Indexed OCR Text

Pages 401-420

٣٣٠
النوع الحادي عشر
(قيل : إنه مرسلٌ) حتَّى يَتْبِيِّنَ اتِّصالُهُ .
(والصحيحُ الذي عليه العملُ وقاله الجماهيرُ مِن أصحابِ الحديثِ
والفقهِ والأصولِ أنه متصلٌ) .
قال ابنُ الصلاح(١): ولذلك أودَعه المُشترِطونَ للصحيحِ في
تَصَانيفهم، وادَّعى أبو عَمرِو الدَّاني إجماعَ أهلِ النقلِ عليه، وكاد ابنُ
عبد البر يَدَّعي إجماعَ أئمةِ الحديثِ عليه .
قال العراقيُّ (٢): بل صرَّح بادعائِه في مقدمةِ ((التمهيد)) (٣).
(بشرطِ أن لا يكونَ المعنعِنُ) بكسرِ العينِ (مُدَلِّسَا، وبشرطِ إمكانٍ
لقاءِ بعضِهم بعضًا) أي لقاء المُعنعِنِ مَن رَوى عنه بلفظِ ((عن))، فحينئذٍ
يُحكَمُ بالاتصالِ إلا إِنْ تَبَيِّنَ خلافُ ذلك .
(وفي اشتراطِ ثبوتِ اللقاءِ) وعدم الاكتفاء بإمكانه (وطولِ الصحبةِ) وعدم
الاكتفاء بثبوت اللقاء (ومعرفته بالرواية عنه) وعدم الاكتفاء بالصحبة (خلافٌ:
منهم مَن لم يَشترط شيئًا مِن ذلك) واكتفَى بإمكانِ اللقاءِ، وعبَّر عنه
بالمُعاصَرةِ (وهو مذهبُ مسلم بنِ الحجاج، ادَّعى الإجماعَ فيه) في
خُطبة ((صحيحه))(٤)، وقال: إنَّ اشتراطَ ثُّبَوتِ اللقاءِ قولٌ مُخترَعٌ لم
يُسبق قائلُه إليه، وأنَّ القولَ الشائعَ المُتَّفْقَ عليه بَيْن أهلِ العِلمِ بالأخبارِ
قَديمًا وحديثًا، أنه يَكفي أن يثبتَ كونُهما في عصرٍ واحدٍ ، وإن لم يأتِ
في خبرٍ قَط أنَّهما اجتَمعا أو تَشَافها .
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٨٣).
(٣) ((التمهيد)) (١٢/١).
(٢) ((التقييد)) (ص: ٨٣).
(٤) (ص : ٢٣).

٣٣١
المعضل
قال ابنُ الصلاح(١): وفيما قاله مسلمٌ نظرٌ. قال: ولا أَرى هذا
الحُكم يستمر بعد المتقدِّمين فيما وجد مِن المصنّفين في تَصَانيفهم، فما
ذكَروه عن مَشايخهم قائلين فيه: ذكّر فُلانٌ، أو قال فلانٌ . أي فليسَ له
حُكمُ الاتصالِ ما لم يكن له مِن شَيخه إجازةٌ .
(ومنهم: من شَرَط اللقاءَ وحدَه، وهو قولُ البخاريِّ وابنِ المدينيِّ
والمحققينَ) مِن أئمةِ هذا العِلم (٢).
قيل : إلّا أنَّ البُخاريَّ لا يَشترطُ ذلك في أصلِ الصُّحة ، بل التزمَه في
((جامعه))، وابنُ المديني يَشترطُه فيها(٣) .
ونصَّ على ذلك الشافعيُّ في ((الرسالة)) (٤).
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٨٩).
(٢) في وصف النووي أصحاب هذا القول بـ ((المحققين)) إشارة إلى أنه القول المختار
عنده، وقد صرح بذلك في مقدمة ((شرح البخاري)) له (ص١٢)، فقال: ((وهو
مذهب علي بن المديني والبخاري وأبي بكر الصيرفي الشافعي والمحققين، وهو
الأصح)) .
(٣) صاحب هذا القول هو ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)) (٤٣ - ٤٤)، وقد رد عليه
الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٥٩٥/٢) قائلًا: ((وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا
شرط في أصل الصحة عند البخاري، فقد أكثر من تعليل الأحاديث بمجرد ذلك)).
(٤) ((الرسالة)) (ص: ٣٧٩).
قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٥٩٥/٢ - ٥٩٦):
((وهذا المذهب هو مقتضى كلام الشافعي 28؛ فإنَّه قال في ((الرسالة)) في ((باب:
خبر الواحد)): ((فإن قيل: فما بالك قبلت ممن لا تعرفُهُ بالتدليسِ أن يقول: ((عن))،
وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟ فقلت له: المسلمون العدول أصحاء الأمرِ، =

