Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
فليتعرَّفْ صحته وضعفه، وفقهه ومعانيه، ولغته وإعرابه، وأسماء
رجاله، محقّقاً كلَّ ذلك، معتنياً بإتقان مشكِلها حفظاً وكتابة، مقدِّماً
الصحيحين، ثم ((سننَ)) أبي داود، والترمذي، والنسائي، ثم ((السنن
الكبرى)) للبيهقي، ولْيحرِص عليه فلم يصنَّف مثلُه، ثم ما تَمَسُّ الحاجة
إليه من المسانيد : ((مسندٍ)) أحمد، وغيرِه.
[ش]
قال الخطيب(١): هي اجتماع الطلبة على الراوي للسماع عند علوّ سِنّه.
فإذا تميز الطالب بفهم الحديث ومعرفته، تعجّل بركة ذلك في شيبته (٢).
(فليتعرف صحته) وحُسنه (وضعفه، وفقهه ومعانيه، ولغته وإعرابه،
وأسماء رجاله، محقِّقاً كلَّ ذلك، معتنياً بإتقان مشكِلها حفظاً وكتابة،
مقدِّماً) في السماع والضبط والتفهُّم والمعرفة (٣) (الصحيحين، ثم سنن أبي
داود، والترمذي، والنسائي)، وابن خزيمة، وابن حبان، (ثم السنن الكبرى
للبيهقي، ولْيحرِص عليه فلم يصنَّف) في بابه (مثلُه، ثم ما تَمَسُّ الحاجة إليه
من المسانيد) والجوامع، فأَهمُّ المسانيد: (مسند أحمد، و) يليه سائر
المسانيد (غيرِه).
وأهم الجوامع: ((الموطأ))، ثم سائر الكتب المصنفة في الأحكام، ككتاب:
ابن جريج، وابن أبي عَروبة، وسعيد بن منصور، وعبد الرزاق، وابن أبي
شيبة، وغيرهم.
(١) ((الجامع)) (١٥٩٩) عقب كلمة أبي عاصم.
(٢) هذا من تمام كلام الخطيب رحمه الله (١٦٠١).
(٣) ينظر في هذا: ((الجامع)) للخطيب (١٦١٤) فما بعدها.

٥٦٢
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
ثم من العلل : كتابه، وكتاب الدارقطني.
ومن الأسماء : تاريخ البخاري، وابن أبي خيثمة، وكتاب ابن أبي حاتم.
ومن ضبط الأسماء : كتاب ابن ماكُولا .
وليعتنِ بكُتب غريب الحديث، وشروحِهِ، وليكن الإتقانُ من شأنه،
وليذاكِر بمحفوظه، ويُباحِث أهل المعرفة.
[ش]
(ثم من) كُتّب (العلل: كتابه) أي: أحمد، (وكتاب الدارقطني، ومن) كُتب
(الأسماء: تاريخ البخاري) الكبير، (و) تاريخ (ابن أبي خيثمة، وكتاب ابن أبي
حاتم) في الجرح والتعديل.
(ومن) كُتب (ضبط الأسماء: كتاب ابن ماكُولا)(١).
(وليعتن بكُتب غريب الحديث، و)كُتب (شروحِهِ) أي: الحديثِ.
(وليكن الإتقان من شأنه) بأن يكون كلما مرّ به اسمٌ مشكل، أو كلمةٌ غريبة
بحث عنها وأودعها قلبه، وقد قال ابن مهدي(٢): الحفظ الإتقان.
(وليذاكِر بمحفوظه، ويُباحِث أهل المعرفة) فإن المذاكرة تعين على دوامه.
قال علي بن أبي طالب(٣): تذاكَرُوا هذا الحديث، إن لا تفعلوا يَدْرُس.
[ب]
(١) [هو الأمير أسعدُ المُلك أبو نصر هبة الله بن علي المعروف بابن مَاكُوْلا،
بفتح الميم، وبعد الألف كاف مضمومة، فواو ساكنة، ثم لام ألف، ولا أعرف معناه.
انتهى من ابن خلكان ملخصاً - ٣: ٣٠٥ -. ].
(٢) أسنده إليه البخاري في ((الكبير)) ١ (١٣٦٠)، وابن أبي حاتم في ((الجرح))
٣٥:٢ - ٣٦، وغيرهما.
(٣) ((المصنَّف)) لابن أبي شيبة (٢٦٦٥٨)، و((سنن)) الدارمي (٦٢٦)،
=

٥٦٣
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
[ش]
وقال ابن مسعود(١): تذاکروا الحدیث، فإن حياته مذاكرته.
وقال ابن عباس(٢): مذاكرة العلم ساعةً، خير من إحياء ليلة.
وقال أبو سعيد الخدري: مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن.
وقال الزهري: آفة العلم: النسيانُ، وقلّةُ المذاكرة، رواهما البيهقي في
((المدخل))(٣).
وليكُن حفظه له بالتدريج قليلاً قليلاً، ففي الصحيح (٤): ((خذوا من الأعمال
ما تطيقون))، وقال الزهري(٥): من طلب العلم جملة فاته جملةً، وإنما يُدرَك
العلمُ: حدیثٌ وحديثان.
[ب]
و((المحدث الفاصل)) (٧٢١)، و((المستدرك)) (٣٢٤)، و((المعرفة)) للحاكم ص ٢٣٩،
٤٢٤ (١٠٤، ٣٦١)، والبيهقي في ((المدخل)) (١٥٠٤).
(١) ((سنن)) الدارمي (٦١٩)، و((المحدث الفاصل)) (٧٢٥، ٧٢٦)،
و((المستدرك)) (٣٢٥)، وصحح الحاكم هذين الأثرين عن علي وابن مسعود.
(٢) ((المدخل)) للبيهقي (١٥٣٩، ١٥٤٠).
(٣) المصدر السابق (١٥٤٤) عن أبي سعيد، و(١٥١٧) عن الزهري.
(٤) (صحيح)) البخاري (٥٨٦)، و((صحيح)) مسلم ٨٩١:٢ (١٧٧)، وهذا
لفظهما.
(٥) ((الجامع)) للخطيب (٤٥٢)، وانظر ((جامع)) ابن عبد البر (٦٥٢، ٦٥٣).

