Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] على ما ذكره الذهبي، فمن ثَمّ خالفناه في مثل الشافعي، أما من ليس مثلَه فالأمر كما قال. انتهى(١). قال الزركشي (٢): والعجب من اقتصاره على نقله عن الذهبي، مع أن طوائفَ من فحولِ أصحابنا صرحوا به، منهم الصيرفي، والماوردي، والرُّوياني. الثانية : قال ابن عبد البر(٣): إذا قال مالك: عن الثقة، عن بكير بن عبد الله بن (١) لكن يُورَد عليه: أن الشافعي استعمل كثيرًا: ((أخبرني الثقة)) كما سيأتي، فعدوله عن ((الثقة)) إلى: ((من لا أتهم)): لابدّ أنه لنكتة عنده يريدها، للفرق بين الوصفين والموصوفين، لكن يؤكد تسوية السبكي بين العبارتين: ما سيأتي بعد أسطر من الشارح: أن الشافعي يقول: الثقة، عن صالح مولى التوأمة، ويقول: الثقة، عن أسامة بن زيد، ويريد به: عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي نفسه، وانظر ((تعجيل المنفعة)) (١٥٦٧). (٢) في ((تشنيف المسامع)) ١٠٠٠:٢، ونقل كلام الأئمة الثلاثة، وكلامُ الماوردي في ((الحاوي)) ٩٤:١٦، وينظر لفظه. (٣) الشارح ينقل عن ((شرح العراقي على ألفيته)) ص١٥٤، والله أعلم، ولفظ العراقي: ((حيث قال مالك ... ))، ولفظ ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٠٢:٢٤، ومثله في ((التقصي) ص ٢٤٤: ((يقال: إن الثقة هاهنا عن بكير، هو: مخرمة بن بكير، ويقال: بل وجده مالك في كتب بكير، أخذها من مخرمة)). ٦٢ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] الأشج: فالثقة مَخْرَمة بن بكير. وإذا قال(١): عن الثقة، عن عمرو بن شعيب، فهو عبد الله بن وهب، وقيل: الزهري. وقال النسائي(٢): الذي يقول مالك في كتابه: الثقة، عن بكير، يشبه أن یکون عمرو بن الحارث. وقال غيره(٣): قال ابن وهب: كلَّ ما في كتاب مالك: أخبرني مَن لا أتهم [س) (١) لفظ ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٧٦:٢٤ - وأحال عليه في ((التقصي)) ص ٢٤٣ -: ((تكلم الناس في ((الثقة عنده)) في هذا الموضع، وأشبهُ ما قيل فيه: إنه أخذه عن ابن لهيعة، أو عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، لأن ابن لهيعة سمعه من عمرو بن شعیب ... )). وليس في كلام ابن عبد البر ذكر للزهري، مع أنه مذكور في كلام العراقي ص١٥٤، وسيأتي آخر النوع الحادي والأربعين ٥: ٢٧٢ أن الزهري ممن يروي عن عمرو، وأيضًا: فإن هذا التفسير لمراد مالك بالثقة: نقله الزركشي في ((البحر)) ٢٩٢:٤، والسخاوي ١٩٤:٢، وفيهما ذكر الزهري أيضًا. (٢) نقله عن النسائي الدارقطنيُّ، وهو في آخر ((سؤالات الحاكم للدار قطني)) (٥٢٣). (٣) أسند هذا القول: الخطيبُ في ((تاريخه)) ٥٢٩:١٤ إلى هارون بن سعيد بن الهيثم، أحد الثقات - وهو من شيوخ مسلم في ((صحيحه)) -: أنه سمع ابن وهب يقول: ((كل ما كان في كتب مالك: وأخبرني من أرْضَى من أهل العلم: فهو الليث بن سعد)) هذا لفظه، لكن الشارح ينقل عن ((النكت الوفية)) ٦١٨:١، وهو عن الشمس محمد بن عبد الدائم البِرْماوي المتوفى سنة ٨٣١، فراجع النقول من مصادرها، نعم، = ٦٣ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] من أهل العلم، فهو الليث بن سعد. وقال أبو الحسن الآبُرِيُ(١): سمعت بعض أهل الحديث يقول(٢): إذا قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن ابن أبي ذئب، فهو ابن أبي فُدَيَك. وإذا قال: أخبرنا الثقة، عن الليث بن سعد، فهو يحيى بن حسان. وإذا قال: أخبرنا الثقة، عن الوليد بن كثير، فهو أبو أسامة (٣). وإذا قال: أخبرنا الثقة، عن