٣٣٢
النوع الحادي عشر
(ومنهم: مَن شَرَط طُولَ الصحبةِ) بينهما، ولم يكتفِ بثبوتِ اللقاءِ،
وهُو أبو المظفر السَّمعانيُّ .
(ومنهم: من شَرَط معرفتَه بالروايةِ عنه) وهو أبو عَمرو الدَّاني .
= وحالهم في أنفسهم غير حالهم في غيرهم، ألا ترى أني إذا عرفتهم بالعدالة في أنفسهم
قبلت شهادتهم، وإذا شهدوا على شهادة غيرهم لم أقبل حتى أعرف حاله؟! وأما
قولهم عن أنفسهم، فهو على الصحة حتى يستدل من فعلهم بما يخالف ذلك ،
فنحترس منهم في الموضع الذي خالف فعلهم فيه ما يجب عليهم .
ولم أدرك أحدًا من أصحابنا يفرق بين أن يقول: ((حدثني فلان)) أو ((سمعت فلانًا)) أو
((عن فلان))؛ إلا فيمن دلَّسَ، فمن كان بهذه المثابة قبلنا منه، ومن عرفناه دلَّس مرة،
فقد أبان لنا عورته، فلا نقبل منه حديثًا حتى يقول: ((حدثني)) أو ((سمعت)) إلى آخر
كلامه .
فذكر أنه إنما قبل العنعنة لما ثبت عنده أن المعنعن غير مدلس، وإنما يقول: ((عن))
فيما سمعَ ؛ فأشبه ما ذهب إليه البخاري من أنه إذا ثبت اللقي ولو مرة حملت عنعنة
غير المدلس على السماع، مع احتمال أن لا يكون سمع بعض ذلك أيضًا .
وهذا الذي فهمه الحافظ ابن حجر من كلام الإمام الشافعي، فهم صحيح، وقد سبقه
إليه الإمام ابن رجب الحنبلي، فقال في ((شرح العلل)) (١/ ٣٦٠) بعد أن ذكر كلام
الشافعي هذا :
((وظاهر هذا؛ أنه لا يقبل العنعنة إلا عمن عرف منه أنه لا يدلس، ولا يحدث إلا
عمن لقيه بما سمع منه ؛ وهذا قريب من قول من قال : إنه لا يقبل العنعنة إلا عمن
ثبت أنه لقيه، وفيه زيادة أخرى، وهي أنه اشترط أنه يعرف أنه لا يدلس عمن لقيه
أيضًا، ولا يحدث إلا بما سمعه)).
قال: ((وقد فسره أبو بكر الصيرفي في ((شرح الرسالة)) باشتراط ثبوت السماع لقبول
العنعنة، وأنه إذا علم السماع فهو على السماع حتى يعلم التدليس، وإذا لم يعلم سمع
أو لم يسمع ؛ وقف، فإذا صحَّ السماع فهو عليه حتى يعلم غيره. قال : وهذا الذي
قالہ صحیح» اهـ .
٠٠١٠٠
....

٣٣٣
المعضل
واشترط أبو الحَسَن القابسيُّ أن يُدركه إدراكًا بَيِّنَا، حكاه ابنُ
(١)
الصلاح(١) .
قال العراقي (٢): وهذا دَاخلٌ فيما تقدَّم من الشروطِ .
فلذلك أسقَطه المصنّفُ .
قال شيخُ الإسلام(٣): مَن حَكَم بالانقطاع مُطلقًا شدَّد، ويليه مَن
شَرَطَ طُولَ الصُّحبِةِ، ومَنِ اكتفى بالمُعاصرةِ سَهَّل، والوسَطُ الذي لَيس
بَعده إلَّا التعنت مذهبُ البخاري ومَن وافقه، وما أورده مسلمٌ عليهم من
لزوم ردّ المُعنعَنِ دائمًا لاحتمالِ عَدمِ السماعِ ليس بواردٍ؛ لأن المسألةَ
مفروضةٌ في غيرِ المدلْس، ومَن عنعن ما لم يسمعه فهو مُدلِسٌ (٤) .
(٢) ((التبصرة)) (١٦٤/١).
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٨٨).
(٣) ((النكت)) (٥٩٦/٢).
(٤) وقد قيل: إن جمهور المتأخرين على مذهب مسلم من الاكتفاء بالمعاصرة مع إمكان
اللقاء . وهذا إن صحَّ فهو محمول على جمهور المحدثين والفقهاء والأصوليين من أهل
الاختصاص وغيرهم، وإلا فإن المبرزين من المتأخرين من أهل الاختصاص في
الحديث وعلله، يسيرون على مذهب المتقدمين وينتهجونه ويقدمونه ؛ بل منهم من
تكفل بالرد على الإمام مسلم - رحمه الله تعالى - ومن تابعه ونقض أدلته وبيان ما فيها
من ضعف . ومنهم من حكى الإجماع على اشتراط العلم باللقاء ، على خلاف ما حكاه
مسلم - رحمه الله تعالى .
فهذا الإمام ابن عبد البر يقول في ((التمهيد)) (١/ ١٢):
((اعلم. وفقك الله . أني تأملت أقاويل أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط
الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد
المعنعن ، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطًا ثلاثة، وهي :
=
ئ ...-

٣٣٤
النوع الحادي عشر
١ - عدالة المحدثين في أحوالهم .
٢ - ولقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة .
٣ - وأن يكونوا برآء من التدليس.
فتدبر الشرط الثاني تجده عين ما اشترطه المتقدمون وأنكره مسلم - رحم الله الجميع .
وكذلك هو مذهب أبي عبد الله الحاكم النيسابوري على ما حققه ابن رشيد في ((السنن
الأبين)) في غضون كلامه عن المذهب الثالث .
وهذا الخطيب البغدادي يقول في ((الكفاية)) (ص ٤٢١) :
((أهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدث: ((حدثنا فلان عن فلان))
صحيح معمول به إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدَّث عنه ولقيه
وسمع منه، ولم یکن هذا المحدث ممن یدلس )) .
وهو أيضًا مذهب ابن حبان، خلافًا لمن زعم غير ذلك، فقد قال في ((الثقات)) (٩/
٢٠٩)، في ترجمة ((نافع بن يزيد أبي يزيد المصري))، حيث أدخله في الطبقة الأخيرة
من كتابه، وهي طبقة من يروي عن أتباع التابعين قال :
((ولست أحفظ له سماعًا عن تابعي، فلذلك أدخلناه في هذه الطبقة، فأما رؤيته
للتابعين فليس بمنكر، ولكن اعتمادنا في هذا الكتاب في تقسيم هذه الطبقات الأربع
على ما صحَّ عندنا من لقي بعضهم بعضًا مع السماع، فأما عند وجود الإمكان وعدم
العلم به، فهو لا نقول به)).
وهذا الإمام ابن الصلاح يقول في ((مقدمته)) (ص ٨٣ - ٨٤):
((الإسناد المعنعن، وهو الذي يقال فيه: ((فلان عن فلان)) عدَّه بعض الناس من قبيل
المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره. والصحيح والذي عليه العمل أنه من قبيل
الإسناد المتصل. وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه
المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه، وقبلوه، وكاد أبو عمر ابن عبد البر الحافظ
يدعي إجماع أئمة الحديث على ذلك . وادعى أبو عمرو الداني المقرئ الحافظ إجماع
أهل النقل على ذلك. وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت =

٣٣٥
المعضل
ملاقاة بعضهم بعضًا، مع براءتهم من وصمة التدليس. فحينئذ يحمل على ظاهر
=
الاتصال إلا أن يظهر فيه خلاف ذلك)).
وقال في كتابه ((صيانة صحيح مسلم)) (ص١٣١) :
((والذي صار إليه مسلم هو المستنكر، وما أنكره قد قيل : إنه القول الذي عليه أئمة
هذا العلم؛ علي بن المديني والبخاري وغيرهما)).
وهو أيضًا اختيار الإمام النووي ، كما تقدم .
وهذا الإمام الذهبي يقول في (سير الأعلام)) (٥٧٣/١٢) :
((إِن مسلمًا افتتح ((صحيحه)) بالحَطّ على من اشترط اللُّقي لمن روى عنه بصيغة
((عن))، وادعى الإجماع في أنَّ المعاصرة كافيةٌ، ولا يتوقّف في ذلك على العلم
بالتقائهما، ووجَّخَ من اشترط ذلك، وإنما يقولُ ذلك أبو عبد اللّه البخاريُّ، وشيخه
علي بن المديني، وهو الأصوب الأقوى، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة)).
وجاء ابن رشيد صاحب ((السنن الأبين))، فعرض في كتابه هذا مذاهب العلماء في
المسألة ، ورجح مذهب المتقدمين ، وعقد بابًا كاملًا عرض فيه الأدلة التي استدل بها
مسلم في مقدمة ((صحيحه)) وأردفها بالنقض والرَّد، متصرفًا في ذلك تصرف العالم
البصير والحافظ الناقد، مع بارع الأدب وجميل الاعتذار لمسلم ابن الحجاج - رحم اللَّه
الجميع .
وجاء الحافظ العلائي فتكلم عن هذه المسألة في كتابه «جامع التحصيل في أحكام
المراسيل)) (ص ١١٦ - ١٣٨) وسار في تحقيق هذه المسألة على نفس الدَّرب الذي
سار عليه ابن رشيد حتى إنه ليلوح لي أنه اعتمد على كتاب ابن رشيد في تحقيق هذه
المسألة اعتمادًا كليًّا أو شبه كليٍّ، حتى إني لأراه يستخدم بعض ألفاظه ويستعمل
بعض تعبيراته .
وقال - فيما قال (ص ١٢٥) :
(«اختيار ابن المديني والبخاري وأبي حاتم الرزاي وغيرهم من الأئمة هو الراجح دون
القول الآخر الذي ذهب إليه مسلم وغيره من الاكتفاء بالمعاصرة المجردة وإمكان
اللقاء )) .

٣٣٦
النوع الحادي عشر
= وكذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي تكلم عن هذه المسألة باستفاضة في كتابه (( شرح
علل الترمذي)) ورجح فيه مذهب البخاري وابن المديني، وأثبت أنه قول جمهور
المتقدمين، وردّ على الإمام مسلم إنكاره هذا المذهب حتى قال (٥٩٦/٢) بعد أن
ساق جملة من أقوال المتقدمين :
((فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله
وصحيحه وسقيمه مع موافقة البخاري وغيره، فكيف يصح لمسلم - رحمه الله - دعوى
الإجماع على خلاف قولهم، بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية
إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحدٍ
من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم، ويشهد لصحة ذلك
حكاية أبي حاتم اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له السماع
من عروة مع إدراكه له، وقد ذكرنا من قبل أن كلام الشافعي إنما يدل على مثل هذا
القول، لا على خلافه، وكذلك حكاية ابن عبد البر عن العلماء، فلا يبعد حينئذٍ أن
يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين والفقهاء)) .
وهذا الإمام العراقي - رحمه الله تعالى - يصحح قول جمهور المتقدمين كما في ((التقييد
والإيضاح)) وفي ((ألفيته)) وشرحها، فراجعه إن شئت فإن قوله يكاد يتفق لفظه مع لفظ
ابن الصلاح في ((المقدمة)).
وجاء الحافظ ابن حجر - خاتمة الحفاظ - فقال في ((نخبة الفكر)) وشرحها ((نزهة النظر))
(ص١٣٨):
((وعنعنة المعاصر محمولة على السماع إلا من مدلس، وقيل: يشترط ثبوت لقائهما
ولو مرَّة، وهو المختار تبعًا لعلي بن المديني والبخاري، وغيرهما من النقاد)).
وقال في مقدمة ((طبقات المدلسين)) (ص٧) :
((ومن لم يوصف بالتدليس من الثقات، إذا روى عمن لقيه بصيغة محتملة ، حملت
على السماع، وإذا روى عمن عاصره بالصيغة المحتملة ، لم يحمل على السماع في
الصحيح المختار، وفاقًا للبخاري وشيخه ابن المديني)).

٣٣٧
المعضل
= وكذا في ((النكت على ابن الصلاح)» (٥٩٥/٢ .٥٩٨) أخذ يرد على مسلم - رحمه الله
تعالى - وينقض بعض ما استدل به ، وصرح برجحان مذهب البخاري وابن المديني
والمحققين .
تتمة :
قد يحكم البخاري أو غيره بالاتصال مع عدم وجود التصريح به في رواية من روايات
هذا الراوي عن شيخه، وذلك حيث تنضم قرينة، وهذا لا ينافي اشتراط العلم
باللقاء ؛ لأن القرائن تعامل بحسبها .
من ذلك : حديث سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان
مرفوعًا: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)).
فهذا الحديث، أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٧٤/٩)، وزاد: ((قال: وأقرأ
أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج)).
وأكثر المتقدمين على أن أبا عبد الرحمن السلمي لم يسمع من عثمان ، إلا أن البخاري
صرح في ((التاريخ الكبير)) (٧٣/١/٣) بأنه سمع منه، وروى في ((الصغير)) (١/
١٨٦) تلك الزيادة التي سبق الإشارة إليها في هذا الحديث .
قال الحافظ في ((الفتح)) (٧٦/٩) :
((لكن ظهر لي أن البخاري اعتمد في وصله، وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن
لعثمان، على ما وقع في رواية شعبة، عن سعد بن عبيدة من الزيادة، وهي : أن
أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجاج، وأن الذي حمله على ذلك هو
الحديث المذكور، فدل على أنه سمعه في ذلك الزمان ، وإذا سمعه في ذلك الزمان
ولم يوصف بالتدليس اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه، وهو عثمان .
ولا سيما مع ما اشتهر بين القراء أنه قرأ القرآن على عثمان، وأسندوا ذلك عنه من
رواية عاصم بن أبي النجود وغيره، فكان هذا أولى من قول من قال : إنه لم يسمع
منه )) .
وراجع: ((الإرشاد)) للخليلي (٤٩٦/٢ - ٤٩٧، ٥٥٢، ٦٢٩).

