Indexed OCR Text
Pages 261-280
١٩٠ النوع الأول قال: ومِنها : المسلسلُ بالأئمة الحُفَّاظ [ المتقنين](١)، حيثُ لا يكون غريبًا ، كحديثٍ يرويه أحمدُ مثلًا، ويُشاركه فيه غيرُه، عن الشافعيِّ، ويُشاركه فيه غيره، عن مالكِ، فإنه يفيدُ العلمَ عِندَ سامعهِ بالاستدلالِ مِن جهةٍ جَلالة رُواته . قال : وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصلُ العلمُ بصِدقِ الخبر منها (٢) إلا للعالم المتبحِّرِ في الحديثِ، العارفِ (٣) بأحوال الرواةِ والعللِ، وكونُ غيره لا يحصل له العلمُ [ بصدقٍ ذلك ] (٤)؛ لِقُصوره عن الأوصافِ المذكورة، ولا (6) يَنفي حصول العلم للمتبحِّر المذكورِ. انتهى (٦). (١) زيادة من المطبوع و((النزهة)) (ص٧٦). (٢) في ((ص))، ((م): ((فيها))، والمثبت من المطبوع و((النزهة)). (٣) في ((ص): ((العالم)). (٤) زيادة من المطبوع والنزهة . (٥) في ((م)): ((لا)). (٦) قال الإمام أبو نصرِ الوائليُّ في كتاب ((الرد على من أنكر الحرف والصوت)) (ص ١٨٩) حاكيًا عن الإمام أحمد بن حنبل - عليه رحمة الله. وغيره من العلماء، قال: ((أخبار الآحاد عند أحمد بن حنبل وغيره من علماء النقل ضربان : فضربٌ لا يصح أصلًا، ولا يعتمد عليه، فلا العلم يحصل بمخبره ولا العلمُ يجبُ به . وضرب صحیح موثوقٌ بروايته، وهو على ضربين : نوعْ منه قد صحَّ لكون رواتةٍ عُدُولًا، ولم يأتِ إلا من ذلك الطريق، فالوهم وظنُّ الكذِبِ غير منتفٍ عنه؛ لكنَّ العمل یجب بهِ . ونوعٌ قد أتَى من طرقٍ متساوية في عدالةِ الرواةِ، وكونهم متقنينَ أئمةً متحفظين من الزلل ؛ فذلك الذي يصيرُ عند أحمد في حكم المتواترٍ)). = ١٩١ الصحيح وقال ابنُ كثيرٍ (١): وأنَا مع ابنِ الصَّلاح فيما عَوَّل عليه وأرشد إليه . قلتُ : وهو الذي أختارُه، ولا أعتقدُ سواه . نعم، يَبقى الكلامُ في التوفيقِ بينه وبين ما ذَكَرِه أولًا(٢) مِن أنَّ المرادَ بقولهم: ((هذا حديثٌ صحيحٌ)) أنه وُجِدَت فيه شروطُ الصحة، لا أنَّه مقطوعٌ به في نفس الأمرِ، فإنه مخالفٌ لما هنا، فلينظر (٣) في الجمعِ بينهما؛ فإنه عَسِرٌ، ولم أرَ مَن تَنَبَّه لَه . تنبيه : استثنى ابنُ الصلاحِ مِن المقطوعِ بِصِحَّتِه فيهما ما تُكُلِّم فيه من أحاديثهما فقال (٤): سوى أحرفٍ يسيرةٍ تكلّم عليها بعضُ أهلِ النقدِ مِن الحُفَّاظِ ؛ كالدار قطنيٍّ وغيره . قال شيخُ الإسلام : وعِدة ذلك مائتانٍ وعشرون حديثًا، اشتَرَكا في = يقصد بهذا النوع الآخر : ذلك الخبر الذي هو خبرُ آحادٍ، قد احتفَّت به القرينة الدالة على إفادته للعلم، فهذا في الحكم كالمتواتر سواءً بسواءٍ ، وليس هناك فرقٌ بين هذا الخبر وخبر التواتر ، وإن كان يُسمَّى آحادًا ، إلَّا أنه يفيد العلم القطعيَّ اليقينيَّ كما يفيد خبرُ التواترِ ؛ وإن كان هذا الخبر الذي هو من أخبار الآحادِ ما أفاد العلمَ اليقينيَّ إلَّا بعد أن انضمت إليه تلك القرينة الدالة على ذلك . (١) ((اختصار علوم الحديث)) (ص: ٢٩). (٢) أي في (ص : ٩٥)، وانظر التعليق عليه . (٣) في ((ص)): ((فبالنظر)). (٤) ((علوم الحديث)) (ص : ٤٢). ١٩٢ النوع الأول اثنين وثلاثين، واختصَّ البخاريُّ بثمانين إلا اثنين، ومسلمٌ [ بمائةٍ وعشرةٍ ](١) . قال المصنّف في ((شرح البخاري)): ما ضُعِّف مِن أحاديثهما مبنيٌّ على عللٍ ليست بقادحةٍ . قال شيخُ الإسلام: فكأنَّه مالَ بهذا إلى أنَّه ليس فيهما ضَعيفٌ، وكلامهُ في ((شرح مسلم)) يَقتضي تقريرَ قولِ مَن ضعف، فكأنَّ هذا بالنسبة إلى مَقامهما، وأنه يدفع عن البخاريٍّ، ويقرِّرُ على مسلمٍ . قال العراقي (٢): وقد أفردتُ كتابًا لما تُكُلِّم فيه في ((الصحيحين)) أو أحدِهما معِ الجواب عنه . قال شيخُ الإسلام(٣): لم يبيض هذا الكتاب وعدمت مسودته . وقد سرد شيخ الإسلام ما في البخاريٍّ مِن الأحاديثِ المتكلّم فيها في مُقدِّمة شرحِهِ، وأجابَ عنها حديثًا حديثًا . ورأيتُ فيما يتعلَّق بمسلم تأليفًا مخصوصًا فيما ضُعْف مِن أحاديثِهِ بسبب ضَعفِ رُواته، وقد أَلَّفَ الشيخُ وليُّ الدين العراقيُّ كتابًا في الردِّ عليه . وذكر بعضُ الحفاظ أن في كتاب مسلم أحاديثَ مُخالِفةٌ لشرطٍ (١) في ((ص)): ((بثمانية))، وفي ((م)): ((بمائة))، والمثبت من المطبوع و((مقدمة الفتح)) (ص ٦٤٣) . (٢) ((التقييد)) (ص: ٤٢). (٣) ((النكت)) (٣٨٠/١). : ٠ ......... : : ١٩٣ الصحيح الصحيح بعضُها أَبِهِم راويه (١) وبعضُها فيه إِرسالٌ وانقطاعٌ، وبعضُها فيه وِجَادةٌ وهي في حُكم الانقطاعِ، وبعضُها بالمُكاتبةِ . وقد ألَّف الرشيدُ العطارُ كتابًا في الردِّ عليه والجوابِ عنها حديثًا حديثًا، وقد وقفت عليه، وسيأتي نقلُ ما فيه مُلخّصًا مُفرَّقًا في المواضعِ اللائقةِ به - إن شاء الله تعالى - ونعجلُ هنا بجوابٍ شاملٍ لا يختصُّ بحديثٍ دون حديثٍ . قال شيخُ الإسلام في ((مقدمة شرح البخاري)) (٢): الجوابُ مِن حيث الإجمال عما انتُقِد عليهما، أنه لا ريب في تقدُّم البخاريِّ ثُم مسلم على أهل عصرهما ومَن بعدَه من أئمة هذا الفنِّ في معرفةِ الصحيحِ والعللِ ، فإنَّهم لا يَختلفون أنَّ ابنَ المديني كان أعلمَ أقرانِهِ بعللِ الحديث، وعنه أخَذَ البخاريُّ ذلك، ومع ذلك فكان ابن المديني إذا بلغه عن البخاريٍّ شيءٌ يقول: ما رَأَىُ مِثْلَ نفسه . وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلمَ أهلٍ عَصرِه بعلل حَديثِ الزهريِّ، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعًا (٣). وقال مسلمٌ (٤): عرضتُ كتابي على أبي زُرعة الرازي، فما أشار أنَّ له علةً تَرکتُه . فإذا عُرف ذلك، وتَقرَّر أنهما لا يخرِّجان من الحديثِ إلا ما لا عِلَّةَ (١) في ((ص)): ((رواية)). (٢) ((هدي الساري)) (ص: ٣٤٦ - ٣٤٧). (٣) في ((ص)): ((كثيرًا جميعًا))، وهو إقحام. (٤) ((مقدمة صحيح مسلم)) بشرح النووي (١٥/١). ١٩٤ النوع الأول له، أو له عِلةٌ غيرُ مُؤثِّرةٍ عندَهما، فبتقديرِ توجيهِ كلام مَن انتَقَدَ عليهما ، يكون قولُه معارضًا لتصحيحهما، ولا ريبَ في تقديمهما في ذلك على غيرهما ، فيندفعُ الاعتراضُ من حيث الجملة . 15 ---- - | وأما مِن حيث التفصيل ، فالأحاديثُ التي انتقدت عليهما سِتَّةُ أقسام : الأول: ما يختلفُ الرواةُ فيه بالزيادةِ والنقصِ مِن رجالِ الإسنادِ ، فإن أخرج صاحبُ الصحيح الطريقَ المزيدةَ، وعَلَّله الناقدُ بالطريقِ الناقصةِ ، فهو تعليلٌ مردودٌ؛ لأنَّ الراوي إن كان سمعه فالزيادةُ لا تضرُّ ؛ لأنَّه قد يكون سمعه بواسطةٍ عن شيخه، ثم لَقِيَه فسمعه منه، وإن كان لم يَسمعه في الطريقِ الناقصةِ، فهو منقطعٌ، والمنقطعُ ضعيفٌ، والضعيفُ لا يُعِلُ الصحيح . ومن أمثلة ذلك : ما أخرجاه من طريق الأعمش، عن مجاهدٍ ، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ في قصة القَبرَينِ (١) . قال الدار قطنيُّ في انتقاده(٢): قد خالفَ منصورٌ، فقال: عن مجاهدٍ ، عن ابن عباسٍ، وأخرجَ البخاريُّ حديثَ منصورٍ على إسقاط طاوسٍ. قال : وحديثُ الأعمشِ أصحُ . قال شيخُ الإسلام(٣): وهذا في التحقيقِ ليس بعلةٍ ؛ فإنَّ مجاهدًا لم يوصف بالتدليس، وقد صحَّ سماعُه من ابنِ عباسٍ ، ومنصورٌ عندهم أتقن (١) البخاري (٦٥/١)، ومسلم (١٦٦/١). (٢) ((التتبع)) (ص: ٥٠٠). (٣) ((هدي الساري)) (ص: ٣٥٠). ١٩٥ الصحيح من