Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
وطريقُه في السلامة من التصحيف: الأخذُ من أفواه أهل المعرفة
والتحقيق.
[ش]
رجلٍ عليه بُرْنُس وليس له رأس.
ورَوَى أيضاً عن حماد بن سلمة قال: مَثَل الذي يطلب الحديث ولا يعرف
النحو: مَثَل الحمار عليه مِخْلاة ولا شعير فيها.
وروى الخليلي في ((الإرشاد)) (١) عن عياش بن المغيرة بن عبد الرحمن،
عن أبيه قال: جاء عبد العزيز الدراوردي في جماعة إلى أبي ليعرِضوا عليه كتاباً،
فقرأ لهم الدراوردي، وكان رديء اللسان، يلحن، فقال أبي: ويحك يا
دَراورديُّ أنت كنتَ إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا الشأن، أحوجَ منك
إلى غير ذلك.
(وطريقُه في السلامة من التصحيف: الأخذُ من أفواه أهل المعرفة
والتحقيق) والضبطُ عنهم، لا من بطون الكتب(٢).
-
[ب] -
(١) ((الإرشاد)) ٣٠٢:١ (١٤٤)، وفيه: العباس، كما جاء في نسخ التدريب
كلها، وكذلك في ((السير)) ٣٦٨:٨، وجاء في المصادر الأخرى: عياش، كما أثبتُّه،
منها: ((الجامع)) لابن عبد البر (٤٧٩)، و((الجامع)) للخطيب (١٠٧٧)، و((تهذيب
التهذيب)) ٣٥٥:٦، وهو الصواب، كما جاء في كتب الرسم، وهي المرجع في
الباب: ((المؤتلف)) للدار قطني ١٥٦٩:٣، و((الإكمال)) لابن ماكولا ٦٨:٦، و((تبصير
المنتبه)) ٨٩٨:٣.
(٢) هذا تنبيه مهم جدًّا، جاء في كلام الإمام ابن الصلاح ص ١٩٥، وتبعه من
بعده، وقد كان يُظَن أن التلقي ضروري للسلامة من التحريف فقط، لكن تبيَّن أن له
آثارًا سيئة في المنهج والفهم للعلم غير التحريف، فينظر ما كتبته وتوسعت فيه قليلاً
=

٤٦٢
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
وإذا وقع في روايته لحنٌ أو تحريف: فقد قال ابن سيرين، وابن
سخبرة یرویه کما سمعه.
والصوابُ، وقولُ الأكثرين :
[ش]
(وإذا وقع في روايته لحنٌ (١) أو تحريف: فقد قال ابن سيرين، و)عبد الله
(ابن سَخْبَرة) أبو معمر (٢)، وأبو عبيد القاسم بن سلام، فيما رواه البيهقي
عنهما(٣): (يرويه) على الخطأ (كما سمعه).
قال ابن الصلاح(٤): وهذا غلوٌّ في اتباعِ اللفظ، والمنع من الرواية بالمعنى،
(والصواب، وقول الأكثرين) منهم: ابن المبارك، والأوزاعي، والشعبي،
في ((معالم إرشادية لصناعة طالب العلم))، تحت المَعْلَم الثامن: ضرورة تلقي العلم
عن الشيوخ ص ١٥٩ - ١٩٦.
(١) [فائدة: اللحن يطلق على مخالفة صواب الإعراب، أي: فقط، ويطلق
على النطق بكلمة على وجه لم يثبت عن العرب، وإن لم يكن خطأ في الإعراب، وكذا
استعمله الفقهاء، ومنهم النووي في ((صفة الصلاة)) - ((الروضة)) ١١: ١٠ -، وعلى
هذا وضع أبو القاسم الحريري كتابه : ((دُرّة الغوّاص في لحْن الخَوَاصَ)).].
(٢) عدِّل في ك إلى: أبو نعيم. وهو تحريف شديد !.
(٣) في ((المدخل)) (٥٤٢، ٥٤٣)، لكن مذهب ابن سيرين: رواه عنه الرامهرمزي
(٦٨٩، ٦٩١ - ٦٩٣)، والخطيب في ((الكفاية)) ص١٨٦. ومذهب عبد الله بن سَخْبَرة:
هو فيه أيضًا (٧٠٧)، وفي ((الكفاية)) ص ١٨٦. أما مذهب أبي عبيد: فيستفاد مما رواه عنه
الخطيب في ((الكفاية)) ص ١٨٢، لكن انظر آخر ص ١٩٦ منه.
(٤) صفحة ١٩٥.

