Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
السادسة : روايةُ مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا لا تقبل عند الجماهير.
[ش]
وافتراق العلماء بين متأوِّل للحديث ومحتَج(١) به: قال ابن السمعاني وقوم:
يدلّ، لتضمُّنْه تلقيهم له بالقبول، وأجيب: باحتمال أنه تأوّله على تقدير صحته
فَرْضًا، لا على ثبوتها عنده.
(السادسة: رواية مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا) مع كونه معروفَ العينِ
برواية عدلين عنه (لا تقبل عند الجماهير) وقيل: تقبل مطلقًا (٢)، وقيل: إنْ كانَ
(س)
أنه لا نبي بعدي)»، وهو في ((صحيح)) البخاري (٣٧٠٦، ٤٤١٦)، و((صحيح)) مسلم
١٨٧٠:٤ (٣١)، وغيره، قالوا: إنه سَلِم نقلهما في زمن بني أمية، مع توفر دواعيهم
على إبطالهما.
قلت: نعم، هذا علامة، ولكن لا يلزم اطّرادها، ((فقد يشتهر خبر الواحد بحيث
يعجز العدو عن إخفائه))، كما قال أبو زرعة العراقي في ((الغيث الهامع)) ٢: ٤٩٠،
وغیرُه.
(١) أي: إن افتراق العلماء على موقفین من حديث واحد، بین محتجّ به،
ومتأوِّل له: لا يدل حقيقة على صحة الحديث عندهم، وإن كان ظاهر ذلك
تصحيحَهم له، فالاحتجاج به: فرعُ قبولهم له، وتأويلُهم له: فرع قبولهم له أيضًا،
لكن من وجهة نظر أخرى: فالتأويل قد يكون مبنيًّا على افتراض تصحيحهم له، لا
علی ثبوته عندهم.
وهذا - أي: تأويل الحديث الضعيف وشرحه ومناقشة الأفهام المختلفة فيه - أمر
معروف عند متقدمي أئمتنا - كالترمذي في ((سننه))، مثلاً (٢٥٤٠) -، ومتأخّریھم،
كشراح كتب السنة، بدءًا من الخطابي في ((معالم السنن)) فمن بعده.
(٢) وبحكاية هذا الاختلاف يُستدرك على التاج السبكي قوله في ((جمع
الجوامع)) ١٧٦:٢ بحاشية العطار، عن مجهول العدالة باطنًا وظاهرًا: مردود إجماعًا،
وقد استدرك عليه هذه الدعوى: الزركشي في ((تشنيف المسامع)) ٩٩٦:٢، وأبو زرعة
=

٨٢
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
وروايةُ المستور - وهو عدلُ الظاهرِ خفيُّ الباطن - يَحتجُّ بها بعضُ مَن
ردَّ الأول، وهو قول بعض الشافعيين.
[ش]
مَن روى عنه، فيهم من لا يَروي عن غير عدل: قُبِل، وإلا فلا.
(ورواية المستور - وهو عدلُ الظاهرِ خفيُّ الباطن(١) -) أي: مجهولُ العدالة
باطنًا (يَحتجُّ بها بعضُ مَن ردَّ الأول، وهو قول بعض الشافعيين) كسُلَيْم
الرازي(٢)، قال: لأن [أمر] الأخبار مبنيّ على حسن الظن بالراوي، ولأن رواية
-
[ب]
العراقي في ((الغيث الهامع)) ٥١٥:٢، وسكت المحلّيُّ والبنّاني، واستدرك العطار.
ومما قاله أبو زرعة العراقي: ((ومازلت أعجب من ردّ المحدثين رواية مجهول
العين، وكيف لا تثبت العين برواية ثقة عنه؟! وأيّ معنى لتوقف ثبوت عينه على رواية
اثنين عنه، مع الاكتفاء - في معرفة حاله - بتوثيق واحد؟!)).
(١) [وقيل: المستور هو: الذي لم تتحقق أهليته، وليس مغفلاً كثير الخطأ، ولا
متهماً بفسق .].
هذا من كلام ابن الصلاح في استخلاص تعريفهم للحديث الحسن، قاله
ص٢٧، وتقدم في كتابنا هذا ٣: ١٦.
(٢) هو الإمام أبو الفتح سُليم بن أيوب الرازي الشافعي، المتوفى سنة ٤٤٧
رحمه الله غريقًا في بحر القُلْزُم (الأحمر) على ساحل جدّة، من أئمّة الحديث والفقه.
وكلامه الآتي نقله ابن الصلاح ص ١٠١، وما بين المعقوفين منه. والضمير
المنفصل في قوله ((وهو قول بعض الشافعيين)): يعود على قوله قبله: ((يَحتج بها)) أي:
رواية المستور حجة عند هذا البعض.
ونقل المازريُّ في ((إيضاح المحصول)) ص ٤٦٥ عن أبي بكر ابن فُوْرَك - من
الشافعية أيضًا - (ت٤٠٦) أنه: ((اختار قبول خبر المستور، وأشار إلى أنه مذهب
الصحابة، قال: وكانوا يقبلون خبر الأعرابي، وقَبِل النبي صلى الله عليه وسلم خبر
=

