Indexed OCR Text

Pages 521-540

٤٥٠
النوع العشرون
التَّوعُ العِشْرُونَ :
المُدْرَجُ
هُوَ أَقْسَامٌ :
أحَدُهَا: مُدْرَجٌ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ عَّهِ بِأن يَذْكُرَ الرَّاوِي عَقِيبَهُ
كَلامًا لِنَفْسِهِ أوْ لِغَيْرِهِ؛ فَيَرْوِيَهُ مَنْ بَعْدَهُ مُتَّصِلاً؛ فَيُتَوَهُمُ أنَّهُ
مِنَ الحَدِيثِ.
----
(النوعُ العشرون : المدرَجُ .
هو أقسامٌ :
أحدُها: مَدَرَجٌ في حديثِ النبيِّ وَّ؛ بأن يَذْكُرَ الراوي عَقِيبَه كلامًا
لِنَفْسِهِ أو لغيرِهِ، فيرويه مَن بَعده متصلًا) بالحديثِ مِن غيرِ فَصلٍ (فَيْتَوَهُمُ
أنه مِن) تتمة (الحديثِ) المرفوع .
ويُدركُ ذلك بورودِهِ مُفصلًا في روايةٍ أُخرى، أو بالتنصيص على ذلك
مِن الراوي، أو بعضٍ الأئمةِ المُطَّلعين، أو باستحالةِ كونِهِ نَّهِ يقولُ
ذلك .
مثالُ ذلك: ما رواه أبو داود(١) : ثنا عبدُ اللَّه بن محمد النفيلي : ثنا
زهيرٌ: ثنا الحسنُ بن الحر، عَنِ القَاسِم بن مُخيمرة، قال: أَخَذَ عَلقَمَةٌ
(١) ((السنن)) (٩٧٠).
٠٠٠ ٠ ٠

٤٥١
المدرج
بِيَدِي فَحَدَّثَني أنَّ عَبدَ اللّه بنَ مَسعُودٍ أخذ بِيَدِهِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ أَخَذَ
بِيَدِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، فَعلَّمِنَا التَّشَهُّدَ في الصَّلاةَ - الحديث، وفيه: ((إِذَا
قُلتَ هَذَا - أو قَضَيتَ هذا - فَقَد قَضَيتَ صَلَاتَكَ، إن شِئتَ أَن تَقومَ
فَقُم، وإن شِئْتَ أَن تَقَعُدَ فَاقِعُد)).
فقوله: ((إذا قلتَ)) إلى آخره، وصَله زهيرُ بنُ مُعاويةً بالحديث
المرفوعِ في رواية أبي داودَ هذه، وفيما رواه عنه أكَثرُ الرواةِ .
قال الحاكم (١): وذلك مُدرَجٌ في الحديثِ مِن كلام ابنِ مَسعودٍ،
وكذا قال البيهقيُّ والخطيبُ .
وقال المصنّف في ((الخلاصة)): اتَّفق الحفاظُ على أنَّها مدرجةٌ ، وقد
رواه شَبَابة بن سَوَّار، عن زهيرٍ ، ففصله، فقال: قالَ عبدُ اللَّه : فَإِذا قلتَ
ذلك - إلى آخِرِه .
رواه الدار قطنيُّ (٢) وقال: شَبابة ثقةٌ، وقد فصل آخر الحديث وجعله
من قولِ ابنِ مسعودٍ، وهو أصحُ من روايةِ مَنْ أدرج، وقولُه أشبه
بالصوابِ ؛ لأنَّ ابنَ تَوبان رواه عن الحسن كذلك ، مع اتفاقِ کلِ مَن روی
التشهدَ عَن عَلقمةَ وعَن غيرِهِ عنِ ابنِ مسعودٍ عَلى ذلك.
وكذا : ما أخرجه الشيخان(٣) مِن طريقِ ابن أبي عروبة وجرير بن
(١) ((المعرفة)) (ص: ٣٩).
(٢) «السنن)) (٣٥٣/١).
(٣) البخاري (١٨٥/٣)، ومسلم (٢١٢/٤ - ٢١٣).

٤٥٢
النوع العشرون
حازم، عن قتادةً، عن النضرِ بنِ أنسٍ، عن بشيرِ بنِ نهيكٍ، عن
أبي هُريرة: ((مَن أَعتَقَ شقصًا))، وذكَر (١) فيه الاستسعاءَ.
قال الدار قطنيُّ (٢) - فيما انتقده عَلى الشيخين -: قد رَواهُ شعبةُ وهشامٌ
وهُما أثبتُ الناسِ في قَتادةَ، فلم يَذكُرا فيه الاستسعاءَ ، ووافقَهما همامٌ ،
وفصَل الاستسعاءَ مِن الحديثِ، وجَعَله مِن قولِ قتادةً .
قال الدارقطنيُّ : وذَلك أَولى بالصَّوابِ .
وكذا: حديثُ ابنِ مسعودٍ - رفَعه - : ((مَن مَاتَ لا يُشرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا
دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن مَاتَ يُشرِكُ بِاللَّه شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ))(٣) .
ففي روايةٍ أُخرىُ (٤): قالَ النبيُّ وََّ كلمةً وقلتُ أنا أُخرى -
فذكرهما .
فأفاد ذلك أنَّ إِحدى الكلمتين مِن قولِ ابنِ مسعودٍ ، ثم وردت روايةٌ
ثالثةٌ (٥) أفادت أنَّ الكلمةَ التي هِي مِن قوله هي الثانيةُ، وأكَّد ذلك روايةٌ
رابعةٌ (٦) اقتصرَ فيها على الكلمةِ الأولىُ مُضافةً إلى النبيِّ وََّ .
وفي ((الصَّحيح)) (٧) عَن أَبي هُرِيرةَ مرَفوعًا: ((لِلعَبدِ المَمِلُوكَ أَجرَانٍ)»،
(٢) ((التتبع)) (ص: ٢٠٥ - ٢٠٨).
(١) في ((ص)): ((ذكرا)).
(٣) أخرجه: الخطيب في ((الفصل للوصل)) (٢١٧/١ - ٢١٨).
(٤) أخرجه: أحمد (٣٨٢/١).
(٥) أخرجه: البخاري (٩٠/٢)، ومسلم (٦٥/١).
(٦) رواه الخطيب بسنده في ((الفصل للوصل)) (٢٢٠/١).
(٧) أخرجه: البخاري (١٩٥/٣ - ١٩٦)، ومسلم (٩٤/٥).