٣٣٨
النوع الحادي عشر
قال (١): وقد وَجَدتُ في بعضِ الأخبارِ وُرود ((عن)) فيما لا يمكن
سَماعُه مِنَ الشيخ، وإن كان الراوي سمع منه الكثيرَ؛ كما رواه
أبو إسحاق السَّبيعيُّ، عن عبدِ الله بن خبابٍ بن الأرتِ، أَنَّه خرج عليه
الحروريةُ فَقَتْلُوه حتى جَرَى دمُه في النهرِ، فهذا لا يُمكن أن يكونَ
أبو إسحاق سَمعه مِن ابن خباب كما هو ظاهرُ العبارة؛ لأنَّه هو المقتولُ .
قلتُ : السماعُ إِنَّما يكون مُعتبرًا في القولِ، وأمَّا الفِعلُ فالمُعتَبرُ فيه
المشاهدةُ، وهذا واضحٌ .
(وكَثُر في هذه الأعصارِ استعمالُ ((عن)) في الإجازةِ، فإذا قال
أحدُهم) مثلًا (قرأتُ على فلانٍ عن فلان، فمراده أنه رواه عنه بالإجازةِ)
وذلك لا يُخرجه عن الاتصالِ .
الثَّانِي: إِذَا قَالَ: ((حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ أنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ حَدَّثَهُ
بِكَذَا))، أو قالَ: ((قَالَ ابْنُ المُسَيِّبِ كَذَا» أو «فَعَل كَذَا)»، أوْ
((كَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَفْعَلُ))، وشِبْهَ ذَلِكَ - فَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَتْبَلٍ
وَجَمَاعَةٌ: لا تَلْتَحِقُ ((أنَّ)) وَشِبْهُهَا بـ ((عَنْ)) بَلْ يَكُونُ مُنْقَطِعًا
حَتَّى يَتَبِيَّنَ السَّمَاعُ.
وَقَالَ الجُمْهُورُ: ((أنَّ)) كـ ((عَنْ))، ومُطْلَقُهُ مَحْمُولُ عَلَى السَّمَاعِ
بِالشَّرْطِ المُتَقَدِّمِ.
(١) ((النكت)) (٥٨٦/٢ - ٥٨٧).

٣٣٩
المعضل
(الثاني: إذا قال) الرَّاوي، كمالكِ مَثَلًا: (حدَّثنا الزهريُّ أَنَّ ابنَ
المسيبِ حَدَّثه بكذا، أو قال) الزُّهريُّ (قال ابنُ المسيبِ كذا، أو (١) فَعَل
كذا، أو) قال (كان ابنُ المسيبِ يَفعلُ، وشِبهُ ذلك) .
(فقال أحمدُ بنُ حنبلٍ وجماعةٌ) مِنهم فيما حكاه ابنُ عبد البر(٢)
عن (٣) البَردِيجيِّ (لا تلتحقُ أَنَّ وشِبهُها بعَن) في الاتصالِ (بل يكونُ
منقطعًا حتى يتبينَ السماعُ) في ذلك الخبرِ بِعَينه مِن جهةٍ أُخرى .
(وقال الجُمُورُ) فيما حكاه عنهم ابنُ عبد البر(٤)، مِنهم مالكٌ:
((أَنَّ)) (٥) كَ (عَن))) في الاتّصالِ (ومطلقه محمولٌ على السماع بالشرطِ
المتقدم) مِن اللقاءِ والبراءةِ مِن التدليس .
قال ابنُ عبد البر(٦): ولا اعتبار بالحُروف والألفاظِ، وإنما(٧) هو
باللقاءِ والمُجالسةِ والسَّماعِ والمُشاهدةِ .
قال : ولا مَعنى لاشتراطِ تَبيَّنِ السماعِ؛ لإجماعهم عَلى أنَّ الإسنادَ
المُتصلَ بالصحابيِّ سواءٌ أَتَّى فيه بـ((عن)) أو بـ ((أن)) أو بـ((قال)) أو
بـ((سمعت)) فكلُّه مُتَّصلٌ.
قال العراقيُّ : ولقائل أن يُفرِّقَ بأنَّ للصحابيِّ مَزِيَّةً، حيث يعملُ
بإرسالِهِ بخلافِ غيره .
(١) في ((م): ((و)).
(٢) ((التمهيد)) (٢٦/١).
(٣) سقط من ((ص))، و((م))، والمثبت من المطبوع .
(٤) ((التمهيد)) (٢٦/١).
(٥) في ((ص)): ((أو)).
(٦) ((التمهيد)) (٢٦/١).
(٧) في ((ص)): ((إنما)).