٥٦٤
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
فصل :
وليشتغلْ بالتخريج والتصنيف إذا تأهَّل له، وليعتَنِ بِالتصنيف في
شرحه، وبيان مشكله متقَناً واضحاً، فقلَّما يَمْهَرُ في علم الحديث من لم
يفعل هذا.
[ش]
(فصل : وليشتغلْ بالتخريج(١) والتصنيف إذا تأهَّل له) (٢) مبادراً إليه،
(وليعتَنِ بِالتصنيف في شرحه وبيان مشكله متقناً واضحاً، فقلَّما يَمْهَرُ في علم
الحديث من لم يفعل هذا).
قال الخطيب(٣): لا يتمهَّرُ في الحديث ويقفُ على غوامضه، ويَستبين
الخفيّ من فوائده إلا من جمع متفرِّقه، وألَّف متشَتته، وضمّ بعضه إلى بعض،
[ت)
(١) [التخريج: نقل الحديث بسنده من الكتب المعتمدة، ومسانيد الأئمة
المحدثین، وبيان صحته وغيرها .].
وينظر ما تقدم ٢ : ٤٠٦ هل بيان صحة الحديث من ضعفه، شرط من شروط
التخريج أو لا؟.
(٢) شرط الأهلية هو الركن الركين في كل قول وفعل دنيوي وديني، علميّ
وعمليّ، ولربّما كان هو أولَ مفقود من بين المشتغلين بالعلوم الدينية: تدريسًا وتأليفًا
وتحقيقًا وإفتاءً ... ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن الطرائف: قول الإمام الأصولي العلاء البخاري رحمه الله في شرحه ((كشف
الأسرار)) على ((أصول البزدوي)) ٣: ٧٥: ((من خاض فيمن ليس من شأنه، افتضح عند
أهله)».
(٣) ((الجامع)) (١٩١٤)، وما بين المعقوفين زيادة منه، وبيت الشعر: أثبتُّه كما
في ((الجامع))، واختلفت النسخ فيه.

٥٦٥
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
[ش]
[واشتغل بتصنيف أبوابه، وترتيب أصنافه]، فإن ذلك مما يقوّي النفس، ويئبِّت
الحفظ، ويُذْكي القلب، ويَشْحَذ الطبع، ويبسُط اللسان، ويجيدُ البيان،
ويكشف المشتبه، ويوضِّح الملتبس، ويُكْسِب أيضاً جميل الذِّكْر، ويخلِّده إلى
آخر الدهر، كما قال الشاعر:
والجهلُ يُلحق أمواتاً بأمواتٍ
يموتُ قوم فيحيي العلمُ ذكْرَهُمُ
قال(١): وكان بعض شيوخنا يقول: من أراد الفائدة فليكسِرْ قلم النَّسْخ،
وليأخذ قلم التخريج.
وقال المصنف في ((شرح المهذَّب))(٢): بالتصنيفِ يُطَّلع على حقائق العلوم
ودقائقه، ويثبُتُ معه، لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة، والتحقيق
والمراجعة، والاطلاع على مختلف كلام الأئمة، ومتّفقه وواضحه من مشكله،
وصحيحه من ضعيفه، وجَزْله من ركيكه، وما لا اعتراض فيه من غيره، وبه
[ب] -
(١) المصدر السابق (١٩٢٤)، وقلم النسخ: يريد به: قلم التلقي والأخذ عن
الشيوخ، وقلم التخريج: يريد به: قلم التأليف والعطاء والنفع للأجيال.
(٢) ((المجموع)) ٢٩:١، وينظر تمام كلامه رحمه الله، بل تنظر فصوله كلها التي
قدمها هناك، وأما قوله الأخير: ((به يتصف المحقق بصفة المجتهد)): فهذا في حق من
يتمُّ عليه وصف (المحقق) في نظر ذاك الإمام.
ومما يُعلم بالتجربة: أن التدريس سبب عظيم لتوسعة الاطلاع، كما أن الكتابة
والتأليف - في حقّ من يخاف الله تعالى، ويرعى حرمة العلم - سبب عظيم لرسوخ
العلم في صدر صاحبه.

