Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] وأما خبّاب: فذكره جماعة في الصحابة(١). (ت) الإناء، من طريق ابن لهيعة وجابر الحضرمي هذا وقال: ((إنما أخرجت هذا الخبر لأن جابر بن إسماعيل مع ابن لهيعة في الإسناد))، وهذا لا يؤدي المطلوب. (١) ابن عبد البر ٤٣٩:٢، وابن منده ٤٨٨:١ (٢٩٨)، وأبو نعيم ٩١٣:٢، لكنه صرح بأن ذكر خباب في الصحابة وَهَم، وانظره، ولم يُشِر إلى ذلك ابن الأثير، ولا مُغلطاي في ((الإنابة)) (٢٥٧)، مع أهميته في حقّ أبي نعيم، في حين أن مغلطاي نبَّه إلى ما هو الصواب في رواية ابن ماجه (٥١٦)، وذلك في شرحه على ابن ماجه ٢: ١٣٠ من طبعة مكتبة ابن عباس، وراجع ((الإصابة)) أيضًا: خباب والد السائب. ولا أُبعد أن يكون هناك رجلان، أحدهما: خباب الذي روى عنه عامر بن سعد، وروى هو عن أبي هريرة وعائشة، وهو الذي روى حديثَه مسلم في فضل تشييع جنازة المسلم، وهو تابعي، ثانيهما: السائب بن خباب، صحابي، سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم في عدم الوضوء إلا من حَدَث، رواه له ابن ماجه. ولعل من أسباب الاشتباه أن خبابًا وُصف في رواية مسلم بأنه: صاحب المقصورة، ووُصف به أيضًا: السائب بن خباب، وصفه به البخاري في ((تاريخه)) ٤ (٢٢٩٠)، وتبعه ابن أبي حاتم ٤(١٠٢٨)، أما ابن حبان فنفى ذلك ٣٢٧:٤ من ((الثقات))، فأيقظ إلى نقطة الوهم، والله أعلم. ثم إن مراد الحافظ - والله أعلم - من قوله: ((ذكره جماعة في الصحابة)): أن يشير إلى المعنى الذي قاله رحمه الله بقوله في ((التلخيص الحبير)) ٧٤:١ عن أسماء بنت سعيد بن زيد - أحدِ العشرة - إنها: ((ذُكرت في الصحابة، وإن لم يثبت لها صحبة فلا يُسأل عن حالها))، فأفادنا أن من اختُلِف في صحبته - وإن كان القول بصحبته مرجوحًا - فإنه يعدُّ في الثقات، كما ذكرتُ هذا في مقدمة ((تقريب التهذيب)) ص ٧٠ - ٧١ آخر دراسة مراتب الجرح والتعديل فيه، وخباب هذا ذُكر = ١٠٢ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] فائدتان : (١) . الأولى جَهّل جماعةٌ من الحفاظ قومًا من الرواة لعدم علمهم بهم، وهم معروفون بالعدالة عند غيرهم، وأنا أسرد ما في الصحيحين من ذلك: ١ - خ: أحمد بن عاصم البلخي، جهله أبو حاتم لأنه لم يخبر حاله، ووثقه ابن حبان وقال: روى عنه أهل بلده(٢). (س) في الصحابة، فيكفيه هذا توثيقًا. وبعد هذه المباحثة من الحافظ لأمثلة شيخه العراقي المؤيدةِ لخروج ابن الصلاح عن قول الخطيب: أقول: إن المثال الأول والأخير ما يزالان في محل الاجتهاد والنظر. ثم، هل مراد الحافظ من نقضه للأمثلة الخمسة نقضُ ما ذهب إليه ابن الصلاح - وأيّده العراقي -، أوْ لا؟ الظاهر لكل من يتابع الحافظ في أحكامه أنه لا يقف في تطبيقاته العملية عند الرسوم المقرَّرة أبدًا، والله أعلم. (١) هذه الفائدة معقودة لأمر مهم في كل باب من أبواب العلوم كلها، وهو: أن المجهِّل إنما يتكلم من دائرة علمه، وقد يوجد عند المفضول ما لا يوجد عند الفاضل، فالأحكام السلبية صراحة أو ضمنا: ينبغي للحاكم - النافي - أن يتريَّث ويتأنَّى فيها جدًّا، كما أنه ينبغي للمعتمد على حكمه - ونفيه - أن يتأنَّى ويتريَّث في اعتماده عليه، حتى يرى عالمًا آخر وآخر قد وافقوه على نفيه، ويُنظر ما قدمتُه في هذا المعنى ٣: ٤٤٠، وينظر ((الرفع والتكميل)) ص ٢٥٣ لزامًا لهذه الفائدة خاصة. (٢) ((الجرح)) ٢ (١١٨)، ((الثقات)) ١٢:٨، وهذا من رجال البخاري فقط، وانظر = ١٠٣ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] ٢ - خ: إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي، جهله ابن القطان وعرفه غيره، فوثقه ابن حبان، وروى عنه جماعة(١). ٣ - خ: أسامة بن حفص المدني، جهله الساجي، وأبو القاسم اللالكائي، قال الذهبي: ليس بمجهول، روى عنه أربعة(٢). [ب] - ما كتبته عن رواية البخاري عنه في ((دراسات الكاشف)) ص ٢١٦ - ٢٢٠. (١) ((بيان الوهم)) ٤٩٨:٤، ولفظه: ((لا تعرف له حال وإن كان قد روى عنه الزهري))، ابن حبان في ((الثقات)) ١٠:٤، وهو من رجال البخاري فقط، له عنده حديث واحد (٥٤٤٣)، وظاهر كلام ابن القطان في حفص بن بُغَيل ١٧٠:٤ من كتابه أن قوله ((لا يعرف له