٣٤٠
النوع الحادي عشر
قال ابنُ الصلاحِ(١): ووجدتُ مِثل ما حُكِي عَنِ البَرديجيِّ للحافظِ
يعقوبَ بنِ شَيبة في ((مسنده)) فإنه ذكَر ما رواه أبو الزبير، عن محمدِ ابنِ
الحنفيةِ، عن عَمَّارٍ قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَلّهِ وهُو يُصَلِّي فَسَلَّمت عليه فَرَدَّ
عليَّ السَّلامَ، وجَعَله مُسنَدًا موصولًا .
وذكّر روايةَ قيسٍ بن سعدٍ لذلك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن
الحنفية: أنَّ عَمَّارًا مَرَّ بالنَّبيِّ ◌َه وهو يُصَلِّي، فَجَعله مُرسَلًا مِن حيث
كونه قال: أنَّ عَمَّارًا فعل، ولم يَقُل: عَن عَمَّارٍ (٢) . انتهى.
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٨٧).
(٢) هذا الحديث: أخرجه أحمد (٢٦٣/٤) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير،
عن محمد بن علي ابن الحنفية ، به .
ورواه النسائي (٦/٣) من طريق قيس بن سعد، عن عطاء، عن محمد بن علي، عن
عمار، أنه سلم - الحديث .
هكذا جاء في رواية عطاء: ((محمد بن علي)) غير منسوب .
ورواه البخاري في ((التاريخ)) (١٨٣/١/١) من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج،
عن عطاء ، عن محمد بن علي بن حسين .
ومحمد بن علي بن حسين هذا؛ هو ابن علي بن أبي طالب أبو جعفر الهاشمي
المعروف بـ ((الباقر))، وليس هو ابن الحنفية، ويؤكده : أن في رواية البخاري من قول
ابن جريج: (( ... فلقيت أنا محمد بن علي، فأخبرني ... ))، وابن جريج إنما
يروي عن أبي جعفر الباقر، لا عن ابن الحنفية .
ولهذا؛ رجح البخاري كونه أبا جعفر الباقر، ووهّم من زعم أنه ابن الحنفية، فأدخل
هذا الحديث في ترجمة الباقر، ثم ساق رواية ابن جريج بزيادته، وبلفظ: ((أن)) التي
تدل على الإرسال، ثم قال: ((وقال بعضهم: محمد بن علي عن عمار، وتوهم
بعضهم أنه محمد ابن الحنفية؛ والأول أصحُ)) .
ولعل الخطأ من حماد بن سلمة؛ فإن أحاديثه عن أبي الزبير فيها مناكير؛ ثم =

٣٤١
المعضل
قال العراقي (١): ولم يقع على مقصودٍ يعقوبَ؛ وبيانُ ذلك أنَّ ما
فَعَله يعقوبُ هو صوابٌ مِنَ العملِ ، وهو الذي عليه عَمَلُ الناسِ، وهو لم
يَجعله مرسلاً مِن حيثُ لفظ ((أن)) بل مِن حيث إنَّه لم يُسند حكايةً
القِصَّة (٢) إلى عمارٍ، وإلَّا فلو قال: ((أنَّ عَمَّارًا قال: مررتُ)) لَمَا جَعله
مُرسَلًا، فَلمَّا أتَى بلفظِ: ((أنَّ عَمَّرًا مَرَّ))، كان محمدٌ هو الحاكي لِقِصةٍ
لم يُدرِكها؛ لأنه لم يُدرِكُ مُرورَ عَمَّارٍ بالنبيِّ نَّهِ، فَكَان نقلُه لذلِكَ
مرسلًا .
قال : والقاعدةُ أن الراوي إذا رَوى حَديثًا فيه قِصَّةٌ أو واقعةٌ، فإن كان
أدرك ما رَواه بأن حَكَى قصةً وقعت بين النبيِّ وَِّ وبَين بعضِ الصحابةِ،
والراوي لذلك صحابيٍّ أَدركَ تِلكَ الواقعةَ، فهي محكومٌ لها بالاتصال وإن
لم يعلم أنه شاهدها، وإن لم يدرك تِلكَ الواقعةَ فهو مرسَلُ صَحابيٍّ ، وإن
كان الراوي تابعيًّ فهو مُنقطِعٌ ، وإن روى التابعيُّ عن الصحابيِّ قصةٌ أَدرك
وُقُوعَها فُمتَّصِلٌ، وكذا إن لم يدرك وقوعها ولكن أسندها له، وإلَّا
فَمُنقطِعَةٌ .
قال: وقد حكَى اتفاقَ أهلِ التمييزِ مِن أهلِ الحديثِ على ذلك ابنُ
المواقٍ .
= الحديث مرسل على كل وجه؛ لأن الباقر لم يدرك عمارًا أصلًا، فـ((عن)) و ((أنَّ)) في
حقه سواء .
وبكل حالٍ ؛ فهذا المثال بعد بيان تابعيّه، وأنه لم يدرك صحابي الحديث، لا يصلح
في هذه المسألة، وبالله التوفيق .
(١) ((التبصرة)) (١٧٠/١).
(٢) في ((ص)): ((القصد)).

٣٤٢
النوع الحادي عشر
قال: وما حكاه ابنُ الصلاح قبلُ(١) عن أحمد بن حنبل مِن أنَّ ((عن))
و((أنَّ)) ليسا سواءً، مُنزَّلٌ أيضًا على هذه القاعدةِ ، فإنَّ الخطيبَ رواه في
((الكفاية)) (٢) بِسَندِه إلى أبي داود قال: سمعتُ أحمدَ قيل له: إنَّ رجلًا
قال (٣): ((قال عروةُ إنَّ عائشةَ قالت: يا رسولَ اللَّه))، و((عن عروة عن
عائشةَ)) سواءٌ. قال: كيف هذا سواء؟! ليس هذا بسواءٍ .
فإنَّما فَرَّقَ أحمدُ بين اللَّفظين؛ لأنَّ عروةَ في اللفظِ الأولِ لم يُسند
ذلك إلى عائشةَ، ولا أدركَ القصةَ، فكانت مرسلةً، وأمَّا اللفظُ الثاني،
فأسند ذلك إليها بالعَنعنةِ ، فكانت متصلةً . انتهى .
• تنبية :
كَثُرَ استعمالُ ((أنَّ)) أيضًا في هذهِ الأعصارِ في الإجازةِ، وهذا
وما تقدَّم في ((عن)) في المَشَارِقة، أمَّا المغَارِبة فيستعملُونها في السماعِ
والإجازةِ معًا .
وهذان الفَرعان (٤) حَقُهما أن يُقْرَدَا بنوعٍ يُسمَّى المعنعَن كما صنَع ابنُ
جماعة (٥) وغيرُه .
الثَّالِثُ: التَّعْلِيقُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ في أحَادِيثَ مِنْ
كِتَابِ البُخَارِيِّ، وسَبَقَهُمْ بِاسْتِعْمَالِهِ الدَّارَقُطْنِيُّ - صُورَتُهُ أنْ
(١) في ((م): ((قيل)).
(٢) ((الكفاية)) (ص: ٥٧٥).
(٣) سقط من ((ص))، و((م))، والمثبت من المطبوع .
(٤) في ((م)): ((النوعان)).
(٥) ((المنهل الروي)) (ص : ٤٨).

