Indexed OCR Text

Pages 141-160

٧٠
شرح مقدمة النووي
والأكثرُ عَلى أنَّ درجة المحبة أرفع. وقِيلَ بالعكس؛ لأنَّه بَّه نفى
ثُبوتَ الخلةِ لغيرِ ربِّه، وأثبتَ المحبةَ لفاطمةً وابنيها وأسامة وغيرهم.
وقيل : هما سواء .
و ((العبد)»: مِن أشرفِ صفات المخلوق .
أسند القشيريُّ في ((رسالته)) عن الدقَّاق، قال: ليس شيء أشرف من
العبودية، ولا اسم أتم للمؤمن منها، ولذلك قال في صفته وَل ليلة
المعراج - وكان أشرف أوقاته -: ﴿سُبْحَنَ اَلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]،
﴿فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، ولو كان اسمُ أجلُّ مِن العبوديةِ
لسمَّاه به(١) .
وأسند عنه أيضًا قال: العبوديةُ أتمُّ مِن العبادة؛ فأولًا عبادة وهي
للعوام، ثم عُبودية وهي للخواصِّ، ثم عبودة وهي لخواصٌ الخواصُ .
وفي ((المسند))(٢) وغيره من حديث أبي هريرة، أن ملَكًا أتى النبيَّ
وَلَّه فقال: إن الله أرسَلني إليكَ؛ أفمَلِكًا نبيًّا يجعلك(٣)، أو عبدًا
رسولًا؟ [ فقال جبريل: تواضَعْ لربِّك يا محمدُ، قال: ((بَلْ عبدًا
رسولًا »](٤) .
(١) في ((م): ((بها)).
(٢) (٢/ ٣١) .
(٣) في ((ص)): ((نجعلك)).
(٤) سقط من ((ص))، وأثبته من ((م)).

٧١
شرح مقدمة النووي
والأشهرُ في معنى ((الرسول)): أنه إنسانٌ أُوحي إليه بشرع وأُمر
بتبليغه، فإن لم يُؤمرْ فنبيٌّ فقط، وممَّن جزم به الحليميُّ، وقيل:
وكان(١) معه كِتابٌ أو نسخٌ لبعض شَرْعٍ مَن قبله، فإن لم يكن فنبيٍّ فقَط
وإِنْ أُمر بالتبليغ، فالنبيُّ أعمُّ عليهما .
وقيل: هما بمعنَى، وهو الأَولى(٢).
ثم الإجماع (٣) عَلَى أَنَّه ◌َِّ مُرْسَلٌ إلى الإنسِ والجِنِّ دُون الملائكةِ،
صرَّح بذلك الحليمي والبيهقيُّ في ((الشُّعب))، والرازيُّ والنسفيُّ في
(تفسیریهما)) .
ونقله المتأخّرون؛ منهم الحافظُ أبو الفضل العراقي في ((نُكته)) على
ابن الصلاح، والشيخ جلال الدين المحلي في ((شرح جمع الجوامعِ)) .
[ واختار البارزيُّ والسُّبكيُّ أنه مُرسَلٌ إلى الملائكةِ أيضًا، وهو
اختياري، وقد أَلفتُ فيه كتابًا ] (٤) .
وأما الكلام في شرح اسمه محمد، فقد بسطناه في ((شرح الأسماء
النبوية)) .
(وَخَصَّه بالمُعْجِزَةِ) المستمرةِ، أي: القرآن (والسُّننِ المُسْتَمِرَّةِ على
تعاقُبِ الأَزْمَانِ) في ((الصحيحين)) (٥) عن أبي هُريرة أنَّ رسول اللّهِ وَيه
(١) في ((ص)): ((كان))، والمثبت من ((م)).
(٢) في ((ص)) و((م): ((الأول))، والمثبت من المطبوع.
(٣) في (م)): ((الأكثر)).
(٤) زيادة من ((م)).
(٥) أخرجه: البخاري (٣/٩)، ومسلم (١٣٤/١).