٤٥٣
المدرج
والَّذِي نَفسي بِيَدِهِ، لولا الجهادُ في سبيلِ اللَّهِ والحجُ وبِرُّ أُمِّي لأَحبَبتُ أَن
أَمُوتَ وَأَنَا مَملُوٌ .
فقوله: ((والَّذِي نَفسي بِيَدِهِ)) إلى آخره، مِن كلام أَبي هُريرة؛ لأنَّه
يمتنعُ (١) منه ◌َّهِ أَن يتمنى الرِّقَّ، ولأنَّ أُمَّه لَم تَكُن إذ ذاك موجودةً حتى
پیژّها .
● تنبية :
هذا القِسمُ يُسمَّى مُدرَجَ المَتنِ، ومُقابله مدرجُ الإسنادِ ، وكل منهما
ثلاثة أنواع، اقتصر المصنف في الأول على نوعٍ واحدٍ، تَبعًا لابنٍ
الصلاحِ، وأهمَلَ نَوعين، وأهملَ مِن الثاني نَوعًا، وهو عِندَ ابنِ الصلاحِ .
فأمَّا مدرجُ(٢) المتنِ، فتارةً يكونُ في آخرِ الحديثِ، كما ذكره، وتارةً
في أَوَّله، وتارةً في وسَطه، كما ذكره الخطيبُ وغيرُه .
والغالبُ وقوعُ الإدراجِ آخر الخبرِ ، ووقوعُه أَولَه أكثرُ مِن وَسَطه ؛ لأنَّ
الراوي يقولُ كلامًا يريدُ أن يستدلَّ عليه بالحديثِ، فيأتي به بلا فَصلٍ ،
فَيُتُوهَّم أنَّ الكلَّ حديثٌ .
مِثالُه: ما رواه الخطيبُ (٣) مِن رواية أبي قطنٍ وشبابةَ - فَرَّقهما - ،
عَن شُعبةَ، عن مُحمدٍ بنِ زيادٍ، عن أبي هُريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّه ◌َّهِ :
((أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيِلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)).
(١) في ((ص): ((ممتنع) .
(٣) ((الفصل للوصل)) (١٥٨/١).
(٢) في ((ص)): ((مدرجة)).

٤٥٤
النوع العشرون
فَقوله : ((أَسْبِغُوا الوُضُوءَ)) مُدرَجٌ مِن قولِ أبي هريرة، كما بُيِّن في
رواية البخاري، عن آدَمَ، عن شُعبةَ، عن محمدِ بن زيادٍ، عن
أبي هريرة، قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم بَّه قال: ((وَيَلْ
لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ))(١) .
قال الخطيبُ (٢): وَهِمَ أبو قطن وشبابةُ في روايتهما له عَن شعبة على
ما سُقناه، وقد رواه الجَمُّ الغفيرُ عنه كروايةِ آدم .
ومِثالُ المدرج في الوسَط - والسبب فيه : إمَّا استنباطُ الراوي حُكمًا مِن
الحديث قبل أن يتم فيدرجه ، أو تفسيرُ بعضِ الألفاظِ الغَرِيبةِ ، ونحو ذلك .
فَمِنَ الأَول: ما رواه الدار قطنيُّ في ((السُّنن)) (٣) مِن رواية عبد الحميدِ
ابن جعفرٍ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن بُسرَة بنتِ صَفوان ،
قالت: سمعتُ رسولَ اللّهِ وَ له يقولُ: ((مَن مَسَّ ذَكَرَهُ أو أُنثَيهِ أو رُفغَيهِ(٤)
فَلْيَتَوضَّا)» .
قال الدارقطنيُّ (٥) : كذا رواه عبدُ الحميد عن هِشام، وَوَهِمَ في ذِکرِ
((الأُنثَّيين والرفغ))، وإدراجه لذلك(٦) في حديثٍ بُسرَةٌ، والمحفوظُ أنَّ
ذلك قولُ عُروةَ، وكذا رواه الثقات عن هشام، منهم : أيوب، وحماد بن
زيد، وغيرهما .
(١) أخرجه: البخاري (٥٣/١).
(٢) ((الفصل للوصل)) (١٥٩/١).
(٣) (١٤٨/١).
(٤) في ((ص))، ((م): ((رفعه))، والمثبت من سنن الدار قطني (١٤٨/١).
(٥) ((السنن)) (١٤٨/١).
(٦) في ((ص)): ((وإدراكه كذلك)).
٢٠٢٠٥٠٠