٣٤٣
المعضل
يَخْذَفَ مِنْ أَوَّلِ الإِسْنَادِ وَاحِدٌ فَأَكْثَر، وَكَأنَّهُ مَأخُوذٌ مِنْ تَغْلِيقِ
الجِدَارِ أوِ الطّلاقِ لِقَطْعِ الاتِّصَالِ، واسْتَعْمَلَهُ بَعْضُهُمْ فِي حَذْفٍ
كُلِّ الإِسْتَادِ، كَقَوْلِهِ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَ لَّهِ)) أو: ((قَال ابْنُ
عَبَّاسٍ)) أو: ((عَطَاءٌ))، أو غيرُهُ كَذَا، وهَذَا التَّعْلِيقُ لَهُ حُكْمُ
الصَّحِيحِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَوْعِ الصَّحِيحِ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوا التَّعْلِقَ
فِي غَيْرِ صِيغَةِ الجَزْمِ: كـ ((يُرْوَى عَنْ فُلانٍ كَذَا))، و: ((يُقَالُ
عَنْهُ)) و((يُذْكَرُ))، و((يُحْكَى))، وَشِبْهِهَا، بَلْ خَصوا بِهِ صِیغةً
الجَزْم: كـ ((قَالَ))، و((فَعَلَ))، و((أمَرَ)»، و«نَهَى))، و((ذَكَرَ))،
و(«حَكَى))، ولَمْ يَسْتَغْمِلُوهُ فِيمَا سَقَطَ وَسَطُ إِسْنادِهِ.
(الثالثُ : التعليقُ الذي يذكرُه الحميديُّ وغيرُه) مِن المغاربة (في
أحاديثَ مِن كتابٍ البخاريِّ، وسَبَقَهم باستعمالِهِ الدار قطنيُّ (١)، صورتُه :
أن يُحذَفَ مِن أولِ الإِسنادِ واحدٌ فأكثرَ) على التوالي بصيغةِ الجزمِ،
ويُعزَىُ الحديثُ إلى مَن فوق المحذوفِ مِن رُواته .
وبينَه وبينَ المعضَلِ عمومٌ وخصوصٌ مِن وجهٍ، فيجامعه في حذفٍ
اثنين فصاعدًا، ويُفارِقهُ في حذفٍ واحدٍ ، وفي اختصاصِه بأَوَّلِ السَّند(٢).
(١) قال الحافظ ابن حجر في ((التغليق)) (٧/٢) :
((فأما تسمية هذا النوع بالتعليق، فأول ما وجد ذلك في عبارة الحافظ الأوحد
أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، وتبعه عليه من بعده)) .
(٢) في ((ص))، ((م): ((المسند))، والمثبت من المطبوع.

٣٤٤
النوع الحادي عشر
(وكأَنَّهُ مأخوذٌ مِن تعليقِ الجدارِ أو الطلاقِ لقطع الاتصالِ) فيهما .
(واستَعمَلَه بعضُهم في حذفِ كلِ الإِسنادِ، كقولهِ: ((قال رسولُ اللَّهِ
﴿ََّ))، أو ((قال ابن عباسٍ)) أو) ((قال(١) (عطاءٌ))، أو غيرُه كذا) وإن لم
يذكرهُ أصحابُ الأطرافِ، لأنَّ موضوعَ كُتبِهِم بيانُ ما في الأسانيدِ مِن
اختلافٍ أو غيرِه .
(وهذا التعليقُ له حكمُ الصحيحِ) إذا وقَع في كتابٍ التزمت صحته
(كما تَقَدَّم في) المسألة الرابعة من (نوعِ الصحيحِ(٢).
ولم يستعملوا التعليقَ في غيرِ صيغةِ الجزم؛ كـ«يُروى عن فلانٍ
كذا))، و ((يُقال عنه))، و((يُذكر)) و((يُحكى)) وشِبهها، بل خَصُوا به صيغةَ
(١) زيادة من ((ص)) .
(٢) وهنا ينبغي أن يتنبه إلى أمرٍ: وهو أننا كثيرًا ما نجد في كتب العلل والرجالِ أحاديث
يعلقها أصحاب هذه الكتب، ولا يسندونها، فيقولون مثلًا: ((هذا الحديث رواه فلانٌ
فقال كذا، وخالفه فلان فقال كذا)) أو ((رواه فلان وفلانٌ وفلانٌ)) فيذكرُ اتفاقهم، أو
((رواه فلانٌ وتابعه فلانٌ))، وهكذا من غير أن يظهروا أسانيدهم إلى هؤلاء الرواة .
ومما لا شك فيه أن هذه الروايات من مروياتهم، وهي مسموعة لهم، إلا أنهم لم
يذكروا أسانيدهم لها إمَّا اختصارًا، وإما لشهرتها، وعليه فلا ينبغي أن يُعاب ذلك على
هؤلاء العلماء النقّاد، أو أن ترد أحكامهم على هذه الأحاديث لمجردٍ عدم عِلمنا نحن
بهذه الأسانيد، وإلا لضاع كمّ عظيم من أقوال أهل العلم على الأحاديث وعللها ،
اللَّهم إلا إن تبينَ في حديثٍ بعينه ضعف الإسناد إلى الراوي المتفرد أو المتابع أو
المخالف، فحينئذٍ يعاملُ هذا الحديث بعينه بقدره، من غير أن يكون التشكيك فيما
يذكره أهل العلم هو الأصل في الباب . والله أعلم .