٧٢
شرح مقدمة النووي
قال: ((ما مِنَ الأنبياءِ نبيٌّ (١) إلا قد أُعطي مِنَ الآياتِ ما مِثْله آمَن عليه البَشَرُ،
وإنَّما كان الذي أوتيتُ وحيا أوحَاه اللَّه إليَّ، فأرْجُو أنْ أكونَ أكْثَرهم تابعًا (٢)
يومَ القيامةِ)). أي اختُصِصْتُ مِن بينهم بالقُرآن المُعجِز للبشر، المستمر
إعجازُه إلى يوم القيامة ، بخلاف سائر المعجزات فإنَّها انقضتْ في وقتها .
(صَلَّى اللُّه عليه وعلى سائرِ النبيينَ وآلِ كُلِّ ما اخْتَلَفَ الَمَلَوانِ) أي
الليل والنهار، قاله(٣) في ((الصحاح)). يقال: لا أفعله ما اختلف
الملَوانِ ، الواحدُ ملا بالقصر (وما تَكَرَّرَتْ حِكَمُه، وذِكْرِه وتَعَاقَبَ
الجَدِيدَانِ) أي : الليل والنهار أيضًا، قال ابن دُرَيْد :
إنَّ الجديدَيْن إذا ما اسْتَولَيَا
على جديدٍ أدْنَياهُ للِلَى
وقيل: هُما الغَداة والعَشِي .
وأدخل المصنّفُ في الصلاةِ سائرَ النبيِّين؛ لحديثِ: ((صَلُّوا على أنبياءِ
اللَّهِ ورُسُلِه؛ فإنَّهُمْ بُعثُوا كما بُعِثْتُ)). أخرجَه الخطيب وغيرُه (٤) .
و((آل النبي بََّ)) عند الشافعي: أقاربُه المؤمنون مِن بَني هاشم
والمُطَّلب؛ لحديث مسلم في الصدقة: ((إنَّها لا تَحِلُّ لمحمدٍ ولا لآلٍ
(٥)
مُحمد)) (٥) .
(١) في ((م)): ((من نبيِّ)).
(٢) في ((م)): ((تبعًا)).
(٣) في ((م): ((قال)).
(٤) ((تاريخ بغداد)) (١٠٥/٨)، و ((الضعفاء)) للعقيلي (٥٩/٤).
(٥) ((صحيح مسلم)) (١١٨/٣).

٧٣
شرح مقدمة النووي
وقال في حديثٍ رواه الطبرانيُّ (١): ((إنَّ لَكُمْ في خُمس الخمسِ
ما يَكْفِيكُم)) أو: ((يُغْنِيكُم)) .
وقد قسم رَّ الخُمسَ على بني هاشم والمطلب تاركًا أخويهم بني
نوفل وعبد شمس مع سُؤالهم له، كما رواه البخاريُّ (٢).
و ((آل إبراهيم)): إسماعيلُ وإسحاقُ وأولادُهما، ويُقاس بذلك آلُ
الباقين .
وتعبير المصنفِ عن السُّنة بـ ((الحِكَم))، أخذًا من تفسيرِ الحِكْمَةِ في
قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ اُلْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقوله :
﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُوتِكُنَّ مِنْ ءَيَتِ اَللَّهِ وَاَلْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]
بالسُّنة .
قال ذلك قتادة والحسن وغيرهما .
أُمَّا بَعْدُ :
فَإِنَّ عِلْمَ الَحَدِيثِ مِنْ أَفْضَلِ القُرَبِ إلَى رَبِّ العَالَمينَ، وَكَيْفَ
لا يَكُونُ وَهُوَ بَيَانُ طَرِيقِ خَيْرِ الخَلْقِ وَأَكْرَمِ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ.
(١) ((المعجم الكبير)) (٢١٧/١١).
(٢) ((الصحيح)) (٢١٨/٤) (١٧٤/٥).

٧٤
شرح مقدمة النووي
(أمَّا بَعْدُ) أتى بها؛ لأن النبيَّ ◌ِ﴿ كان إذا خطَبَ قال: ((أمَّا بعدُ)).
رواه الطبراني(١)، وذِكْرُها في خُطبه (٢) وَِّ مشهورٌ في ((الصحيحين))
وغيرِهما(٣).
وفي حديثٍ : ((إنَّها فَضْلُ الخطَاب الذي أُوتِيهُ داودُ)) . رواه الديلمي في
(مسند الفردوس)) من حديث (٤) أبي موسى الأشعري .
(فإنَّ عِلْمَ الحديثِ مِنْ أفضلِ القُرَبِ) جمع قُربة، أي : ما يُتُقرَّب به
(إلى ربِّ العالمينَ، وكيف لا يكونُ) كذلك (وهو بيانُ طريقِ خيرِ الخلقِ
وأكرم الأولين والآخرينَ) والشيء يَشْرِفُ بِشَرفِ متعلقه، وهو أيضًا
وسيلة إلى كل علم شرعي .
أما الفقه؛ فواضح، وأما التفسير فلأن أولى ما فسر به كلام اللَّه
ما ثبت عن نبيه وَل# وأصحابه، وذلك يتوقف على معرفته .
وهَذَا كِتَابٌ اخْتَصَرْتُهُ مِنْ كِتَابِ ((الإِرْشَادِ))، والَّذِي اخْتَصَْرْتُهُ
مِنْ ((عُلُومِ الحَدِيثِ)) لِلشَّيْخِ الإِمَامِ الْحَافِظِ المُتْقِنِ المحَقَّقِ أبي
(١) ((المعجم الكبير)) (١٩٨/١٠).
(٢) في ((م)): ((خطبته)) .
(٣) أخرجه: البخاري (١٣/٢)، ومسلم (١١/٣)، وأبو داود (٢٦٩٣)، والترمذي
(٣١٨٠)، والنسائي (٣٣٣/٣)، وابن ماجه (١٨٩٣).
(٤) في ((م): ((عن)) .

