ابنُ سيد الناسِ ثبوتَ هذا القِسمِ مِن غيرِ تخصيصٍ له بما ذكر ، ولم يُمثِّله، فَيَحتمِلُ أنْ يريدَ ما كان إسنادُهُ مشهورًا جادةً لِعِدَّةٍ مِن الأحاديثِ، بأن يكونوا مَشْهُورين بروايةِ بعضهم عن بعضٍ، ويكونَ المتنُ غَريبًا لانفرادِهم به . قال : وقد وقَع في كلامِه ما يقتضي تَمثيلَهَ ، وذلك أنه لما حكى قولَ ابنِ طاهرِ (٥) : الخامسُ مِنَ الغرائبِ : أسانيد ومتونٌ تفرَّد بها أهلُ بلدٍ لا توجد إلا مِن رِوايتهم ، وسُنَنٌ يَنفردُ بالعمل بها أهلُ مِصر، لا يُعملُ بها في غيرِ مِصْرِهم . (١) في ((ص)): ((إنما)). (٢) سقط من ((ص)): ((عن الثقة))، وهي ثابتة في ((الإرشاد)) للخليلي (١٦٧/١). (٣) ((النفح الشذي)) (٣١١/١). (٤) ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٢٧٣، ٢٧٤). (٥) في ((أطراف الغرائب والأفراد)) (٥٣/١). --------- 929- ١٨١ الغريب ، والعزيز قال: وهذا النوعُ يشملُ الغريبَ كُلَّه سَندًا ومَتنَا، أو أحدهما دُون الآخرِ . قال: وقد ذكر ابنُ أبي حاتم (١) بسندٍ له، أنَّ رجلاً سألَ مَالكًا عن تخليلِ أصابعِ الرِّجْلين في الوضوء؟ فقال لَه: إنْ شئتَ خَلِّل، وإن شئتَ لا تُخلِّلَ، وكان عبد الله بن وهبٍ حاضرًا، فَعَجِبَ مِن جوابٍ مالكٍ، وذكّر له في ذلك حديثًا بسندٍ مصْريٍّ صحيح، وزعم أنه معروفٌ عندَهُم ، فاستعادَ مالكٌ الحديثَ، واستعادَ السائل، فأمَره بالتخليلِ ، انتهى . قال : والحديث المذكورُ، رواه أبو داود (٢) مِن روايةِ ابنِ لهيعةً، عَن يزيدَ بن عَمرِو المعافريِّ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليِّ، عن المستورِدِ ابنِ شدادٍ . قال الترمذيُّ : غريبٌ لا نعرفهُ إلا مِن حديثِ ابنِ لَهِيعَةَ . ولم ينفرد به ابنُ لهيعةَ، بَلْ تابعه الليثُ بنُ سعدٍ ، وعَمرُو بنُ الحارثِ . كما رواه ابنُ أبي حاتم عن أحمدَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ، عن عَمِّه عبدِ الله بن وهبٍ ، عن الثلاثةِ المذكورين . وصحَّحه ابنُ القطّان لتوثيقه لابنٍ أخِي ابن وهبٍ . (١) في ((تقدمة الجرح)) (ص: ٣١ - ٣٢). (٢) بعده في ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٢٧٤): ((والترمذي))، وهو المناسب لإيراده كلام الترمذي عقب الحديث . والحديث أخرجه: أبو داود (١٤٨)، والترمذي (٤٠). ١٨٢ النوع الحادي والثلاثون فزالتِ الغرابةُ عنِ الإسنادِ بمتابعةِ الليثِ وعَمرو لابنِ لهيعةَ، والمَتنُ غَرِيبٌ (١) . ● فائــدة: قد يكون الحديثُ أيضًا عزيزًا مشهورًا : قال الحافظُ العلائيُّ فيما رأيتُه بِخطّه: حديثُ («نَحْنُ الآخِرُون السَّابِقُونَ يَومَ القِيامَة)) - الحديث: عزيزٌ عنِ النبيِّ وَِّ، رَواهُ عنه حُذيفةُ بنُ الیمانِ ، وأبو هريرة، وهو مشهورٌ عن أبي هُريرة، رواه عنه سبعةٌ : أبو سَلمة بنُ عبدِ الرحمن، وأبو حَازم، وطَاوسٌ، والأعرجُ وهَمَّامٌ، وأبو صالحٍ، وعبدُ الرحمن مولى أُمّ برثن(٢). (١) إلا أن هذه المتابعات غير محفوظة، كما بينته في ((الإرشادات)) (ص: ٢٤٦ - ٢٤٨). والله أعلم . (٢) الرواية الواحدة، يصح أن توصف بأنها غريبة وعزيزة ومشهورة ومتواترة في آن واحدٍ، وذلك بحسب اختلاف الاعتبار . انظر - مثلاً - إلى حديث: ((الأعمال بالنيات))، فهو حديث فرد، لم يروه عن النبيّ وَه إلا عُمِرُ بنُ الخطابِل180َّ، ولم يروِه عنه إلَّا علقمةُ بنُ وقاصٍ الليثي، ولم يروه عن علقمةَ إلا محمدُ بن إبراهيمَ التيمي، ولم يروِه عن التيمي إلا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصارِيُّ . ومثلُ هذا يقالُ أيضًا في ((المشهورِ)) النسبيِّ، و((العزيزِ)) النسبيِّ، و((الغريبِ)) النسبيِّ، واللهُ أعلمُ. وأيضًا؛ حديثُ حمادٍ بنِ سلمةَ، عن أبي العشراء، عن أبيه، قال: قلتُ : = -f-fm' ١٨٣ الغريب ، والعزيز = يا رسولَ اللَّه، أما تكونُ الذَّكاةُ إلَّ في الحلقِ واللبَّة؟ فقال: ((لو طعنتَ في فخذهَا أجزأً عنكَ )) . قال الترمذيُّ في ((الجامع)) (٧٥٨/٥): ((فهذا حديثٌ تفردَ به حماد بن سلمة عن أبي العشراءِ، ولا يعرفُ لأبي العشراء عن أبيه إلا هذا الحديثُ، وإن كان هذا الحديثُ مشهورًا عند أهلِ العلم؛ وإنَّما اشتهر من حديث حماد بن سلمةَ، لا يعرفُ إلَّا من حديثِهِ، فيشتهرُ الحديثُ لكثرةِ من رُوي عنه)) . ومن ذلك : حديثُ عبد الكريم بن روحٍ، عن سفيان الثوريِّ، عن سليمان التيميِّ، عن بكر بن عبد اللّه المزنيِّ، عن المغيرة بن شعبة، أنَّ النبيَّ ◌َّرَ أْتى سباطةَ قومٍ فبال قائمًا ، ثم توضأ ومسح على خُفيه . قال أبو يعلى الخليليُّ في ((الإرشاد)) (٧١٣/٢): (( حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ؛ سليمانُ التيميُّ رواه عنه جماعةٌ، غريبٌ من حديث الثوريِّ عنه، لم يروِه عنه غيرُ عبد الكريم )). ثم رأيت الشيخ الفهامة بكر بن عبد الله أبو زيد، قد ذكر هذه الفائدة في كتابه الجديد: ((التأصيل الأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل)) (٢٠٨/١ - ٢٠٩)، وذكر لها غير مثالٍ ، فأفادَ وأجادَ ، فجزاه الله خيرًا . وبناءً على هذا فمَا اشترطَه بعضُ أهلِ العلمِ في الخبر المتواترِ : أن تتحقّقَ شروطُه في جميع طبقات الإسنادِ، فإذا تخلف ذلك في بعضها لم يُحكم للحديثِ بالتواتُرٍ . وإنما اشترطُوا ذلك حيثُ يوصفُ الحديثُ بأنَّه ستواترٌ عن رسول اللَّه ◌َّر، أو من انتهى إليه الخبرُ؛ فحينئذٍ لابدَّ من توقُّر ذلك في جميع طبقاتِ الإسنادٍ . لأنَّه إذا كان الخبرُ مرويًّا عن النبي ◌ََّ، فلن يكون متواترًا عنه وَّل إلّا إذا رواه عنه عددٌ من أصحابه يحصلُ بروايتهم له تواترُ الخبرِ، وإذا وقعَ ذلك وقع بالضرورة في طبقةٍ التابعينَ ، وإذا وقعَ في طبقة التابعينَ وقع في الطبقة التي بعدهم؛ وهكذا . لكن؛ إذا لم يتواتر الخبرُ عن النبيِّ ◌َ﴿، بأن لا يرويهُ عددٌ من أصحابهِ عنه يحصلُ برواياتهم التواترُ، فإنَّ هذا لا يمنعُ أن يتواترَ عن بعضٍ رواةٍ الإسنادِ - سواء = ١٨٤ النوع الحادي والثلاثون = الصحابي، أو من دونه - إذا توفّرت في الطبقة التي روتهُ عنه فما دونها شروط التواتر . ويكون معنى نسبة التواتر إلى هذا الخبر، أنَّ هذا الرَّاوي الذي تواتر الخبرُ عنه، قد جاء بطريقٍ يفيدُ العلمَ - وهو التواترُ هنا - أنَّه روى هذا الخبر بإسناده الذي ذكره إلى النبيِّ ◌َّد . وعليه؛ فلا يلزمُ من هذا التواتر النسبيٍّ، أن يكون الحديثُ متواترًا عن النبيِّ وَّ، بل ولا يلزمُ منه أن يكونَ الحديثُ صحيحًا أصلاً إلى النبيِّ وَّ؛ لاحتمالٍ أن يكون هناك ما يوجبُ ضعفه في الإسناد الذي ذكرَه ذاك الذي تواترَ الخبرُ عنه . وقد رأيتَ حديثَ: ((الأعمال بالنياتِ))، رغم أنَّه غريبٌ في أصله، إلّا أنَّه لمَّا رواه عن يحيى الأنصاريِّ عددٌ كثيرٌ، مع تحقّق باقي شروط التواتر، قال الحافظُ ابنُ حجرٍ في ((الفتح)) (١١/١): ((قد تواترَ عن يحيى بن سعيدٍ))؛ فجوَّزَ إطلاق التواترِ عليه ، رغمَ أنَّه إنما تواتر عن بعض الرُّواةِ ، عن النَّبِيِّ يََّ، فلمْ يقع التواترُ في كلِّ طبقةٍ من طبقاتِ الإسنادِ . فهكذا؛ الحديثُ في طبقاتِهِ العُليا من الأخبارِ الأفرادِ الغرائبِ، ثمَّ إِنَّه قد رواهُ عن يحيى الأنصاريِّ جماعةٌ كثيرونَ، حتى وصفهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ بأنَّهُ «متواترٌ عن يحيى بن سعيد الأنصاري)» . فالتواترُ هُنا ؛ إنَّما هوَ تواترٌ نسبيٍّ ، أي : بالنسبة إلى أحدٍ رواةٍ الإسنادِ، وإن لم يتواتر عمن فوقهُ في الإسناد . فقد يكونُ الحديثُ غريبًا عن رسولِ اللَّهِ وَّهِ، وهو عزيزٌ عن أحدِ الصحابةِ، بمعنى: أنَّ الصحابيَّ الذي رواهُ عن رسولِ اللَّهِ متفردًا بهِ عن رسول اللّهِ وَ ﴿ قد رواهُ عن هذا الصحابيِّ رجلانٍ من التابعينَ، فيصيرُ هذا الحديثُ عزيزًا عن هذا الصحابيِّ، ثم قد يتفقُ أن أحدَ هذينِ التابعين قد روى الحديث عنهُ جماعةٌ كثيرون بحيثُ يكونُ الحديثُ مشهورًا عن هذا التابعيِّ، وإن لم يكنْ مشهورًا عن التابعيِّ الآخرِ، ثم قد يتواترُ الحديثُ بعدَ ذلك، بأن يرويهُ العددُ الكثيرُ الذي يستحيلُ في العادة أن يتواطؤوا على الكذب؛ فحينئذٍ يكونُ قد تواتر في بعض طبقات الإسناد . إِذَا؛ الحديثُ الواحدُ قد يكونُ متواترًا عن بعض الرواة، مشهورًا عن بعض الرواة = ١٨٥ غريب الحديث • النوع الثَّانِي وَالثَّلاثونَ : غَرِيبُ الحدیثِ هُوَ مَا وَقَعَ في مَثْنِ الَحَدِيثِ مِنْ لَفْظَةٍ غَامِضَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الفَهْمِ ، لِقِلَّةِ اسْتِعْمَالِهَا. وَهُوَ فَنٌّ مُهِمٌّ، والخَوضُ فيه صَعبٌ، فَلْيَتَحرَّ خائِضُهُ، وَكَانَ السَّلَفُ يَتَثَبَّتُونَ فِيهِ أَشَدَّ تَّبُّتٍ . (النَّوعُ الثّاني والثلاثون : غریبُ الحدیثِ : . هو مَا وقع في متنِ الحديث من لفظةٍ غامضةٍ بعيدةٍ من الفَهْم؛ لقلَّةِ استعمالها . وهو فَنٌّ مُهِمِّ) يَقْبُحُ جَهلُهُ بأهلِ الحديث ، (والخوضُ فيه صعبٌ) حقيقٌ بالتحرِّي، جديرٌ بالتوقِّي (فليتحرَّ خائضُهُ) وليتَّقِ اللَّه أن يُقْدِمَ على تفسيرِ كلامٍ نبيه وَّه بمجرَّدِ الظُّنُون، (وكان السَّلَفُ يَسْبَّتُون فيه أشدَّ تَنْبُتِ). = الآخرينَ، عزيزًا عن بعضٍ الرواة الآخرين، غريبًا عن بعض الرواة الآخرين، وليس بالشرط أو بالضرورة لكي يوصفَ بكونه متواترًا أن يتواتر في كلِّ طبقات الإسنادِ ، أو لكي يوصف بأنّه عزيزٌ أن يكون عزيزًا في كلِّ طبقات الإسنادٍ، أو لكي يوصف بأنه مشهورٌ أن يكون مشهورًا في كلِّ طبقات الإسناد، أو لكي يوصف بأنَّهُ فردٌ غريبٌ أن يكون كذلك في كلِّ طبقات الإسنادِ، هذا ليس شرطًا وليس ضروريًّا، بل الحديثُ يوصفُ بهذه الأوصاف إمَّا مطلقًا، وإمَّا بالنسبة إلى بعضِ الرواةِ. والله أعلمُ. ١٨٦ النوع الثاني والثلاثون فقد رُوِّينا عن أَحمدَ (١) أنه سُئل عن حرفٍ مِنه، فَقال: سَلُوا أصحابَ الغريبِ؛ فإِنِّي أَكرَهُ أن أتكلّمَ في قولِ رسولِ اللَّهِ وَلَّ بِالظَّنُ. وسُئل الأصمعيُّ عن مَعنى حديث: ((الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ))؟ فقال: أنَا لا أُفسِّرُ حديثَ رسولِ الله ◌َِّ، ولكنَّ العربَ تَزعمُ أن السَّقَبَ اللَّزِيقُ. وقَدْ أَكْثَرَ العُلَمَاءُ التَّصْنِيفَ فِيهِ. قِيلَ: أوَّلُ مَن صَنَّفَهُ (النَضْرُ بنُ شُمَيلِ))، وقيلَ: ((أبُو عُبيدَةَ مَعْمَرٌ))، وبعدَهُمَا ((أبُو عُبَيدٍ)) فاسْتَقْصَى وأجادَ، ثُمَّ ((ابنُ قُتَيْبةَ)) ما فَاتَ ((أبا عُبيدٍ))، ثُمَّ ((الْخَطَّابِيُّ)) ما فاتَهُمَا، فَهَذِهِ أُمَّهَاتُهُ. ثُمَّ بعدَها كُتُبٌ كَثِرَةٌ فِيهَا زَوَائِدُ وفَوَائِدُ كَثِيرةٌ ، ولا يُقلَّدُ مِنْها إِلَّ مَا كَانَ مُصَنِّفُوهَا أَئِمَّةً جِلَّةً. (وقد أكثرَ العلماءُ التصنيفَ فيه، قيل: أوَّلُ من صنَّفَه ((النضرُ بنُ شُميلٍ))) قالَهُ الحاكمُ(٢). (وقيل: ((أبو عبيدةً معمر) بنُ المُثَنَّى))، ثُمَّ ((النضرُ))، ثُمَّ ((الأَصمعيُّ))، وكُتُبُهُمَا (٣) صَغيرةٌ قليلةٌ . (و) ألَّف (بعدَهما: ((أبو عبيدٍ) القاسمُ بنُ سَلام)) كتابَه المشهورَ، (فاستقصى وأجادَ) وذلك بعد المائتين . (١) ((العلل ومعرفة الرجال)) للمروذي وغيره (٤١٣) (٢) ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٨٨). (٣) كذا . .... ١٨٧ غريب الحديث (ثمَّ) تتبع («أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ مُسلم (بن قتيبةَ) الدينوريُّ)» (ما فات ((أبا عُبيدٍ))) في كتابهِ المشهورِ . (ثمَّ) تتبع ((أبو سُليمانَ (الخطابيُّ)) ما فاتَهما) في