٤٦٣
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
يرويه على الصواب.
[ش]
والقاسم بن محمد، وعطاء، وهمّام، والنضر بن شميل(١): أنه (يرويه على
الصواب) لا سيما في اللحن الذي لا يختلف المعنى به.
واختار ابن عبد السلام تركَ الخطأ والصواب أيضاً، حكاه عنه ابن دقيق
العيد، أما الصواب: فلأنه لم يَسمع كذلك، وأما الخطأ: فلأن النبي صلى الله
علیه وسلم لم يقله كذلك(٢).
[ب]
(١) مذاهب هؤلاء الأئمة - إلا القاسم وعطاءً - مروية عنهم في ((الكفاية)) ص
١٩٥ فما بعدها، ومع زيادة أسماء أخرى لم تذكر هنا، أما مذهب القاسم وعطاء:
فمذكور في ((المدخل)) (٥٣٥).
والقاسم: ذكره الرامهرمزي (٦٩١ - ٦٩٣)، و((الكفاية)) ص ١٨٦، مع ابن
سيرين، ورجاء بن حَيْوَة أنهم كانوا يلتزمون الرواية باللفظ، سواء كان لحنًا أم صوابًا،
وينظر ما تقدم ص ٤٣٤.
(٢) نقله ابن دقيق العيد عنه سماعًا لا من كتاب، وهذا لفظه، ليستفاد رأيه في
المسألة مع رأي شيخه رحمهما الله تعالى، قال في ((الاقتراح)) ص ٢٦٢: ((سمعت من
شيخنا أبي محمد ابن عبد السلام - وكان أحد سلاطين العلماء - يرى في هذه المسألة
ما لم أره لأحد، وهو أن هذا اللفظ المختلّ لا يُروى على الصواب، ولا على
الخطأ)، ثم وجَّهه بما نقله الشارح.
قلت: ومؤدّى هذا: أن لا يروى هذا اللفظ المختلِّ! وفيه ما فيه.
ونقل الشيخ ابن العجمي هنا ما نصه:
[قال الزركشي - ((النكت)) ٣: ١٢١٨ (٤٠٥ مكرر) -: وهذا نظير قول
أصحابنا: لو وكله ببيع فاسد: إنه لا يستند الفاسد، لأن الشرع لم يأذن به، ولا
=

٤٦٤
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
وأما إصلاحه في الكتاب : فجوّزه بعضهم، والصوابُ تقريرُه في الأصل
على حاله، مع التضبيب عليه، وبيانُ الصواب في الحاشية، ثم الأَوْلى عند
السماع : أن يقرأه على الصواب، ثم يقول: في روايتنا، أو عند شيخنا، أو
من طريق فلان : كذا، وله أن يقرأ ما في الأصل ثم يذكر الصواب،
[ش]
(وأما إصلاحه في الكتاب) وتغييرُ ما وقع فيه: (فجوّزه بعضهم) أيضاً(١)
(والصوابُ تقريرُه في الأصل على حاله، مع التضبيب عليه، وبيانُ الصواب في
الحاشية) كما تقدم، فإن ذلك أجمع للمصلحة وأنفى للمفسدة، وقد يأتي مَن
يَظهر له وجه صحته، ولو فُتْح باب التغيير لجسَر عليه من ليس بأهل (٢).
(ثم الأَوْلى عند السماع: أن يقرأه) أولاً (على الصواب، ثم يقول): وقع
(في روايتنا، أو عند شيخنا، أو من طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في الأصل)
أولاً، (ثم يذكر الصواب)، وإنما كان الأولُ أولى، كيلا يتقوّل على رسول الله
الصحيح، لأن المالك لم يأذن فيه. انتهى.].
(١) [ومنهم الإمام اليُونيني، حيث أصلح ما وقع في ((الصحيح)) - (٣٥٤٤) -،
في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث أبي جُحيفة: وأَمر لنا بثلاثةَ عشَرَ
قَلُوصاً. في الأصول كلها من رواية أبوي ذرّ، والوقت، والأَصيلي، وابن عساكر:
بإثبات التاء بعد المثلثة، وحذفها من: عشر. قال ابن مالك - فيما نقله عنه اليونيني
على حاشية الطبعة البولاقية -: صوابه: ثلاث عشرة، بحذفها من : ثلاثة، وإثباتها في
عشرة. قال اليُونيني: وأصلحتُ ما في الأصل على الصواب. انتهى. قال
[الدمياميني] في ((المصابيح)) - ٧: ٢٠١ -: ولا يبعد التذكير على إرادة التأويل. انتهى
قسطلاني - ((إرشاد الساري)) ٦: ٢٥ -. ].
(٢) ينظر كلام القاضي رحمه الله في ((الإلماع)) ص ١٨٥.

٤٦٥
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
وأحسنُ الإصلاحِ بما جاء في روايةٍ أو حديثٍ آخر.
وإنْ كان الإصلاح بزيادةِ ساقطٍ، فإنْ لم يغاير معنى الأصل، فهو على
ما سبق، فإن غاير تأكّد الحكم بذكر الأصل مقروناً بالبيان.
[ش]
صلى الله عليه وسلم ما لم يقل.
(وأحسنُ الإصلاحِ) أن يكون (بما جاء في روايةٍ) أخرى، (أو حديثٍ
آخر)، فإنَّ ذَاكِرَهُ آمِنٌ من التقوّل المذکور.
(وإنْ كان الإصلاح بزيادةٍ ساقطٍ) من الأصل: (فإنْ لم يغاير معنى الأصل،
فهو على ما سبق)، كذا عبر ابن الصلاح أيضاً (١)، وعبارة العراقي(٢): فلا بأس
بإلحاقه في الأصل من غير تنبيه على سقوطه، بأن يُعلم أنه سقط في الكتابة،
كلفظة ((ابن)) في النسَب، وكحرفٍ لا يختلف المعنى به، وقد سأل أبو داود
أحمد بن حنبل فقال: وجدتُ في كتابي: حجاج، عن جريج، يجوز لي أن
أُصلِحه: ابن جريج؟ قال: أرجو أن يكون هذا لا بأس به (٣).
وقيل لمالك: أرأيتَ حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم يزاد فيه الواو
والألف، والمعنى واحد؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفاً (٤).
(فإن غاير) الساقطُ معنى ما وقع في الأصل: (تأكّد الحكم بذكر الأصل
مقروناً بالبيان) لِمَا سقط.
[ب]
(١) صفحة ١٩٧.
(٢) في ((شرح الألفية)) ص ٢٦٧.
(٣) ((الكفاية)) ص ٢٥٠.
(٤) ((الكفاية)) أيضًا ص ٢٥١، والمعنى: أن فيه شيئاً، ولكنه خفيف يسير.