٧٥
شرح مقدمة النووي
عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الصَّلَاحِ بَضْهُ أَبَالِغُ
فيهِ فِي الاخْتِصَارِ . إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى - مِنْ غَيْرِ إِخْلالٍ
بالمَقْصُودِ، وأَخْرِصُ عَلَى إِيضَاحِ العِبَارَةِ، وَعَلَى اللهِ الكَرِيمِ
الاغْتِمَادُ، وَإِلَيْهِ التَّقْوِيضُ والاسْتِنَادُ.
(وهذا كتابٌ) في عُلوم الحديث (اخْتَصَرْتُه (١) مِنِ كتابٍ ((الإرشادِ))
والذي اخْتَصَرْتُهُ مِن) كتاب (علوم الحديثِ للشيخ الإمامِ الحافظِ المتقنِ
المحققِ) تقي الدين (أبي عمرو عثمانَ بن عبدِ الرحمنِ) الشَّهْرَزُورِي ثم
الدمشقي (المعروفِ بابنِ الصلاحِ) - وهو لقبُ أبيه - (َْيُ ، أُبالغُ فيه في
الاختصارِ . إنْ شاء اللّه تعالى - من غيرِ إخلالٍ بالمقصودِ، وأحرِصُ على
إيضاحِ العبارةِ، وعلى اللَّه الكريم الاعتمادُ، وإليه التفويضُ والاستنادُ).
الحدِيثُ: صَحِيحٌ، وَحَسَنٌ، وَضَعِيفٌ.
(الحديثُ) فيما قال (٢) الخطابي في ((مَعالم السُّنن))(٣) وتبعه ابن
الصلاح(٤): ينقسم عند أهله إلى(٥) ثلاثة أقسام:
(صحيح، وحَسَنٌ، وضعيفٌ) لأنه إمَّا مقبول أو مَردود، والمقبول
(١) في ((ص)): ((اختصر)).
(٣) (١١/١).
(٥) في ((ص)): ((على)).
(٢) في (م)): ((قاله)).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص: ١٨).

٧٦
شرح مقدمة النووي
إما أن يشتمل من صفات القبول على أعلاها أو لا ، والأوَّل: الصحيحُ،
والثاني : الحسنُ، والمردود لا حاجة إلى تقسيمه؛ لأنَّه لا ترجيحَ بين
أفراده .
واعترض؛ بأن مراتبه أيضًا متفاوتةٌ، فمنه(١) ما يَصْلُحُ للاعتبارِ
وما لا يصلح، كما سيأتي، فكان ينبغي الاهتمامُ بتمييزِ الأوَّل عن (٢)
غيره .
وأُجيبَ؛ بأن الصَّالح للاعتبارِ داخلٌ في قِسْمِ المَقبولِ؛ لأنَّه من قسم
الحَسَن لغيره، وإن نظر إليه باعتبار ذاته فهو أعلى مراتبِ الضعيف، وقد
تفاوتتْ مراتبُ الصحيح أيضًا ولم تنوعْ أنواعًا، وإنَّما لم يذكرِ الموضوعَ
لأنه ليس في الحقيقةِ بحديثٍ اصطلاحًا، بل بِزَعْم (٣) واضعه .
وقيل : الحديث صحيحٌ وضعيفٌ فقط، والحسَن مُندَرِجْ في أنواع
الصحيح .
قال العراقي في ((نُكتِهِ)) (٤): ولم أرَ مَن سبقَ الخطابيَّ إلى تقسيمِهِ
المذكورِ ، وإن كان في كلام المُتقدِّمين ذِكْرُ الحسَن ، وهو موجودٌ في
كلام الشافعيِّ والبخاريِّ وجَماعةٍ، ولكنَّ الخطابيَّ نقَل التقسيمَ عن أهلِ
الحديث، وهو إمامٌ ثقة، فتبعه ابنُ الصلاح .
(٢) في ((ص): ((من)).
(١) في ((ص)): ((فيه )) .
(٣) في ((ص)): (يزعم))، والمثبت من ((م)).
(٤) ((التقييد والإيضاح)) (ص: ١٩).