حال)» كقول أبي حاتم: مجهول، لكن صنيع الذهبي على خلاف ذلك، فإنه أدخل في كتابه ((الميزان)) كلَّ - أو جُلَّ - من قال فيه أبو حاتم: مجهول، ونصَّ في ((الميزان)) (٢٠١٣) ترجمة حفص على أنه لا يذكر فيه من قال فيهم ابن القطان هذا القول، وأفاد الذهبي أن التوثيق المقبول عند ابن القطان: إما أن يصدر من معاصر للرجل، أو أخذ عن معاصر له، وتجد هذا في كلام ابن القطان ١٣٩:٤. ولابن القطان كلمة أخرى، يقول: فلان لم تثبت عدالته، قال ذلك في عدد من الرواة، منهم: مالك بن الخير الزَّبادي ٣١:٤، وعلّق عليه الذهبي في ((الميزان)) (٦٦٣١) بنحو ما علّق على حفص بن بغيل. هذا، وقد ذكر المزي في ((التهذيب)) ١٣٣:٢ سبعة من الرواة عن إبراهيم هذا. (٢) ينظر تجهيل الساجي له في مصدر آخر، أما تجهيل اللالكائي: فنقله عنه المزي ٣٣٣:٢، وأما لفظ الذهبي في ((الميزان)) (٦٦٤) فـ ((صدوق، ضعفه الأزدي بلا حجة، وقال اللالكائي: مجهول، قلت: روى عنه أربعة)). ١٠٤ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] ٤ - خ: أسباط أبو اليَسَع، جهله أبو حاتم، وعرفه البخاري(١). ٥ - خ: بيان بن عمرو، جهله أبو حاتم، ووثقه ابن المديني، وابن حبان، وابن عدي، وروى عنه البخاري، وأبو زرعة، وعبيدالله بن واصل(٢). [ب] (١) ((الجرح)) ٢ (١٢٦٤)، وتعقبه ابن حجر في ((مقدمة الفتح)) ص ٣٨٩ بقوله: ((قد عرفه البخاري))، وقال قبله: ((روى عنه البخاري حديثًا واحدًا - (٢٠٦٩) - مقرونًا)) بمسلم بن إبراهيم الفراهيدي. (٢) ((الجرح)) ٢ (١٦٨٨)، أما ابن المديني: فالذي في ((مقدمة الفتح)) ص ٣٩٣: ((أثنى عليه ابن المديني، ووثقه ابن حبان - ١٥٥:٨ -، وابن عدي))، وسأذكر قريبًا تمام كلامه. وأما ثناء ابن المديني عليه: فلم أقف على لفظه، في حين أن ابن عدي ذكر المترجَم في ((أسماء من روى عنهم البخاري)) (٥٤)، ولفظه: ((عالم جليل، واستغرب عليّ بن المديني من حديثه عن البصريين غيرَ حديث، وقال: ليس هنا عندنا بالبصرة))، وينظر سياق هذا الكلام في آخر ترجمة سالم بن نوح من ((الكامل)) لابن عدي ٢٨٩:٤ (٧٩٨). ثم ذكر ابن حجر كلمة أبي حاتم هذه وعلّق عليها بقوله: ((قلت: ليس بمجهول من روى عنه البخاري وأبو زرعة وعبيد الله بن واصل، ووثقه من ذكرنا - يريد ابن المديني وابن حبان وابن عدي -، وأما الحديث: فالعهدة فيه على غيره، لأنه لم ينفرد به، كما قال الدارقطني في ((المؤتلف والمختلف)). وهو في القسم غير المطبوع، وقد قال الذهبي في ((الميزان)) (١٢٧٥) نحو قول الدار قطني. ويستدرك على الذهبي أنه نسب قول أبي حاتم إلى ابنه، كما يستدرك على محققه أن ثناء ابن عدي هو في كتابه «أسماء من روى عنهم البخاري)). ومما ينبغي ذكره هنا: ما قدمته ص ٩٤ عن الحافظ في ((التهذيب)) ٥٠٧:١ آخر = ١٠٥ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] ٦ - خ م: الحسين بن الحسن بن يسار، جهله أبو حاتم، ووثقه أحمد (١) وغيره. ٧ - خ م: الحكم بن عبد الله البصري، جهله أبو حاتم، ووثقه الذّهلي، وروى عنه أربعة ثقات(٢). ترجمة بيانٍ هذا، قال: جهالة بيان ارتفعت برواية هؤلاء عنه، وعدالته تثبت أيضًا، وهذا مما يحفظ ويعتمد. (١) هاهنا تداخل في النقل، وبيانه: أن ابن أبي حاتم ترجم ٣ (٢١٦) للحسين ابن الحسن الراوي عن ابن عون، ويروي عنه نعيم بن حماد، ثم أسند إلى الإمام أحمد قوله فيه: كان من المعدودين الثقات المأمونين، ثم ترجم (٢١٨) للحسين بن الحسن ابن يسار الشَّيْلماني، ونقل فيه تجهيل أبي حاتم له. وحصل هذا التداخل للحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)» ص ٣٩٨، وكأنه مصدر الشارح، مع أن الحافظ في ((التهذيب)) ٣٣٥:٢ مشى على تمييز المزي بين الرجلين والحُكْمین. (٢) ((الجرح ٣ (٥٦٤)، أما توثيق الذهلي: فلفظ الحافظ في ((مقدمة الفتح)) ص ٣٩٨: ((كان ثبتًا في شعبة))، فهو توثيق مقيَّد فيما يرويه عن شعبة، فلا يعارضه قول ابن عدي ٤٥٩:٢ (٤٠١): ((له مناكير لا يتابعه أحد عليها)»، مع أن بعضها من رواية الحكم عن شعبة. وله حديث واحد في البخاري (١٤١٥) عن شعبة، ثم رواه (٤٦٦٨) من طريق غندر، عن شعبة، فهذه متابعة. وقول الشارح رحمه الله ((روى عنه أربعة ثقات)): أصله للحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) ص ٣٩٨: ((قلت: ليس بمجهول من روى عنه أربع ثقات، ووثقه الذهلي))، وهذا من الحافظ يذكرنا بما نقلته عنه في الصفحة السابقة بشأن بيان بن = ١٠٦ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] ٨ - خ: عباس بن الحسين القَنْطري، جهله أبو حاتم، ووثقه أحمد، وابنه، وروى عنه البخاري، والحسن بن علي المَعْمَري، وموسى بن هارون الحمّال وغيرهم(١). ٩- خ: محمد بن الحكم المَروزي، جهله أبو حاتم، ووثقه ابن حبان، وروى عنه البخاري(٢). الثانية : قال الذهبي في ((الميزان))(٣): ((ما علمتُ في النساءَ من اثُّهمت(٤)، ولا مَن [ب] عمرو، وانظر أيضًا ما تقدم ص ٩٤. (١) ((الجرح)) ٦ (١١٨٢): وفي ((تهذيب الكمال)) ١٤: ٢٠٧ عن عبد الله ابن الإمام أحمد: ((كان ثقة، سألت أبي عنه فذكره بخير))، وله في البخاري حديثان: (١١٥٢) مقرونًا، (٤٣٨٠) متابعة. (٢) ((الجرح)) ٧ (١٢٩٢)، ((ثقات)) ابن حبان ١٣٤:٩، له في البخاري حديثان (٣٥٩٥، ٥٧٥٧) توبع عليهما. (٣) ((الميزان)) ٣١٨:٥، ولفظه هو الذي وضعته بين هلالين صغيرين فقط، وما بعده مستفاد من أحكامه، وذَكَر تحت هذا الفصل (١١٣) ترجمةً، لكن ينبغي مراجعة حكمه عليهن بالجهالة على ضوء ما شرحتُه من مسلكه في هذا الحكم، في ((دراسات الكاشف)) ص ١١١ - ١١٢، وينظر ما قدمته قريباً ص ٩١ من أن الجهالة ليست تضعيفًا. (٤) [أي: في الرواية، ولا ينافي ما ذُكر أن زينب الكذابة ادعت أنها بنت علي ابن أبي طالب لصلبه، بعد مئة وثمانين سنة، ولها قصة في ((لسان الميزان)) - (٣٣٢٧) -. ]. ١٠٧ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به فرع : يُقبل تعديل العبد والمرأة العارفينِ، [ش] تركوها))، وجميعُ من ضُعِّ منهن إنما هو للجهالة. (فرع :) في مسائل زادها المصنف على ابن الصلاح: (يقبل تعديل العبد والمرأة العارفَينِ)(١) لقبول خبرهما، وبذلك جزم الخطيب في ((الكفاية))، والرازي، والقاضي أبو بكر(٢)، بعد أنْ حكى عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم: و أنه لا يقبل في التعديل النساء، لا في الرواية ولا في الشهادة. واستدل الخطيب(٣) على القبول بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم بَرِيرة عن (١) لابدّ من مراجعة ((التحرير)) وشرحه لابن أمير حاج ٢٥٦:٢ - ٢٥٧ حول تعديل العبد والمرأة وشهادتهما، ولولا طوله وعُسْر عبارته لنقلته وشرحته. (٢) ((الكفاية)) ص ٩٨، وفيه نقل هذا القول عن القاضي الباقلاني، أما الرازي: ففي ((المحصول)) ٤٠٩:٤. (٣) ((الكفاية)) ص ٩٧ - ٩٨، وسؤال بريرة: رواه البخاري في مواضع، منها في كتاب الشهادات (٢٦٣٧، ٢٦٦١)، وكأنه السابق للخطيب في الاستدلال بهذه القصة لهذا الحكم. وسَبَق من الخطيب رحمه الله ص ٤١ - ٤٢ أنْ روى هذه القصة، وفيها جواب بريرة هذا على وجه سليم، لكنه في هذا الموضع ص ٩٨ جاءت منه زيادة غريبة هي ((أَحْمي سمعي وبصري)) على أنها من جواب بريرة، في حين أنها من جواب السيدة زينب بنت جحش الأسدية أمّ المؤمنين رضي الله عنها، كما جاء ذلك في آخر رواية البخاري للقصة (٢٦٦١، ٤١٤١، ٤٧٥٠)، ومسلم ٢١٢٩:٤ (٥٦)، نبَّه إلى ذلك = ١٠٨ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به ومن عُرفت عينه وعدالته وجُهِل اسمُه احتُج به. [ش] عائشة في قصة الإفك، قال: بخلاف الصبي المراهق فلا يُقبل تعديله إجماعًا. (ومن عُرفت عينه وعدالته وجُهِل اسمُهُ) ونسبُه (احتُج به)، وفي الصحيحين من ذلك كثير، كقولهم: ابن فلان، أو والد فلان(١)، وقد جزم بذلك الخطيب في ((الكفاية))(٢) ونقله عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وعلَّله بأن الجهل باسمه لا يُخِلّ بالعلم بعدالته، ومثَّله بحديث ثُمامة بن حَزْن القُشَيري: سألتُ عائشة عن النبيذ فقالت: هذه خادمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم - الجاريةٍ حبشية - فَسَلْها، الحديثَ(٣). [س) - شيخنا رحمه الله في تعليقاته على ((الرفع والتكميل)) ص ١١٣. (١) وتكون معرفة عينه وعدالته من ملاحظة قرائن خارجية، كأن يكون لفلان ابنٌ أو أكثر، ثقات، يروون عنه، فيقول الراوي: عن ابن