Indexed OCR Text

Pages 641-660

٥٧٠
النوع الثالث والعشرون
قال ابنُ الصلاح(١): وفي هذا نظرٌ. قال: (وهذا صحيحٌ إن ظَهَر أنه
أَصَرَّ عنادًا أو نحوه) وکذا قال ابنُ حبان .
قال ابنُ مهدي (٢) لشعبةَ: مَنِ الذي يترك الرواية عنه؟ قال: إذا تمادى(٣)
في غُلطِ مُجمَعٍ علیه، ولم يتهم نفسه عند اجتماعهم على خِلَافِهِ .
قال العراقيُّ (٤): وقيَّد ذلك بعضُ المتأخرين بأن يكون المبيِّن عالمًا عند
المبين له، وإلا فلا حَرَج إذا (٥).
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٥٥).
(٢) ((المجروحين)) (٧٩/١)، و((الكفاية)) (ص: ٢٢٩).
(٣) في ((م)): ((تماری)) .
(٤) ((التقييد)) (ص : ١٥٧).
(٥) المُصِرُّ على الخطإٍ، نوعانِ :
نوعٌ أول : وهو من غلطَ في رواية حديث ما ، وبين له عالم مجتهد من أئمة الحديث غلطه في
هذا الحديث ، ثم لم يرجع عنه وأصر على روايته لذلك الحديث، آنفًا من الرجوع عمَّا خرج
منه، وإن کان شيئًا یسیرًا ، فقد وجب جرحه بهذا، وترُ حديثه، لتعدِیه ما ليس له .
نوع آخر: وهو من حدَّث بالشيء الذي أخطأ فيه، وهو لا يعلم أنَّه خطأ، ثم تبين له
وعلِمَ فلم يرجع عنه، وتمادى في روايته بعد علمه أنه أخطأ فيه في أول الأمر،
وهذا؛ يكونُ بذلك كذابًا أو في حُكم الكذَّابِ ؛ لروايتِهِ ما يعلمُ هو أنّه خطأ .
والفرقُ بين الرجلين: أن الأولَ ليس متيقنًا أنه أخطأ؛ لأنَّه يرى الحديث في كتابه
مثلاً، ولا يتصوَّر هو أنه أدخل عليه وهو لا يعلم، فكان جانب التوقُّفِ في تصحيح
المصحح عنده قويًّا، غير أنه يدخل في جملة المتروكين؛ لتعديه ما ليس له؛ لأنه ليس
من أهل هذا الشأن الذين يُميزون الصواب من الخطإ، وواجب عليه أن يخضع لأهل
الشأن إذا بيَّنوا له خطأه، وعدم خضوعه لهم يوجب ترك حديثه .
قيل للإمام ابن خزيمة - عليه رحمة الله -: لِم رويت عن أحمد بن عبد الرحمن بن أخي
ابن وهب، وترکت سفيان بن وکیع؟
=

٥٧١
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
الثَّانِيَّةَ عَشْرَةَ: أَعْرَضَ النَّاسُ هَذِهِ الأَزْمَانَ عَنِ اغْتِبَارٍ تَجْمُوعِ
الشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ؛ لِكَوْنِ المَقْصُودِ صَارَ إِنْقَاءَ سِلسِلَةِ الإِسْنَادِ
المُخْتصِّ بِالأُمَّةِ؛ فَلْيُغْتَبَرَ مَا يَلِيقُ بِالْمَقْصُودِ، وَهُوَ كَوْنُ الشَّئْخِ
مُسْلِمًا بَالِغَا، عَاقِلاً، غَيْرَ مُتَظَاهِرٍ بِفِشقٍ، أَوْ سُخْفٍ، وَفِي
ضَبْطِهِ بِوُجُودِ سَمَاعِهِ مُثبَتًا بِخَطُ غَيْرٍ مُتَّهم، وَبِرِوَايَتِهِ مِنْ
أَضْلٍ مُوَافِقٍ لأصلٍ شَيْخِهِ. وَقَدْ قَالَ نَحوَ مَا ذَكَرْنَاهُ الْحَافِظُ
أبُو بَكْرِ البَيْهَقِيُّ.
(الثانية عشرة: أعرض الناسُ) في (هذه الأزمان) المتأخُّرةِ (عن
اعتبارِ مجموع) هذه (الشروطِ المذكورةِ) في رواةٍ (١) الحديثِ ومشايخِه،
= فقال: ((لأن أحمد بن عبد الرحمن، لما أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها عن
آخرِها، إلا حديث مالك عن الزهريِّ عن أنس: ((إذا حضر العَشاء))، فإنه ذكر أنه
وجده في دَرْجِ من كتب عمه في قرطاسٍ ، قال : وأما سفيان بن وكيع فإنَّ ورَاقه أدخل
عليه أحاديث فرواها وكلمناه - يعني : حتى يرجع عنها . فلم يرجع عنها، فاستخرت
اللَّه وتركتُ الرواية عنه)).
وذلك ؛ لأنه أصر على روايتها آنفًا من الرجوع عنها، بعدما بيَّن له أهل العلم أنه أخطأ
فيها؛ فهذا هو حالُ الراوي الأول أو النوع الأول من المصرِّين على الخطإ.
أما النوع الثاني: وهو من حدَّث بالشيء الذي أخطأ فيه، وهو لا يعلم ثم تبيّن وعلم
فلم يرجع عنه، وتمادّئَّ في روايته لذلك الخطإ، بعد علمه؛ فهذا قد علم فعلًا أنه
أخطأ وتيقَّن من ذلك، فتماديه في روايةِ ما يعلمُ هو أنَّه خطأ يكون كذبًا متعمدًا؛ لأنَّه
يخبر بخلاف الواقع وهو يعلمُ أنه كذب، ومثل هذا كذبٌ صريحٌ. والله أعلم .
وراجع ((المجروحين)) لابن حبان (٧٨/١ - ٧٩).
(١) في ((ص)): ((رواية)).