٧٧
شرح مقدمة النووي
قال شيخُ الإسلام ابنُ حجر: والظاهرُ أنَّ قوله: ((عند أهل الحديث))
مِن العام الذي أريد به الخصوص، أي الأكثر، أو الأعظم، [ أو
الذي ](١) استقرَّ اتفاقُهم عليه بعد الاختلاف المُتقدِّم.
تنبيه :
قال ابن كثير (٢): هذا التقسيمُ إن كان بالنسبة لما في نفس الأمر فليس
إلا صحيحٌ وكَذِبٌ، أو إلى اصطلاح المحدثين فهو ينقسم عندهم إلى
أكثرَ مِن ذلك .
وجوابُه : أن المُراد الثاني، والكلُّ راجعٌ إلى هذه الثلاثة(٣).
(١) في ((ص)): ((والذي))، والمثبت من ((م)).
(٢) ((الباعث)) (ص : ١٧).
(٣) أصل الاختلاف : أن من جعل الحسن قسيمًا للصحيح جعل القسمة ثلاثية ، ومن جعله
قسمًا من الصحيح جعل القسمة ثنائية ، وصنيع المتقدمين يدل على أنه عندهم قسم
من الصحيح وليس قسيمًا له، يدل على ذلك أنهم أدخلو الحسن في كتبهم في
الصحاح كـ((الصحيحين)) وغيرهما، وأنهم كثيرًا ما يطلقون الصحة على أحاديث هي
في مرتبة الحسن ، وقد بينت ذلك في غير هذا الموضع .
قال شيخ الإسلام في ((الفتاوى)) (٢٣/١٨ -٢٥): «وأما قسمة الحديث إلى صحيح
وحسن وضعيف ، ، فهذا أول من عرف أنه قسمه هذه القسمة أبو عيسى الترمذي،
ولم تعرف هذه القسمة عن أحد قبله، وأما من قبل الترمذي من العلماء، فما عرف
عنهم هذا التقسيم الثلاثي، لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف، والضعيف
عندهم نوعان : ضعيف ضعفًا لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح
الترمذي، وضعيف ضعفًا يوجب تركه، وهو الواهي)).
=
١ ....

٧٨
شرح مقدمة النووي
= وقد نقله الحافظ في ((النكت))، وارتضاه، وقال (٣٨٥/١ - ٣٨٦): ((ويؤيده قول
البيهقي : الأحاديث المروية ثلاثة أنواع: نوع اتفق أهل العلم على صحته، ونوع
اتفقوا على ضعفه، ونوع اختلفوا في ثبوته، فبعضهم صححه، وبعضهم
يضعفه ... )).
وكلام البيهقي هذا؛ وجدته في مقدمة ((معرفة السنن)) له (١٠٦/١).
وقال العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٥٣): ((رأي المتقدمين: أن الحديث
ينقسم إلى صحيح وضعيف)).
وقال الحافظ الذهبي في ((السير)) (٢١٤/١٣): ((حدُّ الحسن باصطلاحنا المولد
الحادث، هو في عُرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح، الذي يجب العمل
به عند جمهور العلماء، أو الذي يرغب عنه أبو عبد اللَّه البخاري ويمشيه مسلم،
وبالعكس، فهو داخل في أدنى مراتب الصحة)).
وقال في موضع آخر (٣٣٩/٧) في ترجمة محمد بن طلحة :
((ويجيء حديثه من أدنى مراتب الصحيح، ومن أجود الحسن، وبهذا يظهر لك أن
((الصحيحين)) فيهما الصحيح، وما هو أصح منه، وإن شئت قلت: فيهما الصحيح
الذي لا نزاع فيه، والصحيح الذي هو حسن، وبهذا يظهر لك أن الحسن قسمٌ داخل
في الصحيح، وأن الحديث النبوي قِسمان، ليس إلا صحيح، وهو على مراتب ،
وضعيف وهو على مراتب. والله أعلم)) .
وللشيخ الألباني وظُّ في مقدمته على ((رياض الصالحين)) (ص١٠) كلام نحو هذا،
فلینظره من أراد .

٧٩
الصحيح
· الأوَّلُ :
الصَّحِيحُ
وَفِيهِ مَسَائِلُ :
الأُولَى: فِي حَدِّهِ، وَهُوَ مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ بِالعُدُولِ الضَّابِطِينَ، مِنْ
غَيْرِ شُذوذٍ وَلا عِلَّةٍ .
(الأوَّلُ: الصَّحيحُ) وهو فَعيلٌ - بمعنى فاعل - من الصحة، وهي
حقيقة في الأجسام، واستعمالها هنا مجازٌ، أو استعارة تبعيةٌ .
(وفيه مسائلُ :
الأُولى: في حَدِّه، وهو ما اتَّصلَ سَندُه) عَدَل عن قول ابن الصلاح :
((المسند الذي يتصل إسناده)) لأنه أخصرُ وأَشْملُ للمرفوع والموقوفِ.
(بالعُدُولِ الضابطينَ) جمعٌ باعتبار سلسلة السند، أي : بنقل العَدْل
الضابط عن العَدْلِ الضابط إلى منتهاه، كما عبَّر به ابنُ الصلاح، وهو
أوضح من عبارةِ المصنف ؛ إذْ تُوهِمُ أنْ يرويه جماعةٌ ضابطون عن جماعة
ضابطين، وليس مُرادًا .
قيل : وكان الأَخْصرُ أن يقولَ: بنقلِ الثقة ؛ لأنَّه مَنْ جَمَعَ العدالةَ
والضبطَ ، والتعاريفُ تصان عن الإسْهابِ (١) .
(١) قلت: في هذا نظر؛ فإن لفظ ((الثقة))، وإن كان يطلق على العدل الضابط، فهو =