٤٦٦
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
فإن علم أن بعض الرواة أسقطه وحده فله أيضاً أن يُلحقه في نفس
الكتاب مع كلمة ((يعني))، هذا إذا عَلم أن شيخه رواه على الخطأ، فأما إنْ رآه
في كتابِ نفسِهِ، وغَلَب على ظنه أنه من كتابه لا من شيخه، فيتَّجه إصلاحُه
[ش]
(فإن علم أن بعض الرواة) له (أسقطه وحده)، وأن مَن فوقه من الرواة أتى
به: (فله أيضاً أن يُلحقه في نفس الكتاب مع كلمة ((يعني))) قبله(١)، كما فعل
الخطيب(٢)، إذْ روى عن أبي عُمر ابن مهدي، عن المَحاملي، بسنده إلى
عروة، عن عَمْرة، يعني: عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يُدني إليّ رأسَه فأرجِّله.
قال الخطيب: كان في أصل ابن مهدي: عن عمرة قالت: كان، فألحقنا فيه
ذكر عائشة، إذ لم يكن منه بدٌّ، وعَلِمنا أن المحاملي كذلك رواه، وإنما سقط
من كتاب شيخنا، وقلت فيه (٣): يعني، لأن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك. قال:
وهكذا رأيت غير واحد من شيوخنا يفعل في مثل هذا.
ثم روى عن وكيع قال: أنا أستعين في الحديث بـ: يعني.
(هذا إذا عَلم أن شيخه رواه) له (على الخطأ، فأما إنْ رآه(٤) في كتابِ نفسِهِ،
وغَلَب على ظنه أنه) أي: السَّقَط (من كتابه لا من شيخه، فيتَّجه) حينئذ (إصلاحُهُ
[ب]
(١) أما غير كلمة ((يعنى)) ونحوها مما يشعر بإلحاق الراوي لما سقط: فلا يجوز
إلحاقه، بل نقل التاج السبكي في ((طبقاته)) ٤: ٢٦٠ عن الإمام أبي إسحاق الإسفرايني:
أنه لا يجوز فعله، ومن فعله سقط في جمیع أحاديثه.
(٢) ((الكفاية)) ص٢٥٣، وكذا ما بعده.
(٣) هكذا في ((الكفاية))، وفي النسخ: وقلنا له فيه، وهو غلط.
(٤) هو الصواب، وفي نسخ الشرح: إن رواه.

٤٦٧
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
في كتابه وروايته، كما إذا دَرَس من كتابه بعضُ الإسناد أو المتن، فإنه يجوز
استدراکه من کتاب غیرہ إذا عَرَف صحته، وسکنتْ نفسه إلى أن ذلك هو
الساقطَ، كذا قاله أهل التحقيق، ومنعه بعضهم، وبيانُه حالَ الرواية أولى،
وهذا الحكم في استثباتِ الحافظِ ما شكّ فيه من كتابٍ غيرِهِ، أو حِفْظه ....
[ش]
في كتابه و) في (روايته) عند تحديثه، كما تقدم عن أبي داود(١).
(كما إذا دَرَس من كتابه بعضُ الإسناد أو المتن) بتقطَّع أو بلَل ونحوه (فإنه
يجوز) له (استدراكُه من كتاب غيره إذا عَرَف صحته) ووثق به، بأنْ يكون أخذه
عن شيخه وهو ثقة (وسكنتْ نفسه إلى أن ذلك هو الساقطَ، كذا قاله أهل
التحقيق) وممن فعله نعيم بن حماد(٢).
(ومنعه بعضهم) وإن كان معروفاً محفوظاً، نقله الخطيب عن أبي محمد
ابن ماسي(٣). (وبيانُه حالَ الرواية أولى) قاله الخطيب.
(وهذا الحكم) جارٍ (في استثباتِ الحافظِ ما شكّ فيه من كتابٍ) ثقةٍ (غيرِه،
أو حِفْظه) كما رُوي عن أبي عوانة، وأحمد وغيرهما (٤).
[ب ] -
(١) صفحة ٤٦٥ لما سأل شيخه الإمام أحمد.
(٢) في د: أحمد ونعيم بن حماد، ولم أره عن أحمد، أما قول نعيم بن حماد:
فحکاه عنه الخطيب في «الكفاية) ص ٢٥٤ في حوار جری بینه وبین ابن معين.
(٣) ((الكفاية)) ص٢٥٤، وابن ماسي: هو أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب
ابن ماسي البزاز (٢٧٤ - ٣٦٩) عن خمس وتسعين سنة رحمه الله، وهو من شیوخ
شيوخ الخطيب، ترجمه في ((تاريخه)) ٦٠:١١، وقال: كان ثقة ثبتًا.
(٤) فى ((الكفاية)) ص ٢١٦ - ٢١٧.