الأوزاعي، فهو عمرو بن أبي سلمة. وإذا قال: أخبرنا الثقة، عن ابن جُريج، فهو مسلم بن خالد. وإذا قال: أخبرنا الثقة، عن صالح مولى التَوْأمة، فهو إبراهيم بن أبي یحیی، انتھی. ولم أَرَ في كتاب البرماوي شيئاً، ورقة ١٠٠/أ. (١) هو محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم الأبري السجستاني، ويقال له: العاصمي، نسبة إلى جدّ أبيه، توفي سنة ٣٦٣، حلاه الذهبي في ((السير)) ١٦: ٢٩٩ بـ: الإمام الحافظ، محدث سجستان بعد ابن حبان. وكنيته في أكثر المصادر: أبو الحسن، وفي بعضها: أبو الحسين، له كتاب في ((مناقب الإمام الشافعي)). والباء من ((الأبُري)) مضمومة مخففة، وكذلك الراء مخففة لا مشدّدة، كما ضُبطت في ك !. والنقل من العراقي في ((شرح الألفية)) ص١٥٤ بتمامه، وهو كذلك في ((النكت)) للزركشي ٣: ٩٣٨، وسقط منه: الثقة، عن ابن جريج. وانظر التعليقة التالية. (٢) نقل الكلام الآتي العلامة البرماوي في شرح منظومته الأصولية ((الفوائد السَّنية في شرح الألفية)) ورقة ١٠٠ /أ. (٣) على حاشية ك: ((الحمد لله. ثم بلغ قراءة عليّ، كتبه مؤلفه لطف الله به. آمين)). ٦٤ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] ونقله غيره عن أبي حاتم الرازي(١). [ب] - (١) قدمت آخر التعليقة السابقة أن النقل عن العراقي، وكأن هذا المعنى قائم في ذهن الشارح رحمه الله، فكتب ما يتناسب معه: ((ونقله غيره))، أي: نقل هذا القول غير العراقي، ونسبه إلى أبي حاتم الرازي، أما إبقاء العبارة على حالها فمفادها: نَقَل غير الآبري، عن أبي حاتم، ولا يتمّ. ثم، إن الشارح يشير إلى قول الزركشي في ((البحر المحيط)) ٢٩٢:٤: ((وقال أبو حاتم .. )) فذكره، وفيه أمران: أولهما: أن الزركشي قال: قال أبو حاتم، وعند الإطلاق يراد به أبو حاتم الرازي، ومظنَّته ((آداب الشافعي ومناقبه)) لابنه، لكنْ ما رأيت فيه شيئاً، ونَقَل العلامة البرماوي (٧٦٣ - ٨٣١) رحمه الله، وهو تلميذ الزركشي، وبه تخرَّج ومَهَر، نَقَل في شرح ألفيته الأصولية ((الفوائد السَّنية في شرح الألفية)) ورقة ١٠٠/أ، هذا القول عن: أبي حاتم ابن حبان، هكذا نسبه، لا: عن أبي حاتم الرازي، والله أعلم. واحتمال ضعيف عندي أن يكون الآبريُّ أراد عصريَّه وقرينَه وبلديَّه ابن حبان بقوله: سمعت بعض أهل الحديث. ثانيهما: في كلام الآبري ستّ مقولات، أولها: الثقة عن ابن أبي ذئب، وآخرها: الثقة، عن صالح، لكن الذي في ((البحر المحيط))، و((شرح)) البرماوي خمسة، جاء عندهما المقولة الثالثة جامعة للمقولة الثالثة والرابعة هنا: إذا قال: أخبرني الثقة، عن الوليد بن كثير، فهو عمرو بن أبي سلمة، وهو صحيح، فالشافعي يروي عن أبي أسامة حماد بن أسامة، وعن عمرو بن أبي سلمة، وكلام ابن حجر التالي فيه: الثقة، عن الوليد: هو أبو أسامة. ٦٥ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] وقال شيخ الإسلام ابن حجر في رجال الأربعة(١): إذا قال مالك: عن الثقة، عن عمرو بن شعيب، فقيل: هو عمرو بن الحارث، أو ابن لهيعة. وعن الثقة، عن بُكير ابن الأشج، قيل: هو مَخْرمة بن بكير. وعن الثقة، [عن سليمان بن يسار، و]، عن ابن عمر، هو نافع، كما في ((موطأ)) ابن القاسم(٢). وإذا قال الشافعي: عن الثقة، عن ليث بن سعد، قال الربيع: هو يحيى بن حسان. وعن الثقة، عن أسامة بن زيد، هو إبراهيم بن أبي يحيى. وعن الثقة، عن حميد، هو ابن علية. وعن الثقة، عن معمر، هو مطرِّف بن مازن(٣). وعن الثقة، عن الوليد بن كثير، هو أبو أسامة (٤). وعن الثقة، عن يحيى بن أبي كثير، لعله ابنه