٨٠
النوع الأول
(من غيرِ شذوذٍ ولا عِلَّةٍ) فخرَج بالقيد الأولِ : المنقطعُ، والمعضلُ،
والمرسلُ على رأي مَن لا يقبله . وبالثاني : ما نقَله مجهولٌ عينًا أو حالًا ،
أو معروفٌ بالضعف. وبالثالث: ما نقله مُغَفَّلٌ كثيرُ الخطإ. وبالرابع
والخامس : الشاذُّ والمُعلَّلُ .
• تنبيهات :
الأول: حَدَّ الخطابيُّ الصحيحَ بأنه: ما اتصل سندُه وعُدِّلَتْ نقلتُه(١).
قال العراقي (٢): فلم يشترط ضبط الراوي، ولا السلامة من الشذوذ
والعلة. قال : ولا شكَّ أن ضبطه لا بُدَّ منه؛ لأن من كثر الخطأ في
حديثه وفحش استحق الترك .
قلتُ : الذي يظهرُ لي أن ذلك داخلٌ في عبارته، وأن بين قولنا :
((العَدْل)) و((عَدَّلُوه)) فَرْقًا؛ لأن المغَفَّلَ المستحقَّ للترك لا يصح أن يُقال
في حقه: ((عَدَّله أصحابُ الحديث))، وإن كان عدلًا في دينه، فتأمل.
ثم رأيتُ شيخَ الإسلام ذكّر في ((نكتِهِ)) معنى ذلك فقال: إنَّ اشتراط
العدالة يسْتدعي صِدْقَ الراوي ، وعدمَ غفلته، وعدمَ تساهله عند التحمّل
والأداء .
وقيل : إنَّ اشتراط نفي الشذوذ يُغْني عن اشتراط الضبطِ ؛ لأن الشاذَّ
= أيضًا يطلق على العدل وإن لم يكن ضابطًا، وعلى من هو دون ذلك، كما بينته في
كتابي ((لغة المحدث)).
(١) («معالم السنن)) (١١/١).
(٢) ((التبصرة)) (ص: ١٢/١، ١٣).

٨١
الصحيح
إذا كان هو الفردَ المخالِفَ، وكان شرط الصحيح أن ينتفي، كان مَنْ
كَثُرت منه المخالفةُ . وهو غيرُ الضابطِ - أولى .
وأجيبَ بأنه في مقام التَّبيين، فأراد التنصيصَ ولم يكتفِ بالإشارةِ .
قال العراقي (١): وأمَّا السلامةُ مِن الشذوذِ والعلةِ، فقال ابن دقيق
العيد في ((الاقتراح)) (٢): إن أصحاب الحديث زادُوا ذلك في حدٌ
الصحيح. قال : وفيه نظرٌ على مُقتضى نظرِ الفقهاءِ؛ فإن كثيرًا من العلل
التي يُعلِّل بها المحدِّثون لا تجري على أُصول الفقهاء .
قال العراقي (٣): والجوابُ: أن من يصنف في علم الحديث إنما
يذكر الحَدَّ عند أهله لا عند غيرهم من أهل علم آخر، وكُونُ الفقهاء
والأصوليين لا يشترطون في الصحيح هذين الشرطين لا يُفسدُ الحدَّ عند
من يشترطُهما .
ولذا؛ قال ابن الصلاح (٤) - بعد الحدِّ -: فهذا هو الحديث الذي
يُحكم له بالصحة بلا خِلافٍ بين أهلِ الحديث، وقد يختلفون في صِحة
بعضٍ الأحاديث لاختلافهم في وجودِ هذه الأوصافِ فيه، أو لاختلافهم
في اشتراطِ بعضِها كما في المُرسَل .
الثاني : قيل : بقي عليه أن يقول : ولا إنكار .
ورُدَّ بأنَّ المنكر عند المصنّفِ وابنِ الصلاح هو والشاذُّ سِيَّان، فَذِكْرُه
(١) ((التبصرة)) (١٣/١).
(٢) (ص: ١٥٣، ١٥٤).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٠، ٢١).
(٣) ((التقييد)) (ص: ٢٠).

٨٢
النوع الأول
معه تكرير، وعند غيرهما أسوأ حالاً من الشاذ، فاشتراطُ نفي الشذوذ
يقتضي اشتراط نفيه بطريق الأولى .
الثالث : قيل: لم يُفصِحْ بمرادِهِ من الشذوذ هنا، وقد ذكر في نوعه
ثلاثة أقوالٍ ؛ أحدها : مخالفة الثقة لأرجحَ منه. والثاني : تفرُّد الثقة
مُطلقًا. والثالث : تفرُّد الراوي مطلقًا .
ورَدَّ الأخيرين (١)؛ فالظاهرُ أنه أراد هنا الأوَّل.
قال شيخ الإسلام (٢): وهو مُشْكِلٌ؛ لأن الإسنادَ إذا كان مُتصلًا،
(١) لم يردهما، بل فضَّل، فقال (ص١٠٤):
«الشاذ المردود قسمان: أحدهما الحديث الفرد المخالف. والثاني : الفرد الذي ليس
في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجب التفردُ والشذوذُ من النكارة
والضعف)) .
فكلامه يدل على أن تفرد الراوي أيضًا يكون شاذًّا، إذا لم يكن «عدلًا حافظًا موثوقًا
بإتقانه وضبطه)) .
وليس من شكٌّ أنه لا يقصد أي اختلاف، وإنما يقصد الاختلاف الذي انضمت إليه
القرينة الدالة على خطٍ الراوي المخالف، فهذا الذي يكون حديثه شاذًا مردودًا. وبهذا
يجاب على هذا الإشكال الذي استشكله الحافظ ابن حجر والسيوطي ، عليهما رحمة
الله تعالى .
وقد ذكر ابن الصلاح في نوع ((المعلل)) (ص١١٦) أن العلة إنما تتطرق إلى الإسناد
الذي رجاله ثقات ، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر، ثم قال :
((ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك)).
وكلامه واضح؛ في أنه لا يرى مطلق التفرد أو الاختلاف يكون دليلاً على خطإٍ
الراوي، وإنما ذلك حيث تنضم القرينة الدالة على ذلك . والله أعلم .
(٢) ((النكت)) (٦٥٤/٢) .
=