٨٣
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
قال الشيخ: يُشبه أن يكونَ العملُ على هذا في كثير مِن كتب
الحديث، في جماعة من الرواة تَقَادم العهدُ بهم، وتعذرتْ خِبرتهم باطنًا.
[ش]
الأخبار تكون عند مَن يتعذّر عليه معرفة العدالة في الباطن، فاقتُصِر فيها على
معرفة ذلك في الظاهر، بخلاف الشهادة، فإنها تكون عند الحكام، فلا يتعذّر
علیهم ذلك.
(قال الشيخ) ابن الصلاح: (يشبه أن يكونَ العملُ على هذا) الرأي (في كثير
مِن كتب الحديث) المشهورة (في جماعة من الرواة تَقَادم العهدُ بهم وتعذرتْ
خِبرتهم باطنًا)، وكذا صححه المصنف في ((شرح المهذب))(١).
[ب]
-
الأعرابي بالهلال)).
يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٩٥٦٠) من طريق سماك، عن
عكرمة، عن ابن عباس، وهو كذلك في السنن الأربعة: أبي داود (٢٣٣٣)،
والترمذي (٦٩١)، والنسائي (٢٤٢٣)، وابن ماجه (١٦٥٢)، ورجحوا إرساله،
ورواه أصحاب الصحاح الثلاثة: ابن خزيمة (١٩٢٣، ١٩٢٤)، وابن حبان (٣٤٤٦)،
والحاكم (١٥٤٣ - ١٥٤٦) وصححه.
ورواه الدارمي (١٦٨٣) من طريق حاتم بن أبي صَغيرة، والحاكم (١٥٤٧) من
طريق شعبة، كلاهما عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، وصححه الحاكم
أيضًا، وفيه قصة سماع سماك للحديث من عكرمة، وهذا - في هذا الحديث فقط -
يجبر ما قيل في سماع سماك من عكرمة، فقد قال الإمام أحمد - كما في ((مقدمة
الفتح)) ص ٣٦٣ -: ((إذا كان في الحديث قصة دلّ على أن راويه حفظه))، فالحديث
ثابت إن شاء الله.
(١) قال في ((المجموع)) ٢٧٧:٦: ((الأصح قبول رواية المستور))، ثم قال ٤١:٩:
((الأصح جواز الاحتجاج برواية المستور))، وقال السخاوي في ((الغاية شرح الهداية))
=

٨٤
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
لابن الجزري ٢٠٧:١: ((المستور، المختار قبوله، وهو قول سُليم الرازي)».
أما الحافظ فاختار في ((شرح النخبة)) ص ١٠٠ ما اختاره إمام الحرمين في
(البرهان)) (٥٥٤)، ولفظ ابن حجر: ((المستور: قد قبل روايته جماعة بغير قيد، وردّها
الجمهور، والتحقيق : ... هي موقوفة إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين)).
قلت: وأول كلام إمام الحرمين كما نقل ابن حجر، ولا بدّ من نقل تمامه، لمعرفة رأيه
كاملاً، وهو في «فتح المغيث)) ٢١٦:٢، فينظر.
وبمناسبة الحديث عن مجهول الحال والمستور، أقول: إن الحاجة ماسّة لبيان
مذهب الحنفية في المجهول، لأن الناس تلقَّفوا ردّ حديث المجاهيل من كتب علوم
الحديث، وهي الناطقة بلسان السادة الشافعية، ونزّلوا حكمهم على أدلة أحكام
الحنفية، فتداخل الأمران، واشتبهت الأحكام، فوجب التنبيه والتمييز، فأقول:
يرى الحنفية تقسيم الرواة إلى راو معروف، وراو مجهول. والمعروف قسمان:
راوٍ معروفٌ بالفقه والاجتهاد، كالخلفاء الراشدين ونحوهم من الصحابة والتابعين
ومن بعدهم، وراوٍ معروفٌ بالرواية دون الفقه، كبعض الصحابة، وكثير من التابعين
وأتباعهم.
والراوي المجهول - ويمكن أن نسميه: (المجهول في الرواية)، ليتميز بعبارة لهم
عن عبارة المحدثين - قال الحنفية في تعريفه: هو من لم يَرْوِ إلا حديثًا أو حديثين،
سواء أكان من الصحابة، أم ممن بعدهم، فهو بعبارة قريبة للمحدثين: المقلّ من
الرواية.
وبتمييزٍ أكثرَ بين المجهول عندهم، والمجهول عند المحدثين: المجهول عندهم
مجهول لقلة روايته، أما المجهول عند المحدثين فهو مجهول لقلة الرواة عنه: من
روى عنه واحد، فهو مجهولُ العين، مجهولُ الهُوِيَّة والشخصية، فإذا روى عنه اثنان
فقد عُرفت هُوِيَّته وشخصيته (وعينه)، ويفتقر بعدها إلى معرفة عدالته الظاهرة
والباطنة، فإنه الآن (مجهول الحال)، فإذا عُرفت عدالته الظاهرة فهو حنيئذٍ مجهول
=

٨٥
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
العدالة الباطنة، وهو (المستور).
أما المستور عند الحنفية: فيتفق مع المحدثين في المآل، ذلك أن المستور
عندهم: من لم تعرف عدالته ولا فسقه، ويريدون من العدالة كمالها، لأن العدالة
عندهم ظاهرة وباطنة، وإذا أُطلقت الصفة - كالعدالة مثلاً - يراد بها كمالها وتمامها،
فقولهم: من لم تُعرف عدالته، أي: لم تعرف عدالته الكاملة الظاهرة والباطنة، بل
عرفت عدالته الظاهرة فقط، وعلى هذا فمصطلحهم ومصطلح المحدثين سواء.
أما من حيثُ حالُه عدالةً وجرحاً: فالمستور الذي هو من رجال القرون الثلاثة
الفاضلة: مقبول الرواية، ومَن كان مِن رجال القرون التي بعدها: فينظر في عدالته
ويبحث عنها. هذا خلاصة وتوضيح ما في ((كشف الأسرار)) ٢: ٣٨٨، ٤٠٠، وينظر
لزاماً ما سيأتي آخر هذه التعليقة.
أما المجهول عندهم: فقد تقدم قبل أسطر أنه: المقلّ من الرواية، وذكر البزدوي
ص٣٦٨ أن رواياته على خمسة أوجه: ((١ - إما أن يروي عنه الثقات ويعملوا بحديثه،
ويشهدوا له بصحة حديثه. ٢ - أو يسكتوا عن الطعن فيه. ٣ - أو يعارضوه بالطعن
والردّ. ٤ - أو اختلفوا فيه. ٥ - أو لم يظهر حديثه بين السلف)).
أما الحكم في أحاديث هذه الأقسام الخمسة، فالأول والثاني: أحاديثهم حجة
يجب العمل بها، والثالث: لا يعمل به، ويسمونه منكرًا ومستنكراً. وهذه الكلمة منهم
((منكر)) هي تمامًا على معنى استعمال المحدثين لها في كتب الموضوعات، فالمنكر
هنا: هو هو المنكر هناك، والرابع: حديثُ أهلِه حجةٌ يجب العمل به إن وافق القياس.
والخامس: يجوز العمل به - ولا يجب - إذا وافق القياس أيضًا.
ويراجع لتوجيههم هذه الأحكام كلامُ الإمام السرخسي في ((الأصول)) ٣٤٢:١،
وغيره، وهو كلام وجيه جدًّا، لولا طوله لنقلته، ولابدّ من مراجعته لتزول الغمة عن
الصدور.
وللقاضي عيسى بن أبان (ت٢٢١) رحمه الله كلام طويل في هذه المسألة نقل منه
=

٨٦
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
قدراً وفيراً الإمام الجصاص في ((أصوله)) ١٢٧:٣ فما بعدها، ثم ص ١٣٥ خاصة،
وأخذه مَن بعده.
وهاهنا أربعة أمور لابد من الحديث عنها.
١ - جاء في تعريف الحنفية للراوي غير المعروف بالفقه والاجتهاد ما قاله
البزدوي منهم ٣٧٨:٢: مثل أبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهما. ثم قال
٣٨٤:٢: ((وأما المجهول: فإنما نعني به المجهول في رواية الحديث بأنْ لم يُعرف إلا
بحديث أو حديثين، مثل: وابصة بن معبد، وسلمة بن المحبَّقِ، ومعقل بن سنان)).
ولابد من تجلية هذا الكلام باختصار، كما أنه لابدّ من مراجعة كلامهم في
مطوّلاتهم.
أما أنس رضي الله عنه: فقد قال البزدوي ٣٨٠:٢: ((إنما نعني قصورهم عند
المقابلة بفقه الحديث، فأما الازدراء بهم فمعاذ الله من ذلك، فإن محمداً رحمه الله
يحكي عن أبي حنيفة رضي الله عنه في غير موضع أنه احتج بمذهب أنس بن مالك
رضي الله عنه وقلَّده، فما ظنك بأبي هريرة رضي الله عنه)) وينظر تمامه.
وأما أبو هريرة: فهذا طرف من كلام البزدوي، وزاد شارحه العلاء البخاري
٢: ٣٨٣ بعد كلامٍ: ((على أنا لا نسلُّم أن أبا هريرة رضي الله عنه لم يكن فقيهًا، بل كان
فقيها، ولم يَعدَم شيئًا من أسباب الاجتهاد، وقد كان يفتي في زمان الصحابة، وما
كان يفتي في ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد)) وينظر تمام كلامه أيضًا.
وقد عدَّ ابن حزم أبا هريرة وأنسًا من متوسطي المفتين، حسب المقدار المنقول
عنهم، لا من حيثُ المكانةُ الفقهية، كما نقل ذلك عنه ابن القيم أول («إعلام
الموقعين)) ١٠:١، والقرشي آخر ((الجواهر المضيّة)) ٥٣٤:٤ - ٥٤١ وانظره لزامًا.
٢ - وقال البزدوي ٢: ٣٨٠ عن حديث الراوي غيرِ المعروف بالفقه والاجتهاد،
بعد الكلام الذي نقلته عنه قبل قليل: ((حتى إن المذهب عند أصحابنا رحمهم الله في
ذلك: أنه لا يردُّ حديث أمثالهم إلا إذا انسدّ باب الرأي والقياس، لأنه إذا انسدّ صار
=

٨٧
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
الحديث ناسخًا للكتاب والحديث المشهور، ومعارِضًا للإجماع)) لأن مشروعية
القياس وحجيّتُه ثبتتْ بهذه المصادر الثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع.
قلت: وهذا الكلام مستفاد من كلام عيسى بن أبان الذي نقله الجصاص في
كتابه، كما ذكرتُ قبلُ، لكن التحقيقُ في المذهب غيرُه، فقد حكى الإمام الصالحي
الشافعي في ((عقود الجمان)) ص ٣٩٧ عن بعضهم قوله: ((ترك الإمام أبو حنيفة
رحمه الله العمل بأحاديثَ آحادٍ وقدَّم القياس عليها، واعتُذِر عنه بأمور: الأول ... ،
الثاني ... ))، وذكر أحد عشر اعتذارًا، منها: ((الثامن: كونه - أي: الحديثِ الشريف -
خالف القياس الجليّ)).
فنقل العلامة الكوثري رحمه الله كلام الصالحي هذا بطوله آخر كتابه ((النكت
الطريفة)) ص ٢٦٠ - ٢٦٥، وعلّق على قوله الأول ((قدَّم القياس عليها)) بقوله: ((تقديم
القياس على الخبر ليس مما يقول به أبو حنيفة، بل بموافقة القياس يرجِّح خبرًا على
خبر، وهذا غير ذاك، وسيأتي من الصالحي نفسه الردُّ على هذا العزو)) يريد: كلام
الصالحي على العذر الرابع: كون الراوي غير فقيه، وأطال الصالحي الكلام عليه،
بالنسبة للمقام الذي هو فيه، فينظر.
وعلّق الكوثري على العذر الثامن : - وهو مخالفة الحديث للقياس الجليّ -
بقوله: ((هذا قول مالك وأبي الحسين البصري، لا قول أبي حنيفة، والتفصيل في:
تحرير ابن الهمام)» ٢٩٨:٢، وينظر كلام الكوثري أيضًا ص ٩٢ من كتابه المذكور آخر
كلامه على بيع المُصَرّة.
وأما أنه قول مالك: فهو ما نقله عنه البزدوي وغيره من الحنفية في هذا المقام،
إلا أن القرافي المالكي حكى في ((تنقيح الفصول)) ص ٣٦١ قولين لمالك وأبي حنيفة
أيضًا، وأما أبو الحسين البصري: ففي المسألة تفصيل عنده، ينظر كتابه ((المعتمد))
٦٥٣:٢.
٣ - تقدم قريبًا قول البزدوي ٢: ٣٨٤ - بشرحه -: المجهول من لم يعرف إلا
=