فلان، وهذا الابن ثقة معروف، أو هو واحد من إخوةٍ له ثقاتٍ معروفين بالرواية عن أبيهم فلان، فلا يضر عدم معرفة أيِّهم المراد هنا. ومثّل السخاوي في ((شرح التقريب)) ص ١٩٦ بصنيع الإمام مالك حين كان يروي حديث أسامة بن زيد: ((لا يرث المسلم الكافر)) من رواية عُمَر بن عثمان، عنه، كان مالك يشير إلى دار عُمر ويقول: حدثني صاحب هذه الدار، وتقدم هذا في النوع الرابع عشر ٣: ٢٩٥. (٢) صفحة ٣٧٥. (٣) رواه مسلم ١٥٠٩:٣ (٨٤). ويَرِد على هذا الاستدلال: أن الخادم الحبشية صحابية، فلا يؤثر عدم معرفة شيء آخر من أمرها. لكن يجاب عن هذا: أن الإشكال لا يَرِد على صنيع الخطيب وتمثيله، إنما يَرِد = ١٠٩ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به وإذا قال : أخبرني فلان، أو فلان، وهما عدلان احتُج به، . [ش] (وإذا قال: أخبرني فلان، أو فلان) على الشك (وهما عدلان: احتُج به) لأنه قد عيَّنهما، وتحقَّق سماعه لذلك الحديث من أحدهما، وكلاهما مقبول، قاله الخطيب(١)، ومثّله بحديث شعبة، عن سَلَمة بن كُهيل، عن أبي الزَّعراء، أو: عن زيد بن وهب، أن سُويد بن غَفَلَة دخل على عليّ بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين: إني مررت بقوم يذكرون أبا بكر وعمر، الحديث(٢). [ب] على الشارح - رحمهم الله -، فقد بوّب الخطيب بقوله: باب الاحتجاج بخبر من عُرفت عينه وعدالته، وجهل اسمه ونسبه - فهذه الحبشية عرفت عدالتها بصحبتها، وجُهل اسمها ونسبها -، ثم ذكر الخطيب قول الباقلاني: من جُهل اسمه ونسبه، وعرف أنه عدل رضا، وجب قبول خبره، فاتَّسق وتناسب الاستدلال والنقل مع التبويب. والله أعلم. (١) في ((الكفاية)) ص ٣٧٥ أيضًا. (٢) فيه ثناء عليّ على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، وهو طويل، ساقه ابن عساكر بتمامه في ترجمة عمر رضي الله عنه في ثلاث صفحات ٣٦٧:٤٤ - ٣٧٠، لكنه ساق السند إلى البوشنجي فقط. وقوله في آخره: ((أَلاَ ولن يبلغني عن أحد يفضِّلني عليهما إلا جَلَدتُه حدَّ المفتري)). رواه الخطيب من طريق أبي عبد الله البُوْشَنْجي، عن أبي صالح محبوب بن موسى الفراء، عن الإمام أبي إسحاق الفزاري، عن شعبة، عن سلمة بن كُهيل، عن أبي الزعراء الأكبر عبد الله بن هانئ، أو: عن زيد بن وهب، أن سويد بن غَفَلة دخل على عليّ، وذكر الحديث. قال الخطيب: قال أبو عبد الله البوشنجي: هذا من الأخبار الثابتة، لأمانة حُمّاله، = ١١٠ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به فإن جُهل عدالةُ أحدهما، أو قال : فلان أو غیرُه، لم يُحتج به. [ش] (فإن جُهل عدالةُ أحدِهما، أو قال: فلان أو غيرُهُ) ولم يسمِّه، (لم يُحتج به) لاحتمال أن يكون المخبرُ المجهولَ. [ب] وثقة رجاله، وإتقان آثريه به، وشهرتهم بالعلم في كل عصر من أعصارهم، إلی حیث بلغ مَن نَقَله إلى الإمام الهادي علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حتى كأنك شاهد حول المنبر وعليٌّ فوقه ... )) إلى آخر كلامه بطوله. والبوشنجي هذا: هو شيخ الإسلام الإمام الحافظ ذو الفنون محمد بن إبراهيم، شيخ أهل الحديث في عصره بنيسابور، كما قال الذهبي في ((السير)) ١٣: ٥٨١، ولد سنة ٢٠٤، وتوفي سنة ٢٩١ رحمه الله. ومما حكى عن جلالته: أنه حضر جنازةً مرةً، فأخذ أبو عمرو الخفاف بلجام دابته، وابن خزيمة بركابها، وأبو بكر الجارودي وإبراهيم بن أبي طالب يسوِّيان عليه ثيابه، فلم يمنع واحدًا منهم !!. وروى هذه الخطبة أبو نعيم في ((الحلية)) ٧: ٢٠١ عن شيخه الطبراني، عن هاشم ابن مرثد، عن أبي صالح الفراء، به، وقول ابن حبان في ابن مرثد: ليس بشيء، مقابَلٌ بقول الخليلي فيه في ((الإرشاد)): ثقة له غرائب، فالظاهر أنه كما قال الذهبي في ((السير)): ٢٧٠:١٣: ليس بالمجوِّد. ورواها الخطيب نفسه في ((تاريخه)) ٤٢٧:١١ - ترجمة عبد الله بن نوح البغدادي-، وابن عساكر في ترجمة الصديق رضي الله عنه ٣٨٤:٣٠ من طريق الحسن ابن عُمارة، فتعلّق بعضهم بتضعيف القصة بالحسن هذا، وفاته تخريج القصة من ((الكفاية)) بإسناد آخر، مع كلام الإمام البوشنجي الذي نقلته لك، مع ما على الحسن ابن عُمارة من حَيْف بيّنْتُه في ((دراسات الكاشف)) ص ١٤٨. ١١١ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] فائدة(١). وقع في ((صحيح)) مسلم أحاديثُ أُبِهِم بعضُ رجالها: ١ - كقولهِ في كتاب الصلاة: حدثنا صاحبٌ لنا، عن إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش، وهذا في رواية ابن ماهانَ، أما رواية الجُلُودي ففيها (٢): حدثنا محمد بن بکار، حدثنا إسماعيل. ٢ - وفيه أيضًا (٣): وحُدِّثت عن يحيى بن حسان ويونسَ المؤدِّب، فذكر حديث أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وقد رواه أبو نعيم في ((المستخرج)) من طريق محمد بن سهل بن عسكر، عن يحيى بن حسان، ومحمدُ بن سهل من شيوخ مسلم في ((صحيحه))، ورواه البزار عن أبي الحسن - (١) هذه الفائدة لخّصها الشارح رحمه الله من كتاب ((غُرر الفوائد المجموعة)) للحافظ الرشيد العطار رحمه الله، على نَسَق ما فعل وتقدم ٢: ٤٣٠، وسأعزو كل حديث من هذه الأحاديث الاثني عشر إلى موضعه في كتابه، والمصادر المذكورة في کلام الشارح، وغیرها إن تيسّر. (٢) ((الصحيح)) ٣٠٦:١ (٦٨)، و(غرر الفوائد)) ص ١١٨. (٣) ٤١٩:١ (١٤٨)، و((مستخرج أبي نعيم)) (١٣٣٠)، و((مسند البزار)) (٩٨٠٥)، و((غرر الفوائد)) ص ١٢٨. وهو عند ابن خزيمة (١٦٠٣) من طريق يحيى، وعند ابن حبان (١٩٣٦) من طريق يونس. ١١٢ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] [محمد] بن مسکین۔۔ وهو ثقة ۔ عن یحیی بن حسان. ٣ - وفي الجنائز(١): حدثني مَن سمع حجاجًا الأعور، بحديثٍ خروجه صلى الله عليه وسلم إلى البقيع، وقد رواه عن حجاج غيرُ واحد، منهم: الإمام أحمد، ويوسف بن سعيد المِصِّيصي، وعنه أخرجه النسائي ووثقه. ٤ - وفي الجَوائح (٢): حدثني غير واحد من أصحابنا قالوا: حدثنا إسماعيل ابن أبي أويس، بحديث عائشة في الخصوم، وقد رواه البخاري عن إسماعيل، فهو أحد شيوخ مسلم فيه. [ب] (١) ((الصحيح)) ٦٦٩:٢ (١٠٣)، و((مسند أحمد)) ٢٢١:٦، و((سنن النسائي)) (٢١٦٤، ٧٦٨٥، ٨٩١٢)، و((الغُرر)) ص ١٤٠، ومنه توثيق النسائي للمصّيصيِّ، ولفظه في جزئه ((تسمية شيوخ النسائي)) (١٣١): حافظ ثقة. (٢) ((الجامع)) ١١٩١:٣ (١٩)، و((صحيح)) البخاري (٢٧٠٥) عن ابن أبي أويس، ورواه عن ابن أبي أويس أيضًا: عبد الله بن شبيب، أفاده الحافظ في ((النكت الظراف)» (١٧٩١٥)، ونَقَل عن أبي نعيم قوله في ((المستخرج)) - وليس في المطبوع -: (يقال: إن مسلمًا حمل هذا الحديث عن البخاري))، وحكى هذا (القيل) الرشيد العطار في ((الغُرر)) ص ١٥٤ عن ابن طاهر المقدسي، عن بعض مشايخه، ومن المحتمل أن هذا (البعض) أخذه عن أبي نعيم، لا أن ابن طاهر أخذه عن أبي نعيم، فقد توفي أبو نعيم سنة ٤٣٠، وولد ابن طاهر سنة ٤٤٨. وكأن الشارح يشير إلى هذا (القيل) الممرَّض بقوله: فهو - أي البخاري - ((أحد شیوخ مسلم فیه)). والجوائح: جمع جائحة، وهي الآفة التي تُهلك الثمار والأموال. ١١٣ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] ٥ - وفي الاحتكار(١): حدثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن عون، أخبرنا خالد بن عبد الله، وقد أخرجه أبو داود، عن وهب بن بقية، عن خالد، ووهبٌ من شیوخ مسلم في ((صحیحه)). ٦ - وفي المناقب(٢): حدِّئت عن أبي أسامة، وممن رَوَى ذلك عنه: إبراهيم ابن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، بحديث أبي موسى: ((إن الله إذا أراد رحمةَ أمةٍ من عباده قَبَض نبيَّها)) الحديثَ، وقد رواه عن إبراهيم الجوهري، عن أبي أسامة: جماعةٌ منهم أبو بكر البزار، ومحمد بن المسَّيب الأَرْغِياني، و[الحسن بن] أحمد بن فِيل البالسي، ورواه عن الأرغياني: ابن خزيمة، وإبراهيم المزكّي، وأبو أحمد الجُلُودي وغيرهم. ٧ - وفي القدر(٣): حدثني عدَّة من أصحابنا، عن سعيد بن أبي مريم، بحديث أبي سعيد: ((لتركُبُنَّ سَنَنَ مَن قبلكم))، وقد وصله إبراهيم ابن سفيان، (س) (١) ((الجامع)) ١٢٢٨:٣ (بعد ١٣٠)، و((سنن)) أبي داود (٣٤٤٠)، و((الغرر)) ص ١٦٠. (٢) ((الجامع)) ١٧٩١:٤ (٢٤)، و((مسند البزار)) (٣١٧٧)، وطريق ابن فيل البالسي عند ابن حبان (٥٢٣٩)، وانظر ((الغرر)) ص ١٦٣. (٣) ((الجامع)) ٤: ٢٠٥٥ (دون رقم)، وإبراهيم ابن سفيان: هو إبراهيم بن محمد