٨٣
الصحيح
ورُواته كلُّهم عدولًا ضابطين ، فقد انتفتْ عنه العللُ الظاهرةُ . ثم إذا انتفى
كونُه معلولًا ؛ فما المانع من الحُكْم بصحته؟ فمجرَّدُ مخالفة أحدٍ رواته
لمن هو أوثق منه أو أكثر عددًا لا يستلزمُ الضعفَ، بل يكون من باب
صحيحِ وأصحَّ .
قال : ولم أرَ مع ذلك عن أحدٍ من أئمة الحديثِ اشتراطَ نفي الشذوذ
المعبّر عنه بالمخالفة، وإنما الموجودُ في تصرفاتهم تقديمُ بعض ذلك
على بعضٍ في الصحة .
وأمثلةُ ذلك موجودةٌ في ((الصحيحين)) وغيرِهما؛ فمن ذلك: أنَّهما
أخرجا قصة جَمل جابرٍ من طُرق، وفيها اختلافٌ كثيرٌ في مِقدار الثَّمن ،
وفي اشتراطِ رُكوبه، وقد رجَّح البخاريُّ الطّرقَ التي فيها الاشتراطُ على
غيرها مع تخريجه للأمرين، ورجّح أيضًا كون الثمنِ أوقية مع تخريجه
ما يخالِفُ ذلك .
ومن ذلك : أن مسلمًا أخرج فيه حديثَ مالكٍ عن الزهري عن عروة
عن عائشة في الاضطجاع قبْل ركعتي الفجر، وقد خالفه عامةُ أصحاب
الزهريِّ؛ كمَعْمَرٍ ويونس وعَمرو بن الحارث والأوزاعيِّ وابن أبي ذئب
وشُعيبٍ ، وغيرِهم عن الزهري، فذكر الاضطجاعَ بعد رَكْعتي الفجر قَبل
صلاة الصُّبح، ورجّح جمعٌ من الحفاظ روايتَهم على رواية مالك، ومع
= لكن لفظ الحافظ هناك: ((إن الشذوذ يقدح في الاحتجاج، لا في التسمية)).
يعني: يجوز أن يسمَّى ((صحيحًا))، لكن لا يحتج به. والله أعلم .

٨٤
النوع الأول
ذلك فلم يتأخّرْ أصحابُ الصحيح عن إخراج حديثٍ مالكِ في كُتبهم،
وأمثلةُ ذلك كثيرة .
ثم قال: فإن قيل: يلزم أن يُسمَّى الحديثُ صحيحًا، ولا يُعمل
به. قُلْنَا: لا مانع من ذلك، ليس كلُّ صحيح يُعمل به، بدليل
المنسوخِ .
قال: وعلى تقدير التسليم أنَّ المخالف المرجوح لا يُسمَّى صحيحًا،
ففي [ جعل انتفائه شرطًا في] (١) الحُكْم للحديث بالصّحة نَظَرّ، بل إذا
وُجدتِ الشروطُ المذكورةُ أولًا حُكِمَ للحديث بالصحة، ما لم يظهرْ بعد
ذلك أنَّ فيه شذوذًا؛ لأنَّ الأصلَ [عدمُ الشذوذ، وكون ذلك أصلًا ](٢)
مأخوذٌ من عدالة الراوي وضبطِه، فإذا ثبتت (٣) عدالتُه وضبطُه كان
الأصلُ أنَّه حَفِظَ ما روى حتى يتبيَّن خِلافُهُ .
الرابع : عبارةُ ابنِ الصلاح: ولا يكون شاذًّا ولا معللًا .
فاعترض ؛ بأنه (٤) لا بُدَّ أن يقول : بعلةٍ قادحةٍ .
وأجيبَ؛ بأنَّ ذلك يُؤخَذ من تعريفِ المعلولِ حيث ذُكِرَ في موضعه .
قال شيخُ الإسلام(٥): لكن مَنْ غَيَّر عبارة ابنِ الصلاح فقال: ((مِن
(١) سقط من ((ص))، والمثبت من ((م)). (٢) سقط من ((ص))، والمثبت من ((م)).
(٣) في (ص)): ((ثبت)) .
(٤) في ((ص)): ((أنه))، والمثبت من (م)).
(٥) ((النكت)) (٢٣٥/١) .