٨٨
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
(س)
بحديث أو حديثين، مثل: وابصة بن معبد، وسلمة بن المحبَّق، ومعقل بن سنان.
وأقول: لم ينفرد الحنفية بإطلاق الجهالة - بهذا المعنى - على بعض من له
صحبة، بل شاركهم فيه بعض أئمة الحديث، يحضرني الآن منهم: علي بن المديني،
وتلميذه أبو حاتم الرازي، والعقيلي، وكلمة لابن حبان.
أما ابن المديني: فقد نقل المزي عنه في ترجمة أسيد بن المتَشَمِّس التميمي
٢٤٥:٣ قوله فيه: ((الذين روى عنهم الحسن البصري من المجهولين)) وعدّ اثني عشر
رجلاً، فيهم ثلاثة من الصحابة: أحمر السَّدوسي، وسعد مولى أبي بكر، وعمرو بن
تَغْلِب، وتنظر تراجمهم عند المزي - بالترتيب -: ٢٨١:٢، ٣١٤:١٠، ٥٥٢:٢١.
وأما أبو حاتم: فقد ترجم ابنه في ((الجرح)) ٨ (١٢٧٦) لمعبد بن خالد الجهني
أبي رِعْوَة - بالعين المهملة، أو بالمعجمة - وقال: ((له صحبة، روى عن أبي بكر وعمر
رضي الله عنهما، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هو مجهول)).
ثم ترجم ٨ (١٩٥١) لمِدْلاج بن عمرو السُّلمي وقال: ((سمعت أبي يقول: هو
مجهول))، وأدخل الذهبي هذه الترجمة في ((الميزان)) (٧٩١٩) لكنه قال عنه: ((لا
يُدرى من هو)) مع أنه صحابي بدري! فتعقبه الحافظ في ((اللسان) ١١ (٧٦٤٢)، ومما
قال: ((كذا يصنع أبو حاتم في جماعة من الصحابة، يُطلِق عليهم اسم الجهالة، لا يريد
بها جهالة العدالة، وإنما يريد أنهم من الأعراب الذين لم يَرو عنهم أئمة التابعين».
وقد قال أبو أحمد الحاكم في ((الأسامي والكنى)) ١٥٥:١ / آ - ونحوه ابن سعد
٢٦٥:٥ - عن معبد بن خالد الجهني: ((كان ألزمَ جهني للبادية)»، فلذلك قَلَّتِ الرواةُ
والرواية عنه.
وترجم أيضًا ((في الجرح)) ٣ (٢٣٨٠) لزياد بن جارية التميمي وقال: سألت
أبي عنه فقال: ((شيخ مجهول))، وعلَّق عليه الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) ٣٥٧:٣:
((أبو حاتم عبّر بعبارة مجهول في كثير من الصحابة))، مع أنه رجَّح هنا في
((الإصابة)) القول بتابعیته.
=

٨٩
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
وللعقيلي كلمات كثيرة في هذا المعنى، لا أطيل بنقلها، بل أُحيل إلى أسماء من
من قال ذلك فيهم: أرقم بن أبي أرقم. بشير مولى بني هاشم. بَلْهَط بن عباد. ثابت بن
حماد. الحسن بن رزين. عبد الرحمن بن ثابت، عن أنس. عبد الرحمن بن علي بن
عجلان، وغيرهم.
وأما ابن حبان: فينظر ما نقلته قريباً ص٧٣ عن ((المجروحين)) ٣٢٧:١ - ٣٢٨
آخر ترجمة سعید بن زياد الداري.
٤ - قول البزدوي وغيره من الحنفية: المجهول من لم يعرف إلا بحديث أو
حديثين: هذا على سبيل المثال، والمراد به القلّة والندرة، لا التحديد، فمجموع ما
لوابصة بن معبد في ((تحفة الأشراف))، و((إتحاف المهرة)) ثلاثة أحاديث، يزاد عليها
أربعة من ((الكبير)) للطبراني ٢٢ (٣٨٩ وتحته حديثان، ٣٩٩، ٤٠١).
وأما حديث وابصة عن ابن مسعود في الفتنة، الذي رواه ابن أبي شيبة
(٣٨٥٨٤)، وغيره، ومنهم أبو داود (٤٢٥٧): فلا يُحسب له، فهو لابن مسعود.
وبهذا يُصحَّح الوهم الذي وقع في كلام البزدوي ٣٨٦:٢، وتابعه عليه شراحه من أن
ابن مسعود روى عن وابصة، فصوابه العكس.
ومجموع ما لمعقل بن سنان في الكتابين ثلاثة أيضًا، يزاد عليها حديث واحد في
((المعجم الكبير)) للطبراني ٢٠ (٥٤٨).
ومجموع أحاديث سلمة بن المحبَّق في الكتابين سبعة أحاديث. وهذه الأعداد
فيها الصحيح وغيره.
أما ما جاء في رسالة ابن حزم ((أسماء الصحابة الرواة)) من أن أحاديث وابصة
أحد عشر حديثًا، وأحاديث معقل خمسة، وأحاديث سلمة اثنا عشر: فهذه مع
المكررات، ومن الصحاح وغيرها، فلا يختلف مع ما قدَّمته. والله أعلم.
٥ - قولهم ((القرون الثلاثة)): يحتاج إلى بيان أمرين، أولهما: أن المراد بالقرن:
الطبقة، لا المئة عام، والطبقات الثلاثة: هي طبقة الصحابة، وانتهت بعام ١١٠،
=

٩٠
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
وأما مجهول العين : فقد لا يقبلُه بعضُ مَن يقبل مجهول العدالة.
[ش]
(وأما مجهول العين) وهو القسم الثالث من أقسام المجهول (فقد لا يقبلُه
بعضُ مَن يقبل مجهول العدالة)(١) وردُّه هو الصحيح الذي عليه أكثر العلماء مِن
[ب]
وطبقة التابعين، وانتهت بعام ١٨٠، وطبقة أتباعهم، وانتهت بعام ٢٢٠، ينظر من
((فتح الباري)) ٦:٧ أعلى الصفحة.
وثانيهما: أن قبول رجال هذه الطبقات، المراد به: قبولهم إجمالاً لا تفصيلاً،
فمن عُرف عنه جرح بَيِّن لا يقبل، كما قالوا عن خيريَّة رجالها، إنما هي خيريّة
إجمالية، فالحجاج الثقفي، والأشتر النخعي - مثلاً - لا يشملهما قوله صلى الله عليه
وسلم: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ... ))، وهكذا يقال هنا تمامًا.
(١) أي: بعضُ مَن يقبل حديث مجهول العدالة يردُّ حديث مجهول العين، لأن
جهالة العين - عندهم - أشدُّ ضعفًا من جهالة العدالة، فأشد المجاهيل ضعفًا: مجهول
العين، وأحسنُ حالاً منه: مجهول العدالة (الحال)، وأحسن منه: المستور، ويساوي
مجهولَ العين في شدة الضعف: المبهمُ اسمُه، وإن كان يحتاج إلى عملية علمية
سابقة، هي التعرف على اسمه أولاً، لكنهما من حيثُ الضعف متساويان، على
المذهب الشائع للجمهور.
أما ابن حبان: فالثقة عنده: مَن لم يثبت فيه جرح، وكان مَن فوقه ثقة، ومن تحته
ثقة، ولم يرو ما يُنكر عليه، وهذا مذهب جمهرةٍ من الأئمة السابقين عليه، كما قررته
بشواهده في مقدمة ((المصنف)) لابن أبي شيبة ١: ٧٧، ونقلته إلى ((دراسات الكاشف))
للذهبي ص ١٦٠.
وهل الجهالة للراوي - على المصطلح الشائع - جرح فيمن وُصِف بها؟ الجواب:
تقدم ص ٩٨٥ قول الذهبي في أبي يسار القرشي ما يشعر بأن الجهالة عنده تضعيف،
وأشرت إلى قول الحافظ في ((اللسان)) (٧٦٤٢) آخر ترجمة مِدْلاج بن عمرو السلمي:
((لا نسلِّم أن الوصف بـ: مجهول، ونحوه لا يقتضي التليين، بل يقتضيه، وإن تفاوتت
المراتب)). يريد: تتفاوت مراتب الضعف حسب تفاوت مراتب الجهالة.
=

٩١
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
أهل الحديث وغيرهم.
قلت: قدَّمتُ قريباً ص ٧٢ النقل عن ابن أبي حاتم ٣٦:٢ أنه قال: باب في رواية
الثقة عن غير المطعون عليه: أنها تقوِّيه، وأنه سأل أباه عن هذا فقال له: ((إذا كان معروفًا
بالضعف لم تقوِّ روايته عنه، وإذا كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه))، فانظر كيف مازَ
رواية المجهول عن رواية المجروح، فأفاد - كالتصريح - أن الجهالة ليست طعنًا.
ومما يؤكد هذا الفهم من صنيع المتأخرين: أن الحافظ ابن كثير جمع في كتاب له
بين ((تهذيب الكمال)) و((ميزان الاعتدال)) لشيخيه المزي والذهبي، وسماه ((التكميل في
معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل))، طُبع من مخطوطته المجلد الأخير في أربع
مجلدات، وكذلك ألّف الإمام الحافظ الموسوعي محمد بن يوسف الصالحي كتابًا
سمّاه ((تسهيل السبيل إلى معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل)) ذكره في كتابه الآخر
((عقود الجمان)) ص ٣٩٦.
فانظر كيف أفردًا (المجاهيل) عن (الثقات والضعفاء)، فما هم بثقات ولا
بضعفاء، فلعلهما يريان أن أمرهم موقوف، وهذا ما يميل إليه القلب، والله أعلم.
ثم رأيت في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة بُريد بن أصرم قول الحافظ: ((حكى
ابن الجوزي عن الأزدي تضعيفه، وإنما قال الأزدي: مجهول)).
وينظر ما تقدم قريباً أيضاً ص ٧٣ فما بعدها.
ومما يحسن التنبيه إليه هنا: ما جاء في كلام الحافظ رحمه الله آخر جزئه ((الامتاع
بالأربعين المتباينة السماع))، قال: إن الحديث ((الذي ضَعْفُه ناشئ عن تهمة أو جهالة إذا
كثرت طرقه ارتقى عن مرتبة المردود المنكر .. ))، هكذا في طبعتيه، وهذا صحيح إلا قوله
((أو جهالة))، فقد سوّى الحافظ بين المجهول - أيِّ قسم من الجهالات الثلاثة - والمتهم !!
وهذا ما لا يقول به أحد، على أن في تمام الكلام ركاكة، فالله أعلم بصوابه.

٩٢
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
وقيل(١): يقبل مطلقًا، وهو قول مَن لا يشترط في الراوي مزيدًا على
الإسلام.
وقيل: إنْ تفرد بالرواية عنه من لا يروي إلا عن عدل ۔ کابن مهدي ویحیی
ابن سعيد - واكتفينا في التعديل بواحد: قُبِل، وإلا فلا.
وقيل: إن كان مشهوراً في غير العلم بالزهد أو النجدة: قُبُل، وإلا فلا،
واختاره ابن عبد البر(٢).
وقيل: إنْ زكَّه أحدٌ من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه: قُبُل،
وإلا فلا، واختاره أبو الحسن ابن القطان، وصححه شيخ الإسلام(٣).
[ب]
(١) هذا القيل والثلاثة التالية له ذكرها العراقي في ((شرح ألفيته)) ص١٥٨، وهي
أيضًا في ((البحر المحيط)) للزركشي ٢٨٢:٤، وينظر لهذا (القيل) خاصة: ((بيان الوهم
والإبهام)) ١٣:٤، و((النكت)) للزركشي ٣٢١:٢ (٧٤).
أما صاحب هذا القول: فهو ابن حبان، وقد اشتهر عنه بناء على ما تقدم عنه: أن
الأصل عنده في كل مسلم: العدالة والبراءة، حتى يثبت خلافها.
(٢) نَقَل هذا القولَ عن ابن عبد البر: ابنُ الصلاح في النوع السابع والأربعين ص
٢٨٩ (وجادةً)، وتابع ابنَ الصلاح عليه مَن جاء بعده، والذي في ((الاستذكار))
٢٦٤:١٩: ((من لم يَروِ عنه إلا رجل واحد فهو مجهول عندهم - أي: عند أهل
الحديث -، إلا أني أقول: إن كان معروفًا بالثقة والأمانة والعدالة: فلا يضرّه)).
وأرى أن قول ابن عبد البر ((بالثقة)): معناه: بالاستقامة، وقوله ((والأمانة
والعدالة)): عطف تأكيد وتفسير، والله أعلم.
(٣) ((بيان الوَهَم)) ٥٢٢:٥، قال: ((ومن وجدنا فيه التوثيق لم يضرّه أن لا يروي
=