٤٦٨
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
فإن وجد في كتابه كلمةً غيرَ مضبوطة أشكلتْ عليه: جاز أن يسأل عنها
العلماء بها، ويرويَها على ما يخبرونه.
[ش]
ويحسنُ أن يُبَيِّن مَنْ ثَبَّته، كما فعل يزيد بن هارون وغيره(١).
ففي ((مسند)) أحمد(٢): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم بالكوفة، فلم
أكتبه، فسمعت شعبة يحدّث به فعرَّفته به، عن عاصم، عن عبد الله بن
سَرْجِسٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر قال: ((اللهم إني أعوذ
بك من وَعْثاء السفر)).
وفي غير ((المسند)): عن يزيد: أخبرنا عاصم، وثبَّتني فيه شعبة(٣).
فإنْ بَيَّن أصلَ التثُّت دون من ثَبَّته فلا بأس، فعله أبو داود في ((سننه))(٤)
عقب حديث الحكم بن حَزْن فقال: ثبَّتني في شيء منه بعضُ أصحابنا.
(فإن وجد في كتابه كلمة) من غريب العربية (غيرَ مضبوطة أشكلتْ عليه :
جاز أن يسأل عنها العلماء بها، ويرويَها على ما يخبرونه) به، فعل ذلك أحمد،
وإسحاق، وغيرهما(٥).
وروى الخطيب(٦) عن عفان بن مسلم: أنه كان يجيء إلى الأخفش
[ب] -
(١) في ((الكفاية)) أيضًا ص ٢١٨.
(٢) ((المسند)) ٨٢:٥.
(٣) ((منتخب مسند عبد بن حميد)) (٥١٠).
(٤) ((السنن)) (١٠٨٩).
(٥) حكاه عنهم في ((الكفاية)) ص ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٦) صفحة ٢٥٥، ثم أحاله الأخفش إلى أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني،
=

٤٦٩
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
السابع : إذا كان الحديث عنده عن اثنين أو أكثرَ، واتفقا في المعنى دون
اللفظ، فله جمعُهما في الإسناد، ثم يسوقُ الحديث على لفظ أحدهما،
فيقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، أو: وهذا لفظ فلان، قال، أو
قالا، أخبرنا فلان، ونحوَه من العبارات، ولمسلم في ((صحيحه)) عبارة حسنة
كقوله: حدثنا أبو بكر وأبو سعيد كلاهما عن أبي خالد : قال أبو بكر :
حدثنا أبو خالد، عن الأعمش، فظاهره أن اللفظ لأبي بكر،
[ش]
وأصحاب النحو يعرِض عليهم الحديث يُعرِبِه.
(السابع: إذا كان الحديث عنده عن اثنين أو أكثرَ) من الشيوخ (واتفقا في
المعنى دون اللفظ، فله جمعُهما) أو جمعهم (في الإسناد) مسمَّيْنَ (١) (ثم يسوقُ
الحديث على لفظ) رواية (أحدهما، فيقول : أخبرنا فلان وفلان واللفظ لفلان،
أو : وهذا لفظ فلان) وله أن يخصَّ فعل القول بمَن له اللفظ، وأن يأتي به لهما
فيقول بعد ما تقدّم: (قال، أو قالا، أخبرنا فلان، ونحوه من العبارات).
(ولمسلم في ((صحيحه)) عبارة حسنة) أفصحُ مما تقدم (كقوله(٢): حدثنا أبو
بكر) بن أبي شيبة، (وأبو سعيد) الأشج (كلاهما عن أبي خالد : قال أبو بكر :
حدثنا أبو خالد، عن الأعمش، فظاهره) حيثُ أعاده ثانياً: (أن اللفظ لأبي بكر).
[س).
وفي هذا إرشاد لطالب العلم أن يأخذ كل علم عن أهله المتقنين له، وكما أنه لا يصح
أخذ الحديث عن الفقيه، كذلك لا يؤخذ الفقه عن محدِّث، وهكذا سائر العلوم:
الشرعية والعربية والدنيوية.
(١) بالتثنية، لتناسب عبارة المتن، أو: مُسَمَِّينَ، بالجمع، لتناسب عبارة الشرح.
(٢) ((صحيح)) مسلم ١ : ٢٠٣ (١٧٥).

٤٧٠
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
فإن لم يخصَّ فقال: أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظ قالا : حدثنا
فلان : جاز علی جواز الرواية بالمعنى،
[ش]
قال العراقي(١): ويَحتمِل أنه أعاده لبيان التصريح بالتحديث، وأن الأشج
لم يصرِّح.
(فإن لم يخصَّ) أحدَهما بنسبة اللفظ إليه، بل أتى ببعضِ لفظِ هذا، وبعض
لفظِ الآخرِ (فقال: أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظ) أو: والمعنى واحد
(قالا: حدثنا فلان: جاز على جواز الرواية بالمعنى)(٢) دون ما إذا لم يجوِّزها.
قال ابن الصلاح(٣): وقول أبي داود: حدثنا مسدّد وأبو توبة، المعنى،
قالا: حدثنا أبو الأحوص، يَحتمِل أن يكون من قَبيل الأول، فيكون اللفظ
لمسدّد، ويوافقه أبو توبة في المعنى، ويحتمل أن يكون من قَبيل الثاني فلا
یکون أورد لفظ أحدهما خاصة، بل رواه عنهما بالمعنى.
قال (٤): وهذا الاحتمال يقرب في قول مسلم: المعنى واحد.
[ب] -
(١) في ((شرح الألفية)) ص ٢٧٠.
(٢) وهذه الصيغة ((تقاربا في اللفظ)): متكررة في (صحيح)) مسلم في مواضع،
منها: ١: ١٥٤ (٢٧٢)، ١: ٣٣٦ (١٦٣)، وهذا لا يعكِّر على ما اشتهر عنه: أنه لا
يجيز الرواية بالمعنى.
(٣) ((المقدمة)) ص ٢٠١، وقول أبي داود هذا جاء في ((سننه)) (٣٧٨).
(٤) هذا اللفظ ليس عند ابن الصلاح، كما أن مسلمًا لم يستعمل هذا التعبير في
(صحيحه))، وأصل قول ابن الصلاح هو قوله في ((المقدمة)) ص ٢٠١: ((وهذا
الاحتمال يقرب في قوله: حدثنا مسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل - المعنى
واحد -، قالا: حدثنا أبان))، والضمير في كلمة ((قوله: حدثنا مسلم)) يعود على أبي
=