٨٥
الصحيح
غيرِ شذوذٍ ولا علةٍ))، احتاج أن يصفَ العلةَ بكونها قادحة وبكونها خفية ،
وقد ذكَر العراقي في ((منظومته)) الوصفَ الأوَّل وأهملَ الثاني ولا بُدَّ منه،
وأهملَ المصنف وبدرُ الدين ابن جَماعة الاثنين، فبقي الاعتراضُ مِن
وجهين .
قال شيخُ الإسلام: ولم يُصِبْ مَن قال: ((لا حاجة إلى ذلك؛ لأن
لفظَ العلة لا يُطلق إلا على ما كان قادحًا)) فلفظُ العلة أعمُّ من ذلك.
الخامس : أُورِدَ على هذا التعريف ما سيأتي :
أن الحسَن إذا رُوي من غيرِ وجهٍ ارتقى من درجة الحسن إلى درجة
الصحة ، وهو غيرُ داخلٍ في هذا الحدِّ، وكذا ما اعتضد بتلقِّ العلماءِ له
بالقبول .
قال بعضُهم: يُحكم للحديثِ بالصّحة إذا(١) تلقَّاه العُلَماءُ بالقبول،
وإن (٢) لَم يكنْ له إسنادٌ صحيحٌ .
قال ابنُ عبد البرِّ في ((الاستذكار)) - لما حكى عن الترمذي أن البخاريَّ
صحَّح حديثَ البحرِ : ((هُو الطَّهُورُ مَاؤُه)) - : وأهلُ الحديثِ لا يُصحُّحون
مِثل إسناده، لكن الحديث عندي صحيحٌ؛ لأنَّ العلماء تلقَّوه بالقبول (٣) .
(١) في ((م)): ((إن)).
(٢) في ((ص)): ((وإذا)).
(٣) كذا في ((التمهيد)) (٢١٨/١٦ - ٢١٩) ولم أقف عليه في ((الاستذكار))، وانظر: ((لغة
المحدث)) (ص : ١٣١).

٨٦
النوع الأول
وقال في ((التمهيد)) (١): روى جابر عن النبي ◌َّ: «الدينارُ أربعةٌ
وعشرون قيراطًا))، قال: وفي قولٍ (٢) جماعةِ العلماءِ [ به](٣) وإجماع
الناس على معناه غنّى عن الإسناد فيه .
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني : تعرف صحة الحديث إذا
اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم .
وقال نحوه ابن فُورك، وزاد بأنْ مَثَّل ذلك بحديث: ((في الرِّقَةِ رُبْعُ
العُشْرِ، وفي مِائتِي دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ)) .
وقال أبو الحسن ابن الحصار في ((تقريب المدارك على مُوطًا مالك)»:
قد يعلمُ الفقيهُ [ صحة الحديث ] (٤) إذا لم يكن في سنده كذَّابٌ بموافقةٍ
آيةٍ مِن كتابِ اللَّه أو بعض أصُول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله
والعمل به .
وأجيب عن ذلك بأن المراد بالحدِّ : الصحيحُ لذاتِهِ لا لغيرهِ،
وما أورد من قَبيل الثاني .
السادس : أورد أيضًا المتواتر؛ فإنه صحيحٌ قطعًا، ولا يُشترط فيه
مَجموعُ هذه الشروط .
(١) ((التمهيد)) (١٤٥/٢٠).
(٢) في ((م)): ((قبول)).
(٣) زيادة من ((التمهيد))، وبها يستقيم الكلام .
(٤) سقط من ((ص))، وأثبته من ((م)).

٨٧
الصحيح
قال شيخُ الإسلام: ولكن يُمكن أنْ يُقال : هل يُوجدُ حديثٌ متواترٌ لم
تَجتمعْ (١) فيه هذه الشروط (٢)؟
السابع: قال ابن حجر(٣): قد اغْتَنَى ابنُ الصلاح والمصنّفُ بجَعْل
الحسَن قِسْمين: أحدُهما لذاته، والآخر لاعتضاده (٤) ، فكان ينبغي أن
يعتني بالصحيح أيضًا، ويُنَبِّه على أنَّ له قِسْمين كذلك، وإلا فإن اقتصرَ
على تعريف الصحيح لذاته في بابه، وذكر الصحيح لغيرِه في نوع الحسَن
لأنه أصله، فكانَ ينبغي أنْ يَقتصر على تعريفِ الحسن لذاتِهِ في بابِهِ ،
ويذكُر الحسَنَ لغيرِهِ في نوعِ الضعيفِ؛ لأنَّه أصْله .
● فائدتان:
الأُولى: قال ابنُ حجر: كلامُ ابنِ الصلاح في ((شرح مسلم)) (٥) لَهُ
يدلُّ على أنه أخذ الحدَّ المذكور هنا من كلام مسلم، فإنه قال : شرط
مسلم في ((صحيحه)) أن يكون متصل الإسناد، بنقل الثقة عن الثقة مِنْ
(١) في ((م)): ((تجمع)).
(٢) هذا الكلام في ((النكت)) لابن حجر (٣٦٣/١)، لكن بلفظ: ((لا نعرف حديثًا وصف
بكونه متواترًا، ليس له أصل في ((الصحيحين)) أو أحدهما)).
لكن تعقبه الشيخ الفاضل بكر أبو زيد - عافاه الله من كل مكروه وسوء - في كتابه القيم
((التأصيل)) بقوله (ص٢٠٧): ((لكن متعقب بحديث: ((نضر الله امرأً سمع ... ))
فليس في أحدهما)) .
قلت : ليس هذا الخبر متواترًا، بل هو مشهور، وقد جعله الحاكم النيسابوري في
((المعرفة)) (ص٩٢) من أمثلة المشهور الذي لم يخرج في ((الصحيح)). والله أعلم .
(٣) ((النكت)) (٤١٩/١).
(٤) في ((ص)): ((باعتضاده)).
(٥) ((صيانة صحيح مسلم)) (ص : ٧٢).