٩٣
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
ثم مَن روى عنه عدلانِ عيَّناه ارتفعتْ جهالة عينه.
قال الخطيب: المجهول عند أهل الحديث: من لم يَعرفه العلماء،
ولا يُعرف حديثه إلا من جهة واحد، وأقلَّ ما يرفعُ الجهالةَ روايةُ اثنين
مشهورين، ونَقَل ابن عبد البر عن أهل الحديث نحوه.
[ش]
(ثم، مَن روى عنه عدلانِ عيَّناه ارتفعتْ جهالة عينه، قال الخطيب) في
((الكفاية)) (١) وغيرِها: (المجهول عند أهل الحديث: من لم يَعرفه العلماء)، ولم
يشتهر بطلب العلم في نفسه، (ولا يُعرف حديثه إلا من جهة) راوٍ (واحد).
(وأقلُّ ما يرفعُ الجهالةَ) عنه (روايةُ اثنين مشهورين) فأكثرَ عنه، وإن لم
يثبت له بذلك حكم العدالة، (ونَقَل ابن عبد البر عن أهل الحديث نحوَه) ولفظه
- كما نقله ابن الصلاح في النوع السابع والأربعين(٢) -: كلّ من لم يَروِ عنه إلا
[ت)
عنه أكثر من واحد))، وينظر منه ٢٠:٤، و((شرح النخبة)) ص٩٩، لكن لفظه ((على
الأصح)) وبينهما فرق، وزاد ابن حجر: لو وثقه مَن انفرد بالرواية عنه إذا كان متأهِّلاً،
فهاتان صورتان: الموثّق غير الراوي عنه، والموثَّق هو هو الراوي عنه.
(١) صفحة ٨٨. وقد نقل ابن الصلاح ص ١٠٢ هذا الكلام عن الخطيب ((من
أجوبةٍ مسائلَ سئل عنها))، لذا عزاه الشارح إلى: ((الكفاية)) وغيرِها، أما العراقي فتعقَّبه
٥٧٢:١ بأنه ((أَبعدَ النُّجعةَ في عزوه ذلك إلى مسائل سئل عنها)) وأن ذلك موجود في
((الكفاية)) وزيادة.
(٢) صفحة ٢٨٩ وجادةً، وقال ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) ١١٦٥:٢
(٢٣٠٦): ((البزار وطائفة من أهل الحديث يذهبون إلى أن المحدث إذا لم يحدث عنه
رجلان فصاعداً، فھو مجهول)».
وأقدمُ من نُقل عنه ذلك: الإمام محمد بن يحيى الذَّهلي (ت ٢٥٨)، أسنده إليه
=

٩٤
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
الخطيب ص ٨٩، وتوبع واشتهر وصار هو الحُكْمَ المسلَّم به على كل راو كبير
وصغیر! ولیس کذلك.
وقال الخطيب في تمام كلامه: ((قلت: إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما)):
أي: رواية الاثنين لا تُثْبِت العدالة، بل ترفع جهالة العين.
لكن نسب الزركشي في ((البحر المحيط)) ٢٩١:٤ إلى البزار - استنتاجاً - أنه إذا
كثرُ العدول الراوون عن مجهول العين فإنهم يرفعون جهالة العينِ والعدالةِ، فتثبت
العدالة له، وحكى السخاوي في ((فتح المغيث)) ٢١٣:٢ عن الدار قطني: أن رواية
اثنين ثقتين ترفع الجهالة وتثبت بها العدالة، والسخاوي إمام حجة، لكن يعكر على
نقله قول الدارقطني نفسه في كتاب الديات من ((سننه)) - وأشار إليه السخاوي نفسه -،
قال ٤: ٢٢٧ (٣٣٦٥) عن خِشْف بن مالك الذي انفرد بالرواية عنه زيد بن جبير بن
حرمل: ((ارتفاع اسم الجهالة عنه: أن يروي عنه رجلان فصاعداً، فإذا كان هذه صفته
ارتفع عنه اسم الجهالة وصار حينئذ معروفاً)). وهذا النص يختلف عما نقله السخاوي
بأمرين، أولهما: قال: رجلان، فأفاد العدد، ولم يقل: ثقتان، ثانيهما: ارتفع عنه اسم
الجهالة، ولم يقل بثبوت العدالة. ومع أهمية هاتين النتيجتين يستغرب من السخاوي
قوله عن كلام الدارقطني الذي نقلته من كتاب الديات: هو نحو كلام الدار قطني الذي
قبله !.
وترجم الحافظ في ((التهذيب)) ٥٠٦:١ بيان بن عَمْرو البخاري العابد، وقال:
((روى عنه البخاري وأبو زرعة وعبيد الله بن واصل، وغيرهم، وقال أبو حاتم:
مجهول .. ، وجهالةُ بيانٍ ارتفعت برواية هؤلاء عنه، وعدالتُه ثبتت أيضًا))، وهذا تطبيق
منه لمذهب البزار.
لكني لا أرى أن هذا الحكم مطّرد عند الحافظ، أي: ثبوت العدالة عمن يروي
عنه اثنان أو ثلاثة، نعم، إن كان الثقتان إمامين كالبخاري وأبي زرعة، فنعم، من
الممكن أن ننسب إلى الحافظ القول بثبوت عدالة من روى عنه إمامان، كهذين، ولو
=

٩٥
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
قال الشيخ - ردًّا على الخطيب -: وقد رَوَى البخاريُّ عن مِرداس
الأسلَمي، ومسلمٌ عن ربيعةَ بن كعب الأسلمي، ولم يَروِ عنهما غيرُ
واحد ،
[ش]
رجل واحد فهو عندهم مجهول، إلا أن يكون رجلاً مشهورًا في غير حمل
العلم، كاشتهار مالك بن دينار بالزهد، وعمرو بن مَعْدِي کَرِبَ بالنجدة (١).
(قال الشيخ) ابن الصلاح(٢) (ردًّا على الخطيب) في ذلك: (وقد رَوَى
البخاري) في ((صحيحه))(٣) (عن مِرداس) بن مالك (الأسلَمي، و) روى (مسلم)
في (صحيحه))(٤) (عن ربيعةَ بن كعب الأسلمي، ولم يَروِ عنهما غيرُ واحد) وهو
[ب]
قيل فيه: مجهول، والله أعلم.
ومثله: النقل عن الإمام أحمد فيمن يروي عنه ابن مهدي ومالك: أنه حجة، كما
في ((العُدّة)) لأبي يعلى ٩٢٣:٣، وعنه في ((المسوّدة)) لآل تيمية ص ٢٧١، ٢٧٣، لكنا
لا نقول بقول القاضي بناء على هذا النقل عن الإمام أحمد: إن رواية العدل عن رجل
تعديل له، فما كل العدول مالكًا وابنَ مهدي! وتقدم هذا قريباً ص ٧٦.
(١) فهذه الشهرة تغني عن الراوي الثاني، صَرّح به الحافظ في ((التهذيب))
٢٥٢:٦، آخر ترجمة عبد الرحمن بن فروخ، وتأملْ قوله هناك: ((مثلاً))، فإنه مهم.
(٢) في صفحة ١٠٢ - ١٠٣.
(٣) حديث: ((يذهب الصالحون الأمثلُ فالأمثل)) رواه البخاري في موضعين
(٤١٥٦، ٦٤٣٤)، ولم أَرَ من نبّه إلى راو آخر عن مرداس غيرِ قيس ابن أبي حازم،
فالمثال صحيح، والله أعلم.
(٤) هو قوله صلى الله عليه وسلم لربيعة: ((سَلْ))، فقال له: أسألك مرافقتك في
الجنة، رواه مسلم ٣٥٣:١ (٢٢٦)، لكن - كما سيأتي - لم ينفرد أبو سلمة بالرواية
=

٩٦
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
والخلاف في ذلك متَّجه، كالاكتفاء بتعديل واحد، والصوابُ نقلُ
الخطيب،
[ش]
قيس بن أبي حازم: عن الأول، وأبو سلمة بن عبد الرحمن: عن الثاني، وذلك
مصيرٌ منهما إلى أن الراوي قد يَخرج عن كونه مجهولاً مردودًا بروايةٍ واحدٍ
عنه(١).
قال: (والخلاف في ذلك مثَّجه، كالاكتفاء بتعديل واحد).
قال المصنف ردًّا على ابن الصلاح: (والصوابُ نقلُ الخطيب)، وقد نقله
-
[ب]
عن ربيعة، فقد روى عنه هذا الحديث أيضًا: أبو عمران الجَوْني، ونُعيم المُجْمِر،
وحدیثهما عند أحمد ٥٨:٤، ٥٩.
وثمة راو رابع عن ربيعة، هو حنظلة بن علي الأسلمي، روى عن ربيعة حديث
المسح على الخفين، رواه الطبراني في ((الكبير)) ٦٠:٥ (٤٥٧٩)، والعقيلي في
((الضعفاء)) ١٠٩:٤، وفي إسنادهما الواقدي، فهذا المثال يقال فيه: غير صحيح.
(١) هذا من فقه الإمام ابن الصلاح خرج به عن رسوم الجرح والتعديل التي
وقف عندها الخطيب، رحمهم الله جميعًا، إذ أحكام هذا العلم ليست كنتائج الحساب
١ + ١ = ٢، لکنْ۔أیضا ۔ هذا الخروج ليس مسموحًا به لكل دخيل.
ومخالفةُ ابن الصلاح للخطيب أمر ذو وصفين، أولهما: أنه حكم استثنائي
خارج عن الحكم العام المشهور. ثانيهما: ليس معنى كونه استثنائيًا: أنه قاصر على
مَن كان مِن رجال الشيخين، بل هو عام، فكل من روى عنه راو ثقة، واحتفَّ
حاله أو مرويُّه بقرينة تعضد من شأنه، صار معلوم الحال، مقبول الرواية، وإلا
بقي على جهالته، وهذا ما يفيده قوله: (( .. قد يخرج عن كونه مجهولاً مردودًا)).
والله أعلم.

٩٧
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
ولا يصحُّ الردُّ عليه بمِرداسٍ وربيعةَ، فإنهما صحابيان مشهوران،
والصحابة كلّهم عدول.
[ش]
أيضًا أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي(١) وغيره، (ولا يصحُّ الردُّ عليه
بمِرداسٍ وربيعةَ، فإنهما صحابيان مشهوران، والصحابة كلّهم عدول) فلا يُحتاج
إلى رفع الجهالة عنهم بتعدُّد الرواة.
قال العراقي(٢): هذا الذي قاله النووي متجهٌ إذا ثبتت الصحبة، ولكنْ بقي
الكلام في أنه هل تثبت الصحبة برواية واحدٍ عنه(٣)، أو لا تثبت إلا برواية اثنين
عنه، وهو محلّ نظرٍ واختلافٍ بين أهل العلم.
والحقُّ أنه إن كان معروفًا بذكره في الغزوات، أو في مَن وفد مِن الصحابة
أو نحو ذلك، فإنه تثبت صحبته وإن لم يَروِ عنه إلا راو واحد، ومرداسٌ من
أهل الشَّجَرة، وربيعةُ من أهل الصُّفة، فلا يضرُّهما انفراد راوٍ واحدٍ عن كل
منهما.
[ب]
(١) النقل من ((شرح ألفية العراقي)) ص١٥٩.
وأبو مسعود: هو الحافظ المجوِّد البارع، كما وصفه الذهبي في ((السير))
٢٢٧:١٧، وأرّخ وفاته ٤٠١ كهلاً رحمه الله، وقال: ((وقفت على جزء له فيه أحاديث
معلَّلة تقضي بإمامته))، فهل هو الجزء الذي استدرك فيه على شيخه الدار قطني بعض
ما استدركه على مسلم؟.
(٢) في ((التقييد والإيضاح)) ٥٧٨:١ وما بعدها.
(٣) نعم، هذا هو الراجح، قاله الحافظ أول الفصل الثاني من مقدمة كتابه
((الإصابة)).