٤٥٥
المدرج
ثم رواه من طريق أيوب، بلفظ: ((مَن مَسَّ ذَكَرَهُ فليتوضأ)) (١). قال:
وكَان عُروة يقولُ: إِذا مسَّ رُفغيه أو أُنثبيه أو ذَكَره فَليتوضأ. وكذا قالَ
الخطيبُ (٢) .
فعروةُ لمَّا فَهِم من لفظ الخبرِ أنَّ سببَ نقض الوضوءِ مَظِنَةُ الشهوةِ ،
جَعل حُكم ما قَرُبَ مِنَ الذَّكَرِ كذلك، فقالَ ذلك، فظنَّ بعضُ الرواةِ أنَّه
مِن صُلب الخبرِ، فنقَله مُدَرَجًا فيه، وفهم الآخرون حقيقةً الحالِ
فَفَصلوا .
ومِنَ الثاني: حديثُ عائشةَ في بدءِ الوَحِي (٣) -: كانَ النبيُّنَّهِ يَتَحَنَّتُ
في غَارِ حِرَاءٍ، وهو التعبدُ الليالي ذواتِ العددِ .
فقوله: ((وهو التعبدُ)) مُدرَجٌ مِن قولِ الزهريِّ .
وحديثُ: فضالةَ: ((أنا زَعِيمٌ - والزَّعِيمُ الحميلُ - ببيتٍ فِي رَبَضٍ
الجَنَّةِ)) الحديث (٤) .
فقوله: ((والزعيمُ الحميلُ)) مُدرَجٌ مِن تفسيرِ ابنِ وهبٍ.
وأمثلةُ ذلكَ كَثيرةٌ .
قال ابنُ دقيقِ العيد(٥) : والطريقُ إلى الحُكم بالإدراج في الأولِ أو
(١) ((السنن)) للدار قطني (١٤٨/١).
(٢) ((الفصل للوصل)) (٣٤٦/١).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٣/١).
(٤) أخرجه: النسائي (٢١/٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (٦٠/٢، ٧١)، والبيهقي
(٦ / ٧٢) .
(٥) ((الاقتراح)) (ص : ٢٢٤).

٤٥٦
النوع العشرون
الأثناءِ ضعيفٌ، لا سيَّما إن كان مُقدَّمًا على اللفظِ المرويِّ، أو معطوفًا
عليه بواوِ العطفِ .
الثَّانِي: أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَثْنَانِ بِإِسْنَادَيْنِ، فَيَرْوِمَهُمَا بِأَحَدِهِمَا.
(الثاني: أن يكونَ عندَه متنانٍ) مُختَلِفان (بإسنادينٍ) مُختلِفِين
(فيرويهما بأحدِهما) أو يَروي أحدهما بإسنادِه الخاصِّ به ، ويَزِيدُ فيه مِن
المتنِ الآخَرِ ما ليس في الأولِ ، أو يكون عنده المتنُ بإسنادٍ إلا طرفًا منه ،
فإنَّه عنده بإسنادٍ آخر ، فيرويه تامًّا بالإسنادِ الأولِ .
ومنه: أن يسمعَ الحديثَ مِن شيخِه إلا طَرَفًا مِنه، فَيَسمعه بواسطةٍ
عَنه، فيرويه تامًّا بحذفِ الواسطةِ .
وابنُ الصلاح(١) ذكَر هَذَين القِسمين دُون ما ذكره المصنّفُ، وكأنَّ
المصنف رَأى دخولَهما فیما ذكره .
مثالُ ذلك : حديثٌ رواه سعيدُ بنُ أبي مَريمَ، عن مالكِ، عَنِ
الزهريِّ، عن أَنْسِ، أنَّ رسولَ اللّهِ بَ له قال: «لا تَبَاغَضُوا،
ولا تَحَاسَدُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا تَنَافسُوا)) - الحدیث .
فقوله: ((ولا تَنَافسُوا)) مُدرَجٌ، أدرجه ابنُ أبي مريم من حديث آخرَ
لمالكِ، عن أبي الزنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، عَنِ النبيِّ ◌َّ :
(( إِيَّاكُم والّنَّ؛ فَإِنَّ الََّنَّ أكذَبُ الحَدِيثِ، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَنَافِسُوا،
ولا تَحَاسَدُوا)) .
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٢٩).
٠٠٨٨٦win.