٥٧٢
النوع الثالث والعشرون
لتعذر الوفاءِ بها علي ما شرط، و(لكونِ المقصودِ) الآن (صار إبقاءَ
سلسلةِ الإِسنادِ المختص بالأمةِ) المحمدية، والمحاذرة من انقطاع
سلسلتها .
(فليعتبر) مِن الشروطِ (ما يليقُ بالمقصودِ) المذكورِ (١) على تجرده،
وليكتف بما يذكر (وهو كونُ الشيخ مسلمًا بالغًا عاقلًا غيرَ متظاهرٍ بفسقٍ
أو سُخفٍ) يُخِلُّ بمروءته لتتحقق عدالته .
(و) يكتفى (في ضبطِه بوجودِ سماعِه مثبتًا بخط) ثقةٍ (غيرِ متهم،
وبروايتهِ (٢) مِن أصلٍ) صحيحٍ (موافقٍ لأصل شيخه .
وقد قال نحوَ ما ذكرناه الحافظُ أبو بكرِ البيهقيُّ) وعِبارتُه : توسع مَن
توسع في السماع مِن بعضٍ مُحدِّثي زماننا الذين لا يحفظون حديثَهم ،
ولا يُحسنون قراءتَه مِن كُتبهم، ولا يعرفون ما يُقرأ عليهم بعد أن تكون
القراءةُ عليهم مِن أصلِ سماعهم، وذلك لتدوينِ الأحاديثِ في الجوامعِ
التي جَمعها أئمةُ الحديثِ .
قال : فَمَن جاء اليومَ بحديثٍ لا يُوجَدُ عند جَميعِهم لا يُقبَلُ منه، ومَن
جاءَ بحديثٍ معروفٍ عندهم، فالذي يَرويه لا ينفرد بروايته، والحُجَّة
قائمةٌ بحديثه بروايةِ غيرِهِ، والقصدُ مِن روايتِه والسماع منه أن يصيرَ
الحديثُ مسلسلًا بـ((حدثنا)) و((أخبرنا))، وتَبقَى هذه الكرامةُ التي خُصَّت
بها هذه الأمةُ شَرفًا لنبيِّنا وَلِ.
(١) في ((ص)): ((المذكورة)).
(٢) في ((م)): ((برواية)).

٥٧٣
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
وكذا قال السلفيُّ في جزءٍ له في شَرطِ القراءةِ .
قال الذهبيُّ في ((الميزان))(١): ليس العُمدة في زماننا على الرواةٍ(٢)،
بل على المُحدِّثين والمفيدين الذين عُرفت عدالتهم وصِدقُهم في ضَبطِ
أسماءِ السامعين .
قال: ثُم مِن المعلوم أنَّه لابُدَّ مِن صَونِ الراوي وسترِه. انتهى .
وفي هذا المعنى قالَ ابن مفوزٍ :
تروي الأحاديث عن كل مسامحة
وإنها لِمعانيها مُعانيها
الثَّالِئَةَ عَشْرَةَ: فِي أَلْفاظِ الجَزْحِ وَالتَّعدِيلِ، قَدْ رََّهَا ابْنَ أبي
حَاتِمِ فَأَحْسَنَ. فَأَلِفَاظُ التَّعْدِيلِ مَرَاتِبُ :
أعْلاَهَا : ثِقَةٌ، أَوْ مُثْقِزٌّ، أَوْ ثَبْتْ، أَوْ حُجَّةٌ، أَوْ عَدْلٌ حَافِظٌ ،
أَوْ ضَابِطٌ .
الثَّانِيةُ: صَدُوقٌ، أَوْ نَحَلّهُ الصِّدْقُ، أَوْ لاَ بَأْسَ بِهِ. قَالَ ابْنُ
أبِي حَاتِمِ: هُوَ مَّن يُكتَبُ حَدِيثُهُ وَيُنْظَرُ فِيهِ، وَهِى المَنْزِلَةُ
الثَّانِيَةُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ لأَنَّ هَذِهِ العِبَارَةَ لاَ تُشْعِرُ بِالضَّبْطِ،
فَيُعْتَبِرُ حَدِيثُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(١) ((ميزان الاعتدال)) (٤/١).
(٢) في ((ص))، ((م)): ((الرواية))، والمثبت من ((الميزان)) (٤/١)، وما بعده يؤكده.