كتابهِ المشهورِ ، ونَّه على أغاليط لَهُما ؛ (فهذه أمهاتهُ) أي : أُصولهُ . (ثم) أُلْفَ (بعدَها كتبٌ كثيرةٌ فيها زوائِدُ ، وفوائدُ كثيرةٌ ، ولا يقلَّدُ منها إلا ما كانَ مصنّفُوها أئمةَ جِلَّةَ) كـ((مَجْمع الغرائبِ)» لعبدِ الغافرِ الفارسيِّ، و ((غريب الحديث)) لقاسم السرقسطيٍّ، و((الفائق)) للزمخشريِّ، و ((الغريبين)) للهروي، و((ذيله)) للحافظ أبي موسى المديني. ثُم ((النهاية)) لابنِ الأثير، وهي أحسنُ كُتبِ الغريبِ وأجمعُها وأشهرُها الآن، وأكثرُها تداولًا، وقد فاتَه الكثيرُ، فذيَّل عليه الصفيُّ الأرمويُّ بذيلٍ لم نَقفْ عليه، وقد شرعتُ في تَلخِيصِها تَلخيصًا حَسَنًا مع زياداتٍ جَمَّة، والله أسألُ الإعانةَ على إتمامِه . وَأَجِوَدُ تَفْسِيرِهِ مَا جَاءَ مُفَسَّرًا في رِوايَةٍ . ( وأجود تفسيره : ما جاء مفسرًا) به (في رواية)، كحديث ((الصحيحين))، في قولِهِ مَّ لابنِ صائدٍ: ((خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا؛ فمَا هُو؟)) قال : الدُّخُ (١) . فـ(الدغُ)) هاهنا هو الدُّخَان: وهو لغةٌ فيه، حكَاه الجوهريُّ وغيرُه، (١) أخرجه البخاري (١٥٨/٨)، ومسلم (١٩٢/٨). ١٨٨ النوع الثاني والثلاثون لما روى أبوداود والترمذيُّ (١) مِن روايةِ الزهريِّ، عن سالم، عنِ ابنِ عُمَرَ في هذا الحديث، أنَّ النبي ◌ِِّ قالَ له : ((إني خَبَأْتُ لَّكَ خَبِيثًا))، وخَبَأَ لَهُ ﴿يَوْمَ تَأْنِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]. قال المديني: والسُّ في كونِه خبّا له الدُّخانَ، أنَّ عيسى ◌ٍَّ يَقْتُلُه بجبلِ الدُّخان، فهذا هو الصوابُ في تفسيرِ ((الدُّخ)) هُنا، وقد فسَّرِه غيرُ واحدٍ على غيرِ ذلك فَأَخْطئوا . فقيل : الجِمَاعُ، وهو تخليطٌ فاحشٌ . وقيل : نبتّ موجودٌّ في النّخيلِ، وهو غيرُ مرضيٍّ . (١) أخرجه أبو داود (٤٣٢٩)، والترمذي (٢٢٤٩). ١٨٩ المسلسل التَّوْعُ الثَّالِثُ وَالثَّلاثُونَ: المُسَلْسَلُ وَهُوَ مَا تَتَابَعَ رِجَالُ إسنادِهِ عَلَى صفةٍ أو حالَةٍ، لِلرّواةِ تارَةً ولِلرِّوايَةِ تارَةً أُخْرَى. وصِفَاتُ الرُّوَاةِ إِمَّا أقوَالٌ أو أفْعَالٌ، وأنواعٌ كثيرةٌ غَيْرُهُمَا، كمُسَلْسَلِ التَّشْبِيكِ باليَدِ، وَالعَدِّ فِيها، وكاتِّفَاقِ أَسْمَاءِ الزُّواةِ، أَوْ صِفَاتِهِمْ، أَو نِسْبَتِهِمْ: كَأَحَاديثَ روينَاهَا، كُلُّ رِجالِهَا دِمِشْقِيُّونَ، وَكَمُسَلْسَل الفُقَهَاءِ؛ وصِفَاتِ الرِّوايَةِ: كَالْمُسَلْسَلِ بـ((سَمِعْتُ))، أَوْ بـ ((أَخْبَرَنَا قُلَانٌ))، أَوْ ((أَخْبَرَنَا فُلانٌ واللَّهِ)). (النوعُ الثالثُ والثلاثون): (المسلسَلُ، وهو ما تتابَعَ رجالُ إسنادِهِ) واحدًا فواحدًا، (على صِفَةٍ) واحدةٍ (أو حَالَةٍ) واحدة (للرواةِ تارةً، وللروايةِ تارةً أخرى. وصفاتُ الرواةِ) وأحوالهم أيضًا، (إما أقوالٌ، أو أفعالٌ) أو