٤٥٧
المدرج
وكلا الحديثين مُتَّفقٌ عَليه من طريق مالكِ ، وليس في الأولِ :
(( ولا تَنَافسُوا)) (١)، وهي في الثاني، وهكذا الحديثان عِند رُواةٍ
((الموطٍ)) (٢) .
قال الخطيبُ (٣): وَهِمَ فيها ابنُ أبي مريم عن مالكِ عن ابن شهاب ،
وإنما يرويها (٤) مالكٌ في حديثه عن أبي الزناد .
وروى أبو داود (٥) مِن روايةٍ زائدةً وشريكِ - فَرَّقهما - والنسائيُّ (٦)
مِن روايةٍ سُفيانَ ابنِ عُيينةً، كلهم عَن عاصم بن كُليبٍ ، عن أبيه، عن
وائل ابن حُجرٍ - في صِفَةِ صلاةِ رسولِ اللَّه ◌َّرَ -، قال فيه: ثُمَّ جئتُهُم
بَعدَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ فيه بَردٌ شَدِيدٌ، فَرَأَيتُ النَّاسَ عَلَيهم جل الثيابِ تحرك
أيديهم تَحتَ الثَّابِ .
فقولُه: ((ثم جئتهم)) إلى آخره، ليس هو بهذا الإسنادِ، وإنما أُدرج
عليه، وهو مِن روايةٍ عاصم، عن عبدِ الجبار بن وائلٍ، عن بعضٍ أهله،
عن وائلٍ (٧) .
وهكذا رواه مبينًا: زهيرُ بنُ مُعاوية(٨)، وأبو بدرٍ شُجاعُ بنُ
(١) أخرجه: البخاري (٢٣/٨، ٢٥)؛ ولكن بدون زيادة: ((ولا تنافسوا)) كما بينه ابن
حجر ((الفتح)) (٤٨٤/١٠ - ٤٨٥)، ومسلم (٨/٨، ١٠).
(٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (ص : ٥٦٦).
(٣) ((الفصل للوصل)) (٢/ ٧٤٢).
(٤) في ((م)): ((يرويهما)).
(٦) ((السنن)) (١٩٥/٢).
(٥) ((السنن)) (٧٢٧، ٧٢٨).
(٧) أخرجه: أحمد (٣١٨/٤).
(٨) أخرجه: أحمد (٣١٨/٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٦/٢٢).

٤٥٨
النوع العشرون
الوليد (١)؛ فميَّزا قِصةَ تحريكِ الأيدي، وفَصَلاهَا مِن الحديث، وذكّرا
إسنادها(٢) .
قال موسى بنُ هارونَ الحَمَّال: وهُما أثبتُ ممَّن روى رَفعَ الأيدي
تحتَ الثيابِ عن عاصمِ عن أبيهِ عن وائلٍ .
الثَّالِثُ: أَنْ يَسْمَعَ حَدِيثًا مِنْ جَمَاعَةٍ مُخْتَلِفِينَ فِي إِسْنَادِهِ أَوْ
مَتْنِهِ، فَيَزْوِيَهُ عَنْهُمْ بِاتِّفَاقٍ .
(الثالثُ: أَن يسمعَ حديثًا مِن جماعةٍ مُختلفينَ في إسنادِه أو متنِهِ ،
فيرويه عنهم باتفاقٍ) ولا یبیِّنُ ما اختلف فيه .
ولفظة ((المتن)) مزيدةٌ هُنا، كأنَّه أَرَاد بها ما تقدَّم مِن أن يكون المتنُ
عنده بإسنادٍ إلا طرفًا منه، وقد تقدَّم مِثالُه .
ومثالُ اختلافِ السندِ: حديثُ الترمذيّ(٣)، عن بندار، عن ابن
مَهديٍّ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن واصلٍ ومنصورٍ والأعمشِ، عن
أبي وائلٍ، عن عَمرو بن شُرَحِبِيل، عن عبدِ اللَّه قال: قُلتُ:
يا رسول اللَّه، أيُّ الذنب أعظمُ؟ الحديث .
فروايةُ واصل هذه مُدرَجةٌ على روايةِ منصورٍ والأعمش ؛ لأن واصلًا
لا يَذْكُرُ فِيه ((عَمَرًا)»، بل يجعلُه عن أبي وائلٍ عن عبدِ اللَّه؛ هكَذا رواهُ
(١) أسنده الخطيب في ((الفصل للوصل)) (٤٣٨/١).
(٢) في ((ص)): ((إسنادهما)).
(٣) ((الجامع)) (٣١٨٢).

٤٥٩
المدرج
شعبةُ ومهديُّ بن ميمون ومالكُ بنُ مغولٍ وسعيدُ بنُ مسروقٍ، عن
واصلٍ، كما ذكره الخطيبُ (١) .
وقد بَيَّن الإسنادين معًا يحيى بنُ سعيدِ القَطَّانُ في روايتهِ عن سفيان،
وفصل أحدهما مِنَ الآخر ، رواه البخاري في ((صحيحه))(٢) عن عمرو بن
عليٍّ، عن يحيى، عن سفيان، عن مَنصورٍ والأعمشِ - كِلَاهما - عن
أبي وائلٍ، عن عَمرو، عن عبد اللَّه - وعن سُفيان، عن واصلٍ، عن
أبي وائلٍ، عن عبد اللَّه - ، من غيرِ ذِكر(( عَمٍو)).
وقال عمرو بنُ عليٍّ : فذكرتُه لعبد الرحمن - وكان حدَّثنا سفيان ،
عن الأعمشِ ومنصورٍ وواصلٍ، عن أبي وائلٍ، عن عَمرِو - فقال : دَعهُ،
دَعهُ .
قال العراقيُّ (٣): لكن رواه النسائيُّ (٤)، عن بندارٍ، عن ابن مهديٌّ،
عن سُفيان، عن واصلٍ وحده، عن(٥) أبي وائلٍ عن عَمرٍو، فزاد في
السندِ عَمرًا، مِن غيرِ ذِكرِ أَحدٍ، وكأن ابنَ مهدي لما حدَّث به عن
سُفيان، عن مَنصورٍ والأعمشِ وواصلٍ بإسنادٍ واحدٍ ، ظنَّ الرُواةُ عنِ ابنِ
مهديِّ اتفاقَ طُرقِهِم، فاقتصرَ على أحدِ شُيوخِ سُفيانَ .
(١) ((الفصل للوصل)) (٨٢١/٢).
(٣) ((التبصرة)) (٢٦٠/١).
(٥) في ((ص)): ((وعن)).
(٢) (٨/ ٢٠٤) .
(٤) ((المجتبى)) (٨٩/٧ - ٩٠).