٩٨
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
على أن ذلك ليس بصواب بالنسبة إلى ربيعة، فقد روى عنه أيضًا نُعيمٌ
المُجْمِر، وحنظلة بن علي(١)، وأبو عمران الجَوْني.
قال: وذكر المِزي والذهبي(٢) أن مرداسًا روى عنه أيضًا زياد بن عِلاقة،
وهو وَهَم، إنما ذاك مرداس بن عروة، صحابيٌّ آخر، كما ذكره البخاري، وابن
أبي حاتم، وابن حبان، وابن مندَهْ، وابن عبد البر، والطبراني، وابن قانع،
وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافًا.
تنبيه :
قال العراقي(٣): إذا مشينا على ما قاله النووي: إن هذا لا يؤثر في الصحابة:
وَرَدَ عليه مَن خرَّج له البخاري أو مسلم مِن غيرهم ولم يروِ عنهم إلا واحد،
قال(٤): وقد جمعتهم في جزء مفرد، منهم:
عند البخاري(٥): جويريةُ بن قدامة، تفرد عنه أبو جَمْرة نصر بن عمران
الضُّبَعي.
[ب]
(١) تقدم في الصفحة السابقة القول في رواية حنظلة عن ربيعة.
(٢) ((تهذيب الكمال)) ٣٧٠:٢٧، و((تذهيب التهذيب)) (٦٦٠٣)، و((الكاشف))
(٥٣٥٥)، وانظر التعليق عليه من الإمام سبط ابن العجمي، وتجد هناك تخريج النقول
المذكورة هنا، ويضاف عليها: الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٢٩٩:٢٠ - ٣٠٠ (٧٠٨ -
٧١٠)، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) الترجمة (١٠٨٥ - ١٠٨٦).
(٣) في ((التقييد)) أيضًا ١: ٥٨١ - ٥٨٢.
(٤) هو العراقي، وجزؤه هذا في حكم المفقود.
(٥) حديث جويرية عند البخاري برقم (٣١٦٢)، وحديث زيد عنده برقم
(١١٩٠)، وحديث الوليد عنده برقم (٤٦٢٢).

٩٩
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
وزيدُ بن رَبَاح المدني، تفرد عنه مالك(١).
والوليدُ بن عبد الرحمن الجارودي، تفرد عنه ابنه المنذر.
وعند مسلم(٢): جابر بن إسماعيل الحضرمي، تفرد عنه عبد الله بن وهب.
وخبّابٌ صاحبُ المقصورة، تفرد عنه عامر بن سعد. انتهى.
وقال شيخ الإسلام(٣): أما جويرية: فالأرجح أنه جاريةُ عمُّ الأحنف، صرَّح
بذلك ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، وجارية بن قدامة صحابي شهير، روى عنه
[ب] -
(١) لفظ ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٥:٦: ((روى عنه مالك بن أنس وغيرُه))،
مع أن مسلمًا ذكره في ((المنفردات والوحدان)) (١١٦٩) فيمن انفرد عنه مالك بن
أنس، وأكَّد ذلك الذهبي في ((الميزان)) (٢٨٦٨)، ولم يذكر المزي في ((التهذيب»
٦٨:١٠ راويًا عنه غير الإمام مالك.
(٢) حديث جابر عند مسلم ٤٨٩:١ (٤٨)، وحديث خباب عنده أيضًا ٦٥٣:٢
(٥٦).
(٣) في ((النكت الوفية)) ٦٤١:١، وينظر كلام الحافظ في ((الفتح)) (٣١٦٢)،
وفي ((التهذيب)) ٥٤:٢، ١٢٥ ترجمة جارية وجويرية، وفي ((الإصابة)) ترجمة جارية،
لكن كلامه الذي في ((الإصابة)) - إن صح ما في المطبوع - مبنيٌّ على ما في نسخته من
((مصنف)) ابن أبي شيبة، وهو مختلف عما في النسخ التي حققتُ عنها ((المصنَّف))
فانظر منه (٢٥٨٨٩، ٢٥٨٩٠)، وجمع في ((التهذيب)) بين رواية البخاري في
(تاريخه)) ٢(٢٣٢٥)، ورواية ابن أبي شيبة له (٣٨٢١٨)، واستظهر بذلك على أن
جارية وجويرية واحد، مع أن البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان فرقوا بينهما، فينظر
التعليق على (٣١١٤٢) من ((المصنف)).

١٠٠
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
الأحنف بن قيس، والحسن البصري.
وأما زيد بن رباح: فقال فيه أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا، وقال
الدارقطني وغيره(١): ثقة، وقال ابن عبد البر: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، فانتفتْ عنه الجهالة بتوثيق هؤلاء(٢).
وأما الوليد: فوثقه أيضًا الدار قطني، وابن حبان(٣).
وأما جابر: فوثقه ابن حبان، وأخرج له ابن خزيمة في ((صحيحه))، وقال:
إنه ممن يحتج به (٤).
(١) يستفاد من ((الإكمال)) لمغلطاي ٥: ١٥٦: أن الذي وثقه غير الدار قطني هو:
ابن البَرْقي، وابن خلفون.
(٢) ((الجرح)) ٣(٢٥٤٨)، ((سؤالات الحاكم للدارقطني)) (٣٢٥)، ((التمهيد))
١٥:٦، ((ثقات)) ابن حبان ٣١٨:٦.
وكون الجهالة انتفت عنه بهذا التوثيق: يقال عليه، إن هذا لا يتم على المشهور،
لأن هؤلاء الأئمة الأربعة ليسوا رواة عنه، وليسوا معاصرين ولا مجالسين له، وواضح
من كلمة أبي حاتم - وهو أقدم الأربعة زمنًا - أن التوثيق له بناءً على سَبره لحديثه، لا
غير، فليكن قول غيره من هذا القبيل، ولو كان من قبيل المعرفة بحاله وعدالته، لكان
أولاهم بذلك أبا حاتم.
وهكذا يقال في شأن الوليد الجارودي، وجابر الحضرمي. والله أعلم.
(٣) ((سؤالات الحاكم)) أيضًا (٥٠٤)، ((الثقات)) ٢٢٥:٩.
(٤) ((ثقات)) ابن حبان ١٦٣:٨، أما ((صحيح)) ابن خزيمة: فينظر، أما في القسم
المطبوع منه فإنه روى برقم (١٤٦) حديث ابن عمر في إدخال المستيقظ يدَه في
=