٥٧٤
النوع الثالث والعشرون
وَعن ◌َجْيَى بْنِ مَعَينٍ: إِذَا قُلْتُ: ((لاَ بَأْسَ بِهِ)) فَهُوَ ثِقَةٌ.
وَلاَ يُقَاوِمُ قَوْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ نَقْلَ ابْنِ أبِي حَاتِمِ عَنْ أَهْلِ الفَنِّ .
الثَّالِثَةُ : شَيْخٌ. فَيُكتَبُ وَيُنْظَرُ.
الرَّابِعَةُ : صَالِحُ الحَدِيثِ. يُكْتَبُ للاغْتِبارِ .
(الثالثةَ عشرةَ: في ألفاظِ الجرحِ والتعديلِ، قد رَتَّبها ابنُ أبي حاتم)
في مُقدمةِ كتابه ((الجرح والتعديل)) (١)، وفصل طبقاتِ ألفاظِهم فيها
(فأحسّن) وأجاد .
(فألفاظُ التعديلِ مراتبُ) ذكّرها المصنف كابنِ الصلاح(٢) تَبَعًا لابن
أبي حاتم أربعةً، وجعلها الذهبيُّ(٣) والعراقيُّ (٤) خمسةٌ، وشيخُ
الإسلام(٥) سِتةٌ .
(أعلاها) بحسب ما ذكره المصنف (((ثقةٌ))، أو ((متقنٌ))، أو
(ثَبَتْ))، أو ((حُجَّةٌ))، أو ((عَدلٌ حافظٌ))، أو) ((عدلٌ (ضابطٌ))).
وأما المرتبةُ التي زادها الذهبيُّ والعراقيُّ، فإنَّها أَعلى من هذه، وهو
ما كُرِّر فيه أحدُ هذه الألفاظِ المذكورة، إمَّا بعينه، كـ «ثقة ثقة»، أَو لا:
كـ ((ثقة ثبت))، أو ((ثقة حجة))، أو ((ثقة حافظ)).
(١) (٢/ ٣٧) .
(٣) ((ميزان الاعتدال)) (٤/١).
(٥) ((نزهة النظر)) (ص : ١٨٨).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص : ١٥٧).
(٤) ((التقييد)) (ص: ١٥٧).
..-....

٥٧٥
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
و[المرتبةُ](١) التي زادها شيخُ الإسلام أعلى مِن مرتبةٍ (٢) التكريرِ،
وهي الوصفُ بأفعلَ، كـ((أوثق الناس))، و((أثبت الناس))، أو نحوه،
كـ(( إليه المنتهى في التثبت)»(٣).
قلتُ: ومنه: ((لا أحدَ أَثْبتُ مِنه))، و((مَن مِثْل فلانٍ))، و ((فلانٌ
لا يسأل عنه))، ولم أَرّ من ذكَر هذه الثلاثةَ، وهي في ألفاظِهم .
فالمرتبةُ التي ذكرها المصنّفُ أَعلَى، هي ثالثةٌ في الحقيقةِ .
(الثانية) من المراتب، وهي رابعة بحسَب ما ذكرناه : (((صدوقٌ)) ،
أو «محلهُ الصدقُ))، أو ((لا بأسَ به))) .
زاد العراقي: أو ((مأمون))، أو ((خيار))، أو ((ليس به بأس)).
(قال ابنُ أبي حاتم) : مَن قيل فِيه ذلك (هو ممن يُكتبُ حدیثُه،
ويُنظرُ فيه، وهي المنزلَةُ الثانيةُ).
قال ابنُ الصلاح (٤): (وهو كما قال؛ لأن هذه العبارةَ لا تُشعرُ
بالضبطِ ، فيُعتبرُ حديثُه) بموافقةِ الضابطينِ (على ما تَقَدَّم) في أوائلِ هذا
النوعِ .
(وعن يحيى بن معينٍ) أنَّه قال لأبي خيثمة - وقد قال له : إِنَّكَ
(١) في ((ص))، ((م)): ((الرتبة))، والمثبت من المطبوع.
(٢) في ((ص)): ((رتبة)).
(٣) ليس في ((ص))، ((م))، وأثبته من المطبوع .
(٤) ((علوم الحديث)) (ص: ١٥٨).

٥٧٦
النوع الثالث والعشرون
تقول : فلانٌ ليس به بأسٌ ، فلانٌ ضعيفٌ - : (إذا قلتُ) لك (لا بأسَ به،
فهو ثقة) وإذا قلتُ لك : هو ضعيفٌ، فليس هو بثقةٍ، لا يُكتبُ حديثُه .
فأشعرَ باستواءِ اللفظين .
قال ابنُ الصلاح : وهذا ليس فيه حكايةٌ عن غيرِهِ مِن أهلِ الحديثِ ،
بل نسبه إِلى نَفسه خاصَّة (ولا يقاومُ قولُه عن نفسِه نقلَ ابنِ أبي حاتمٍ عن
أهلِ الفنّ) .
قال العراقيُّ (١): ولم يَقل ابنُ معينٍ: إنَّ قولي: ((ليس به بأس))
كقَولي : ((ثقةٌ))، حتى يلزم منه التسويةُ، إنما قال: إنَّ مَن قال فيه هذا
فهو ثِقةٌ، وللثقة مراتبُ، فالتعبيرُ بـ ((ثقة)) أرفعُ مِن التعبير بـ((لا بأس به))
وإنِ اشتركا في مُطلقِ الثقةِ .
ويدلُّ على ذلك : أنَّ ابن مَهديٍّ قال: حدَّثنا أبو خلدة . فقيلَ له : أكَان
ثقة؟ فقال: كان صَدوقًا، وكان مأمونًا، وكان خيرًا، الثقةُ شُعبة
وسُفيان .
وحكَى المروذيُّ(٢) قال: سألتُ ابنَ حنبل: عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ
ثقةٌ؟ قال: تَدري ما الثقةُ؟ إنَّما الثقة يحيى بنُ سعيدِ القطَّانُ(٣).
(١) ((التبصرة والتذكرة)) (٧/٢).
(٢) في ((ص)) ((م): ((المروزي)) بالزاي، والمثبت هو الصواب، ويراجع ((العلل ومعرفة
الرجال)) رواية المروذي (ص٥٩) .
(٣) قال الشيخ المعلمي اليماني في ((التنكيل)) (٣٦٣/١ - ٣٦٤):
=
((ينبغي أن تعلم أن كلام المحدث في الراوي يكون على وجهين :