٤٦٠
النوع العشرون
وَكُلَّهُ حَرَامٌ .
(وكُلُّه) أي الإدراجُ بأقسامه (حَرامٌ) بإجماع أهلِ الحديثِ والفِقِهِ .
وعبارةُ ابن السمعانيِّ وغيرِه : مَن تعمَّد الإدراجَ فهو ساقطُ العدالةِ ،
وممَّن يُحرِّفُ الكَلِمَ عَن مَواضعه، وهو مُلحَقٌ بالكَذَّابِينَ .
وعندي ؛ أنَّ ما أُدرج لتفسيرٍ غريبٍ لا يُمنع، ولذلك فَعله الزهريُّ
وغيرُ واحدٍ مِن الأئمةِ .
وصَنَّفَ فِيهِ الخَطِيبُ كِتَابًا شَفَى وَكَفَى.
(وَصنَّف فيه) أي نوع المُدَرَج (الخطيبُ كتابًا) سمَّاه ((الفصل للوصل
المدرج في النقل)) (شَفَى وكفَى) على ما فيه مِن إِعوازٍ .
وقد لخَّصه شيخُ الإسلام وزادَ عليه قَدرَهُ مرتين أو أكثرَ في كتابٍ سمَّاه
(( تقريب المنهج بترتيبِ المُدرَج)».

٤٦١
الموضوع
النَّوعُ الحَادِي وَالْعِشْرُونَ :
المَوْضُوعُ
هُوَ المُخْتَلَقُ الْمَصْنُوعُ، وَشَّرِّ الضَّعِيفِ، وَتَحُمُ رِوَايْتُهُ مَعَ العِلمِ
بِهِ فِي أَيِّ مَعنّى كَانَ إِلاَّ مُبَيَّنَا .
(النوعُ الحادي والعشرون: الموضوعُ :
وهو) الكَذِبُ (المختَلَقُ المصنوعُ، و) هو (شَرُّ الضعيفِ) وأقبحه
(وَتَحِرُمُ روايته مع العلم به) أي بوضعِهِ (في أيِّ معنَى كان) سواء الأحكام
والقَصَص والترغيب وغيرها (إلا مبيّنًا) أي مقرونًا ببيان وضعهِ ؛ لحديثٍ
مسلم (١): ((مَن حَدَّثَ عَنِّي بحديثٍ يرى أنَّه كَذِبٌ فهو أحدُ الكَاذبين(٢)) .
(١) أي: في مقدمة ((الصحيح)).
(٢) في (م)): ((الكذابين))، والمثبت من ((الصحيح)).
قال الحافظ في ((النكت)) (٨٣٩/٢):
((وكفى بهذه الجملة وعيدًا شديدًا في حق من روى الحديث فيظن أنه كذب فضلًا عن
أن يتحقق ذلك ولا يبينه؛ لأنه # جعل المحدث بذلك مشاركًا لكاذبه في وضعه)).
وقال مسلم في مقدمة صحيحه (٦/١):
((اعلم أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات
الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه ،
وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع».
وكلامه موافق لما دلَّ عليه الحديث المذكور .
=

٤٦٢
النوع الحادي والعشرون
= وقال ابن حبان في مقدمة ((المجروحين)) (٧/١ - ٨):
((في هذا الخبر دليل على أن المحدث إذا روى ما لم يصح عن النبي وَلَّ مما تُقوِّل
عليه، وهو يعلم ذلك يكون كأحد الكاذبين، على أن ظاهر الخبر ما هو أشد من
هذا، وذاك أنه قال : (( ... وهو يُرى أنه كذب))، ولم يقل: إنه تيقن أنه
كذب ... فكل شاكٌ فيما يروي أنه صحيح أو غير صحيح داخل في ظاهر خِطاب
هذا الخبر)) .
قلت : فظاهر كلام ابن حبان أن كل ما يُشك في صحته فلا يجوز روايته ، فكلامه بهذا
يشمل الضعيف أيضًا. والكذب: هو الإخبار بخلاف الواقع خطأ أو عمدًا.
ولذا علق الحافظ ابن حجر على قول ابن الصلاح في ((المقدمة)) (ص١٣١):
((لا تحل رواية الموضوع لأحد علم حاله في أي معنًى كان إلا مقرونًا ببيان وضعه،
بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن، حيث جاز
روايتها في الترغيب والترهيب)».
علق الحافظ عليه في ((النكت)) قائلًا (٨٤٠/٢):
((يريد جعل احتمال صدقها قيدًا في جواز العمل بها، لكن هل يشترط في هذا
الاحتمال أن يكون قويًّا بحيث يفوق احتمال كذبها، أو يساويه، أو لا؟
هذا محل نظر، والذي يظهر من كلام مسلم، ربما دلَّ عليه الحديث المتقدم، بأن
احتمال الصدق إذا كان احتمالًا ضعيفًا أنه لا يعتد به)) .
تنبيه :
هذا الحديث المتضمن للوعيد على من يروي حديثًا عنه وَّر وهو شاك في صحته
عنه، محمول على ما إذا كان المتن الذي نسب إليه وَلّر غير صحيح، أما إذا كان
المتن صحيحًا ثابتًا عنه من وجه أو أكثر، ثم جاء من وجه آخر وقعَ فيه الخطأ في
إسناده دون المتن، فمثل هذا يجوز روايته، ولا يشمله هذا الحديث. والله أعلم .
وقال الترمذي في ((كتابه)) (٣٧/٥) :
(«سألت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن - يعني: الدارمي - عن حديث النبي الطيار:
((من حدث عنّي حديثًا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)).
=
، ،،،،،،
٠٠٠ ...