الأعمشِ، والأعمشُ أيضًا من الحفاظِ ، فالحديثُ كيفما دَارَ دَارَ على ثقة، والإسنادُ كيفما دار كان متصلًا، وقد أكثَرَ الشيخان مِن تخريج مثلٍ هذا . وإن أخرج صاحبُ الصحيح الطريقَ الناقصةَ، وعلَّله الناقدُ بالمزيدةِ ، تضمن اعتراضُه دعوى انقطاع فيما صحَّحه المصنِّفُ، فينظر : إن كان الراوي صحابيًّا، أو ثقةً غيرَ مُدلِّس قد (١) أدركَ مَن روى عنه إدراكًا بيّنًا ، أو صرَّح بالسماع إن كان مدلّسًا مِن طريقٍ أُخرى، فإن وُجد ذلك اندفعَ الاعتراضُ بذلك، وإن لم يُوجد وكان الانقطاعُ ظاهرًا، فمُحصلُ الجوابِ أنَّه إنَّما أخرج مثلَ ذلك حيث له متابع (٢) وعاضدٌ، أو (٣) حقَّته قرينةٌ في الجُملة تُقُوِّيه، ويكون التصحيحُ وَقَعَ مِن حيثُ المجموع . مثالُه : ما رواه البخاريُّ (٤) من حديث أبي مروان، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن أُمِّ سلمة أن النبي ◌َّ قال لها: ((إِذَا صَلَّيتِ الصُّبحَ فَطُوفِي على بَعِيرِكِ والنَّاسُ يُصَلُّونَ)) الحديث . قال الدارقطني (٥): هذا منقطعٌ، وقد وصَله حفصُ بنُ غِيَاثٍ، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة. ووصله مالكٌ في ((الموطٍ)) عن أبي (٦) الأسود عن عروة كذلك . (١) في ((ص): ((فقد)). (٢) في ((ص)) و((م)): ((سائغ))، والتصويب من ((مقدمة الفتح)) (ص٣٤٧). (٤) (١٨٩/٢) . (٣) في ((ص)): ((و)) . (٥) ((التتبع)) (ص: ٣٥٩ - ٣٦٠) . (٦) سقط من: ((ص)). ١٩٦ النوع الأول قال شيخ الإسلام: حديثُ مالكِ عند البخاريِّ مقرونٌ بحديثٍ أبي مروان، وقد وقَع في روايةِ الأَصِيلي: عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، موصولًا، وعليها اعتمد المزِّي في ((الأطراف))، ولكنَّ معظمَ الرواياتِ على إسقاطِ زينب . قال أبو عليٍّ الجياني: وهو الصحيحُ، وكذا أخرجه الإسماعيليُّ بإسقاطها من حديث عَبْدَةَ بن سليمان ، ومحاضر، وحسانَ بنِ إبراهيم، كُلُّهم عن هشام، وهو المحفوظُ من حديثه، وإنما اعتمد البخاريُّ فيه روايةَ مالكِ التي أثبتَ فيها ذِكر ((زينب))، ثم ساق معها روايةَ هشام التي سقطت منها، حاكيًا للخلافِ فيه على عُروة كعادته، مع أنَّ سماعَ عُروة مِن أمِّ سلمةً ليس بالمستبعدِ . قال: ورُبَّما عَلَّلَ بعضُ النقاد أحاديثَ ادُّعِي فيها الانقطاعُ [ لكونها مرويةً بالمُكاتبةِ والإجازةِ، وهذا لا يلزمُ منه الانقطاعُ](١) عند مَن يُسَوِّغُ ذلك، بل في (٢) تخريج صاحب الصحيحِ لمثلٍ ذلك دليلٌ على صِحَّتِه عنده . القسم الثاني : ما يختلفُ الرواةُ فيه بتغييرِ رجالِ بعضِ الإسنادِ . والجوابُ عنه: أنَّه إن أمكن الجمعُ بأن يكون الحديثُ عند ذلك الراوي على الوجهين جميعًا، فأخرجَهما المصنّفُ(٣) ولم يقتصر على أحدِهما، حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظِ والعددِ ، (١) سقط من: ((ص)). (٣) ليس في: ((ص)) . (٢) ليس في: ((ص). .. .. ١٩٧ الصحيح أو متقاربين(١)، فيخرج الطريقةَ الراجحة، ويُعرِضُ عنِ المرجوحةِ أو يشيرُ إليها (٢)، فالتعليلُ بجميع ذلك لمجرَّدِ الاختلافِ غيرُ قادح؛ إذ لا يلزم من مجردِ الاختلافِ اضطرابٌ يوجب الضعفَ . الثالثُ : ما تفرَّد فيه بعضُ الرواةِ بزيادةٍ لم يذكرها أكثرُ منه أو أضبَطُ ، وهذا لا يُؤَثِّرُ التعليلُ به، إلا إن كانت الزيادةُ منافيةً بحيث يتعذَّر الجمع ، وإلا فهي كالحديثِ المستقلِّ، إلا إن وَضَح بالدليل القويِّ أنَّها مدرجةٌ مِن كلام بعضٍ رواته فهو مُؤَثّرٌ، وسيأتي مثالهُ في المُدرَجِ . الرابعُ : ما تفرَّد به بعضُ الرواة ممن ضُعِّف، وليس في الصحيحِ مِن هذا القَبيل غيرُ حديثين تبيَّن