٥٦٦
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
وللعلماء في تصنيف الحديث طريقان: أجودهما: تصنيفُه على
الأبواب، فيذكرُ في كل باب ما حضره فيه. والثانية: تصنيفُه على المسانيد،
[ش]
يتَّصف المحقق بصفة المجتهد.
قال الربيع(١): لم أر الشافعي آكلاً بنهَار ولا نائماً بليل، لاهتمامه
بالتصنيف.
(وللعلماء في تصنيف الحديث) وجمعه (طريقان: أجودهما : تصنيفه على
الأبواب) الفقهية، كالكتب الستة ونحوها، أو غيرها كـ: ((شعب الإيمان))
للبيهقي، و((البعث والنشور)) له، وغير ذلك، (فيذكر في كل باب ما حضره)
مما ورد (فيه) مما يدلّ على حكمه إثباتاً أو نفياً، والأَوْلى أن يقتصر على ما
صحّ أو حَسُن، فإنْ جَمَع الجميع فليبيِّن علة الضعيف(٢).
(والثانية: تصنيفه على المسانيد) كلُّ مسندٍ على حِدَة، قال الدار قطني(٣):
أول من صنف مسنداً نعيم بن حماد، قال الخطيب: وقد صنف أسد بن موسى
مسنداً، وكان أكبر من نُعيم سِناً وأقدمَ سماعاً، فيحتمل أن يكون نعيم سبقه في
حداثته.
[ب] -
(١) أسنده إليه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) ٢٣٧:١ ضمن قصة، ودون قوله:
(لاهتمامه بالتصنيف))، وهي في ((المجموع)) ٣٨:١، وأحتمل أن تكون زيادةً من
الإمام النووي للتفسير، فسياق الكلام هناك يساعد على ذلك.
(٢) وقد فعل هذا جماعة من المتقدمين، وسكت عنه آخرون منهم، ولكلّ
مقصد علميّ صحيح.
(٣) أسنده إليه الخطيب في ((الجامع)) (١٩٥٦ - ١٩٥٧) وعلَّق عليه الخطيب بما
نقله عنه الشارح.

٥٦٧
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
[ش]
وقال الحاكم(١): أول من صنف المسند على تراجم الرجال في الإسلام:
عُبيدالله بن موسى العَبْسي(٢)، وأبو داود الطيالسي، وقد تقدم ما فيه في نوع
(٣)
الحسن(٣).
وقال ابن عدي(٤): يقال: إن يحيى الحِمّاني أولُ من صنف المسند
بالكوفة، وأول من صنف المسند بالبصرة مسدّد، وأول من صنف المسند
بمصر أسدُ السنة، وأسدٌ قبلهما، وأقدمُ موتاً.
وقال العقيلي(٥) عن علي بن عبد العزيز: سمعت يحيى الحِمّاني يقول: لا
(٢) تحرف في ك إلى: العنسي.
(٣) ٢ : ٦٥.
(١) في ((المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل)) ص ٦٢، وأسند الخليلي في
((الإرشاد)) ٥١٢:٢ حكاية هذه الأولية لهما عن بندار.
(٤) في ((الكامل)) ٣٨٩:٨ (٢١٤٥).
والأوّلية المقيَّدة بالبلد التي نحاها ابن عدي: أولى من إطلاق غيره.
وهذه تواريخ وَفَيات المذكورين، معتمدًا على ما في ((تقريب التهذيب)): أبو داود
الطيالسي (٢٠٤)، وأسد بن موسى الأموي (٢١٢)، وعبيد الله بن موسى العبسي
(٢١٣)، ومسدّد، ونعيم بن حماد، ويحيى ابن عبد الحميد الحِمَّاني، ثلاثتهم (٢٢٨).
وفي ((البحر الذي زَخَر)) للشارح رحمه الله ٢: ٥٠٠ فما بعدها، نقولٌ وفوائد أكثر
مما هنا.
(٥) في ترجمة يحيى الحماني أيضًا من كتابه ((الضعفاء الكبير)) ٤١٤:٤، وزاد:
وقد تقدَّمتُهم في غير شيء، وممن أكّد هذا السبب في الطعن في يحيى الحِمَّاني: ابن
معين، وتنظر ترجمته في المطوّلات.

٥٦٨
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
فيجمع في ترجمةِ كلَ صحابي ما عنده من حديثِهِ : صحيحِهِ وضعيفِهِ،
31
وعلى هذا: له أن يرتبه على الحروف، أو على القبائل، فيبدأ ببني هاشم،
ثم الأقربِ فالأقربِ نسباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو على
السوابق : فبالعشرة، ثم أهلٍ بدر، ثم الحديبية، ثم المهاجرين بينها وبين
الفتح، ثم أصاغر الصحابة، ثم النساء بادئاً بأمهات المؤمنين.
[ش]
تسمعوا كلام أهل الكوفة فِيَّ، فإنهم يحسُدوني لأني أول من جمع المسند.
(فيجمع في ترجمةِ كلِّ صحابي ما عنده من حديثِهِ: صحيحِهِ) وحسنه
(وضعيفِه، وعلى هذا: له أن يرتبه على الحروف) في أسماء الصحابة، كما فعل
الطبراني(١)، وهو أسهل تناولاً. (أو على القبائل، فيبدأ ببني هاشم، ثم الأقرب
فالأقرب نسباً إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم).
(أو على السوابق) في الإسلام (فبالعشرة) يبدأ، (ثم أهل بدر، ثم
الحديبية، ثم المهاجرين بينها وبين الفتح) ثم مَن أسلم يوم الفتح، (ثم أصاغر
الصحابة) سناً كالسائب بن يزيد، وأبي الطَّفَيل، (ثم النساء بادئاً بأمهات
المؤمنين).
قال ابن الصلاح: وهذا أحسن (٢).
[ب]
(١) في ((معجمه الكبير))، فهو مسندٌ معجم، أي: هو مسند: أحاديثه مسرودة
على حسب راويها من الصحابة. ومعجم: أي: رُقِّبتْ أسماء الصحابة على حروف
المعجم، نعم، لكنه بدأ بالعشرة المبشرين رضي الله عنهم، ثم بحرف الألف: أسامة
ابن زید، وهكذا.
(٢) ((المقدمة)) ص ٢٢٩. وينظر ((الجامع)) للخطيب (١٩٦٠) فما بعد.

٥٦٩
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
ومن أحسنه تصنيفُهُ معلّلاً، بأنْ يجمعَ في كل حديثٍ أو بابٍ طُرُقَه
واختلافَ رواته.
[ش]
(ومن أحسنه) أي: التصنيفِ (تصنيفُهُ) أي: الحديثِ (معلَّلاً، بأنْ يجمعَ في
كل حديثٍ أو بابٍ طُرُقه واختلافَ رواته)، فإن معرفة المعلّل أجلَّ أنواع
الحديث، والأَوْلى جعله على الأبواب ليسهل تناوله، وقد صنف يعقوب بن
شيبة ((مسنده)) معلَّلاً فلم يتم(١)، قيل: ولم يُتَمَّم مسند معلَّل قطَّ، وقد صنف
[ب] --
(١) ذكر الإمام ابن الصلاح في النوع ١١، الفرع ٢، يعقوب بن شيبة ((ومسنده))
فقال: الحافظ الفحل، في ((مسنده)) الفحل! وقال الذهبي في ((السير)) ٤٧٦:١٢ أول
ترجمته: ((صاحب ((المسند)) الكبير، العديم النظير، المعلّل، الذي تمّ من مسانيده نحوٌ
من ثلاثين مجلدًا، ولو كمُل لجاء في مئة مجلد)).
وجاء أول ترجمته من («تاريخ بغداد)) ٤١٠:١٦ - ٤١١ ما خلاصته نقلاً عن
شيخه أبي القاسم الأزهري، قال: بلغني أن يعقوب بن شيبة كان في منزله أربعون
لحافًا، أعدَّها لمن كان يبيت عنده من الورَّاقين لتبييض ((المسند))، ولزمه على ذلك
دَين عشرة آلاف دينار، وقيل لي: إن نسخة بمسند أبي هريرة شوهدت بمصر، فكانت
مئتي جزء، وسمعت الشيوخ يقولون: لم يتم مسند معلَّل قط.
فهذا هو أصل الكلام الآتي في كلام الشارح، وسياق الكلام واضح: أن مسند
أبي هريرة الذي شُوهد بمصر، إنما هو قطعة من ((مسند)) يعقوب هذا، لا أنه كتاب
آخر، ويؤكد هذا: فهم الذهبي للنص، فعبّر عنه في ((السير)) ٤٧٨:١٢، و((التذكرة))
٥٧٧:٢: ((إن نسخة بمسند أبي هريرة شوهدت منه بمصر)).
وجاء هذا الكلام على وجهه الصحيح في ((شرح الألفية)) ص ٣٠٦، والشارح
ينقل منه، لكن كأن الشارح فهم منه أنه كتاب آخر، فزاد في العبارة جملة ((صنف
بعضهم))، وكأن صوابها: شاهد بعضهم، أو: رأى بعضهم، والله أعلم.

٥٧٠
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
ويجمعون أيضاً: حديث الشيوخ، كلٌّ شيخ على انفراده، كمالك،
وسفيان، وغيرهما، والتراجم: کمالك، عن نافع، عن ابن عمر، وهشام،
عن أبيه، عن عائشة، والأبواب كرؤية الله تعالى، ورفع اليدين في الصلاة.
[ش]
بعضهم مسند أبي هريرة معلَّلاً في مئتي جزء.
تنبيه :
من طرق التصنيف أيضاً: جمعه على الأطراف، فَيُذكر طرفُ الحديث
الدالُّ على بقيته ويجمع أسانيده، إما مستوعباً، أو مقيَّداً بكتب مخصوصة.
(ويجمعون أيضاً: حديث الشيوخ، كلٌّ شيخ على انفراده، كمالك،
وسفيان، وغيرهما) كحديث الأعمش للإسماعيلي، وحديث الفضيل بن عياض
للنسائي، وغير ذلك.
(و) يجمعون أيضاً (التراجم: كمالك، عن نافع، عن ابن عمر، وهشام،
عن أبيه، عن عائشة) وسهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
(و) يجمعون أيضاً: (الأبواب) بأن يفرَدَ(١) كلُّ باب على حِدَة بالتصنيف
(كرؤية الله تعالى) أفرده الآجُرّي، (ورفع اليدين في الصلاة)، وَالقراءة خلف
الإمام، أفردهما البخاري، والنية: أفرده ابن أبي الدنيا، وَالقضاء باليمين
وَالشاهد: أفرده الدارقطني، وَالقنوت: أفرده ابن منده، والبسملة: أفرده ابن
عبد البر وغيره، وغير ذلك.
ويجمعون أيضاً الطرق لحديث واحد، كطرق حديث ((من كذب عليّ))
للطبراني، وَطرق حديث الحوض، للضياء، وغير ذلك.
[ب] -
(١) في أ، ك: يُفردوا.