٤٦٣
الموضوع
وَيُعرَّفُ الوَضْعُ بِإِقِرَارِ وَاضِعِهِ، أَوْ مَعنَى إِقِرَارِهِ، أَوْ قَرِينَةٍ فِي
الرّاوِي أو المَرِيِّ؛ فَقَد وُضِعَتِ أَحَادِيثُ يَشْهَدُ بِوَضْعِهَا رَكَاكَةُ
لَفظهَا وَمعَانِيهَا.
(وُيُعرَفُ الوضعُ) للحديثِ (بإقرارِ واضِعِه) أنَّه وضَعه، كحديثٍ
فضائل القرآنِ الآتي ، اعترفَ بوَضعه مَيسرةُ .
وقال البخاريُّ في ((التاريخ الأوسط)) (١): حدَّثني يحيى اليشكريُّ،
عن عليٍّ بنِ جريرٍ (٢)، قال: سمعتُ عُمَّرَ بنَ صبح(٣)، يقول: أنَا وَضَعتُ
خُطَبَة النَّبِيِّ وَِّ .
وقد استَشكَّل ابنُ دقيق العيد الحُكمَ بالوضعِ بإقرارِ مَنِ ادَّعى وَضعَهُ ،
لأنَّ فيه عَملًا بقولِهِ بعدَ اعترافهِ على نَفْسِه بالوضعِ .
= قلت له: مَن رَوى حديثًا وهو يعلم أن إسناده خطأ، أيخاف أن يكون قد دخل في
حديث النبي ◌َّار؟ أو إذا روى الناس حديثًا مرسلًا فأسنده بعضهم أو قلب إسناده ،
يكون قد دخل في هذا الحديث؟
فقال: لا، إنما معنى هذا الحديث: إذا روى الرجل حديثًا، ولا يعرف لذلك
الحديث عن النبي ◌َ﴿ أصلٌ، فحدَّث به، فأخاف أن يكون قد دخل في هذا
الحدیث )) .
(١) (١٥٢/٢).
(٢) في ((م)): ((حُدير))، وهو خطأ، وهو علي بن جرير الباوردي، ترجمته في ((الجرح
والتعديل)) (١٧٨/١/٣).
(٣) في ((ص): ((صبيح)) .
ـسعى

٤٦٤
النوع الحادي والعشرون
قال(١): وهذا كافٍ في ردِّه، لكن ليس بقاطع في كونه موضوعًا،
لجوازِ أن يَكذِبَ في هذا الإقرارِ بِعينه .
قيل : وهذا ليس باستشكالٍ(٢) منه، إنما هو توضيحٌ وبيانٌ، وهو أنَّ
الحُكمَ بالوضعِ بالإقرارِ ليس بأمرٍ قطعيِّ موافقٍ لما في نَفس الأمر، لجوازٍ
كَذبهِ في الإقرار، على حدٍّ ما تقدَّم أنَّ المرادَ بالصحيح والضعيفِ ما هو
الظاهرُ، لا ما(٣) في نفسِ الأمرِ(٤)، ونحا البلقينيُّ في ((محاسنِ
الاصطلاح)) (٥) قريبًا مِن ذلك .
(أو معنى إقرارِهِ) عبارةُ ابنِ الصلاحِ(٦): وما يَتَنزَّلُ مَنزلةً إقرارِه.
قال العراقي (٧): كأن يُحدِّثَ بحديثٍ عن شيخ، ويُسأل عن مولدِه،
(٢) في ((ص)): ((المستشكل)).
(١) ((الاقتراح)) (ص : ٢٣٤).
(٣) ليست في ((ص)) .
(٤) هذا معنى كلام الحافظ ابن حجر، حيث قال في ((النزهة)) (ص١١٨ - ١١٩): ((وفهم
بعضهم من كلام ابن دقيق العيد، أنه لا يُعمل بذلك الإقرار أصلًا، وليس ذلك
مراده؛ وإنما نفى القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم ؛ لأن الحكم يقع
بالظن الغالب، وهو هنا كذلك، ولولا ذلك لما ساغ قتل المقرّ بالقتل، ولا رجم
المعترف بالزنى؛ لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به)).
قلت : ولعل الحافظ ابن حجر يشير بقوله: ((بعضهم)) إلى الإمام الذهبي ، حيث قال
في («الموقظة)) (ص : ١٥) معقبًا على ابن دقيق العيد، قال :
((هذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو فتحنا باب التجويز والاحتمال البعيد، لوقعنا في
الوسوسة والسفسطة)) .
(٥) (ص : ٢١٥).
(٧) ((التقييد)) (ص: ١٣٢).
(٦) ((علوم الحديث)) (ص: ١٣١).