هُما معًا، وصفاتُ الروايةِ إمَّا أن تتعلَّق بصيغ الأداءِ، أو بزمنها ، أو مكانِها . (و) له (أنواعٌ كثيرةٌ غيرهمَا) . فالمسلسلُ بأحوالِ الرواةِ الفِعليةِ: (كُمُسَلْسَلِ التشبيك باليد) وهو ١٩٠ النوع الثالث والثلاثون حديثُ أبي هُريرة: شبَّك بيدِي أبو القاسمِ وََّ، وقال: ((خَلَقَ اللَّه الأَرْضَ يَومَ السَّبْتِ)) الحديث(١). فقد تسَلْسلَ لنا بتَشبيك كلِّ واحدٍ مِن رواتهِ بيد مَن رَواه عَنه . (والعَدِّ فيها): وهو حديثُ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمِّدٍ)) إلى آخِرِه، مُسلسلٌ بعد الكلمات الخمسِ في یدِ کل راو . وكذلك المسلسلُ بالمُصَافحةِ ، والأخْذِ باليدِ ، ووَضْع اليدِ على رأسٍ الرَّاوي . والمُسْلَسلُ بأحوالِهم القَولية: كحديثٍ مُعاذِ بنِ جبلٍ ، أنَّ النبيَّ ◌َّة قالَ له: ((يَا مُعَاذُ، إنِّي أُحبُّكَ، فَقُلْ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبَادَتِكَ))(٢) . تسَلسلَ لنا بقولِ كلِّ مِن رُواته : «وأنا أُحبُّكَ فَقُلْ)) . والمُسلسلُ بهما معًا: حديثُ أنْسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّه ◌َيرٍ: (( لا يَجِدُ العَبْدُ حَلَاوَةَ الإِيمانِ حتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ)) وقبضَ رسولُ اللَّهِ وَله علىَ لِحِيْتَهِ، قال: ((آمَنتُ بالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، حُلوهٍ ومُرِّه)) (٣) وكذا كلُّ راوٍ مِن رُواتِهِ . والمسسلسلُ بصفاتِهِم القوليةِ: كالمسلسلِ بقراءةِ سُورة الصف ، ونحوه . (١) أخرجه الحاكم في ((المعرفة)) (ص: ٣٣). (٢) أخرجه أبو داود (١٥٢٢)، والنسائي (٥٣/٣). (٣) أخرجه الحاكم في ((المعرفة)) (ص : ٣٢). ١٩١ المسلسل قال العراقي : وصفاتُ الرواةِ القولية، وأحوالهم القولية مُتقاربةٌ بَلْ مُتماثِلةٌ . (و) المسلسلُ بصفاتِهِم الفعليةِ: (كاتّفاقِ أسماءِ الرُّواةِ) كالمسَلسَلِ بالمُحمَّدِين، (أو صِفَاتِهم، أو نسبَتِهم) . فالثاني : (كأحاديثَ روينَاهَا، كُلُّ رِجَالِهَا دِمشقيُون) أو مصْرِيُّونَ ، أو كُوفِيُّون، أو عِراقيُّون . (و) الأولُ (كمُسَلْسَلِ الفقهاء) مُطلقًا، أو الشَّافعيين، أو الحُفَّاظِ، أو النُّحاةِ، أو الكُتَّابِ، أو الشُّعراءِ، أو المُعمَّرين . (وصفات الرّوايةِ) المتعلقةُ بصيغ الأداءِ: (كالمسَلسَلِ بـ((سمعتُ) فلانًا))، (أو بـ ((أخبرَنا فلانٌ))، أو ((أخبرنا فلانٌ واللَّه))) أو: ((أَشَهِدُ باللهِ لسمعتُ فلانًا))، يقولُ ذلك كلٌّ راوٍ منهم . والمتعلقةُ بالزمانِ ؛ كالمسلسلِ بروايتهِ يوم العيدِ ، وقصِّ الأظفارِ يوم الخميس ، ونحو ذلك . وبالمكان؛ كالمسلسلِ بإجابةِ الدعاءِ في المُلتزم . وقد جمعتُ كتابًا في ما وقَع في سَمَاعاتي مِنَ المسلسلاتِ بأسانيدها ، وجمع الناسُ في ذلك کثیرًا . وَأَفْضَلُهُ مَا دَلَّ عَلَى الاتّصالِ، ومِنْ فَوَائِدِهِ زِيادَةُ الضَّبْطِ ، وقَلَّمَا يَسْلَمُ عَنْ خَلَلٍ فِي الَّسَلسُلِ، وقَدْ يَنقَطِعُ تَسَلْسُلُهُ فِي وسَطِهِ : ١٩٢ النوع الثالث والثلاثون كَمُسَلْسَلِ ((أوَّل حَديثٍ سَمِعْتُهُ)) عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ فِيهِ . (وأفضلُه : ما دلَّ على الاتصالِ) في السَّماعِ، وعدمِ التدليسِ . (ومِن فوائدِه): اشتمالُه عَلى (زيادة الضَّبْطِ) مِن الرُّواةِ . (وقلَّما يسلمُ عن خللٍ في التَّسلسُلِ . وقد ينقطعُ تسلسُلُهُ في وسطِهِ) أو أوَّلِهِ، أو آخِرِهِ، (كمسلسلٍ أَوَّل حديثٍ سَمعتُهُ) وهو حديثُ عبدِ الله بن عمرٍو: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحِمُهُمُ الرَّحْمَنُ)) (١) . فإنه انتهَى فيه التسلسلُ إلى [سُفيانَ بنِ عُيينة، وانقطعَ في سماعٍ سُفيانَ مِن](٢) عَمرِو بنِ دينارٍ ، وانقطَّعَ في سماعٍ عَمرِو مِن أبي قَابُوس، وسَماعٍ أبي قابوس مِن عبدِ الله بن عَمرٍو، وفي سماعِ عبدِ اللَّه مِنَ النبيِّ وَّل، (على مَا هُو الصَّحِيحُ فيه) وقد رواه بعضُهم كاملَ السَّلسلةِ فَوَهِمَ فيه . • فائــدة : قال شيخُ الإسلام(٣): مِن أَصحِّ مُسلسلٍ يروَىُ في الدُّنيا: المُسلسلُ بقراءة سورةِ الصَّفِّ . (١) أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، الترمذي (١٩٢٤). (٢) ليس في ((ص)) و((م))، لكنه لابد منه، وقد ذكر العراقي في ((شرح الألفية)) (٢/ ٢٨٩): ((أنه إنما يصح التسلسل فيه إلى سفيان بن عيينة، وانقطع التسلسل بالأولية في سماع سفيان من عمرو ... )). وأيضًا؛ فالسيوطي قال في ((الألفية)): ((كأولية لسفيان انتهى)). (٣) ((فتح الباري)) (٨/ ٦٤١). ١٩٣ المسلسل قلتُ : والمسلسلُ بالحُفّاظِ والْفِقَهاءِ أيضًا . بل ذكَّر في ((شرح النُّخبةِ)) أنَّ المسلسلَ بالحُفَّاظِ ممَّا يُفيدُ العِلمَ القَطعي(١) . (١) يعني حيث يصحُّ، فليس قوله حكمًا منه بالصحة لجميع مسلسلات الفقهاء، فضلًا عن أن تكون أصح، وأيضًا؛ وحيث لا يكون غريبًا . قال الحافظ في ((النزهة)) (ص: ٧٤ - ٧٧) بعد أن ذكر أن خبر الآحاد المحتف بالقرائن يفيد العلم، قال: ((والخبر المحتف بالقرائن أنواع ، منها ... ومنها : المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريبًا ، كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل - مثلاً - ، ويشاركه فيه غيره عن الشافعي ، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس ؛ فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته ، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم، ولا يشك من له أدنى ممارسة بالعلم وأخبار الناس أن مالكًا - مثلاً - لو شافهه بخبر أنه صادق فيه ، فإذا انضاف إليه من هو في تلك الدرجة، ازداد قوةً، وبَعُدَ عما يُخشى عليه من السهو)) .