٥٧١
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
وليحذَرْ من إخراج تصنيفه إلا بعد تهذيبه وتحريره وتكرير النظر فيه،
وليحذرْ من تصنيف ما لم يتأهّل له، وينبغي أن يتحرّى العباراتِ الواضحة
والاصطلاحات المستعملة.
[ش]
(وليحذر من إخراج تصنيفه) من يده (إلا بعد تهذيبه وتحريره وتكرير النظر
فيه، وليحذر من تصنيف ما لم يتأهّل له)، فمن فعل ذلك لم يفلح، وضرّه في
دینه وعلمه وعرضه.
قال المصنف من زوائده: (وينبغي أن يتحرّى) في تصنيفه (العباراتِ
الواضحة) والموجَزة (والاصطلاحات المستعملة)، ولا يبالغ في الإيجاز،
بحيثُ يفضي إلى الاستغلاق، ولا في الإيضاح بحيثُ ينتهي إلى الركاكة، وأن
يكون اعتناؤه من التصنيف بما لم يُسبق إليه أكثَرَ.
قال في ((شرح المهذب))(١): والمراد بذلك أن لا يكون هناك تصنيف يغني
عن مصنَّفه، في جميع أساليبه، فإنْ أغنى عن بعضها فليصنِّف من جنسه ما يزيد
زياداتٍ يُحتَفَل بها مع ضم ما فاته من الأساليب، قال: وليكنْ تصنيفه فيما يعمّ
الانتفاعُ به، ویکثرُ الاحتیاج إلیه.
وقد رَوَينا عن البخاري في آداب طالب الحديث أثراً لطيفاً نختم به هذا
النوع (٢):
(١) ((المجموع)) ١: ٣٠، وكذا النقل التالي.
(٢) [فائدة: ذكر السخاوي في ((الجواهر والدرر في ترجمة الحافظ ابن حجر))
-١ : ٣٨٢ - ما نصه: يقول أحمد بن علي ابن حجر: إنني منذ قرأت هذه الحكاية
إلى أن كتبت هذه الأسطر وقلبي نافر من صحتها، مستبعد لثبوتها، تلوح أمارات
=

٥٧٢
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
[ش]
أخبرني أبو الفضل الأزهري وغيره سماعاً، أخبرنا أبو العباس
المقدسي(١)، أخبرتنا عائشة بنت علي، أخبرنا أبو عيسى ابن عَلاّق، أخبرتنا
فاطمة بنت سعد الخير، أخبرنا أبو نصر اليُوْنَارتي(٢)، سمعت الإمام أبا محمد
الحسن بن أحمد السمرقندي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن محمد
ابن صالح بن خلف يقول: سمعت أبا ذرّ عمارَ بنَ محمد بن مَخْلَد التميمي
(ت)
الوضع عليها، وتلمع إشارات التلفيق فيها، ولا يقع في قلبي أن محمد بن إسماعيل
يقول هذا ولا بعضَه، وأما قول القائل الذي في آخره: إن هذا خير من ألف حديث :
فكذبٌ لا مزيد عليه. انتهى. والله أعلم.
وتعقب ذلك المتبولي فقال: إيراد القاضي عياض - ((الإلماع)) ص٣١ - والجلال
السيوطي لهذه الحكاية شاهد بأنها ليست موضوعةً عندهما، ومَن ذَكَر سندها فهو
أبسط لعذره على تقدير وضعها، وكان ينبغي لمن جزم بوضعها أو أشار إليه أن يبين
علة ذلك من حيث السند. والله أعلم. انتهى.].
وهذا وقوف من العلامة المتبولي عند رسوم الإسناد!، واستدلاله على عدم
وضعها بذكر القاضي عياض والسيوطي لها: غريب أيضاً.
وقد نقل كلام ابن حجر هذا تلميذه السخاوي في ((شرح التقريب والتيسير))
ص٣٩١، وصدَّر نقله بقوله: ((هي مكذوبة موضوعة لا تخفى على أصاغر الطلبة)).
(١) أبو الفضل الأزهري: هو محمد بن عمر بن عمر الملتوتي الأزهري (٧٧٨ -
٨٧٣) رحمه الله، وشيخه أبو العباس المقدسي: هو الشهاب أحمد بن الحسن بن
السويداوي (٧٢٥ - ٨٠٤) رحمه الله، وذكر الشارح في ((المِنْجَم)) ص ١٩٦ قراءة
الأزهري على السويداوي ((جزء اليُونارْتي))، الذي فيه هذه القصة، كما سيأتي.
(٢) [اليُوْنارْتِي: بضم الياء المثناة تحت، وبنون، ثم راء ساكنة، وفوقية، نسبة
إلى يُونَارْت، قرية بأصبهان. ((لبّ) - (٤٣١٩) -. ].