أن كُلَّ منهما قد تُوبع . أحدُهما : حديثُ إسماعيل بن أبي أويس، عن مالكٍ، عن زيدٍ بن أسلم، عن أبيه، أنَّ (٣) عُمَرَ استعملَ مولَّى له يُدعَى هُنَيًّا - الحديث بطوله (٤) . قال الدار قطنيُّ : إسماعيلُ ضعيفٌ . قال شيخُ الإسلام(٥) : ولم ينفرد به، بل تابعه مَعْنُ بنُ عيسى عن مالكِ، ثم إسماعيلُ ضَعَّفه النسائيُّ وغيرُه، وقال أحمدُ ، وابنُ معينٍ - في روايةٍ -: لا بأسَ به. وقال أبو حاتم: محلُّه الصّدقُ، وإنْ كان مُغفلًا ، (١) في ((م)): ((متفاوتين)). وفي ((مقدمة الفتح)) (ص٢٤٧): ((وإن امتنع أن يكون المختلفون غير متعادلين بل متقاربين في الحفظ والعدد ... )). (٢) في ((ص)): ((إليهما)). (٣) في ((ص): ((عن)). (٤) ((الصحيح)) (٤ / ٨٧). (٥) ((هدي الساري)) (ص: ٣٦٣) . ١٩٨ النوع الأول وقد صحَّ أنه أخرَجَ للبخاريِّ أصولَه، وأَذِن له أن يَنتقيَ منها. وهو مُشعِرٌ بأنَّ ما أخرَجَه البخاريُّ عنه مِن صحيح حديثهِ ؛ لأنَّه كَتَبَ مِن أصولِهِ ، وأخرج له مسلمٌ أقلَّ ممَّا أَخرَجَ له البخاريُّ . ثانيهما : حديثُ (١) أُبِيِّ بنِ عَباسٍ بن سَهلِ بن سعدٍ ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: كان للنبيِّ وََّ فَرَسٌ يُقَالُ لَه: اللُّحَيف (٢) . قال الدارقطني : أُبيِّ ضَعِيفٌ (٣) . قال شيخ الإسلام (٤): تابعه عليه أخوه عبدُ المهيمن . القسمُ الخامسُ: ما حُكِم فيه على بعضِ الرواةِ بالوهم، فمنه ما لا یؤثر قدحًا، ومنه ما يُؤثر . السادسُ: ما اختُلِف فيه بتغييرِ بعضِ ألفاظِ المتنِ، فهذا أكثرُه لا يترتَّبُ عليه قَدحٌ لإمكانِ الجمعِ أو الترجيحِ. انتهى . فائدةٌ تتعلقُ بالمتفقِ عليه: قال الحاكم: الحديثُ الصحيحُ ينقسمُ عشرةً أقسام: خمسةٌ متفق عليها، وخمسةٌ مُختلف فيها : فالأول من المتفق عليها: اختيارُ البخاريِّ ومسلم، وهو الدَّرجة الأُولى من الصحيح . (١) ((الصحيح)) (٣٥/٤). (٣) ((التتبع)) (ص: ٢٩٣). (٢) في ((م)): ((اللخيف)) . (٤) ((هدي الساري)) (ص: ٣٨٩). ١٩٩ الصحيح وهو الحديث الذي يرويه الصحابيُّ المشهورُ - إلى آخرِ كلامهِ السابقِ، وقد تقدَّم ما فيه . الثاني: مِثْلُ الأولِ، إلا أنَّه ليس لراويه (١) الصحابيِّ إلا رَاوٍ واحدٌ . مثالُه حديثُ عروة بن مُضَرِّس، لا راوي له غير الشعبيِّ . وذَكَر أمثلةٌ أُخرى، ولم يُخَرِّجا هذا النوعَ في ((الصحيح)). قال شيخُ الإسلام (٢) : بَل (٣) فيهما جُملةٌ مِن الأحاديث عن جماعةٍ مِن الصحابةِ ليس لهم إلا راوٍ واحدٌ . وقد تعرَّض المصنفُ لذلك في نوعِ الوُحدان، وسيأتي فيه مزيدُ كلام . الثالثُ : مِثلُ الأول إلا أن راويه مِن التابعين ليس له إلا راوٍ واحدٌ، مثل : محمد بن جبير وعبد الرحمن بن فروخ . وليس في ((الصحيح)) من هذه الروايات شيءٌ، وكلُّها صحيحةٌ . قال شيخ الإسلام في ((نُكَته)) (٤): بَل فِيهما القليلُ مِن ذلك؛ كعبدِ الله بنِ وديعة، وعُمر بن محمدِ بن جُبيرِ بن مُطعم، وربيعة بن عطاء . الرابعُ : الأحاديثُ الأَفْرادُ الغَرائبُ التي ينفردُ بها ثقةٌ من الثقات ؛ (١) في ((ص)): ((لرواية)). (٢) ((النكت)) (٣٦٧/١ - ٣٦٨). (٣) في ((ص))، ((م)): ((بلى)). وراجع: ((النكت)) (٣٦٨/١). (٤) ((النكت)) (٣٦٨/١). ٢٠٠ النوع الأول كحديثِ العلاءِ عن أبيه عن أبي هريرة في النهي عَنِ الصوم إذا انتصفَ شَعبانُ، تركَه مسلمٌ لتفرد العلاءِ به (١)، وقد أَخرج بهذه النسخةِ أحاديثَ كثيرةً . قال شيخُ الإسلام (٢): بل فيهما كثيرٌ منه، لعلَّه يَزِيدُ على مائتي حديثٍ، وقد أفردها (٣) الحافظُ ضياء الدين المقدسي، وهي المعروفة بـ ((غرائبِ الصحيحِ)) . الخامسُ : أحاديثُ جماعةٍ مِن الأئمةِ عن آبائهم عن أجدادهم، [ لم تتواترِ الروايةُ عن آبائهم عن أجدادهم ](٤) إلا عنهم؛ كَعَمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جَدِّه ، وإياس بن معاوية بن قرة عن أبيه عن جده ؛ أجدادُهم صحابةٌ، وأحفادهم ثِقاتٌ، فهذه أيضًا مُحتَجِّ بها، مخرجةٌ في كُتب الأئمةِ دُونَ الصحيحين . قال شيخُ الإسلام(٥) : ليس المانعُ مِن إخراج هذا القسم في الصحيحين كون الرواية وَقَعَت عن الأبِ عن الجدُ ، بل لكونِ الراوي أو أبيه ليس على شرطهما ، وإلَّا ففيهما أو في أحدِهما مِن ذلك : روايةُ عليّ ابن الحسين بن علي عن أبيه عن جدِّه، وروايةُ محمد بن زيد بن عبد الله (١) قال أبو يعلى الخليلي في ((الإرشاد)) (٢١٩.٢١٨/١) في العلاء هذا: ((مختلف فيه؛ لأنه يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها، كحديثٍ عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ◌ِّ: ((إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان))، وقد أخرج مسلم في ((الصحيح)) المشاهير من حديثه، دون هذا، والشواذُ)) اهـ. (٢) ((النكت)) (٣٦٨/١) . (٤) سقط من: ((ص)) . (٣) في ((ص)): ((أفردهما)). (٥) ((النكت)) (٣٦٨/١ - ٣٦٩). ٢٠١ الصحيح ابن عُمر عن أبيه عن جده، [ وروايةُ أَبيِّ بن عباسٍ بن سهلٍ عن أبيه عن جده ](١) ، وروايةُ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده ، وروايةُ الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما عن جدِهِما، وروايةُ حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده ، وغير ذلك . قال: وأما الأقسامُ المُختلَفُ فيها فهي: المرسَل، وأحاديثُ المدلْسين إذا لم يذكروا سماعهم ، وما أسنده ثقةٌ وأرسله ثقاتٌ ، ورواياتُ الثقاتِ غيرِ الحُفَّاظ العارفين، وروايات المُبتدِعة إذا كانوا صادِقِين . قال شيخُ الإسلام (٢): أمَّا الأَوَّلُ والثاني فكما قال، وأمَّا الثالثُ، فقد اعترض عليه العلائي، بأن في ((الصحيحين)) عِدَّةَ أحاديثَ اختلف في وصلها وإرسالها . قال شيخ الإسلام: ولا يَرِدُ عليه؛ لأنَّ كلامهَ فيما هو أعمُّ مِن ((الصحيحين) . وأما الرابع : فقال العلائي: هو مُتَّفَق على قَبولِه والاحتجاج به إذا وُجدت فيه شرائطُ القَبول، وليس مِن المُختَلَفِ فيه البتّة. قال : ولا يبلغ الحُفَّاظُ العارفون نِصفَ رواة ((الصحيحين))، وليس كونه حافظًا شرطًا ، وإلَّا لَما احتج بغالبِ الرواة . (١) سقط من: ((ص)). (٢) ((النكت)) (٣٦٩/١). ٢٠٢ النوع الأول وقال شيخُ الإسلام: الحاكمُ إنما فرضَ الخلافَ فيه (١) بينَ أكثرِ أهلِ الحديث ، وبين أبي حنيفة ومالكٍ . قال (٢): وأمَّا الخامسُ فكما ذكَر مِنَ الاختلاف فيه، لكن؛ في ((الصحيحين)) أحاديثُ عن جماعةٍ من المبتدعة عُرف صِدقُهم، واشتهرت مَعرِفَتُهم بالحديثِ ، فلم يُطرحوا للبدعة . قال : وقد بَقِي عليه مِنَ الأقسام المختلفِ فيها : روايةُ مجهولِ العدالة . وكذا قال المصنّف في ((شرح مسلم)) (٣). وقال أبو عليٍّ الحسين بن محمد الجياني - فيما حكَاه المصنفُ (٤) .. الناقلون سبعُ طبقاتٍ : ثلاثٌ مقبولةٌ، وثلاثٌ مردودةٌ، والسابعةُ مُختلَفٌ فيها . فالأُولى من المقبولة : أئمةُ الحديث وحُفَّاظُهم، يُقبل تَقْرُدُهم، وهم الحُجَّة على مَن خالفهم . والثانية: دُونهم في الحِفظِ والضبطِ لَحِقَّهُم بعضُ وهمٍ . والثالثة : قومٌ ثَبَتَ صِدقُهم ومَعرفتُهم، لكن جنحوا إلى مذاهب الأهواء مِن غيرِ أن يكونوا غُلاةً ولا دُعاةً . (١) سقط من: ((ص)). (٢) ((النكت)) (٣٧٠/١). (٣) قال النووي في مقدمة ((شرح صحيح