٤٧١
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
فإن لم يقل ((تقاربا)) فلا بأس به أيضًا، على جواز الرواية بالمعنى، وإن كان
قد عِيب به البخاريُّ أو غيره، وإذا سَمع من جماعة مصنَّفاً، فقابل نسخته
بأصل بعضهم ثم رواه عنهم وقال : اللفظ لفلانٍ، فيحتمِل جوازُه ومنعُه.
[ش]
(فإن لم يقل) أيضاً: (تقاربا) ولا شبهَه: (فلا بأس به أيضًا على جواز الرواية
بالمعنى، وإن كان قد عِيب به البخاريُّ أو غيره)(١).
(وإذا سَمع من جماعة) كتاباً (مصنَّفاً، فقابل نسخته بأصل بعضهم) دون
الباقي، (ثم رواه عنهم) كلُّهم (وقال: اللفظ لفلانٍ) المقابَلِ بأصله (فَيَحتمِل جوازُه)
كالأول، لأن ما أورده قد سمعه بنصه ممن يَذكر أنه بلفظه، (و) يحتمل (منعُهُ)
داود، وقد جاء منه هذا اللفظ في ((سننه)) (٢٦٥٢).
ومراد ابن الصلاح رحمه الله من الاحتمال القريب: أن كلمة (المعنى) وحدها
التي قالها مع حديث مسدّد وأبي توبة تحتمل أن تكون رواية أبي توبة بمعنى رواية
مسدّد، والأصل رواية مسدّد، وتحتمل أن تكون الرواية المذكورة ليست لفظَ
أحدهما، بل هي رواية جامعة لمعنى رواية كليهما.
وهذا الاحتمال الثاني قريبٌ منه أن يكون مرادَ أبي داود في قوله مع رواية مسلم
وموسى، لأنه قال: المعنى واحد، فمراده: المعنى واحد في كلتيهما، وجزم بهذا
المعنى والمرادِ لأبي داود شيخ مشايخنا خليل أحمد السَّهارَ نْفُوري رحمه الله في ((بذل
المجهود)) ١٢: ١٨٢، وقال: ((أي: معنى حديثهما واحد)).
(١) والحافظ ابن حجر يؤكد عمل البخاري برواية الحديث على المعنى، ينظر
كلامُه في ((النكت على ابن الصلاح)) ١ : ٢٨٢، وكلامُ ابن طاهر في ((جواب المتعنّت))
الذي نقله في ((هدي الساري)) ص ١٥ (الفصل الثالث)، ولا عيب ولا عتب على
البخاري في ذلك، فهو أولى من يؤديها بشروطها، رحمه الله تعالى.

٤٧٢
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
الثامن : ليس له أن يزيد في نَسَب غيرٍ شيخه أو صفته إلا أن يميزه
فيقول : هو ابن فلان الفلاني، أو: يعني ابن فلان، ونحوه، فإن ذكر
شيخُه نسبَ شيخِهِ في أول حديث، ثم اقتصر في باقي أحاديثِ الكتابِ
على اسمه أو بعض نسبه، فقد حكى الخطيب عن أكثر.
[ش]
لأنه لا علم عنده بكيفية رواية الآخرين حتى يخبر عنها، بخلاف ما سبق، فإنه
اطّلع فيه على موافقة المعنى، قاله ابن الصلاح، وحكاه أيضاً العراقي، ولم
يرجح شيئاً من الاحتمالين(١).
وقال البدر ابن جماعة في ((المنهل الروي))(٢): يحتمل تفصيلاً آخر، وهو
النظر إلى الطرق، فإن كانت متباينةً بأحاديثَ مستقلةٍ لم يَجز، وإن كان تفاوتها
في ألفاظٍ أو لغاتٍ أو اختلافِ ضبطٍ، جاز(٣).
(الثامن: ليس له أن يزيد في نَسَب غيرِ شيخه) من رجال الإسناد (أو
صفته) مدرجاً ذلك، حيث اقتصر شيخه على بعضه، (إلا أن يميزه فيقول)
مثلاً: (هو ابن فلان الفلاني، أو: يعني ابن فلان، ونحوه) فيجوز، فَعَل ذلك
أحمد وغيره(٤).
(فإن ذكر شيخُه نسبَ شيخِه) بتمامه (في أول حديث، ثم اقتصر في باقي
أحاديثِ الكتابِ على اسمه أو بعض نسبه، فقد حكى الخطيب(٥) عن أكثر
[ب] -
(١) ابن الصلاح ص ٢٠١ - ٢٠٢، والعراقي في ((شرح الألفية)) ص ٢٧٠.
(٢) صفحة ١٠٢.
(٣) على حاشية ك: ((الحمد لله. ثم بلغ كذلك، كتبه مؤلفه لطف الله به. آمين)).
(٤) كما في ((الكفاية)) ص ٢١٥.
(٥) المصدر السابق أيضًا.