٥٧٣
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
[ش]
يقول: سمعت أبا المظفَّر محمد بن أحمد بن حامد البخاري قال(١):
لما عُزل أبو العباس الوليد بن إبراهيم بن زيد الهَمَذاني(٢) عن قضاء
-
[ب]
(١) ((سمعت ... البخاري قال)): هذه الجملة ثبتت في النسخ، وغيرها من
المصادر، وسقطت من ((الغُنية)) للقاضي عياض ص ٧٠، من طبعة دار الغرب
الإسلامي، وص ١٣٦ من طبعة الدار العربية للكتاب، أثناء ترجمته لشيخه القاضي
ابن العربي، مع أن عياضًا نفسه روى القصة في ((الإلماع)) ص ٢٩ من الطريق نفسه،
وفيه ذکر هذا الرجل.
وأيضًا: فإن المَقَّري روى هذه القصة في ((نفح الطيب)) ٢: ٥٧٦ بسنده إلى أبي
حيان، بسنده إلى عياض، إلى آخر القصة، وفيه أيضًا ذكر هذا الرجل، فالظاهر
سقوط اسمه من الأصل الخطّي لـ ((الغنية))، والله أعلم.
وهذا الرجل: ليس هو المترجَم في ((لسان الميزان)) (٦٤٤٣) المعروف بقاضي
حلب، بل هو المترجم في ((الأنساب)) للسمعاني مادة (الأُنْشُنْدي)، ونَقَل عن
((المذيَّل)) أنه صاحب حديث الرباعيات - يريد هذه القصة -، وما رواه أحد غيره،
وهو كذلك، وهذا السَّقَط الذي نَبَّهتُ إليه أوهم عدمَ تفرده.
وقد اعتمد كلامَ السمعاني الحافظُ في ((اللسان)) (٦٤٠٣) فنقلها، وعزا القصة
إلى ((جزء اليونارْتي)) وعلّق عليها بقوله: ((هي ظاهرة الوضع بعيدة من عبارة البخاري
وأشباهه))، كما أنه رحمه الله علق على القصة في نسخته من الجزء نفسه بما نقله
العلامة ابن العجمي عن ((الجواهر والدرر)) ١: ٣٨٢ أول هذه القصة.
ثم، إن عياضًا رحمه الله أشار في ((الإلماع)) أيضًا إلى القصة ص ١١٩ ووصفها
بقوله: ((الحكاية الغريبة عن البخاري)).
(٢) [هَمْدان: بفتح الهاء وسكون الميم، وإهمال الدال: قبيلة. وبفتح الهاء
=

٥٧٤
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
[ش]
الرَّي(١)، ورد بخارى، فحملني معلِّمي أبو إبراهيم الخُتَّلي(٢) إليه وقال له:
أسألك أن تحدِّث هذا الصبي مما سمعتَ من مشايخنا، فقال: ما لي سماع،
قال: فكيف وأنت فقيه؟.
قال: لأني لما بلغتُ مبلغ الرجال تاقتْ نفسي إلى طلب الحديث،
فقصدتُ محمد بن إسماعيل البخاري، وأعلَمتُه مرادي، فقال لي: يا بنيّ لا
تدخل في أمر إلا بعد معرفة حدوده، والوقوف على مقاديره.
واعلم أن الرجل لا يصير محدّثاً كاملاً في حديثه إلا بعد أن يكتب:
١ - أربعاً، ٢ - مع أربع، ٣ - كأربع، ٤ - مثل أربع، ٥ - في أربع، ٦ - عند
أربع، ٧ - بأربع، ٨ - على أربع، ٩ - عن أربع، ١٠ - لأربع، وكلّ هذه
الرباعيات لا تتم ١١ - إلا بأربع، ١٢ - مع أربع، فإذا تمتْ له كلُّها هان عليه
١٣ - أربع، وابتلي ١٤ - بأربع، فإذا صبر على ذلك أكرمه الله في الدنيا
١٥ - بأربع، وأثابه في الآخرة ١٦ - بأربع.
[ب]
-
والميم، وإعجام الذال: مدينة، قال في ((التبصير)) - ٤: ١٤٦٠ -: فالصحابة
والتابعون وتابعوهم من القبيلة، وأكثر المتأخرين من المدينة، ولا يمكن استيعاب
هؤلاء ولا هؤلاء، وينبغي استيعاب الرواة من القبيلة من الطبقة الثالثة وهلم جراً ليخِفَّ
اللَّبس، فمنهم .. إلخ.].
(١) [الرَّي: بفتح الراء، وشد التحتية.].
(٢) [الخُتَّلي: بضم الخاء المعجمة، وشدّ المثناة الفوقية، مفتوحة، نسبة إلى
خُثَّل، کورة خلف جیحون. ((تبصير)) - ١ :٢٩٧ -، و ((قاموس)) - خ ت ل -. ].

٥٧٥
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
[ش]
قلتُ له: فسِّر لي - رحمك الله - ما ذكرتَ من أحوال هذه الرباعيات.
قال: نعم، أما الأربعة التي يُحتاج إلى كَتْبها هي:
١ - أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، وشرائعه، والصحابة ومقاديرهم،
والتابعين وأحوالهم، وسائر العلماء وتواريخهم.
٢ - مع أسماء رجالها، وكُناهم، وأمكنتهم، وأزمنتهم.
٣ - كالتحميد مع الخُطَب، والدعاء مع الترسّل، والبسملة مع السورة،
والتكبير مع الصلوات.
٤ - مثل المسنَدات، والمرسَلات، والموقوفات، والمقطوعات.
٥ - في صغره، وفي إدراكه، وفي شبابه، وفي كُهولته.
٦ - عند شَغله، وعند فراغه، وعند فقره، وعند غناه.
٧ - بالجبال، والبحار، والبلدان، والبراري.
٨ - على الأحجار، والأصداف، والجلود، والأكتاف، إلى الوقت الذي
یمکنه نقلها إلى الأوراق.
٩ - عمن هو فوقَه، وعمن هو مثلُه، وعمن هو دونَه، وعن كتاب أبيه،
یتیقن أنه بخطّ أبيه دون غيره.
١٠ - لوجه الله تعالى طالباً لمرضاته، والعمل بما وافق كتاب الله منها،
ونشرها بين طالبيها، والتأليف في إحياء ذكره بعده.
ثم لا تتمّ له هذه الأشياء إلا بأربع هي من كَسْب العبد:

٥٧٦
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
[ش]
١١ - معرفة الكتابة، واللغة، والصرف، والنحو.
مع أربع هنّ من إعطاء الله تعالى:
١٢ - الصحة، والقدرة، والحرص، والحفظ.
فإذا صحت له هذه الأشياء هان عليه أربع:
١٣ - الأهل، والولد، والمال، والوطن.
وابتلي بأربع:
١٤ - شماتة الأعداء، ومَلَامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء.
فإذا صبر على هذه المحن أكرمه الله في الدنيا بأربع:
١٥ - بعزّ القناعة، وبهيبة النفس، وبلذة العلم، وبحياة الأبد.
وأثابه في الآخرة بأربع:
١٦ - بالشفاعة لمن أراد من إخوانه، وبظلّ العرش حيثُ لا ظلَّ إلا ظله،
وبِسَقْي من أراد من حوض محمد صلى الله عليه وسلم، وبجوار النبيين في
أعلى عليين في الجنة.
فقد أعلمتك يا بُني بُمْجَملات جميع ما كنتُ سمعت من مشايخي، متفرِّقاً
في هذا الباب، فأقبلِ الآنَ على ما قصدتَني له، أو دَعُ(١).
[س) .
(١) على حاشية ك: ((الحمد لله. ثم بلغ قراءة عليٍّ. كتبه مؤلفه لطف الله به. آمين)).
وكتب العلامة ابن العجمي رحمه الله: [تتمة الخبر : قال : فهالني قوله، وسكتُ
متفكراً، وأطرقت نادماً، فلما رأى ذلك مني قال : فإن لم تُطقْ احتمال هذه المشاقَّ
=

٥٧٧
النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث
[ش]
كلها، فعليك بالفقه الذي يمكنك تعلُّمه وأنت في بيتك قارٌّ ساكن، لا تحتاج إلى بُعْد
الأسفار، ووطء الديار، وركوب البحار، وهو مع ذا ثمرة الحديث، وليس ثوابُ
الفقيه بدون ثواب المحدّث في الآخرة، ولا عزُّه بأقلَّ من عزّ المحدّث.
قال: فلما سمعتُ ذلك نُقِض عزمي في طلب الحديث، وأقبلت على دراسة
الفقه وتعلمه، إلى أن صرت فيه مقدّمًا، ووقفت على علمٍ ما أمكنني من علمه بتوفيق
الله عز وجل ومنّه، فلذلك لم يكن عندي ما أُمليه على هذا الصبيّ يا أبا إبراهيم، فقال
أبو إبراهيم: إن هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند أحد غيرك خير للصبي من
ألف حديث نجده عند غيرك. انتهى من ((مقدمة شرح البخاري)) للقسطلاني - ١ : ١٨
بسنده من طريق أبي حيان - ((نفح الطيب)) ٢: ٥٧٦ -، بسنده إلى عياض - ((الإلماع))
ص ٣١ - وغيره.].
وأقول: روى عياض هذا الخبر في ((الإلماع)) ص ٢٩ - ٣٤، ورواه المزي في
ترجمة الإمام البخاري في ((تهذيب الكمال)) ٤٦١:٢٤ - ٤٦٤، كلّ منهما من طريق
غير طريق اليُوْنارتي، وزاد في آخره قول أبي إبراهم الخُتَّلي لأبي العباس الهَمَذاني:
((إن هذا الحديث الذي لا يوجد عند أحد غيرك خير من ألف حديث يوجد مع غيرك)»
وهذه الزيادة موجودة في رواية اليونارتي، وكأن الشارح حذفها لنكارتها، أما الحافظ
ابن حجر فقد علق عليها بقوله الذي نقله ابن العجمي عنه أول هذه القصة ص٥٧١
فقال: ((أما قول القائل: إن هذا خير من ألف حديث: فكذب لا مزید علیه)).

٥٧٨
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
النّوع التاسع والعشرون: مَعْرفة الإسناد العالي وَالنازل
الإسناد خَصِیصة لهذه الأمة،
[ش]
(النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل)
(الإسناد) في أصله (خَصِيصة(١)) فاضلة (لهذه الأمة) ليست لغيرها من الأمم.
قال ابن حزم(٢): نقل الثقة عن الثقة، يبلغ به النبيَّ صلى الله عليه وسلم،
-
[ب]
(١) [كذا بخط الدمياطي في ((علوم الحديث)) لابن الصلاح.].
[قوله: خَصيصة: ضبطها الحافظ الدمياطي بخطه في ((علوم الحديث)) - لابن
الصلاح ص٢٣١ -: بفتحة فوق الخاء المعجمة، وكسرة تحت الصاد المهملة
الأولى، وهو ظاهر من أن وزنها: فَعِيلة كـ: صحيفة وظريفة، وهذا هو الموافق لما
في كتب العربية من أن فعائل، بفتح الفاء، وهمزة بين الألف واللام، تَطَّرد جمعاً
لـ: فَعِيلة، لا بمعنى مفعولة، كالمثالين المذكورين، بخلاف نحو قتيلة، وشدَّ:
ذبيحة، وذبائح، ومن هنا يُعلم أن ما جرى على الألسنة من كسر خاء خِصِّيصة،
وتشديد صادها الأولى مكسورة، فيه نظر، ولم يعرِّج عليه أحدٌ في كتب اللغة
المتداولة، كـ((الصحاح)) وفروعه، وإنما ذكروا خِصِّصَى: بكسر الخاء، والصاد
الأولى مشددة، وفتح الصاد الثانية، وألف تأنيث مقصورة.].
وهذه الكلمة غير: خِصّص، وخِصِّيصى، التي كتب فيها الشارح كلمته ((ألوية
النصر))، وهي في ((الحاوي)) ٢: ٢٨٠.
(٢) هذا وما بعده في ((الفِصَل)) ٢٢١:٢ فما بعدها باختصار وتصرف شديدين.
و[قال ابن كثير في ((البداية)) - ٢: ٢٧٩، ٢٨٣ -: باب ذكر جماعة أنبياء بني
=