ابن سفيان، راوية ((الصحيح)) عن مؤلفه الإمام مسلم، وروايته هذه جاءت عقب إسناد مسلم عن الإمام الذُّهلي، عن سعيد، به، و(الغُرر)) ص ١٧٤. وقول الشارح ((وفي القَدَر)): متابعة منه للرشيد العطار، والواقع أنه في أول كتاب العلم، عقب كتاب القدر، بينهما فاصل بورقة واحدة، فلذا حصل الاشتباه. ١١٤ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] عن محمد بن يحيى، عن ابن أبي مريم. ٨ - وأخرج في الجنائز(١) حديث الزهري: حدثني رجال، عن أبي هريرة، بمثل حديث: ((مَنْ شهد الجنازة))، وقد وصله قبل ذلك من حديث الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ومن حديثه عن سعيد بن المسَيب، عنه. ٩ - وأخرج في الجهاد (٢) حديث الزهري قال: بلغني عن ابن عمر: نَفَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرِية، وقد وصله قبل ذلك عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، ومن طريق نافع، عن ابن عمر. ١٠ - وأخرج فيه(٣) حديث هشام، عن أبيه قال: أُخبرت أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: ((لقد حکمتَ فیھم بحكم الله))، وقد وصله من رواية أبي سعيد. ١١ - وأخرج في الصلاة(٤): حديث أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة [ب] - (١) ((الجامع)) ٢: ٦٥٣ (قبل ٥٣)، والإسنادان الموصولان تحت رقم (٥٢)، و ((الغرر)) ص ٢٢٢. (٢) ((الجامع)) ١٣٦٩:٣ (٣٩)، والإسنادان الموصولان برقم (٣٨)، و((الغرر)) ص ٢٢٧. (٣) ((الجامع)) ١٣٨٩:٣ (٦٦) والإسناد الموصول قبله ص ١٣٨٨ (٦٤)، و((الغرر)) ص ٢٣٨. وهشام: هو ابن عروة. (٤) ((الجامع)) ٤٠٣:١ (٩٧)، وكلام الدارقطني المشار إليه: جاء في كتابه ((التبّع)) ص ١٧٧ (٤٩)، وفيه متابعة من الشارح للرشيد العطار، في حين أن لفظ الدارقطني: هو - أي ابن سيرين - يقول في غير حديث: نُبِّئت عن عمران))، فأفاد أن = ١١٥ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به السابعة : من کُفِّر ببدعته [ش] في السهو، وفي آخره: قال: وأُخبِرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلَّم، والقائل ذلك: ابنُ سيرين، كما رجحه الدارقطني، وقد وَصَلَ لفظَ السلام من طريق أبي المهلَّب، عن عمران، في حديث آخر. ١٢- وأخرج في اللعان(١) حديث ابن شهاب: بلغنا أن أبا هريرة كان يحدِّث، الحديثَ: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، وهو متصل عنده من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعنده، وعند البخاري من حديثٍ ابنِ المسیب، عنه. فهذا ما وقع فيه من هذا النوع، وقد تبيَّن اتصاله(٢). (السابعة: من كُفِّر ببدعته) وهو - كما في ((شرح المهذَّب)) للمصنّف(٣) -: - القائل ((أُخبرت عن عمران)) هو ابن سيرين، لكن فيه أيضًا حكمه بالانقطاع بينهما، والمؤاخذة على الشارح الذي اختصر كلام العطار، الذي نقل كلام الدار قطني بتمامه، وهو في ((الغرر)) ص ٢٤٠. ثم، إن قول الشارح عقب ذكر الدارقطني ((وقد وَصَل لفظَ السلام)): يوهم أن الدارقطني هو الذي وصل لفظ السلام، لكن مراده: وَصَل مسلمٌ لفظ السلام، وذلك في ٤٠٤:١، ٤٠٥ (١٠١، ١٠٢). (١) ((الجامع)) ١١٣٨:٢ (دون رقم)، والإسناد المتصل عنده ص ١١٣٧ (٢٠، ١٨)، و((صحيح)) البخاري (٥٣٠٥). (٢) وينظر ((غرر الفوائد)) لتمام الفائدة فيما تقدم، وغيره. (٣) ((المجموع)) ٢٥٣:٤. والمجسِّم: من يُثبت لله تعالى شأنه شيئًا من لوازم = ١١٦ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] المجسِّم، ومنكِرٍ علم الجزئيات. [ب] - الأجسام المادية البشرية وغيرها، كاللحم، والدم، والطول والعرض، وغير ذلك. والمنكِرِ لعلم الجزئيات: أي: من يُنكر علم الله عز وجل للجزئيات في مخلوقاته، ويُثبت له علمه بالكليات، كأن يُثبت لله تعالى علمه بإنسان اسمه زيد مولود من فلان وفلانة، أما ما هي تفاصيل حياته جزئيةً جزئيةً: فلا، وهذان أمران من ثلاثة أمور كفّر بها الإمامُ الغزاليّ رحمه الله تعالى مَن يقول بواحد منها مِن الفلاسفة، لخّصها في خاتمة كتابه ((تهافت الفلاسفة)) ص ٣٠٧ - ٣٠٨، وهي: قول من قال منهم بقدم العالم، وإن الله لا يحيط علمه بالجزئيات، وإنكارُهم بعثَ الأجساد