٥٧٧
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
تنبيه :
جعَل الذهبيُّ قولَهم ((محلُّهُ الصّدق)) مؤخّرًا عن قولهم: ((صدوق))
إلى المرتبة التي تَليها، وتبعهُ العراقيُّ؛ لأن ((صدوقًا)) مبالغةٌ في الصدقِ،
بخلافِ محله الصُّدِقُ، فإنَّه دالٌّ على أنَّ صاحبها محلُّه ومرتبتُه مُطلَقُ
الصِّدقِ .
(الثالثةُ) مِن المراتبِ ، وهي خامسةٌ بحسب ما ذكرنَا (شيخٌ).
قال ابنُ أبي حاتم : (فيُكتبُ) حديثهُ (ويُنظرُ) فیه .
وزاد العراقيُّ (١) في هذه المرتبةِ - مع قولِهم ((محلُّه الصدقُ)) -: ((إِلى
= الأول : أن يسأل عنه فيجيل فكره في حاله في نفسه وروايته ، ثم يستخلص من مجموع
ذلك معنی یحکم به .
الثاني : أن يستقر في نفسه هذا المعنى، ثم يتكلم في ذاك الراوي في صدد النظر في
حديث خاص من روايته .
فالأول : هو الحكم المطلق الذي لا يخالفه حكم آخر مثله إلا لتغير الاجتهاد .
وأما الثاني : فإنه كثيرًا ما ينحى به نحو حال الراوي في ذاك الحديث .
فإذا كان المحدث يرى أن الحكم المطلق في الراوي أنه ((صدوق كثير الوهم))، ثم
تكلم فيه في صدد حديث من روايته، ثم في صدد حديث آخر وهكذا، فإنه کثیرًا ما
يتراءى اختلاف بين كلماته .
فمن هذا: أن ((الحجاج بن أرطاة)) عند الدارقطني ((صدوق يخطئ)) فلا يحتج بما
ينفرد به، واختلفت كلماته فيه في ((السنن))، فذكره (ص٣٥) في صدد حديث وافق
فيه جماعة من الثقات، فعده الدارقطني في جملة ((الحفاظ الثقات))، وذكره (ص٥٣١)
في صدد حديث أخطأ فيه، وخالف مسعرًا وشريكًا، فقال الدارقطني: ((حجاج
ضعيف))، وذكره في مواضع أخرى، فأكثر ما يقول: ((لا يحتج به )) .
(١) ((التبصرة)) (٤/٢ - ٥).
..

٥٧٨
النوع الثالث والعشرون
الصّدقِ ما هو))، ((شيخٌ وسَطْ))، مكرَّر (١)، ((جيدُ الحديثِ))، «حَسَنُ
الحدیث )) .
وزادَ شيخُ الإسلام (٢): ((صدوقٌ سَيئُ الحفظِ))، ((صدوقٌ يَهِم))،
((صدوقٌ له أَوهامٌ))، ((صَدُوقٌ يُخطئ))، ((صدوقُ تغيَّر بأَخْرَةٍ)).
قال: ويُلحق بذلك، مَن رُمِي بنوعٍ بدعةٍ؛ كالتشيع، والقَدَرِ،
والنَّصبِ، والإِرجاءِ، والتَّجَهُمِ .
(الرابعةُ) وهي سادسةٌ بحسَبِ ما ذكرنا: ((صالحُ الحديث)))؛ فإنَّه
(يُكتبُ) حديثه (للاعتبارِ) .
وزاد العراقيُّ فيها: ((صَدُوقٌ إن شاءَ اللَّه))، ((أَرجو أن لا بَأسَ به))،
(صُویلخ)).
وزادَ شيخُ الإسلام: ((مقبولٌ)) .
وَأَمَّا ألفَاظُ الْجَرْحِ فَمَرَاتِبُ: فَإِذا قَالُوا: (لَيِّنُ الحَدِيثِ)) كُتِبَ
حَدِيثُهُ وَيُنْظَرُ اعْتِبَارًا .
(١) أي: بذكر الوصفين: ((شيخ))، و((وسط))، لا أن يكررا جميعًا فيقال: ((شيخ وسط،
شيخ وسط))، كما قد يوهم السياق هنا .
ولفظ العراقي في ((الألفية)» :
أو ((وسط)) فحسب، أو ((شيخ)) فقط
وكذا «شيخ وسط )»
(٢) ((التقريب)) (ص: ٨٠).

٥٧٩
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
وقَالَ الدَّارَقُطِنِيُّ: إِذَا قُلْتُ: ((لَيِّنُ الَحَدِيثِ)) لَمْ يَكُنْ سَاقِطًا،
وَلَكِنْ تَجْرُوحًا بِشَيءٍ لاَ يُسْقِطُ عَنِ العَدَالَةِ.
وَقَولُهُم: ((لَيْسَ بِقَوِيٌّ)) يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وهُوَ دونَ ((لَيِّنٌ)) وَإِذَا
قَالُوا: ((ضَعِيفُ الَحَدِيثِ)) فدونَ ((ليسَ بِقَوِيٌّ)) وَلاَ يُطْرَحُ بَلْ
يُعْتَبَرُ بِهِ، وَإِذَا قَالُوا: ((مَتْرُوكُ الَحَدِيثِ))، أَوْ ((ذاهِبُه))، أَوْ
(كَذَّابٌ))، فَهُوَ سَاقِطٌ لاَ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ.
(وأما ألفاظ الجرحِ فمراتبُ) أيضًا :
أدناها ما قَرُبَ مِنَ التعديلِ (فإذا قالوا: لينُ الحديثِ، كُتِب حديثُه
ويُنظرُ) فيه (اعتبارًا) .
(وقال الدار قطنيُ)(١) - لما قال له حمزة بنُ يوسفَ السهميُّ : إذا
قلتَ : فلانٌ لينّ، أيش تُريدُ - : (إذا قلتُ : لينُ الحديثِ لم يكن ساقطًا)
متروكَ الحديثِ (ولكن) يكون (مجروحًا بشيءٍ لا يسقطُ عن العدالةِ).
ومن هذه المرتبة - فيما ذكره العراقي (٢) : - ((فيه لِينٌ))، ((لَيِّن)) ((فيه
مَقالٌ))، ((ضُعَّفَ))، ((تَعرفُ وتُنكِرُ))، ((ليس بذاك(٣))، ((ليس بالمتينِ)»،
((ليس بحجةٍ))، ((ليس بعُمدةٍ))، ((ليس بمُرْضٍ))، ((لِلضعفِ ما هُو))،
((فيه خلفٌ))، ((تكلَّموا فيه))، ((طعنوا فيه (٤)) ((مَطعونٌ فيه))، ((سيئ
الحِفظِ)) .
(١) ((سؤالات السهمي)) (ص: ٧٢).
(٣) في ((ص)): ((بذلك)).
(٢) «التبصرة)) (١٢/٢).
(٤) من ((م).
:

٥٨٠
النوع الثالث والعشرون
(وقولُهم : ((ليس بقويٍّ))، يُكتبُ) أيضًا (حديثُه) للاعتبارِ (وهو دونَ
(لين))) فهو (١) أشدُّ في الضعفِ .
(وإذا قالوا : ((ضعيفُ الحديثِ)) فدونَ ((ليس بقويٌّ))، ولا يُطرحُ، بل
يُعتبرُ به) أيضًا، وهذه مرتبةٌ ثالثةٌ .
ومِن هذه المرتبةِ - فيما ذكره العراقيُّ(٢) -: ((ضعيفٌ)) فقط، ((منكرُ
الحديثِ))، ((حديثُه مُنكَرٌ))، ((وَاهٍ))، ((ضَعَّفوه)) .
(وإذا قالوا: ((متروكُ الحديثِ))، أو ((ذاهبه))، أو ((كَذَّابٌ))، فهو
ساقطٌ لا يُكتبُّ حديثُه) ولا يعتبر به، ولا يستشهد ، إلّا أنَّ هاتين مَرتبتان ،
وقَبلهما مرتبةٌ أُخرى لا يُعتبر بحديثها أيضًا، وقد أَوضح ذلك العراقيُّ .
فالمرتبةُ التي قَبلُ، وهي الرابعةُ: ((رُدَّ حديثه))، ((رَدُوا حديثَه))،
((مردودُ الحديث))، ((ضعيفٌ جدًّا))، ((واهٍ بمرَّةٍ))، ((طَرَحُوا حديثَه)) ،
((مُطَّرحُ الحديثِ))، ((ارمٍ به))، ((ليس بشيءٍ))، ((لا يساوي شيئًا)).
ويليها: ((متروك))، ((متروك الحديثِ))، ((تركُوه))، ((ذَاهِبٌ)) ،
((ذاهبُ الحديثِ))، ((ساقطٌ))، ((هالكٌ))، ((فيه نظرٌ))، ((سَكَتوا عنه))،
((لا يُعتبر به))، ((لا يُعتبر بحديثِه))، ((ليس بالثقةِ))، ((ليس بثقةٍ)»، « غيرُ
ثقةٍ ولا مَأمونٍ))، ((مُتَّهمْ بالكذبِ أو بالوضعِ)) .
ويليها: ((كذَّابٌ))، ((يكذب))، (دَجَّالٌ))، ((وضَّاعٌ))، ((يَضَعُ))،
(( وضَع حديثًا)) .
(١) في ((ص)): ((فهي)).
(٢) ((التبصرة)) (١٣/٢).

٥٨١
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
وَمِنْ أَلْفَاظِهِمْ: ((فُلانٌ رَوَى عَنْهُ النَّاسُ))، ((وَسَطْ))، ((مُقَارِبُ
اْحَدِيثِ))، ((مُضْطَرِبِه)) ((لاَ يُحتَجُ بِهِ))، ((تَجْهُولٌ))، ((لاَ شَيْءَ))،
((لَيْسَ بِذَلِكَ))، ((لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ))، ((فِیهِ - أَوْ فِي حَديثِهِ -
ضَعْفٌ))، ((مَا أَعْلم بِهِ بَأسًا))، وَيُستَدَلَّ عَلَى مَعَانِيهَا بِمَا
تَقَدَّمَ.
(ومِن ألفاظِهم) في الجرح والتعديل: (((فلانٌ رَوَىْ عنه الناسُ))،
((وَسَطٌ))، ((مقارب الحديث))) وهذه الألفاظُ الثلاثة في المرتبةِ التي يذكرُ
فيها ((شيخٌ))، وهي الثالثة مِن مراتبِ التعديلِ، فيما ذكره المصنفُ .
((مضطرِبه))، ((لا يُحتجُّ به))، ((مجهولٌ))) وهذه الألفاظُ الثلاثةُ في
المرتبةِ التي فيها ((ضعيفُ الحديثِ))، وهي الثالثة مِن مراتبِ التجريحِ .
((لا شيءَ))) هذه مِن مرتبةِ ((رُدَّ حديثُه)) التي أهملها المصنف، وهي
الرابعة .
((ليس بذلك))، ((ليس بذاك القويّ))، ((فيه) ضعفٌ)) (أو ((في حديثه
ضعفٌ))) هذه مِن مرتبةِ («لين الحديثِ)»، وهي الأولى.
(ما أعلمُ به بأسًا) هذه أيضًا مِنها، أو مِن آخِرِ مراتبِ التعديلِ،
كـ((أرجو أن لا بأس به)).
قال العراقي (١): أو هذا أَرفعُ في التعديلِ؛ لأنَّه لا يَلزمُ مِن عدمِ العِلمِ
بالبأسِ حصولُ الرجاءِ بذلك .
٠٠ ٠ ٠,
(١) ((التبصرة)) (٦/٢).
........