٥٧٩
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
إسرائيل بعد موسى، قال ابن جرير في ((تاريخه)) - ١: ٢٧١، ٢٧٢ - ٢٧٣ -: لا
خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين، أن القيِّم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع كان
كالب، ثم من بعده حزقيل، قال محمد بن إسحاق : ولم يُذكر لنا مدةُ لُبْث حزقيل في
بني إسرائيل.
[وحكى ابن جرير - ١ : ٢٧٥ -: أن بين موت يوشع وبعثة شمويل أربع مئة
وستون سنة. انتھی.
[وقال في موضع آخر - ٣٨٩:٢ -: إن التوراة أعدمها بُخْتَ نُصَّر، حتى
ألهمها الله عُزَيراً بعد مئة عام، ثم بعثه على أحد الأقوال، ولهذا يقول كثير من
العلماء : إن تواتر التوراة انقطع إلى زمن العَيزار، وهذا متجه جداً إن كان العُزير غيرَ
نبي. كما قاله عطاء بن أبي رباح والحسن البصري.
[وقال البقاعي ـ ((نظم الدرر)) ٨: ٤٣٧ -: إن الذي جمع لهم التوراة التي بأيديهم
شخص آخر غير العزير المذكور في سورة براءة. ذكر ذلك السموأل بن يحيى، الذي
کان یهودیاً فأسلم وحسن إسلامه. انتھی.
[وقال القونوي: قال علماء المسلمين : إن الإنجيل المنزل على عيسى عُدم بما
جرى على بيت المقدس وبني إسرائيل أيام بُخْتَ نُصَّر، وهذا الذي بأيديهم وضعه
بعضهم، وسماه الإنجيل، لیکون أدعی إلی قبوله. انتهى.
[وقال البقاعي - ٤ : ٤٣٠ - في تفسير سورة آل عمران: إن الذي بأيدي النصارى
أربعة أناجيل: إنجيل لوقا، وإنجيل مَرْقس، وإنجيل يُوحثًا، وإنجيل مَتَّى.
[وقال في موضع آخر - ٢٧٨:١ -: التوراة ثلاث نسخ، مختلفة اللفظ، متقاربة
المعنى، أحدها يسمى : توراة السبعين، وهي التي اتفق عليها اثنان وسبعون حَبْراً من
أحبارهم، فكتبوا التوراة بلسان اليوناني، ثم تُرجمت بعد بالسُّرياني، ثم بالعربي،
وهي التي في أيدي النصارى، والنسخة الثانية : نسخة اليهود من الربانيين والقرّائين،
والنسخة الثالثة : نسخة السامرة. انتهى ملخصاً.].

٥٨٠
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالي والنازل
[ش]
مع الاتصال، خصَّ الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال
والإعضال، فيوجد في كثير من اليهود، لكن لا يَقْرُبُون فيه من موسى قُربَنا(١)
من محمد صلى الله عليه وسلم، بل يقفون بحيثُ يكون بينهم وبين موسى أكثرُ
من ثلاثين عصراً (٢)، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه.
قال: وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق
فقط، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين، فكثير في نقل
اليهود والنصارى.
قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين، فلا يمكن اليهودَ أن يبلغوا إلى صاحب نبيّ
أصلاً، ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص.
وقال أبو علي الجّاني(٣): خصَّ الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء، لم يُعطِها
[ب] -
(١) تحرفت في ك إلى: قريباً.
(٢) [العصر: الدهر، قال في ((القاموس)) - دهـ ر -: الدهر: الزمان الطويل،
والأمد الممدود، وألفُ سنةٍ، وتفتح الهاء. انتهى، فلينظر ما المراد بالعصر هنا، فإنه
لا يتأتى المعنى الأخير، وما عداه غير محدود، وقد رأيت في ((شرح الخصائص)):
نَفْساً، بدل قوله: عصراً، ولعل هذا هو المراد، والله أعلم.].
لكن لفظ ابن حزم: ثلاثين عصرًا، ويمكن توجيهه مع قول الفيومي في ((المصباح
المنير)) عن الدهر: ((قيل: هو الزمان قلّ أو كثر))، وكذلك عُمُر الإنسان في طبقات
الرواة يقلّ فيقصر، ويطول فيكثر.
(٣) لا أدري من هو سَلَف الشارح رحمه الله في نسبة هذا القول إلى أبي علي
الجياني؟ وقد ذكر القسطلاني في ((المواهب اللدنية)) ٣٩٥:٥ - بشرح الزرقاني - من
=