عبد الله بن یحیی. (١) ((تعجيل المنفعة)) (١٥٦٤) وما بين المعقوفين زيادة منه، و (١٥٦٧). (٢) ليس في ((الملخص)) للقابسي الذي لخّصه من رواية ابن القاسم إلا الحديثان الأخيران (٥٢٦، ٥٢٧): ((مالك، عن الثقة عنده، عن بكير ابن الأشج))، وتقدم ص ٦١ تعليقاً النقل عن ابن عبد البر أنه: مخرمة بن بكير، أو وجادة أخذها مالك من مخرمة. (٣) أما البيهقي فقال في ((المناقب)) ٣١٦:٢: ((المراد به: إسماعيل بن علية)). (٤) زاد البيهقي ٣١٦:٢: ((أو: من رواه له عن أبي أسامة)). ٦٦ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] وعن الثقة، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، هو ابن علية. وعن الثقة، عن الزهري، هو سفيان بن عيينة. انتهى. ورَوَيَنا في ((مسند)) الشافعي(١) عن الأصمّ قال: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي إذا قال: أخبرني من لا أتهم، يريد به إبراهيم بن أبي يحيى، وإذا قال: أخبرني الثقة، يريد به يحيى بن حسان. وقد روى الشافعي قال: أخبرنا الثقة (٢)، عن عبد الله بن الحارث - إنْ لم أكن سمعتُه من عبد الله بن الحارث -، عن مالك بن أنس، عن يزيد ابن قُسيط، عن سعيد بن المسيّب: أن عمر وعثمان قَضَيا في المِلْطاة بنصف دية المُوضِحة(٣). (س) - - (١) ((ترتيب مسند الشافعي)) ١ (٥٠٠). (٢) قال [الزركشي - ((النكت)) ٣: ٩٤٠ (٢٤٦) -: قال الرافعي: وهذا في الكتب القديمة .]. (٣) ((ترتيبه)) أيضًا ٢ (٣٧٥). [وعبارة ((القاموس)) - م ل ط -: والمِلطاء: بالكسر، ويقصر، من الشِّجاج. السِّمْحاق، كالمِلطاة، أو القشر الرقيق بين لحم الرأس وعَظمه.]. وضبطت الميم بالفتح في ك خطأ. [المِلْطاة: بالقصر، والمِلْطاة: القشرة الرقيقة بين عظم الرأس ولحمه، تمنع الشَّجة أن توضح، وهي من : لَطِيتُ بالشيء أي : لصقتُ، فتكون الميم زائدة، وقيل هي أصلية، والألف للإلحاق كالتي في مِعْزَى، والملطاة كالعِزْهَاة، وهو أشبه، وأهل الحجاز يسمونها: السِّمحاق، وفي كتاب أبي موسى - ((المجموع المغيث)) ٢٢٦:٣ -: المِلْطاة وهي السمحاق، والأصل فيها من ملطاط البعير، وهو حَرْف في = ٦٧ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] قال الحافظ أبو الفضل الفلكي(١): الرجل الذي لم يُسمِّ الشافعيُّ هو أحمدُ وفي (تاريخ)) ابن عساكر(٢): قال عبد الله بن أحمد: كلّ شيء في كتاب 93 ابن حنبل. [ب] وسط رأسه. إلى آخره. (نهاية)) - ٤: ٣٥٧ -. ]. [والشِّجَاج: عشر، أو أحدَ عشَر، منها السمحاق، بكسر سينه، وهي التي تبلغ الجلدةَ التي بين اللحم والعظم.]. (١) هو علي بن الحسين بن أحمد الهَمَذاني، وعُرف بالفلكي لبراعة جدّه بعلم الفلك والحساب، وقد حلّى الذهبي في ((السير)» ٥٠٢:١٧ أبا الفضل هذا بقوله: ((الحافظ الأوحد، كان حافظًا متقنًا يحسن هذا الفنَّ جيدًا جيدًا)) وأرّخ وفاته سنة ٤٢٧، وأن له كتاب ((المنتهى في معرفة الرجال)) في ألف جزء. (٢) ٢٩٧:٥، وهو في ((العلل ومعرفة الرجال)) ١ (١٠٨٢)، وعنه ابن أبي حاتم في ((آداب الشافعي)) ص ٩٦، ومن طريقه: البيهقي في ((المناقب)) ٣١٥:٢، كلهم بلفظ: (( .. حدثني الثقة، عن هشيم وغيره: هو أَبِي)). وهذا القول ينبغي أن يقيَّد بالقيد الآتي بعد أسطر: إذا قاله وذكر أحدًا من العراقيين، لا مطلقًا. وقد جاء مثل هذا القيد في كلام إسحاق بن حنبل والفضل بن زياد، المنقول في ((طبقات)) ابن أبي يعلى الفراء الحنبلي ٢٦٤:٢، أول ترجمة الإمام الشافعي. واستكمالاً لهذه الفقرة أقول: قال البيهقي في ((المناقب)) ٣١٥:٢ - ٣١٦: روى الشافعي عن