مسلم)) (٢٨/١): وقد أخل الحاكم بهذا النوع من المختلف فيه . (٤) المصدر السابق . ٢٠٣ الصحيح فهذه الطبقاتُ احتَمَل أهلُ الحديثِ الروايةَ عنهم، وعليهم يدورُ نَقلُ الحديثِ . والأُولى من المردودة: مَن وُسمَ بالكذب وَوَضعِ الحديثِ . والثانية: مَن غَلَب عليه الوهمُ والغلطُ . والثالثة: قومٌ غَلَوا في البدعة، ودَعَوا إليها، فَحرَّفوا الرواياتِ ليحتجُوا بها . وأما السابعُ المختلَفُ فيه؛ فَقَومٌ مجهولون انفردوا برواياتٍ، فَقَبِلَهم قَومٌ، وردّهم آخرون . قال العلائي: هذه الأقسامُ التي ذكرها ظاهرةٌ، لكنها في الرُّواة (١). انتهى . السَّادِسَةُ : مَنْ رَأی في هذهِ الأَزْمَانِ حَدِيثًا صَحيحَ الإِسْنَادِ فِي كِتَابٍ أوْ جُزْءٍ لَمْ يَنُصَّ عَلَى صِحَّتِهِ حَافِظُ مُعْتَمَدٌ . قَالَ الشيْخُ: لا يَحْكَمُ بِصَحَّتِه؛ لِضَغْفِ أهْلِيَّةِ أهْلِ هذِهِ الأَزْمَانِ. والأُظْهَرُ عِنْدِي جَوَازُهُ لِمَنْ تَمَكَّنَ وَقَويَتْ مَعْرِفَتُهُ. (السادسةُ) من مسائل الصحيح (مَن رأَى في هذه الأزمانِ حديثًا صحيحَ الإِسنادِ في كتابٍ أو جُزءٍ لم يَتُصَّ على صحتِهِ حافظٌ معتَمَدٌ) في شيءٍ من المُصنَّفاتِ المشهورةِ . (١) في ((ص)): ((الرواية))، وهو خطأ. ٢٠٤ النوع الأول (قال الشيخُ) ابن الصلاح(١): (لا يحكمُ بصحتِه لضعفِ أهليةِ أهلِ (٢) هذه الأزمانِ) قال: لأَنَّه ما مِن إسنادٍ من ذلك إلَّا ونجدُ في رجاله مَن اعتمدَ في روايتهِ على ما في كِتَابِهِ عَريًّا عما يُشترط في الصحيحِ مِنَ الحِفظِ والضَّبطِ والإتقانِ . قال في ((المنهل الروي)): مَع غَلبةِ الظن أنَّه لو صحَّ لما أهمله أئمةُ الأعصارِ المتقدمةِ ؛ لشدةِ فَحصِهم واجتهادِهم . قال المصنفُ : (والأظهرُ عندي جوازُه لمن تَمَكَّنَ وقَوِيَت معرفتُه) . قال العراقي (٣): وهو الذي عليه عمَلُ أهلِ الحديثِ، فقد صحَّح جماعةٌ مِن المتأخرين أحاديثَ لم نجد لمن تقدَّمهم فيها تصحيحًا . فَمِنَ المعاصرين لابن الصلاح: أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطّانِ صاحبُ كتاب ((الوهم والإيهام))، صحَّح فيه حديثَ ابن عمر: أنَّه كان يَتَوضَّأُ ونَعَلَاه في رِجليه، ويَمسَحُ عليهما ويقول: كذلك كان رسول الله وَلَّ يَفْعَلُ. أخرجه البزار. وحديثَ أنسٍ: كان أصحابُ رسولِ الله وَّه ينتظرون الصَّلاةَ فيضعون جُنُوبَهم، فمنهم مَن يَنَامُ ثم يقُومُ إلى الصَّلاةِ. أخرَجَهُ قاسمُ بنُ . (٤) أصبغ (٤) . (١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٣ - ٢٥). (٢) سقط من: ((ص))، ((م))، وأثبته من المطبوع و((مقدمة)) ابن الصلاح. (٣) ((التقييد)) (ص: ٢٣ - ٢٤) . (٤) هذا الحديث؛ في كتاب ((الوهم والإيهام)) (٥٨٩/٥) ذكره من طريق: قاسم بن = ٢٠٥ الصحيح ومِنهم الحافظُ ضياء الدين محمد بن عبدِ الواحدِ المقدسي، جمع كتابًا سماه ((المختارة))، التزم فيه الصِّحةَ، وذكر فيه أحاديثَ لم يسبق إلى تصحيحها . وصحَّح الحافظُ زكيُّ الدين المنذريُّ حديثَ بحرِ بن نصرٍ، عن ابن وهبٍ، عن مالك ويونس، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سلمة = أصبغ : حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني : حدثنا محمد بن بشار : حدثنا يحيى بن سعيد القطان : حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، باللفظ المذكور . ساقة ابن القطان محتجًّا بالزيادة التي فيه، وهي قوله: ((فيضعون جنوبهم))، على امتناع تأويل من تأول الحديث على أنهم كانوا جلوسًا . وهذه الزيادة في حديث شعبة خطأ، الظاهر أنه من الخشني هذا؛ فإن الحديث عند أصحاب محمد بن بشار بدون