وحشرَها. ونظم بعضهم هذا بقوله: بثلاثةٍ كَفَر الفلاسفة العِدا إذْ أنكروها وهي حقًّا مثبتةٌ حشرٍ لأجساد وكانت ميتة علمٍ بجزئيّ، حدوثٍ عوالم وإنكار علمه تعالى بالجزئيات على المعنى الذي قدَّمته، غيرُ قول القَدَرية الأُولى الذين يقولون: إن الله تعالى لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، بل هذا هو معنى ما أسنده الخطيب في ((الكفاية)) ص١٢٦ إلى الإمام أبي يوسف القاضي: أُجيز شهادة أهلٍ الأهواء، أهلِ الصدق منهم، إلا الخطابية والقدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء حتی یکون)». وهذا هو معنى قول الشيخ ابن العجمي: [ومثلُه: منكر علم المعدومات.]. فالمعدوم: هو الشيء الذي لم يقع بعدُ، فمنكر علم الله تعالى به، كمنكر علم الله تعالی بالجزئیات، من حيث إنهما کافران. ١١٧ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به لم يُحتَجَّ به بالاتفاق، [ش] قيل: وقائل خلق القرآن، فقد نص عليه الشافعي(١)، واختاره البُلقيني، وَمَنَع تأويلَ البيهقيِّ له بكُفْران النعمة: بأن الشافعي قال ذلك في حقّ حفصٍ الفَرْد لما أفتى بضرب عنقه، وهذا رادّ للتأويل، (لم يُحتَجَّ به بالاتفاق). قيل: دعوى الاتفاق ممنوعة، فقد قيل: إنه يقبل مطلقًا (٢)، وقيل: يقبل إن (١) حكاه في ((المجموع)) أيضًا ٢٥٣:٤، ونقل البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص ٢٥٢، و((مناقب الشافعي)) ٤٠٧:١ أن حفصًا الفَرْد أجاب الشافعي بأن القرآن مخلوق، فقال له الشافعي: كفرتَ بالله العظيم. وأما اختيار البلقيني له: فينظر؟. وأما تأويل البيهقي فينظر في كتبه؟ نعم، نقله عنه النووي في ((المجموع)) ٢٥٤:٤، وظاهر كلامه اعتماده. (٢) هذه حكاية مجملة، وبيانها: قال الخطيب في ((الكفاية)) ص ١٢٠ - ١٢١ ما ملخصه: اختلف أهل العلم في الاحتجاج بما يرويه أهل البدع، فمنعت طائفة من السلف صحة ذلك، لأنهم كفار في قول من يكفِّر المبتدع وإن كان متأوّلاً. وقال جماعة من أهل النقل والمتكلمين: أخبار أهل الأهواء كلها مقبولة وإن كانوا كفاراً وفسَّاقًا بالتأويل. فالكافر المتأوِّل ــ على هذا القول -: تقبل روايته، لكن مع الشرط المتّفق علیه: أن لا يروي ما يؤيد بدعته. وقال الحافظ في ((شرح النخبة)) ص ١٠٠: البدعة: ((إما أن تكون بمكفِّر، كأن يعتقد ما يستلزم الكفر، أو بمفسِّقٌ، فالأول: لا يَقبل صاحبَها الجمهور، وقيل: يقبل مطلقًا، وقيل: إن كان لا يعتقد حلَّ الكذب لنصرة مذهبه، قُبُل))، فأفاد وجهًا من وجوه التأويل لوقوعه بالكفر، وهو كون بدعته تستلزم الكفر، ولازم المذهب ليس بمذهب على الراجح عندهم، فهو ليس بكافر، وإن لزم من قوله الكفر. ١١٨ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] اعتقد حرمة الكذب، وصححه صاحب ((المحصول))(١). وقال شيخ الإسلام(٢): التحقيق أنه لا يُردّ كل مكفَّر ببدعة، لأن كل طائفة تدَّعي أن مخالفتها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفِّر مخالفيها، فلو أُخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفيرَ جميع الطوائف(٣)، والمعتمد: أن الذي تُرَدُّ روايتُه مَن أنكر أمرًا متواتراً مِن الشرع معلومًا مِن الدين بالضرورة، أو اعتقد (١) الفخر الرازي ٣٩٦:٤. وقد قال الشافعي: ((نقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم))، ذكره الخطيب في ((الكفاية)) ص ١٢٠، ثم أسند ص ١٢٦ إلى الشافعي أيضًا قوله: ((لم أر أحدًا من أهل الأهواء أشهدَ بالزور من الرافضة)». ثم أسند إلى أبي يوسف القاضي قوله: ((أُجيز شهادة أهلِ الأهواء أهلِ الصدق منهم، إلا الخطابية والقَدَرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون)). ثم أسند إلى أبي حنيفة قوله لمن سأله: ممن أسمع الآثار؟ قال: ((من كل عدل في هواه، إلا الشيعة فإن أصل عَقْدهم تضليل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أتى السلطان طائعًا)). (٢) في ((شرح النخبة)) ص ١٠٠ بعد حكايته الأقوال الثلاثة التي نقلتها. (٣) [أي: فيستلزم ردَّ رواية جميع الطوائف، ثم إن في كلامه بحثاً، لأنه ذَكَر أن كل طائفة قد تبالغ فتكفِّر مخالفيها، أي : وقد لا تبالغ المبالغةَ المذكورة، وحينئذٍ فلا يتم قوله: ولو أُخذ ذلك .. إلخ، لأن ذلك إنما يتم لو قال: إن كل طائفة تبالغ .. إلخ، على وجه أنه قضية كلية، لا على وجه أنها جزئية، ولا يصلح جعل ((قد)) للتحقيق، لأن الوجدان والواقع يكذبه. شيخنا أُجْهوري.]