٣٤٥
المعضل
الجزم، كـ((قال))، و((فَعَل))، و((أَمَر ))، و((نَهى))، و((ذَكَر))، و((حَكَى)))
كذا قالَ ابنُ الصلاحِ(١) .
قال العراقي (٢): وقد استعمله غيرُ واحدٍ مِن المتأخّرِينَ في غير
المجزوم به، منهم الحافظُ أبو الحجّاج المزيُّ حيث أوردَ في ((الأطراف))
ما في ((البخاري)) مِن ذلك مُعلِّمًا عليه علامةَ التعليقِ .
بل المصنّفُ نفسه أوردَ في ((الرياضٍ)) حديثَ عائشةَ: أُمِرِنا أن ننزلَ
الناسَ منازلَهم، وقال: ذكره مسلمٌ في «صحيحه)) (٣) تعليقًا فقالَ: وذكِر
عن عائشةَ .
(ولم يَستعملوه فيما سَقَط وسَطُ إسنادِهِ) لأنَّ له اسمًا يخصُّه مِنَ
الانقطاع والإرسالِ والإعضالِ .
أما ما عَزاهُ البخاريُّ لبعضِ شُيوخِه بصيغةٍ: «قال فلانٌ))، ((وزاد
فلان ◌ٌ، ونحو ذلك، فليس حُكمه حُكمَ التعليقِ عن شيوخ شيوخه، ومَن
فوقهم، بل حُكمُه حُكمُ العنعنةِ مِن الاتصالِ بشرطِ اللقاءِ ، والسلامةِ من
التدليسِ، كما (٤) جزَم به ابنُ الصلاح(٥) .
قال : وبَلغني عن بعضِ المتأخّرِينَ مِن المَغَاربة أنَّه جَعله قِسمًا مِن
التعليقِ ثانيًا، وأضاف إليه قولَ البخاريِّ: ((وقال لي فلانٌ))، و((زادنا
فلانٌ))، فوسَم كل ذلك بالتعليقٍ .
(١) ((علوم الحديث)) (ص : ٩٣).
(٣) ((مقدمة صحيح مسلم)) (ص: ٥).
(٥) ((علوم الحديث)) (ص : ٩٣).
(٢) (التقييد)) (ص: ٩٤).
(٤) في ((ص)): ((كذا)) .
سمس ..

٣٤٦
النوع الحادي عشر
قال العراقي (١): وما جزَم به ابنُ الصلاح هنا(٢) هو الصوابُ، وقد
خالف ذلك في نوع الصحيحِ، فجعلَ مِن أمثلةِ التعليقِ قولَ البخاريِّ :
((قال عفانٌ كذا))، و((قال القعنبيُّ كذا))، وهُما مِن شيوخِ البخاريِّ،
والذي عَليه عملُ غيرٍ واحدٍ من المتأخّرِينَ كابنِ دقيقِ العيد والمِزْيِّ أَنَّ
لذلك حُكمَ العنعنةِ .
قال ابن الصلاح (٣) هنا(٤): وقد قال أبو جعفر بن حمدان النيسابوري .
وهو أَعرفُ بالبخاريِّ .: كل ما قالَ البخاريُّ: ((قال لي فلانٌ)) أو: ((قالَ
لنا » فهو عَرضّ ومُناولٌ .
وقال غيرُه: المُعتمَدُ في ذلك ما حقَّقه الخطيبُ مِن أنَّ ((قال)) ليست
كـ((عن))؛ فإنَّ الاصطلاحَ فيها مُختلفٌ (٥)، فبعضُهم يستعملُها في السماع
دائمًا كحجَّاج بنِ موسى المصيصي الأعور، وبعضُهم بالعكسِ
لا يَستعملها إلَّ فيما لم يَسمعه دائمًا، وبعضُهم تارةً كَذا وتارةً كذا
كالبخاريِّ، فلا يحكم عليها بحُكمِ مُطردٍ .
ومثلُ ((قال)): ((ذكَر))، استعملها أبو قُرَّةَ في ((سننه)) في السماعِ، لم
يذكر سِواها فيما سمعه من شيوخِه في جميعِ الكتابِ .
• تنبية:
فرَّق ابنُ الصلاح والمصنّفُ أحكامَ المعلَّق، فذكرا بعضَه هنا، وهو
(١) ((التقييد)) (ص: ٩٥).
(٣) ((علوم الحديث)) (ص: ٩٣).
(٥) في ((م): ((يختلف)).
(٢) في ((م)): ((هذا)).
(٤) في ((م)): ((هذا)).

٣٤٧
المعضل
حقيقتُه، وبعضَه في نوع الصحيح، وهو حُكمه، وأحسنُ مِن صنيعهما
صنيعُ العراقيِّ(١)، حيث جَمعهما في مكانٍ واحدٍ في نوع الصحيحِ،
وأحسنُ من ذلك صنيعُ ابنِ جَماعة (٢) حيث أفرده بنوع مستقلِّ هنا .
الرَّابِعُ: إِذَا رَوى بَعْضُ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ الحَدِيثَ مُرْسَلًا
وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا، أوْ بَعْضُهُمْ مَوْقُوفًا وَبَعْضُهُمْ مَرْفُوعًا، أو
وَصَلَهُ هُوَ أَوْ رَفَعَهُ فِي وَقْتٍ ، وَأَرْسَلَهُ وَوَقَفَهُ فِي وَقْتٍ - فالصَّحِيحُ
أنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ وَصَلَهُ أوْ رَفَعَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَالِفُ لَهُ مِثْلَهُ أوْ
أَكْبَرَ؛ لأنَّ ذَلِكَ زِيَادَةُ ثِقَةٍ ، وَهِيَ مَقْبُولٌ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحُكْمُ لِمَنْ أرْسَلَهُ أوْ وَقَفَهُ، قَالَ الْخَطِيبُ:
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، وَعَنْ بَعْضِهِمُ الْحُكْمُ لِلأكْثَرِ، ويَعْضِهِمْ
لِلْأحْفَظِ، وعَلَى هَذَا لَوْ أرْسَلهُ أوْ وَقَفَهُ الْأحْفَظُ لا يَقْدَحُ الوَصْلُ
والرَّفْعُ فِي عَدَالَةِ رَاوِیهِ .
وقِيلَ: يَقْدَحُ فِيهِ وصْلُهُ مَا أرْسَلَهُ الْحُفَّاظُ .
(الرابعُ : إذا رَوَى بعضُ الثقاتِ الضابطين الحديث مرسلًا وبعضُهم
متصلًا، أو بعضُهم موقوفًا وبعضُهم مرفوعًا، أو وَصَلَه هو أو رَفَعَه في
وقتٍ، وأَرسَلَه ووَقَفَه في وقتٍ) آخر .
(١) ((التبصرة)) (ص: ٦٩ - ٨٠).
(٢) ((المنهل الروي)) (ص: ٤٩، ٥٠).