هذه الزيادة ، فقد رواه: الترمذي في ((الجامع)) (٧٨)، وأبو داود في ((المسائل)) (٢٠١٤)، وتمتام عند البيهقي في ((السنن)) (١٢٠/١) . ثلاثتهم عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد ، عن شعبة به، بدونها . وكذلك رواه أحمد بن حنبل في «المسند» (٢٧٧/٣)، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة ، بدونها . ورواه غير يحيى بن سعيد، عن شعبة، بدونها كذلك. منهم : خالد بن الحارث، وشبابة بن سوار، وأبو عامر العقدي، وهاشم بن القاسم . أخرجه: مسلم (١٩٦/١)، وأبو يعلى (١٧/٦)، وأبو عوانة (٢٦٦/١)، والبيهقي في ((الخلافيات)) (٤١٤)، والطحاوي في ((المشكل)) (٣٤٤٨). بل جزم الإمام أحمد بأن هذه الزيادة ليست في حديث شعبة، كما في ((مسائل ابن هانئ)" (٨/١). فهذا كله ؛ شاهد على شذوذ هذه الزيادة في حديث شعبة، وقاضٍ بخطٍ ابن القطان في تصحيحه لها فيه . ٢٠٦ النوع الأول عن أبي هريرة - في غُفرَانِ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنِهِ وما تَأَخَّرَ (١). ثم صحّح الطبقةُ التي تلي هذه، فَصَحَّحَ الحافظُ شرفُ الدِّين الدِّمياطيُّ حديثَ جَابٍ: ((مَاءُ زهْزَمَ لِمَا شُرِبَ له))(٢) . (١) هو المعروف بـ ((معرفة الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة))، قال هناك (ص ٥٠ . ٥١) ما خلاصته : ((هكذا روّينا في المجلس الثاني من أمالي أبي عبد اللَّه الجرجاني، قال: ((ثنا أبو العباس الأصم: ثنا بحر بن نصر، قال: قرئ على عبد الله بن وهب)). وهذا الحديث ؛ قد أخرجه مسلم (٤١٠)، وابن ماجه (٨٥١) من حديث ابن وهب ، عن يونس، وليس فيه: ((وما تأخر))، وبحر بن نصر بن سابق الخولاني المصري من الثقات . ورواه ابن خزيمة في ((صحيحه))، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب ، فلم يقل في آخره: ((وما تأخر))؛ فعرف بذلك تفرد بحر بن نصر بالزيادة المذكورة . ثم وجدته في ((المنتقى)) لابن الجارود (٣٢٢)، وقد أخرجه عن بحر بن نصر ، بهذا الإسناد، وليس في آخره: ((وما تأخر)). والله أعلم)) أهـ. قلت: وكذلك هو في ((الموطٍ)) لابن وهب من رواية بحر بن نصر - بدونها، وأيضًا هو عند البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٥٦/٢ -٥٧) من طريق جماعة، عن أبي العباس الأصم، عن بحر بن نصر، بدونها . وبهذا؛ يترجح أن الخطأ في زيادة هذه اللفظة ليس من بحر بن نصر، ولا من أبي العباس الأصم، بل من أبي عبد اللّه الجرجاني، والله أعلم . وقد وصفها الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٢٦٥/٢)، بقوله : ((هي زيادةٌ شاذةٌ)) . وانظر: ((زاد المعاد)» (٣٩٢/٤ - ٣٩٣). (٢) وقد بينت علته في ((الإرشادات)) (ص٢٢٧)، وكذا في تعليقي على كتابي ((الجامع لمقدمة ابن الصلاح ونكت العراقي والعسقلاني عليه)). يسر الله إتمامه. ٢٠٧ الصحيح ثُم صحَّحَ طبقةٌ بعد هذه؛ فصحَّح الشيخُ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ حديثَ ابنِ عُمَرَ - في الزيارة(١) . قال: ولم يزل ذلك دأبَ مَن بَلَغ أَهلِيَّةَ (٢) ذلك مِنهم، إلّا أنَّ منهم مَن لا يُقبَلُ ذلك منهم (٣)، وكذا كان المتقدِّمون رُبَّما صحَّح بعضهم شيئًا فأُنكِر علیه تصحيحه . وقال شيخ الإسلام (٤): قد اعترَضَ على ابن الصلاح كلٌّ من اختصرَ كلامَه، وكلُّهم دفَع في صدرِ كلامه مِن غيرِ إقامةِ دليلٍ ولا بيانِ تعليلٍ ، ومنهم مَن احتجَّ بمخالفةِ أهلِ عَصرِه ومَن بعده له في ذلك، كابنٍ القطَّانِ، والضياءِ المقدسي، والزكيِّ المنذريِّ، ومن بعدهم، كابن المواق، والدمياطي، والمِزِّي ونحوهم . وليس بواردٍ؛ لأنه (٥) لا