٤٧٣
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
العلماء جوازَ روايته تلك الأحاديثَ مفصولةً عن الأول، مستوفياً نَسَب شيخ
شيخه، وعن بعضهم الأولى أن يقول: يعني ابن فلان، وعن علي ابن
المديني وغيره يقول: حدثني شيخي : أن فلان بن فلان حدثه، وعن
بعضهم : أخبرنا فلان، هو ابن فلان، واستحبَّه الخطيبُ، وكله جائز، وأَولاه
هو ابن فلان، أو: يعني ابن فلان، ثم قوله : إن فلان بن فلان، ثم أن يذكره
[ش]
العلماء جوازَ روايته تلك الأحاديثَ مفصولةً عن) الحديث (الأول، مستوفياً
نَسَب شيخ شيخه).
(و) حَكَى (عن بعضهم) أن (الأولى) فيه أيضاً (أن يقول: يعني ابن فلان).
(و) حَكَى (عن علي ابن المديني وغيره) كشيخه أبي بكر الأصبهاني
الحافظ (١): أنه (يقول : حدثني شيخي: أن فلان بن فلان حدثه).
(و) حكى (عن بعضهم) أنه يقول: (أخبرنا فلان هو ابن فلان، واستحبَّه)
أي: هذا الأخيرَ (الخطيبُ)(٢) لأن لفظ (أنّ) استعملها قوم في الإجازة، كما
(٣)
تقدم(٣).
قال ابن الصلاح(٤): (وكله جائز، وأَولاه) أن يقول: (هو ابن فلان، أو :
يعني ابن فلان، ثم) بعده (قوله: إن فلان بن فلان، ثم) بعده: (أن يذكره
(١) أي: شيخ ابن المديني، وسماه ابن الصلاح ص٢٠٣: أحمد بن علي
الأنصاري نزیل نيسابور.
(٢) المصدر السابق أيضًا ص ٢١٦.
(٣) صفحة ٣٢٧.
(٤) ((المقدمة)) ص ٢٠٤.

٤٧٤
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
بکماله من غیر فصل.
التاسع: جرت العادة بحذف ((قال)) ونحوِه بين رجال الإسناد خطاً،
وينبغي للقارئ اللفظُ بها، وإذا كان فيه : قُرىء على فلان : أخبرك فلان،
أو قُرئ على فلان: حدثنا فلان، فليقل القارىء في الأول: قيل له :
أخبرك فلان، وفي الثاني : قال حدثنا فلان،
[ش]
بکماله من غیر فصل).
تنبيه :
قال في ((الاقتراح))(١): ومن الممنوع أيضاً: أن يزيد تاريخ السماع إذا لم
يذكره الشیخ، أو يقول: بقراءة فلان، أو بتخريج فلان، حيث لم يذكره(٢).
(التاسع: جرت العادة بحذف ((قال)) ونحوِه بين رجال الإسناد خطاً)
اختصاراً (وينبغي للقارئ اللفظُ بها). عبارة ابن الصلاح(٣): ولا بدَّ من ذكره
حال القراءة، (وإذا كان فيه: قُرىء على فلان: أخبرك فلان، أو قُرئ على
فلان: حدثنا فلان، فليقل القارئ في الأول: قيل له: أخبرك فلان، وفي
الثاني : قال حدثنا فلان).
قال ابن الصلاح: وقد جاء هذا مصرَّحاً به خطاً.
[ب] -
(١) صفحة ٢٣٤.
(٢) أي: لم يذكر الشيخُ التاريخَ، أو اسمَ القارئ.
(٣) صفحة ٢٠٤، وكذا ما بعده.

٤٧٥
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
وإذا تكرر لفظ ((قال)) كقوله: حدثنا صالح قال: قال الشعبي، فإنهم
يحذفون إحداهما خطاً، فليلفِظْ بهما القارىء، ولو تَرك القارئ* ((قال)) في
هذا كلِّه فقد أخطأ، والظاهر صحة السماع.
[ش]
قلت(١): وينبغي أن يقال في: ((قرأتُ على فلان)): قلت له: أخبرك فلان.
(وإذا تكرر لفظ ((قال)) كقوله:) أي: البخاري(٢) (حدثنا صالح) بن حيان
(قال: قال) عامر (الشعبي، فإنهم يحذفون إحداهما خطاً) وهي الأُولى فيما
يظهر (فليلفِظْ بهما القارىء) جميعاً.
قال المصنف من زيادته: (ولو تَرك القارىء ((قال)) في هذا كلِّه فقد أخطأ،
والظاهر صحة السماع) لأن حذف القول جائز اختصاراً، جاء به القرآن العظيم،
وكذا قال ابن الصلاح أيضاً في ((فتاويه)) معبراً بـ: الأظهر(٣).
[ب] -
(١) الظاهر أنها مقولة من الشارح رحمه الله، وإنما توقفت في نسبتها إليه، لأن
ابن الصلاح ذكر هذا قبل سطرين من الجملة التي نقلها عنه، فقال ص ٢٠٤: ((إذا كان
في أثناء الإسناد: قُرئ على فلان: أخبرك فلان، فينبغي للقارئ أن يقول فيه: قيل له:
أخبرك فلان)».
وخالفه البقاعي في ((النكت الوفية)) ١٨١:٢ فقال: ((الذي يقتضيه الذوق
والصناعة، عدم ذكر: قيل له ... )) إلى آخر بيانه.
(٢) في ((صحيحه)) (٩٧)، وقال الحافظ في ((شرحه)): ((عادتهم حذف (قال) إذا
تكررت خطًّا، لا نطقًا)).
(٣) ((الفتاوى)) ص ٤٦ - ٤٧، رقم المسألة (٢٦). وتحرير رأي ابن الصلاح
رحمه الله في المسألة من خلال كلامه في ((المقدمة)) ص ٢٠٤ أنه لا بدَّ من التلفظ
بكلمة ((قال)) بين ذكر الراوي وشيخه، وكلمة ((لا بدّ)) تفيد الإلزام، فمن لم يتلفظ بها
=