الثقة من أصحابه، يقال: هو أبو علي الحسين بن علي الكرابيسي ... ، وإذا قال: بعض الناس: يريد به أهل العراق. وإذا قال: بعض أصحابنا: يريد به أهل الحجاز. وقال: أخبرنا الثقة عن معمر: والمراد به: إسماعيل ابن علية، وقال: أخبرنا = ٦٨ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به وإذا روى العدل عمن سماه: لم يكن تعديلاً عند الأكثرين، وهو الصحيح. [ش] الشافعي: أخبرنا الثقة: عن أبي. وقال شيخ الإسلام(١): يوجد في كلام الشافعي: أخبرني الثقة، عن يحيى ابن أبي كثير، والشافعيُّ لم يأخذ عن أحد ممن أدرك يحيى بن أبي كثير، فيحتمِل أنه أراد: بسنده عن یحیی. قال(٢): وذكر عبد الله بن أحمد أن الشافعي إذا قال: أخبرنا الثقة، وذكر أحدًا من العراقيين، فهو يعني أباه. (وإذا روى العدل عمن سماه: لم يكن تعديلاً عند الأكثرين) من أهل الحديث وغيرِهم (وهو الصحيح)، لجواز رواية العدل عن غير العدل، فلم تتضمن روايته عنه تعديله، وقد رَوَينا عن الشعبي أنه قال: حدثنا الحارث، وأشهد بالله أنه كان كذابًا(٣). [ب] - الثقة، عن هشام بن عروة .. ((والمراد به: أبو معاوية، أو من رواه له عن أبي معاوية، وقال مرة أخرى في الحديث نفسه: أخبرني من أثق به من المشرقيين، عن هشام بن عروة، وأهل الحجاز يسمون العراقيين: المشرقيين)) وأبو معاوية: محمد بن خازم، كوفي، وانظر تمامه هناك، وفي ((البحر المحيط)) ٢: ٢٩٣. (١) ((النكت الوفية)) ١: ٦٢٢، ويصحح ما في مطبوعته. (٢) ((النكت الوفية)) أيضًا، وتقدم قبل أسطر. (٣) أسنده إليه مسلم في مقدمة ((صحيحه)) ١٩:١. والحارث: هو ابن عبد الله الأعور الهَمْداني، واستقرّ الرأي على ضعفه، وفسّر الإمام أحمد بن صالح المصري = ٦٩ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] وروى الحاكم وغيره(١) عن أحمد بن حنبل: أنه رأى يحيى بن معين وهو يكتب صحيفة: معمر، عن أبان، عن أنس، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، وتعلم أنها موضوعة؟! فلو قال لك قائل: أنتَ تتكلم في أبانَ ثم تكتب حديثه! فقال: يا أبا عبد الله [ب] - (ت٢٤٨) رحمه الله تكذيب الشعبي له بأنه كان يكذب في رأيه، لا في روايته، كما رواه عنه ابن شاهين في ((الثقات)) (٢٨٢)، ورأي الحارث هو ما رواه مسلم عنه عقب كلمة الشعبي هذه، فينظر هناك. وأقول: لو أن الشعبي قال: حدثنا الأعور، وسكت، لتمَّ الاستدلال على المراد، أَمَا وقد وصف الحارث بقوله: كان كذابًا، فلا. والله أعلم. (١) ((المدخل إلى الإكليل)) ص ٧٠، و((الجامع)) للخطيب (١٦٣٨). وأبان: هو ابن أبي عياش، أحد المتروكين. ومعلوم أن ابن معين ولد سنة ١٥٨، وكانت وفاة معمر بن راشد سنة ١٥٤، ولو فُرِض أنه يروي عن معمر: فمعمر إمام حجة أيضًا، فلا هو راوٍ عن غير عدل، ولا هو راوٍ في هذه القصة للموضوعات أو الضعاف، إنما هو معِدٌّ نفسَه لكشف التزوير لو حصل. والقصة على بالغ أهميتها في بيان خدمة الأئمة للسنة النبوية، فإن مفادها تزييف ابن معين رضي الله عنه لكذب الكذابين، وليس فيها أنه - وهو الإمام الحجة - يروي عن غير عدل، كما يشعر سياق الشارح للقصة. ویحیی بن معين إمام مكثر تحمّلاً وأداءً، لكنه ليس كغيره من الرواة المکثرین، بل هو إمام جهبذ، إليه المرجع في السنة رواية ودراية، ولا بدّ أن له ملاحظات فيما يرويه عن غير الثقات. ٧٠ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به وقيل : هو تعديل. [ش] أكتبُ هذه الصحيفةَ فأحفظُها كلَّها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان فيجعل بدل: أبان، ثابتًا، ويرويها: عن معمر، عن ثابت، عن أنس، فأقول له: كذبتَ، إنما هي عن معمر، عن أبان، لا: عن ثابت. (وقيل: هو تعديل) إذْ لو علم فيه جرحًا لذَكَره، ولو لم يذكره لكان غاشًّا في الدين، قال الصيرفي: وهذا خطأ، لأن الرواية تعريف له، والعدالةُ: بالخبرة. وأجاب الخطيب بأنه قد لا يَعرف عدالته ولا جرحه (١). [ب] (١) وهذا جواب آخر غيرُ ردّ الصيرفي، وهو في ((الكفاية)) ص ٨٩، وأتى على صحة قوله بأمثلة كثيرة، منها كلمة الشعبي في الحارث الأعور. ولا بد من البیان وإن طال. بوّب الخطيب بقوله: ((باب ذكر الحجة على أن رواية الثقة عن غيره ليست تعديلاً له))، وقدّم له بكلام خلاصته هذه الجملة التي قالها الشارح، ثم أتى على صحة كلامه بأمثلة ألخِّصها واحدًا واحدًا: ١- أسند إلى الشعبي قوله السابق: ((حدثني الحارث، وكان كذابًا)). ٢- وأسند إلى الثوري قوله: ((حدثنا ثُوير بن أبي فاختة، وكان من أركان الكذب)». ٣- وأسند إلى يزيد بن هارون قوله: ((حدثنا أبو روح، وكان مجنونًا، وكان يعالج المجانين، وکان كذّابًا)). ٤- وأسند إلى الإمام أحمد بن ملاعب - أحد أقران الأئمة الستة - قوله: ((حدثنا مُخَوَّل بن إبراهيم، وكان رافضيًا)). ٥- وروى عن الإمام القاسم بن زكريا المطرِّز - من أقران الشيخين في بعض = ٧١ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ب] شيوخهما - قوله: ((حدثنا علي بن الحسين بن كعب، وكان رافضيًا)). ٦- وروى عن ابن عيينة قوله: ((حدثنا عبد الملك بن أعين، وكان شيعيًا، وكان عندنا رافضيا صاحب رأي)). ٧- وعن أبي الأزهر أحمد بن الأزهر - من طبقة أحمد وأقرانه -: ((حدثنا بكر ابن الشَّرود الصنعاني، بصنعاء، وكان قدريًا داعية)). ٨- وروى عن شعبة، عن شَرَّقِي بن قُطَامي، حديث عمر، وعلَّق عليه شعبة بقوله: ((حماري وردائي في المساكين صدقة، إن لم يكن شرقي كذب على عمر)). ٩- وعن شعبة أنه قال: ((لو لم أحدثكم إلا عن ثقة لم أحدثكم عن ثلاثين)). ١٠- وأن المعتصم - العباسي - ذهب إلى علي بن عاصم الواسطي ليسمع منه، فروى عليٌّ: ((حدثنا عمرو بن عبيد، وكان قدريًا)). ١١- ثم روى عن جرير بن حازم ((عن أبي فهر قال: صليت خلف الزهري ... )) فقيل لجرير: ((من أبو فهر هذا؟ فقال: لصّ كان ببعض طرق الرَّي)). ١٢- ثم روى عن شعبةَ قوله في الثوري: ((لا تحملوا عن سفيان الثوري إلا عمن تعرفون، فإنه كان لا يبالي عمّن حمل ... )). ١٣- ثم روى كلمة أخرى لشعبة في الثوري: أنه يروي عن الكذابين. ١٤ - ثم روى عن يحيى القطان أنه قال لعمرو الفلاَّس: ((لا تكتب عن معتمر ۔ابن سلیمان - إلا عمّن تعرف، فإنه يحدث عن کلّ)). انتهى. وثمّةَ ملاحظتان على تبويب الخطيب، وملاحظة واحدة على أمثلته وأخباره. أما الملاحظتان على تبويبه: فإنه قال: ((رواية الثقة عن غيره ليست تعديلاً له)) وأولاهما: أن الأخبار التي ساقها كلَّها عن أئمة، فَمِن الأقوى لرأي الخطيب أن يقول: رواية الإمام عن غيره ليست تعديلاً له، لا: رواية الثقة، فإذا كانت رواية الإمام لا تفيد ذلك، فرواية الراوي ۔ العادي غیر الإمام - لا تفيد ذلك من باب أولى. = ٧٢ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ت) ثانيتهما: كأن الخطيب بوّب هذا ليدلّ على مخالفته لابن أبي حاتم، لذلك: فَمِن تمام البحث أن أنقل كلامه، قال في ((الجرح والتعديل)) ٣٦:٢: ((باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه: أنها تقوِّيّه، وعن المطعون عليه أنها لا تقويه))، ثم ذكر خبرین: أولهما: أنه سأل أباه عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة: مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوِّ روايتُه عنه، وإذا كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه)). ثانيهما: أنه سأل أبا زرعة كذلك فقال له: ((إِيْ لَعَمري. قلت: الكَلبيُّ روى عنه الثوري! قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يُتُكلَّم فيه)). وبناءً على هذا فإن من المناسب أن تقسم شيوخ الرجل إلى أربعة أقسام: ١ - ثقات باتفاق، أو باختلاف لا يؤثر. ٢ - ضعاف باتفاق، أو باختلاف لا ينفعهم. ٣ - رواة مختلف فيهم اختلافًا متكافئًا أو متقاربًا. ٤ - مجاهيل. ورواية الثقة عن رجال القسم الأول والثاني لا تزيدهم ولا تنفعهم، وروايته عن رجال القسم الثالث: أقول: قد يكون لها أثر في ترجيح جانب العدالة، وروايتُه عن رجال القسم الرابع تنفعهم، بمقتضى كلام أبي حاتم وأبي زرعة. ومن التعليق على جواب أبي حاتم: أنه قال في غير الثقة: لا يتقوى حاله برواية الثقة عنه، وجاء التمثيل عليه في كلام أبي زرعة بالكلبي، وهو محمد بن السائب، وحاله مكشوفة جدًّا، ولم يكتف بعضهم برميه إياه بالكذب، بل بما هو أعظم: بالكفر !! وعلى هذا: يُعلَّقُ، ويُسأل حينئذٍ: ما القول في رواية الثقة عمن هو أحسن حالاً من الكلبي: كالرواية عمن اختلف فيه اختلافًا متكافئًا أو متقاربًا؟ أفلا يقال ما قلته: قد يكون لها أثر في ترجيح جانب العدالة؟ بلى، والله أعلم. وفائدة أخرى من كلام ابن أبي حاتم: أنه بوّب فقال: باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه: أنها تقویه، وجاء جواب أبيه له: إذا كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه، فأفاد أن الجهالة ليست طعنًا أو جرحًا في الرجل. = ٧٣ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ب] وظاهر كلام ابن حبان في رواية العدل عن المجهول أنها تقوّيّه أيضًا، وتكسبه العدالة، قال في ((المجروحين)) ٣٢٧:١ - ٣٢٨ في ترجمة سعيد بن زياد الداري: ((الشيخ - أي: الراوي - إذا لم يرو عنه ثقة، فهو مجهول لا يجوز الاحتجاج به))، فكأنه يقول: ورواية الثقة عن الراوي المجهول ترفعه إلى رتبة الاحتجاج به. وهذا خلاف ما توارد عليه المعاصرون المستعجلون!، وانظر ما سيأتي قريباً ص٩١، وبعده رأي الإمام البزار ص٩٤ الذي نقلته من ((البحر المحيط)) ٢٩١:٤. وترجم الذهبي في ((الميزان)) (٩٩٨١) لأبي يسار القرشي وأشار إلى حديث له عند أبي داود (٤٨٩٠) عن أبي هاشم، عن أبي هريرة، في رجل مخضوب اليدين والرجلين، وقال عنه: إسنادٌ مظلمُ المتنِ منكرٌ، ونَقَل فيه قول أبي حاتم ٩ (٢٣٦٢): مجهول، فعلَّق عليه الذهبي بقوله: ((روى عن أبي يسار إمامان: الأوزاعي والليث، فهذا شیخ ليس بضعيف)). وأقول: نعم، ليس بضعيف، ولكنه لا يوصف بالعدالة، مع ملاحظة أن الأوزاعي ممن قيل فيه: لا يروي إلا عن ثقة، كما يستفاد مما نقله عنه ابن عدي في (الكامل)) ١: ١٤٦، وقيل في الليث: إنه لا يروي عن المجهولين. قاله الحاكم في ((المستدرك)) (٧٦٣٧)، مع أنه قال قبل قليل (٧٥٦٠) في حديث رواه الليث، عن إسحاق بن بُزُرْج: لولا جهالة إسحاق بن بُزُرْج لحكمت للحديث بالصحة !. وعلى هذا فلو قلنا: إن جهالة العين والحال تقتضي التوقف - فقط - في أمر الراوي والمروي: لكان أولى، والله أعلم، مع اعترافي أن المشهور الشائع: أن الجهالة تليين للرجل، كما هو صريح كلام الحافظ في ((اللسان)) آخر ترجمة مِدْلاج بن عمرو (٧٦٤٢). ويتمم قولَ أبي حاتم في حال المجهول إذا روى عنه الثقة: ما جاء في ((الفصول)) للإمام الرازي الجصاص ١٣٨:٣ : إن «نقلهم عن المجهول - وإن کان تعدیلاً له ۔ لیس حكمًا منهم بإتقانه وضبطه، فيكون أمره محمولاً على الاجتهاد في قبول روايته أو = ٧٤ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ب] ردّها))، وهذا تنبيه مهم، للتفرقة بين العدالة والضبط. وانظر قريباً ص٨٤ ففيها نقل كلام الحافظ من ((شرح النخبة)) ص ١٠٠، ومتابعته لإمام الحرمين في ((البرهان)) (٥٥٤)، وانظر آخر الحاشية الطويلة هناك، حيث أكرر ص٨٨ نقل كلام الذهبي هذا وابن حجر. وأما الملاحظة على أمثلة الخطيب وأخباره: فإنه نقل نقولاً عامة، ونقولاً خاصة، أما العامة: فإنه نقل في الخبر الثالث عشر كلمة عن شعبة في شيوخ الثوري، ونقل في الخبر الرابع عشر كلمة عن يحيى القطان في شيوخ معتمر بن سليمان، وشعبةً والقطان: إمامان معتَمَدان، فلا كلام. أما النقول الخاصة: فنقل عن الشعبي قوله في الحارث الأعور، ونَقَل عن فلان في فلان، وهكذا، وعندي ملاحظة عامة على هذه النقول الخاصة، ذاك أنها: إما في حقّ إمام مكثر من الرواية عن شيوخ يصعب جدًّا إحصاؤهم، كالشعبي والثوري، فإذا كان الواحد منهم جَرَح راويًا من شيوخه فهل هذا يصلح أن يكون مستنداً لتأسيس قاعدة: أن رواية الثقة الإمام المكثر عن أيّ راوٍ كان، لا يكون لها تأثير في تعديله، أو في ترجيح جانب عدالته؟ !. وإما أنها - وهي حال أكثر الأمثلة - حول ما يتعلق ببدعة: الرَّفض، أو الغلوّ فيها، أو القدر، وهذه لها أحكام خاصة. هذا شيء، وشيء آخر حول بعض الأمثلة، وهو أول مثال ذكره الخطيب، وهو قول الشعبي: حدثني الحارث وكان كذابًا، وقد روى الإمام أحمد في ((فضائل الصحابة)) (١٢٧٤) أن الشعبي سُئل: ((يا أبا عَمْرو ممن سمعتَ حديث: ((أُثبتْ حراءُ فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد))؟ فقال: والله لو حدثتك أني سمعته من ألف إنسان لرأيتُ أني صادق)) !! هذا العدد لحديث واحد، وغاية ما عدَّد المزي من شيوخه في ترجمته أن بلغ بهم (١١٦) راوٍ، وصرَّح بعدم سماعه من بعضٍ يسير منهم. = ٧٥ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ب] فهذا العدد الضخم الكبير من الشيوخ لا يصلح ذكر صاحبه في هذا المجال من أجل راو واحد أو أزيد، لا سيما مع قول إمام من أئمة الاستقراء التام: يحيى بن معين القائل: ((إذا حدَّث الشعبي عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه))، كما في ((الجرح والتعديل)) ٦ (١٨٠٢). ورجلان آخران - وإن لم يذكرهما الخطيب هنا -، هما الحسن البصري وابن سيرين، ففي ((جامع التحصيل)) ص ٩٠ عن ابن معين أيضًا أنه قال: ((إذا روى الحسن ومحمد - يعني ابن سيرين - عن رجل فسمياه فهو ثقة)). وأستطرد لبيان مكانة هذا النوع من التوثيق فأشرحُ مثالاً. ترجم المزي ٢٤٥:٣ لأَسيد بن المُتَشَمِّس، وذكر من الرواة عنه الحسنَ البصري، ونقل كلمة ابن المديني: الذين روى عنهم الحسن البصري من المجهولين: أسيد بن المُتَشَمِّس، فعقّب عليه مغلطاي في ((الإكمال)) ٢٢٥:٢، وأخذه منه الحافظ في ((التهذيب)) ٣٤٧:١، بقول ابن معين: ((إذا روى الحسن البصري عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه)) وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٤٢:٤. وهذا الصنيع من مغلطاي وابن حجر يؤيد ما قدمته ص٧١ أخذاً من تبويب ابن أبي حاتم: أن رواية الثقة عن المجهول تنفعه. وقد ذكر العلامة ظَفَر أحمد العثماني في كتابه: ((قواعد في علوم الحديث)) ص ٢١٦ - ٢٢٥، عشرين إمامًا - لا: أربعة وعشرين - كلّ منهم لا يروي