حُجة على ابن الصلاح بعملٍ غيرهِ، وإنما يُحتجِ عليه بإبطالِ دليلهِ أو معارضتهِ بما هو أقوى منه . ومنهم مَن قال: لا سَلَفَ له في ذلك، ولعلَّه بَناهُ على جَوازٍ خُلوٌ العصرِ مِن المجتهدِ . وهذا إذا انضَمَّ إلى ما قَبله من أنه لا سَلَفَ له فيما ادَّعاه، وعَملُ (١) وهو حديث منكر، وقد فصلت القول فيه في كتابي: ((صيانة الحديث وأهله))، وكذا في ((الجامع)) المشار إليه في التعليق السابق . (٢) بعده في ((ص)): ((في)). (٣) سقط من: ((ص). (٤) ((النكت)) (٢٦٦/١ - ٢٧٦) . (٥) في ((ص)): ((لكنه))، وفي ((م)): ((بأنه)»، والمثبت من المطبوع . ٢٠٨ النوع الأول أهل عصرِه (١) ومَن بعدَهم على خِلَافِ ما قال، انتَهَض دليلًا للرد عليه . قال : ثم إن في عبارته مناقشات : منها: قوله: ((فإنَّا لا نتجاسرُ)). ظاهرُه أنَّ الأَولى تركُ التعرض له ؛ لما فيه من التعبِ والمشقةِ وإن لم ينهض إلى درجةِ التَّعذُّرِ، فلا يحسنُ قولُه بعد ذلك : فقد تعذَّر . ومنها: أنَّه ذكَر مع الضبطِ الحفظَ (٢) والإتقانَ وليست متغايرةٌ. ومنها : أنه قابل بعدم الحفظِ وجودَ الكتابِ، فأفهم أنَّه يعيبُ مَن حدَّث من كتابه، ويُصوِّبُ مَن حدَّث عَن ظهر قلبه . والمعروفُ مِن أئمةِ الحديثِ خلافُ ذلك، وحينئذٍ فإذا كان الراوي عَدلًا ، لكن لا يحفظُ ما سَمِعه عن ظهرٍ قَلبٍ، واعتمد على ما في كتابه فحدَّث منه، فقد فَعَل اللازمَ له، فحديثُه على هذه الصورة صحيحٌ . قال : وفي الجملة ما استدل به ابنُ الصلاحِ مِن كونِ الأسانيدِ ما منها إلَّا وفيه من لم يبلغ درجةَ الضبطِ المُشتَرَطَّةَ في الصحيح، إن أرادَ أنَّ جميعَ الإسناد كذلك فهو ممنوعٌ؛ لأنَّ مِن جُملته مَن يكون مِن رجالٍ الصحيح، وقَلَّ أن يخلو إسنادٌ عن ذلك. وإن أراد أنَّ بعضَ الإسناد كذلك فمُسَلَّمٌ، لكن لا ينهض دليلاً على التعذرِ ، إلا في جزءٍ ينفردُ (٣) بروايتهِ من وُصِف بذلك . (١) في ((ص)): ((العصر)). (٢) في (ص))، ((م): ((والحفظ))، والمثبت من المطبوع . (٣) في ((ص)): ((منفرد)). ٢٠٩ الصحيح أما الكتابُ المشهورُ الغنيُّ بشهرته عن اعتبار الإسنادِ مِنَّ إلى مُصَنَّفه كالمسانيدِ والسُّنَن، مما لا يحتاج في صِحةِ نِسبتها إلى مُؤلِّفها إلى اعتبارٍ إسنادٍ معينٍ ؛ فإن المصنّف منهم إذا رَوى حديثًا، ووُجِدت الشرائطُ فيه مجموعةٌ، ولم يَطَّلِعِ المحدِّثُ المتقنُ المطّلعُ فيه على علةٍ، لم يمتنعِ الحُكمُ بصحته، ولو لم يَنُصَّ عليها أحدٌ مِن المتقدمين . قال : ثُم ما اقتضاه كلامُه مِن قبولِ التصحيح من المتقدمین وردّه مِن المتأخرين قد يستلزم رَدَّ ما هو صحيحٌ، وقبولَ ما ليس بصحيحٍ، فَكُم مِن حديثٍ حَكَمَ بصحته إمامٌ متقدمٌ اطّلع المتأخّرُ فيه على علةٍ قادحة تمنع من الحكم بصحته، ولا سيما إن كان ذلك المتقدِّم ممن لا يرى التفرقةً بين الصحيحِ والحسنِ ، كابنٍ خُزيمةَ وابنٍ حِبان . قال: والعجبُ منه كيف يَدَّعي تعميمَ الخللِ في جميعِ الأَسانيدِ المتأخرةِ، ثم يقبلُ تصحيحَ المتقدمِ، وذلك التصحيحُ إنما يتصل للمتأخرِ بالإسنادِ الذي يدَّعي فيه الخلل، [ فإن كان ذلك الخلل](١) مانعًا مِن الحُكم بصحةِ الإسناد فهو مانعٌ مِن الحُكم بقبولِ ذلك التصحيح، وإن كان لا يؤثر في [ الإسناد في مثل ] (٢) ذلك لشُهرةِ الكِتابِ - كما يرشد إليه كلامه . فكذلك لا يؤثرُ في [ الإسنادِ المعينِ الذي يتصلُ به روايةُ ذلك الكتاب إلى مُؤلِّفه، وينحصرُ النظرُ في](٣) مثلٍ أسانيدِ ذلك المصنّف منه (١) سقط من: ((ص)). (٢) في ((ص)): ((الإسناد في))، وفي ((م)): ((مثل))، والمثبت من المطبوع. (٣) سقط من: ((ص)).