٥٨٢
النوع الثالث والعشرون
قلتُ : وإليه يُشيرُ صَنِيعُ المصنّفِ .
(ويُستدلُّ على معانيها) ومراتبِها (بما تَقَدَّم) وقد تَبَيَّن ذلك.
تنبيهاتٌ :
الأولُ: البخاريُّ يُطلِقُ: ((فيه نظرٌ))، ((وسَكّتوا عنه)) فيمن تَركوا
حديثَه، ويُطلِقُ ((منكَرُ الحديثِ)) على مَن لا تحلُّ الروايةُ عنه.
الثاني: ما تقدم مِنَ المراتبِ مُصرِّحٌ بأن العدالة تَتَجَزَّأُ (١)، لكنَّه باعتبارٍ
الضبطِ ، وهل تتجزأ باعتبار الدِّين؟ وَجهان في الفِقه ، ونظيرُه الخلافُ في
تجزؤ الاجتهادِ، وهو الأصحُ فيه، وقياسُه تجزؤ الحفظِ في الحديثِ ،
فيكون حافظًا في نوعٍ، دُون نوعٍ مِن الحديثِ، وفيه نظرٌ .
الثالثُ: قولُهم: ((مُقَاربُ الحديثِ)) .
قال العراقي (٢): ضُبط في الأُصولِ الصحيحةِ بكَسرِ الراءِ . وقيل: إنَّ
ابنَ السيدِ حكَى فيه الفتحَ والكُسرَ، وأنَّ الكَسرَ مِن ألفاظِ التعديلِ، والفتحَ
مِن ألفاظِ التجريحِ .
قال : وليس ذلك بصحيح، بل الفَتحُ والكَسرُ معروفان، حَكاهُما ابنُ
العربي في ((شرح الترمذي)). وهُما على كلِّ حالٍ مِن ألفاظِ
التعديل . وممَّن ذكر ذلك الذهبيُّ .
قال : وكأنَّ قائلَ ذلك فَهِمَ مِن فتح الراءِ أَنَّ الشيءَ المقارب هو
(١) في ((ص)): ((بتجزئ)).
(٢) ((التقييد)) (ص: ١٦٢).

٥٨٣
صفة من تقبل روايته ، وما يتعلق به
الرَّديء، وهذا مِن كلام العوام، وليس معروفًا في اللغةِ، وإنَّما هو على
الوَجهين مِن قوله: ((سَدِّدُوا وقَاربُوا))؛ فَمَن كَسَرَ قال: إِنَّ معناه: حديثهُ
مقارِبٌ لحديثِ غيرِهِ، ومن فتحَ قال : معناه : إنَّ حديثَه يُقارِبُه حديثُ
غيرِهِ، ومادة ((فَاعَلَ)) تَقتضي المشاركةَ . انتهى.
وممن جزَم بأنَّ الفتحَ تجريحٌ: البلقينيُّ في ((محاسن الاصطلاح)) (١)،
وقال : حكَى ثَعلبٌ : تِبرِّ مُقارَبٌ، أي رديء. انتهى.
وقولُهم: ((إلى الصِّدقِ ما هو))، و((للضَّعفِ ما هو))، معناه: قريبٌ
مِن الصِّدق والضعفِ، فَرفُ الجرِّ يَتعلَّقُ بـ «قريبٌ)) مُقدَّرًا، و ((ما)» زائدةٌ
في الكلام، كما قال عياضٌ والمصنفُ في حديثِ ((الجَسَّاسةِ)) عند
مُسلمٍ: ((مِن قِبَلِ المَشرِقِ مَا هُو)) المرادُ إثباتُ أنَّه في جِهَةِ المَشرِقِ .
وقولهم : ((واهٍ بَمرَّةٍ))، أي: قولًا واحدًا لا تَرَدُّدَ فيه، فكأنَّ ((الباءَ))
زائدةٌ .
وقولهم: (تَعرِفُ وتُنكِرُ))، أي: يأتي مَرَّةً بالمناكيرِ ومَرَّةً بالمشاهيرِ .
(١) (ص: ٢٤٠) .

٥٨٤
النوع الرابع والعشرون
• النَّوعُ الرَّابِعُ وَالِعِشْرُونَ :
كَيْفِيَّةُ سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَتَحَمُّلِهِ، وَصِفَةُ ضَبْطِهِ
تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْمُسْلِمِ البَالِغِ مَا تَحَمَّلَهُ قَبْلَهُمَا، وَمَنَعَ الثَّانِيِ قَوْمٌ
فَأَخْطَئوا.
(النوعُ الرابعُ والعشرون : كيفيةُ سماع الحديثِ وتَحمُّله وصفة ضَبطِه :
تُقبلُ روايةُ المسلم البالغ ما تحمَّله قبلَهما (١)) في حالِ الكُفر والصِّبا .
(ومَنَع الثاني) أي قبولَ روايةِ ما تحمَّله في الصِّبا (قومٌ فأخطئوا) لأنَّ
الناسَ قَبِلوا روايةَ أحداثِ الصحابةِ ، كالحَسَنِ ، والحسينِ، وعبدِ الله بنِ
الزُّبير ، وابنِ عباسٍ، والنُّعمانِ بنِ بشيرٍ، والسائبِ بنِ يزيدَ، والمِسورِ بنِ
مَخْرَمة، وغيرِهم، مِن غير فَرقٍ بين ما تحمَّلوه قبل البلوغ وبعده .
وكذلك كان أهل العلم يُحضِرون الصِّبيان مجالسَ الحديثِ ويعتدُّون
بروايتهم بَعد البلوغ .
ومِن أمثلةِ ما تُحُمِّل في حالِ الكُفر : حديثُ جبيرِ بنِ مُطعم المتفَّقُ
عليه، أنَّه سمع النبي ◌ِّهَ يَقْرأُ في المَغْرِبِ بالطُّور (٢) ، وكان جاء في فِدَاءِ
(١) في ((ص)): ((قبلها)).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٤/١)، ومسلم (٤١/٢).
..........
٠٠ .......