٨٨
النوع الأول
أوله إلى منتهاه، غَيْرَ شاذٌّ ولا معلَّل، وهذا هو حد الصحيح في نفس
لأمر .
قال شيخُ الإسلام: ولم يتبين لي أخذُه انتفاءَ الشذوذ من كلام مُسلم ،
فإن كان وقَف عليه مِن كلامه في غيرِ ((مُقدِّمة صحيحه)) فذاك، وإلا
فالنظرُ السابقُ في السلامة مِنَ الشذوذ باقٍ .
قال: ثُمَّ ظَهر لي مأخذُ ابنِ الصلاح، وهو أنَّه يَرى أن الشاذ والمنكرَ
لِمُسَمَّى واحد، وقد صرَّح مسلمٌ (١) بأن عَلامةَ المنكرِ أن يروي الراوي
عن شيخٍ كثيرِ الحديثِ والرواةِ شيئًا ينفردُ به عنهم، فيكون الشاذُّ كذلك،
فيشترط انتفاؤه .
الثانية : بقي للصحيح شروطٌ مُختلفٌ فيها :
منها : ما ذكّره الحاكم في ((علوم الحديث)): أن يكون راويه مشهورًا
بالطلب .
وليس مُراده الشهرةَ المُخرجة عن الجهالةِ ، بل قدرٌ زائدٌ على ذلك .
قال عبد الله بنُ عونٍ (٢): لا يُؤْخَذُ العِلمُ إلا عمن شُهِدَ له بالطلب.
وعن مالكٍ نحوه .
(١) ((مقدمة صحيح مسلم)) (ص: ٥).
(٢) أسنده الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ٢٥١)، وكذا في ((الجرح والتعديل)) لابن
أبي حاتم (٢٨/٢)، و((التمهيد)) (٤٥/١).

٨٩
الصحيح
وفي ((مقدمة مسلم)) عن أبي (١) الزناد: أدركتُ بالمدينة مائة كلَّهم
مأمون، ما يُؤخَذ عنهم الحديث، يُقال : ليس مِن أهله .
قال شيخُ الإسلامِ(٢): والظاهرُ من تصرُّف صاحِبَي ((الصحيح)) اعتبارُ
ذلك، إلا إذا كَثُرتْ مخارجُ الحديث فيستغنيان عن اعتبار ذلك، كما
يُستغنى بكثرة الطرق عن اعتبارِ الضبط التامُ .
قال شيخُ الإسلام: ويُمكن أن يُقالَ : اشتراطُ الضبطِ يُغني عن ذلك ؛
إذا المقصودُ بالشهرةِ بالطلبِ أنْ يكونَ له مزيدُ اعتناءٍ بالروايةِ (٣)؛ لِتَرْكَنَ
النفسُ إلى گونه ضبطَ ما رَوى .
ومنها: ما ذكره السمعانيُّ في ((القواطع)): أنَّ الصحيحَ لا يُعرف
برواية الثقات فقط، وإنما يُعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع
والمُذاكرة (٤) .
قال شيخُ الإسلام: وهذا يُؤخذ من اشتراط انتفاء(٥) كونه معلولًا؛
لأنَّ الاطلاع على ذلك إنَّما يَحصلُ بما ذكر من الفهم والمذاكرة
وغيرهما .
ومنها : أنَّ بعضَهم اشترطَ عِلمه بمعاني الحديثِ حيث يروي
(١) في ((ص))، و((م)): ((ابن أبي))، وصوبته من ((مقدمة صحيح مسلم)) (١١/١).
(٣) في ((م)): ((بالرواة)» .
(٢) ((النكت)) (٢٣٨/١).
(٤) هذا إنما أخذه السمعاني عن الحاكم في ((المعرفة)) (ص ٥٩ - ٦٠).
(٥) سقط من ((ص))، وأثبته من (م)).