. ١١٩ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به ومن لم يُكَفَّر : قيل : لا يحتج به مطلقًا. [ش] عكسه(١)، وأما من لم يكن كذلك، وانضم إلى ذلك ضبطُه لما يرويه، مع ورعه وتقواه: فلا مانع من قبوله. (ومن لم يُكَفَّر): فيه خلاف (قيل: لا يحتج به مطلقًا)، ونَسَبَه الخطيب لمالك(٢)، لأن في الرواية عنه ترويجًا لأمره وتنويها بذكره، ولأنه فاسق ببدعته، [ب] - (١) [بأن اعتقد فيما عُلم أنه ليس من الدين بالضرورة: أنه من الدين.]. (٢) ((الكفاية)) ص ١٢٠، ويصحح نصُّ المطبوع منه إلى: وممن يُروى عنه ذلك، بدلاً من: وممن لا يُروى عنه ذلك، ولعل الخطيب يشير بذلك إلى ما رواه هناك قبل قليل ص ١١٦، وإلى ما سيرويه هناك بعد قليل ص ١٢٤. أما الرواية السابقة ص١١٦ : فهي رواية معن بن عيسى، عن مالك قال: ((لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: ١- لا تأخذ من سفيه مُعلِنٍ بالسفه وإن كان أروى الناس. ٢ - ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذا جُرِّب ذلك عليه، وإن كان لا يُتَّهم أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جُرِّب ذلك عليه. ٣- ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه. ٤- ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدِّث به)). وأما الرواية اللاحقة ص١٢٤: فهي رواية عبد الله بن وهب، عن مالك قال: ((لا يُصلَّى خلف القَدَرية، ولا يُحمل عنهم الحديث)). وقوله رحمه الله ((يدعو الناس إلى هواه)): محمول على سبيل الاشتراط، أي: أشترط على من يروي عن مبتدع أن يتحرَّى فيه أن لا يكون داعية إلى بدعته، يدلنا على ذلك: أن مالكًا روى عن بعض المتبدعة، روى عن داود بن الحصين، وثور بن زيد الدِّيلي، وقد قال مالك في كل منهما: كان لأَنْ يخرَّ من السماء أحبُّ إليه من أن يكذب في الحديث، ذكر ذلك ابن عبد البر في ((التمهيد))، وقال ٢: ص١، ٣١٠: = ١٢٠ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به وقيل: يُحتج به إن لم يكن ممن يَستحلّ الكذب في نُصرة مذهبه، أو ءِ لأهل مذهبه، وحكي .. [ش] وإن كان متأوِّلاً يردُّ، كالفاسق بلا تأويل، كما استوى الكافر المتأولُ وغيرُه. (وقيل: يُحتج به إن لم يكن ممن يَستحلُّ الكذب في نصرة مذهبه، أو لأهل مذهبه) سواء كان داعيةً أم لا، ولا يقبل إن استحلّ ذلك، (وحكي) هذا [ب] ((کانا جمیعًا يُنسبان إلى القدر وإلی مذهب الخوارج))، وزاد في كلامه عن ثور بن زيد ١:٢ أنه لم يكن يدعو إلى شيء من ذلك، ومثله في (الإكمال)) لمغلطاي ١١٤:٣. وعلى هذا أقول - والله أعلم -: إن ما نقله الخطيب عن مالك ((ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه))، و((لا يُحمل عنهم - عن القدرية - الحديث)): هذا حكم عام منه، فالمبتدع مظنة أن يكون داعية، والداعية مظنة أن يكذب أو يلفّق الأخبار وَفْق هواه، أما إذا قامت القرائن - ولا أقول: قرينة - على نزاهته وسلامته: فلا مانع عند الإمام مالك من الرواية عنه: تحملاً وأداءً، كما رأينا موقفه من هذين الرجلين وغيرهما. ومع ذلك: فينبغي مراجعة كتب المذهب وعلمائه. وإذا كان الإمام أبو داود يقول: ((ليس في أهل الأهواء أصحُّ حديثًا من الخوارج))، لكونهم يرون كفر مرتكب الكبيرة، ومع ذلك فقد روى الخطيب ص ١٢٣ من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، عن ابن لهيعة - وروايةُ المقرئ عنه من صحيح حديثه - أنه قال: ((سمعت شيخًا من الخوارج وهو يقول: إن هذه الأحاديث دِين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هَوِينا أمرًاً صَيَّرناه حديثًا))، فما الظنُّ بغيرهم من الفِرقَ وأهل الأهواء؟ !. ومما يخفى من صنيع أهل الأهواء: ما نَبَّهَنا إليه الإمام وكيع بن الجراح رضي الله عنه بقوله: ((أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم)) رواه الدار قطني ٢٦:١ (٣٢)، فيجب التنبُّه والحذر.