٥٨٥
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
أَسرَى بَدرٍ قَبلَ أن يُسلم. وفي روايةٍ للبخاريّ(١) : وذلك أوَّل ما وقَر
الإيمانُ في قلبي .
ولم يجرِ الخلافُ السابق هنا؛ كأنَّه لأنَّ الصبيّ لا يَضبطُ غالبًا ما
تحمَّله في صِباه بِخلافِ الكافرِ .
نَعَم ؛ رأيتُ القطبَ القسطلانيَّ في كتابهِ ((المنهج في علوم الحديث))
أَجرىُ الخلافَ فيه وفي الفاسقِ أيضًا .
قالَ جَمَاعةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: يُستَحَبُّ أَنْ يَبتدئَ بِسَمَاعِ الْحَدِيثِ
بَعْدَ ثَلاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: بَعْدَ عِشِرِينَ، وَالصَّوَابُ فِي هَذِهِ
الأَزْمَانِ التَّبْكِيرُ بِهِ مِنْ حِينِ يَصِحُّ سَمَاعُهُ، وَبِكَتْبِهِ وَتَقِْيدِهِ
حِينَ يَتَأَهَّلُ لَهُ، وَخْتَلِفُ پِاختِلاَفِ الأشخاصِ.
وَنَقَلَ القَاضي عياضٌ أَنَّ أَهْلَ الصَّنْعَةِ حَدَّدُوا أَوَّلَ زَمَنٍ يَصِحُ
فِيهِ السَّمَاعُ بِخَمْسٍ سِنينَ، وَعَلَى هذَا اسْتَقَرَّ العَمَلُ.
وَالصَّوَابُ : اغْتِبَارُ التَّمْيِيزِ، فَإِنْ فَهِمَ الخِطَابَ وَرِدَّ الْجَوَابَ ، كَانَ
مَميِّزًا صَحِيحَ السَّمَاعِ، وَإِلا فَلاَ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ مُوسَى بْنِ
هَارُونَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ .
(قال جماعةٌ مِن العلماءِ : يُستحبُّ أن يبتدئَ بسماع الحديثِ بعدَ
(١) ((الصحيح)) (١١٠/٥).

٥٨٦
النوع الرابع والعشرون
ثلاثينَ سنةً) وعليه أهل الشام (وقيل: بعدَ عشرين) سنة، وعليه أهلُ
الكوفةِ .
قيل لموسى بنٍ إسحاق(١): كيف لم تكتب عن أَبي نُعيم؟ فقال :
كان أَهلُ الكَوفة لا يُخرِجون أولادَهم في طَلبِ الحديثِ صِغارًا حتى
يستكملوا عشرين سنة .
وقال سفيان الثوري (٢): كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تَعَبَّدَ
قبل ذلك عشرين سنة .
وقال أبو عبد الله الزبيريُّ (٣) من الشافعيةِ: يُستحبُّ كَتْبُ الحديثِ في
العِشرين ؛ لأنَّها مُجتَمَعُ العقلِ .
قال : وأحبُّ أن يشتغلَ دُونها بحفظِ القرآنِ والفرائضِ، أي : الفِقه .
(والصوابُ في هذه الأزمانِ) بعد أن صار الملحوظُ إبقاءَ سلسلةٍ
الإسنادِ (التبكيرُ به) أي بالسماعِ (مِن حين يَصحُ سماعُه) أي الصَّغير
(وبَكَتبِهِ) أي الحديث (وتقييدِه) وضبطه (حين (٤) يتأهلُ له) ويستعدُّ (و)
ذلك (يختلفُ باختلافِ الأشخاصِ) ولا ينحصرُ في سِنَّ مخصوصٍ .
(ونَقَل القاضي عياضٌ (٥) أن أهلَ الصنعةِ حَدَّدوا أُولَ زمنٍ يَصحُ
(١) ((المحدث الفاصل)) (ص: ١٨٦)، و((الكفاية)) (ص: ١٠٤).
(٢) ((المحدث الفاصل)) (ص: ١٨٧)، و((الكفاية)) (ص: ١٠٤).
(٣) ((المحدث الفاصل)) (ص: ١٨٧، ١٨٨)، و((الكفاية)) (ص: ١٠٤).
(٤) في ((م)): ((حتى)).
(٥) ((الإلماع)) (ص: ٦٢، ٦٣).