٤٧٦
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
(ت)
لم يصح سماعه ولا تحمّله في ظاهر قوله هنا.
أما في ((فتاويه)) فإنه قال عمن ترك تكرار ((قال)): ((هذا خطأ من فاعله، وأما
بطلان السماع به: ففيه احتمال، والأظهر أنه لا يبطل، من حيث إن حذف القول جائز
اختصارًا، مع كونه مقدَّرًا، في كثير من كتاب الله تعالى، وغيره. والله أعلم)).
وجريًا على عادة العلماء في جمعهم بين كلامين لعالم من العلماء في ظاهرهما
اختلاف أو تضادّ، فإنه ينبغي محاولة الجمع بين قولي ابن الصلاح: في ((المقدمة)):
(لا بدّ)، وفي ((الفتاوى)): (خطأ)، و: (لا يبطل)، فمن الممكن القول: (لا بدّ) لتمام
التحمل وكماله، أو نحو هذا.
ومن دواعي الجمع والتأويل بين قوليه: أن هذه المسألة جاءت في ((الفتاوى))
برقم (٢٦)، وقبلها تمامًا المسألة برقم (٢٥) حول اعتراضٍ على كلام آخر له في
(المقدمة)) هو: إذا قال المحدثون عن حديث: غير صحيح، فإن ذلك لا يحمل على
القطع بكذبه في نفس الأمر، فأجابهم بما أجابهم به هناك، وهذا يعني أن جمعه
للفتاوى متأخر عن تأليفه لـ ((المقدمة))، وأنه على ذُكر لما كتبه فيها، وعلى استحضار
لمسائلها، ويُستدل على سواغيته بوقوعه في آيات كريمة كثيرة: فيبعد منه هذا
التناقض، والله أعلم.
وعلى كل: فإن الذي اختاروه: هو قوله ومذهبه الذي في ((الفتاوى)): أن عدم
النطق بـ: ((قال)) خطأ لا يبطل السماع، وعبارة النووي في ((التقريب)): كما تراها، وأما
في ((الإرشاد)) ص ١٦١ - ١٦٢، فقد أتى بعبارة ابن الصلاح، وأعقبها بعبارته التي في
((الفتاوى))، وختم بها المسألة، وعبارته في ((شرح صحيح مسلم)) ٣٦:١: ((ينبغي
للقارئ أن يلفظ بها)).
وفرقُ دقيق بين اختيار ابن الصلاح في ((الفتاوى))، واختيار النووي في ((التقریب))،
فابن الصلاح عبّر بـ ((الأظهر أنه لا يبطل))، وعبّر النووي بـ ((الظاهر صحة السماع)).
وصحة السماع، وعدم البطلان: شيء واحد، لكن الفرق بين: الظاهر، والأظهر.

٤٧٧
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ش]
قال العراقي(١): وقد كان بعض أئمة العربية، وهو العلامة شهاب الدين
-
(١) في ((شرح الألفية)) ص ٢٥٢. وابن المرحِّل: هو عبد اللطيف بن عبد العزيز
ابن يوسف ابن المرحِّل، المتوفى سنة ٧٤٤ رحمه الله، من أئمة النحو في عصره،
وكان ابن هشام الإمام النحْوي يُشيد به جداً، ويفضِّله على أبي حيان الأندلسي
النحوي.
أما اللفظة التي حكاها عنه العراقي، وهي قوله: ((كان ينكر اشتراط المحدثين)):
ففيها: أن هذا الشرط لم يعرف عمن قبل ابن الصلاح - والله أعلم -، وإذا صحّ هذا:
فإن نسبة ابن المرحِّل إلى ((المحدثين)) فيها نظر، فابن الصلاح - على إمامته - واحد
منهم، وأقرب من تكلم في المسألة بعد ابن الصلاح في ((المقدمة)): ابنُ الصلاح نفسه
في ((الفتاوى))، وقد عرفتَ رأيه فيها، ويليه مباشرة النووي، وهذا موقفه ورأيه في
((كتبه الثلاثة)): التقريب، والإرشاد، وشرح صحيح مسلم، ولا حاجة إلى ذكر آراء
معاصريه: كابن جماعة (ت ٧٣٣) في ((المنهل الروي)) ص ١٠٢، والطيبي (ت ٧٤٣)
في ((الخلاصة)) ص ١٢٢.
ثم، إن الشارح رجّح إنكار ابن المرحِّل، بما ذكره وشرحه، وهناك توجيه آخر
للإنكار، قاله وبعبارة سهلة سمحة أحد علماء المغرب الأعلام، هو أبو عبد الله محمد
ابن قاسم القصار (ت١٠١٢) رحمه الله، قال: ((إن ما لم يُكتب ولم يُرمز له: لا يقرأ،
وإنَّ حذفه للعلم به جائز)).
هذا، وقد كتب عدد من علماء المغرب رسائل في هذه المسألة، لمناسبة
عرضت لهم، منهم العلامة محمد بن أحمد بنّيس الفاسي (١١٦٠ - ١٢١٣)
رحمه الله، وطبعها شيخنا رحمه الله ضمن مجموع ((خمس رسائل في علوم الحديث))
من ص ٣١٥ - ٣٣٨، ومنه نقلت كلمة أبي عبد الله القصار ص ٣٢٨، والدليل
=