٣٤٨
النوع الحادي عشر
(فالصحيحُ) عِندَ أهلِ الحديثِ والفقهِ والأُصولِ (أن الحكمَ لمن
وَصَله أو رَفَعه، سواءٌ كان المخالفُ له مثلَه) في الحِفظِ والإتقانِ (أو
أكبرَ (١)) منه (لأنَّ ذلك) أي : الرَّفع والوَصل (زيادةُ ثقةٍ، وهي مقبولةٌ)
على مَا سيأتي .
وقد سُئل البخاريُّ عن حديث: ((لا نِكاحَ إلا بَوليٍّ)». وهو حديثٌ
اختلف فيه على أبي إسحاق السَّبيعي؛ فَرَواه شُعبةُ والثوريُّ عنه، عن
أبي بُردَةَ، عَنِ النبيِّ ◌ََّ مُرسلًا(٢) . ورواه إسرائيلُ بن يونسَ في آخرين،
عن جَدِّه أبي إسحاقَ، عن أبي بُردة، عن موسى متصلًا(٣) . فحَكَمَ
البخاريُّ لمن وَصَله، وقال: الزيادةُ مِن الثقةِ مقبولةٌ (٤). هذا مَعَ أنَّ مَن
أرسلَه شعبةُ وسُفيانُ، وهما جَبَلان في الحِفظِ والإتقانِ .
(١) في المطبوع: ((أكثر)).
(٢) أخرجه: الترمذي بعد حديث (١١٠١) (٤٠٠/٣)، وراجع ((علل الترمذي الكبير))
(١٥٥).
(٣) أخرجه: أبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١).
(٤) هذه القصة أسندها الخطيب في ((الكفاية)) (ص ٥٨٢)، وفي إسنادها إلى البخاري
نظر، وقد قال ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)) (٤٢٩/١).
((وهذه الحكاية - إن صحت -، فإنما مراده: الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل
كتاب ((تاريخ البخاري)) تبين له قطعًا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد
مقبولة ، وهكذا الدارقطني، يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة ، ثم
يرد في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد ؛ فدل
على أن مرادهم زيادة الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة، وهي : إذا كان الثقة مبرزًا
في الحفظ )» .
وقال الترمذي في ((العلل)) في آخر ((الجامع)) (٥ /٧٥٩): ((وربَّ حديث يُستغرب =

٣٤٩
المعضل
= لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمدُ على حفظه)).
وقال ابن عبد البر - كما في ((النكت)) لابن حجر (٦٩٠/٢) -: «إنما تقبل الزيادة من
الحافظ، إذا ثبتت عنه، وكان أحفظ وأتقن ممن قصرَ، أو مثله في الحفظ ، كأنه
حديثٌ آخر مستأنفٌ ، وأما إذا كان الزيادة من غير حافظٍ ، ولا متقنٍ ، فإنها لا يلتفتُ
إليها)).
وقد قال الخطيب البغدادي نحو ذلك، كما في ((النكت)) (٦٩٣/٢).
وقال الحافظ في ((النزهة)) (ص٤٧ - ٤٩): ((واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول
الزيادة مُطلقًا من غير تفصيلٍ، ولا يتأتَّى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون
في الصحيح أن لا يكون شاذًّا، والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن
ابن مهديٍّ، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن
المديني، والبخاري، وأبي زرعة ، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم:
اعتبار الترجيحِ فيما يتعلق بالزيادةِ وغيرها، ولا يعرف عن أحدٍ منهم إطلاق قبول
الزيادة )) اهـ باختصار .
واشترط بعضهم لردِّ الزيادة أن تكون منافية، وهذا خارجٌ عن محلِّ البحث؛ لأن
الزيادة التي يتوقفُ أهل الحديث في قبولها من غير الحافظِ هي التي تقع في الحديث
الذي يتحدُ مخرجه، فإذا روى الحديث جماعةٌ من الحفّاظِ الأثبات العارفين بحديث
ذلك الشيخ، وانفرد دُونهم بعض رواتِه عنه بزيادةٍ ، فإنها لو كانت محفوظة لما غفل
الجمهور من رواتِه عنها ، فتفرُّد واحدٍ عنه بها دونهم مع توفر دواعيهم على الأخذ عنه
وجمع حديثه : يقتضي ريبةً توجبُ التوقف عنها .
نعم ؛ قد يقبلون أحيانًا زيادة من دون الحفّاظ، حيث تنضمُّ قرينة ترجح عند الناقد
حفظ هذا الراوي لتلك الزيادة، كما أنهم ربما ردوا بعض زيادات الحفاظ لقرينة
أيضًا، أما إذا كانت الزيادة عارية عن القرائن، فهم لا يقبلونها من غير الحفّاظ ، والله
أعلم .
وراجع ((النكت)) (٦٩٢/٢)، و ((شرح العلل)) (٦٣٥/٢).