٥٨٧
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
فيه السماعُ) للصغيرِ (بخمسِ (١) سنينَ) ونَسَبَه غيرُه للجمهورِ .
قال ابنُ الصلاح (٢): (وعلى هذا استَقرَّ العملُ) بين أهلِ الحديثِ ،
فيكتبون لابن خمسٍ فصاعدًا: (سَمِع))، وإن لم يبلغ خَمسًا: ((حَضَر)) أو
((أُحْضِر)).
وحُجَّتُهم في ذلك ما رواه البخاريُّ وغيرُه من حديثٍ محمودٍ بن الربيعِ
قال: عَقَلْتُ مِنَ النَّبيِّ نََّ مَجَّةَ مَجَّهَا فِي وَجهي مِن دَلوٍ وأنا ابنُ خَمسٍ
(٣)
سِنين(٣).
بوَّب عليه البخاري : متى يصحُّ سماعُ الصغيرِ؟
قال المصنّفُ - كابنِ الصلاح (٤) - (والصوابُ اعتبارُ التمييزِ، فإن
فَهِم الخطابَ وَرَدَّ الجوابَ كان مميّزًا صحيحَ السماع) وإن لم يبلغ خمسًا
(وإلا فلا) وإن كان ابنَ خمسٍ فأكثرَ، ولا يَلزمُ مِن عَقلِ محمودٍ المجَّةَ في
هذا السِّن أنَّ تمييزَ غيرِهِ مِثْلُ تمييزِه، بل قد يَنقُصُ عنه وقد يَزِيدُ ،
ولا يَلزمُ مِنه أن لا يَعْقِلَ مِثْلَ ذلك وسِتُه أقلُّ مِن ذلك، ولا يلزمُ مِن عَقلِ
المجةِ عَقلَ غيرِها ممَّا يسمعُه .
وقال القسطلانيُّ في كتاب ((المنهج)): ما اختاره ابنُ الصلاح هو
التحقيقُ والمذهبُ الصحیحُ .
(١) في (م): ((خمس)) .
(٢) ((علوم الحديث)) (ص: ١٦٤).
(٣) ((الصحيح)) (٢٩/١)، ومسلم (١٢٧/٢).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص: ١٦٤، ١٦٥).

٥٨٨
النوع الرابع والعشرون
(ورُوِي نحوُ هذا) وهو اعتبارُ التمييزِ (عن موسى بنِ هارون) الحمَّال
أحدِ الحُفَّاظ (وأحمدَ بنِ حنبلٍ)
أمَّا موسى؛ فإنه سُئل متى يَسمعُ الصبيُّ الحديثَ؟ فقال: إذا فرَّق بين
البقرةِ والحِمَارِ (١) .
وأما أحمدُ ؛ فإِنَّه سُئل عن ذلك؟ فقال: إذا عَقَلَ وضَبَطَ . فَذُكِرَ له
عن رَجلٍ أنه قال : لا يجوزُ سماعهُ حتَّى يكونَ له خمسَ عشرةَ سَنة ؛ لأنَّ
النبي ◌ّ﴿ ردَّ البراءَ وابنَ عُمر، استصغَرَهُما يوم بدرٍ. فأنكَر قولَه هذا،
وقال : بِئْسَ القولُ، فكيف يصنعُ بسفيانَ ووكيع ونحوِهما؟!(٢)
أسندهما الخطيبُ في ((الكفاية)) .
فالقولان راجعان إلى اعتبارِ التمييز، وليسًا بقولَين في أصلِ المسألةِ،
خِلافًا للعراقيِّ حيث فَهِمَ ذلك، فحَكَى فيها أربعةَ أقوالٍ (٣)، وكأنَّه أراد
حكايةَ القولِ المذكورِ لأحمدَ، وهو خمسَ عشرةَ.
وقد حكاه الخطيبُ في ((الكفاية)) (٤) عن قوم؛ منهم: يَحيىُ بنُ
مَعينٍ، وحكى عن آخرين؛ منهم يزيد بن هارون ثَلاثَ عشرةَ(٥).
ومما قيل في ضابطِ التمييز : أن يُحسِنَ العددَ مِن واحدٍ إلى عشرين .
حكاه ابنُ الملقن .
(١) ((الكفاية)) (ص: ١٨٨).
(٣) ((التبصرة والتذكرة)) (١٩/٢ - ٢٣).
(٤) (ص : ١١٣).
(٢) ((الكفاية)) (ص: ١١٣).
(٥) ((الكفاية)) (ص : ١١٤).

٥٨٩
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
وفرَّق السلفيُّ بين العَربِيِّ والعجميِّ فقال: أكثرُهم على أنَّ العربيَّ
يَصِحُّ سماعُه إذا بلغ أربعَ سِنين ؛ لحديثِ محمودٍ ، والعَجَمِيُّ إذا بلَغْ سِتَّ
سنين .
ومما يدلُّ على أن المرجع إلى التمييزِ: ما ذكره الخطيبُ(١)، قال:
سمعتُ القاضي أبا محمدٍ الأصبهانيَّ يقول: حَفظتُ القرآنَ ولي خمسُ
سِنين، وأُحضرتُ عند أبي بكرٍ المقرئ ولي أَربعُ سِنين، فأرادوا أن
يسمعوا لي فيما حضرتُ قراءتَه، فقال بعضهم : إنه يَصغُرُ عَنِ السماعِ .
فقال لي ابنُ المقرئ : اقرَأْ سُورةً الكافِرِينَ . فقرأتُها، فقال : اقرَأ سورةَ
التكوير. فقرأتُها، فقال لي غيرُه: اقرأ سورةَ والمُرسَلاتِ، فقرأتُها ولم
أَغْلَطْ فيها، فقال ابنُ المقرئ: سمعوا له والعُهدَةُ عَلَيَّ .
٠٠٠٠٠٠" .. ٠١٠
.... .
:
(١) ((الكفاية)) (ص: ١١٧).
:
........