٤٧٨
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ش]
عبد اللطيف ابن المرحِّل ينكر اشتراط المحدثين التلفظ بـ((قال)) في أثناء السند،
وما أدري ما وجه إنكاره، لأن الأصل هو الفصل بين كلامي المتكلمَيْن للتمييز
بينهما، وحيثُ لم يُفصل فهو مضمَر، والإضمار خلاف الأصل.
قلت: وجه ذلك في غاية الظهور، لأن ((أخبرنا)) و((حدثنا)) بمعنى: قال لنا،
إِذْ ((حدّث)) بمعنى: ((قال))، و((نا)) بمعنى: لنا، فقوله: حدثنا فلان، حدثنا فلان،
معناه: قال لنا فلان، قال لنا فلان، وهذا واضح لا إشكال فيه.
وقد ظهر لي هذا الجواب وأنا في أوائل الطلب، فعرضته لبعض المدرِّسين
فلم يَهتد لفهمه، لجهله بالعربية، ثم رأيته بعد نحو عشر سنين(١) منقولاً عن شيخ
الإسلام، وأنه كان ينصر هذا القول ويرجحه، ثم وقفت عليه بخطه، فلله الحمد.
تنبيه: (٢)
مما يحذف في الخط أيضاً، لا في اللفظ، لفظ: ((أنه))، كحديث
البخاري(٣): عن عطاء بن أبي ميمونة، سمع أنس بن مالك، أي: أنه سمع، قال
[ب] -
العلمي الذي تجوَّ به العلامة ابن بنّيس وغيره، هو مستفاد من كلام ابن الصلاح في
(فتاويه))، وهو قوله: ((إن حذف القول مقدَّر في كثير من كتاب الله تعالى))، فأخذوا
كلامه من کتابه، وردّوا به عليه كلامه في كتابه الآخر.
(١) في نسخة ج، د: عشرين سنة. والنقل عن شيخ الإسلام ابن حجر هو في
((النكت الوفية)) ١٨٢:٢.
(٢) هذا التنبيه من النسخ سوى ك.
(٣) ((الصحيح)) ٢٥٢:٤ (١٥٢).

٤٧٩
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
العاشر : النُّسَخِ، والأجزاء المشتمِلة على أحاديثَ بإسنادٍ واحد،
کنسخة همّام عن أبي هريرة، منهم من يجدّد الإسناد أول كل حديث، وهو
أحوط، ومنهم من يكتفي به في أولِ حديثٍ، أو أولِ كل مجلس، ويدرج
الباقي عليه قائلاً في كل حديث : وبالإسناد، أو : وبه، وهو الأغلب.
فمن سمع هكذا فأراد رواية غيرِ الأول بإسناده: جاز عند الأكثرين،
ومنعه أبو إسحاق الإسفرايني وغيره.
[ش]
ابن حجر في ((شرحه)): لفظ ((أنه)) يُحذف في الخط عرفاً.
(العاشر: النُّسَخِ (١)) المشهورة، (والأجزاء المشتمِلة على أحاديثَ بإسنادٍ
واحد، كنسخة همّام) بن منِّّه (عن أبي هريرة) رواية عبد الرازق، عن معمر،
عنه: (منهم من يجدِّد الإسناد) فيذكره (أول كل حديث) منها، (وهو أحوط)،
وأكثر ما يوجد في الأصول القديمة، وأوجبه بعضهم.
(ومنهم من يكتفي به في أولِ حديثٍ) منها، (أو أولِ كل مجلس) من
سماعها، (ويدرج الباقي عليه قائلاً في كل حديث) بعد الحديث الأول:
(وبالإسناد، أو: وبه، وهو الأغلب) الأكثر.
(فمن سمع هكذا فأراد رواية غيرِ الأول) مفرداً عنه (بإسناده: جاز) له ذلك
(عند الأكثرين) منهم: وكيع، وابن معين، والإسماعيلي(٢)، لأن المعطوفَ له
حكمُ المعطوف عليه، وهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبوابٍ بإسناده
المذكور في أوله، (ومنعه) الأستاذ (أبو إسحاق الإسفرايني وغيره) كبعض أهل
[ب] -
(١) النُّسَخ أو الصُّحُف، بمعنى واحد، واشتهر منها: ((صحيفة همام بن منبه)).
(٢) حكى مذاهبهم الخطيب في ((الكفاية)) ص ٢١٤ _ ٢١٥.

٤٨٠
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
فعلى هذا: طريقُه أن يبِيِّن، كقول مسلم: حدثنا محمد بن رافع،
حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همّام قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة،
وذكر أحاديث، منها : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أدنى
مقعدِ أحدِكم في الجنة)) الحديثَ، وكذا فعله كثير من المؤلفين.
[ش]
الحديث: رأوا ذلك تدليساً.
(فعلى هذا: طريقُه أن يبين) ويَحكي ذلك، وهو على الأول أحسن،
(كقول مسلم) (١) في الرواية من نسخة همّام: (حدثنا محمد بن رافع، حدثنا
عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همّام) بن منبِّه، بكسر الموحدة المشددة (قال :
هذا ما حدثنا أبو هريرة، وذكر أحاديث، منها : وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((إن أدنى مقعدِ أحدِكم في الجنة)) الحديثَ) واطَّرد لمسلم ذلك.
(وكذا فعله كثير من المؤلفين).
وأما البخاري فإنه لم يسلك قاعدةً مطَّردة، فتارةً يذكر أول حديث في
النسخة، ويعطف عليه الحديثَ الذي ساق الإسناد لأجله، كقوله في الطهارة:
حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج: أنه سمع أبا
هريرة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((نحن الآخرون
السابقون))، وقال: ((لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم))، الحديثَ(٢).
(١) في ((صحيحه)) ١٦٧:١ (٣٠١)، والحديث المذكور هو الحديث السادس
والخمسون في ((صحيفة همّام بن منّبِّه)) ص ١٩٦، واطّرد صنيع مسلم في ((الصحيح))
كله، أما البخاري ففعله في موضعين فقط من ((صحيحه)) (٦٦٢٤، ٧٠٣٦).
(٢) ((صحيح)) البخاري (٢٣٨). و((نحن الآخرون السابقون)) هو الحديث الأول
=