٤٦٥
الموضوع
فيذكر تاريخًا يُعلم وفاة ذلك الشيخ قَبله، ولا يُعرف ذلك الحديثُ إلا
عِنده ، فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقتٍ مولده يَتَنزَّل (١) منزلةً
إقرارِه بالوضع ؛ لأنَّ ذلك الحديثَ لا يُعرف إلا عن ذلك الشيخ،
ولا يُعرف إلا بروايةِ هذا عنه .
وكذا مثَّل الزركشيُّ في ((مُختصره)) (٢) .
(أو قرينةٍ في الراوي، أو المرويِّ، فقد وُضِعَت أحاديثُ) طويلةٌ
(يَشهَدُ بوضعِها ركاكةُ لفظها ومعانيها) .
قال الربيعُ بنُ خُثيم (٣): إن للحديثِ ضَوءًا كضوءِ النهارِ تعرفه،
وظلمة كظلمة الليل تنكره .
وقال ابن الجوزي (٤) : الحديثُ المنكَرُ يَقشعرُ له جِلدُ الطالبِ للعلم،
وينفرُ مِنه قلبُه في الغالبِ .
قال البلقيني(٥): وشاهدُه أنَّ إنسانًا لو خدَم إنسانًا سِنين، وعرف
ما يحبُّ وما يَكره، فادَّعى إنسانٌ أنه كان يكرهُ شيئًا يعلم ذلك أنَّه يحبه،
فبمجرد سماعِهِ يُبادر إلى تكذيبه .
وقال شيخُ الإسلام(٦) : المدارُ في الرِّكَّةِ على رِكَّة المعنى، فَحيثما
(١) في (م)): ((ينزل)).
(٢) ((النكت)) له (٢٦٤/٢ - ٢٦٥).
(٣) ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٦٢)، و((الموضوعات)) لابن الجوزي (١٤٧/١).
(٤) ((الموضوعات)) (١٤٦/١).
(٦) ((النكت)) (٨٤٤/٢).
(٥) ((محاسن الاصطلاح)) (ص : ٢١٥).

٤٦٦
النوع الحادي والعشرون
وُجِدت دلَّ على الوضع وإن لم ينضم إليه رِكةُ اللفظِ؛ لأنَّ هذا الدِّين كله
محاسن، والركةُ تَرجعُ إلى الرَّداءةِ .
قال : أما رَكاكةُ اللفظِ فقط فلا تدلُّ على ذلك، لاحتمالٍ أن يكونَ
رواه بالمعنى فغيَّر ألفاظَه بغيرِ فَصيح، ثم إن صرَّح بأنَّه مِن لفظِ النبيِّ وَّل
فكاذب .
قال: وممَّا يدخل في قرينةٍ حالِ المرويِّ، ما نُقل عن الخطيبٍ(١)،
عن أبي بكرِ ابن الطيِّب، أنَّ مِن جُملة دَلائلِ الوضع أن يكونَ مُخالِفًا
للعقلِ بحيث لا يقبل التأويلَ، ويلتحق به ما يدفعه الحسُّ والمشاهدةُ، أو
(١) ((الكفاية)) (ص ١٥).
وفي ((الفقيه والمتفقه)) (١٣٢/١ - ١٣٣)، روى الخطيب عن محمد بن عيسى بن
الطباع ، قال :
((كل حديث جاءك عن النبي وَالر لم يبلغك أن أحدًا من أصحابه فعله فدعه، وإذا روى
الثقة المأمون خبرًا متصل الإسناد ردَّ بأمور :
أحدها : أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه؛ لأن الشرع إنما يَرِد بمجوزات
العقول ، وأما بخلاف العقول فلا .
والثاني : أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ .
والثالث : أن يخالف الإجماع ، فيستدل على أنه منسوخ أو لا أصل له ؛ لأنه لا يجوز
أن يكون صحيحًا غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه .
والرابع : أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمه، فيدل ذلك على أنه
لا أصل له ؛ لأنه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم .
والخامس : أن ينفرد برواية ما جرت العادة بأن ينقله أهل التواتر، فلا يقبل ؛ لأنه
لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية)».

٤٦٧
الموضوع
يكون منافيًا لدلالةِ الكتابِ القطعيةِ، أو السُّنةِ المتواترةِ، أو الإجماع
القطعيِّ ، أما المعارضةُ مع إمكانِ الجمعِ فلا .
ومنها : ما يصرح بتكذيبِ رُواة جمع المتواتر، أو يكون خبرًا عن أمرٍ
جسيم تتوفر الدواعي على نَقله بمَحضرِ الجمع ثم لا ينقله منهم إلا
واحدٌ .
ومنها : الإفراطُ بالوعيدِ الشديدِ على الأمرِ الصغيرِ، أو الوعدِ العظيم
على الفعلِ الحقيرِ، وهذا كثيرٌ في حَديثِ القصاصِ، والأخيرُ راجعٌ إلى
الرِّكة .
قلتُ : ومِن القرائنِ كون الراوي رافضيًّا والحديثُ في فضائلِ أهل
البيت .
وقد أشار إلى غالبٍ ما تقدَّم الزركشيُّ في ((مختصره))(١)، فقال:
ويُعرف بإقرارِ واضعِه، أو مِن حالِ الراوي، كقولِهِ: « سمعتُ فلانًا
يقول))، وعلمنا وفاةَ المرويِّ عنه قَبل وُجوده، أو مِن حال المرويِّ،
الركاكة ألفاظه، حيث تمتنعُ الرواية بالمعنى، ومخالفتُه القاطع ولم يقبل
التأويلَ، أو لتضمنه لِمَا تتوفر الدواعي على نَقله، أو لكونه أصلًا في
الدِّين ولم يتواتر، كالنَّصِّ الذي تزعم الرافضةُ أنَّه دل على إمامةٍ عليّ .
وهل تثبتُ بالبينةِ على أنَّه وضَعه؟ يُشبه أن يكون فيه الترددُ في أنَّ شهادةً
الزورِ هل تثبتُ بالبيئةِ مع القطع بأنَّه لا يعمل به؟! انتهى .
(١) ((النكت)) له (٢٨٣/٢).

٤٦٨
النوع الحادي والعشرون
وفي ((جمع الجوامع)) لابنِ السُّبكي - أخذًا من ((المحصولِ))
وغيرِه - : كلُّ خبرٍ أوهم باطلًا ولم يقبلِ التأويلَ فمكذوبٌ ، أو نقص منه
ما يزيلُ الوهمَ .
ومِن المقطوع بِكَذبه ما نقب عنه مِن الأخبارِ ولم يوجد عند أهله مِن
صُدور الرواةِ وُبطونِ الكُتبِ، وكذا قال صاحب (( المعتمد)).
قال العِزُّ بنُ جماعة: وهذا قد يُنازع في إفضائه إلى القطع، وإنما
غايتُه غلبةُ الظَّنِّ .
ولهذا قال القرافيُّ : يُشترطُ استيعابُ الاستقراءِ بحيث لا يبقى ديوانٌ
ولا راوٍ إلا وكشفَ أمره في جميع أقطارِ الأرضِ، وهو عَسِرٌ أو مُتَعَذِّرٌ .
وقد ذكر أبو حازم في مجلس الرشيد حديثًا بحضرةِ الزُّهريّ، فقال
الزُّهريُّ : لا أعرفُ هذا الحديثَ. فقال: أحفظت حديثَ رسول الله
وَ لّه؟ قال: لا. قال: فَنِصفَه؟ قال: أرجو. قال: اجعل هذا في النصفِ
(١)
الآخر . انتهى (١).
(١) أسند ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٩٥/٢١)، عن مطرف، عن ابن أبي حازم، عن
أبيه، أنه حدث بحديث عند هشام - هو: ابن عبد الملك - وهو عامل على المدينة ،
وابن شهاب حاضر، فقال ابن شهاب: ما سمعت بهذا عن النبي ◌َ ◌ّ: فقال
أبو حازم: أكلَّ حديث رسول اللَّهِ وَ ل﴿ سمعته؟ قال: لا. قال: فنصفه؟ قال : أرى
ذلك . قال : فاجعل هذا في النصف الذي لم تسمع .
وروى مصعب بن ثابت، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، عن أبيه،
قال: رأيت رسول اللَّه وَله يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى يُرى بياض خدِّه. قال:
فذكرت هذا الحديث عند الزهري، فقال : هذا حديث لم أسمعه من حديث =
.. نـ

٤٦٩
الموضوع
وقال ابنُ الجوزي (١): ما أحسنَ قول القائل : إذا رأيتَ الحديث يُباين
المعقولَ، أو يُخالِفُ المنقولَ، أو يُناقِضُ الأُصولَ، فاعلم أنه موضوعٌ .
قال: ومعنى مناقضتِه للأُصول(٢): أن يكون خارجًا عن دوَاوين
الإسلامِ مِن المسانيدِ والكُتب المشهورةِ(٣).
ومن أمثلة ما دلَّ على وضعه قرينةٌ في الراوي : ما أسنده الحاكم، عَن
= رسول اللَّه وَ﴾. فقال: إسماعيل بن محمد: أكلَّ حديث رسول اللّه وَ لّوْ سمعتَ؟ قال
الزهري : لا . قال : فثلثيه؟ قال : لا . قال : فنصفه؟ فوقف الزهري عند النصف . أو
عند الثلث - فقال له إسماعيل: اجعل هذا الحديث فيما لم تسمع .
أخرجه : ابن خزيمة (٧٢٧)، وابن حبان (١٩٩٢)، والبيهقي (١٧٨/٢)، وابن
عبد البر في ((التمهيد)) (١٣١/١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٦/٨).
وفي إسناد هذه القصة نظر. والله أعلم.
(١) ((الموضوعات)) له (١٥١/١).
(٢) في ((م)): ((مناقضة الأصول)).
(٣) قال الإمام ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١٥١/١):
((كل حديث رأيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول؛ فاعلم أنه موضوع، فلا
تتكلف اعتباره)) .
وقد قال قبيل ذلك (١٤١/١) :
((ومتى رأيت حديثًا خارجًا عن دواوين الإسلام؛ كالموطإ، ومسند أحمد،
والصحيحين، وسنن أبي داود، والترمذي، ونحوها؛ فانظر فيه ، فإن كان له نظير
من الصحاح والحسان قرّب أمره، وإن ارتبت به، ورأيته يباين الأصول، فتأمل رجال
إسناده، واعتبر أحوالهم من كتابنا المسمى بـ ((الضعفاء والمتروكين))؛ فإنك تعرف
وجه القدح فيه)) .
وراجع: ما كتبته في ((صيانة الحديث وأهله)) (ص ١٢٥ - ١٣٩).