إلا عن ثقة، على توسّع في بعضهم. وزاد عليه شيخنا رحمهما الله تعالى في التعليق عليه سبعة، وأزيد اثنين، هما: سليمان بن حرب، قاله أبو حاتم في ((الجرح)) ٧ (١٣٩٩)، ومنصور بن المعتمر، قاله أبو داود كما في ((سؤالات الآجري)) (١٣١)، والتتبُّع يأتي بالمزيد. ثم وقفت على من أوصل عدد من قيل فيه ذلك إلى (١٣٤) رجلاً ما بين إمام فمن دونه، لكنه جَمَع وحَطَب !. = ٧٦ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] وقيل: إنْ کان العدل الذي روى عنه، لا يروي إلا عن عدل كانت روايته تعديلاً، وإلا فلا (١)، واختاره الأصوليون، كالآمدي، وابن الحاجب وغيرهما(٢). [ب] - وأرى أخيرًا: أنه لابد من التنبيه إلى أن هذا التوثيق هو توثيق إجمالي، يفيد فائدة إجمالية، فلا يصلح لمعارضة الجرح المعيّن المحدّد، كما أنه لا ينبغي إهداره بالكلية، والله أعلم، وانظر ما كتبته ص ٧٩ من ((دراسات الكاشف)). (١) حكى الخطيب ص٩٢ صورتين: ((إذا قال العالم: كل من أروي لكم عنه وأسميه: فهو عدل رضا مقبول الحديث: كان هذا القول تعديلاً منه لكل من روى عنه وسمّاه ... ، وهكذا إذا قال العالم: كل من رويت عنه فهو ثقة، وإن لم أُسَمِّه، ثم روى عمن لم يسمه، فإنه يكون مزكيًا له، غير أنا لا نعمل على تزكيته، لجواز أن نعرفه إذا ذكره بخلاف العدالة))، وتقدم هذا قريباً ص ٥٧، وفي قوله: ((لا نعمل على تزكيته): كلام ووقفة، يستفاد من التعليق الطويل السابق. (٢) ((الإحكام، ١٢٦:٢، ((مختصر منتهى السول)) ٣٩٧:٢ - مع ((رفع الحاجب)) -، وينظر ((البحر المحيط)) ٢٨٩:٤ - ٢٩٠ فإنه رحمه الله فصّل في المسألة. والتقييد بأن هذا العدل ((لا يروي إلا عن عدل)): ضروري، لا كما أطلق القولَ القاضي أبو يعلى في ((العدّة)) ٩١١:٣، ٩٣٤، ونسبه إلى الإمام أحمد، بناءً على ما قاله الإمام فيمن يروي عنه ابن مهدي أو مالك ونحوهما، فإن رواية الواحد منهم عن رجل تعديل له، لكن ليس كلَّ عدلٍ هو ابنَ مهدي ومالكًا، وإطلاقه هذا أوهم أنه قول في المسألة، لا سيما أنه نسبه إلى إمام حجة في بابه، مع أنه نقلَ بعدُ عن الإمام في الموضع الثاني خلافه، وانظر ((المسوَّدة)) ص ٢٧١، ٢٧٣. وقد نسب الزركشي في ((البحر المحيط)) ٢٨٩:٤ هذا المذهب: أن رواية العدل الذي لا يروي إلا عن عدل: تعديلٌ، إلى الإمامين البخاري ومسلم. = ٧٨ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به ولا مخالفتُه قدحٌ في صحته ولا في رواته. [ش] وقال إمام الحرمين(١): إن لم يكن في مسالك الاحتياط. وفرّق ابن تيمية (٢) بين أن يُعمل به في الترغيب، وغيره. (ولا مخالفتُهُ) له (قدحٌ) منه (في صحته ولا في رواته) لإمكانِ أن يكون ذلك لمانع من معارض أو غيره، وقد روى مالك حديث الخيار ولم يعمل به (٣)، لعمل أهل المدينة بخلافه، ولم یکن ذلك قدحًا في نافع راويه. (١) ((البرهان)) (٥٦٤)، لأنه يُعمل بالضعيف إذا دلّ على احتياط في المسألة، فقد يكون هذا العالم (المجتهد) عمل به - مع ضعفه - من باب الاحتياط. وانظر التعليقة التالية. وهذا التقييد أدخله في أصل المسألة الرازي في ((المحصول)) ٤١٢:٤، والزركشي في ((البحر المحيط)) ٢٨٨:٤، و((تشنيف المسامع)) ٢: ١٠٣٥. (٢) نقله عن ابن تيمية: الزركشي في ((تشنيف المسامع)) ١٠٣٦:٢، وقال في ((البحر المحيط)) ٢٨٩:٤: ((وفصّل بعض المتأخرين ... ))، ثم قال الزركشي: وهو تفصيل حسن. و(الاحتياط) الذي أشار إليه إمام الحرمين، أعمّ من الترغيب والترهيب، فالعمل بما فيه ترغيب وترهيب عملٌ بالاحتياط، ويزيد الاحتياطُ عليه: أنه قد يكون في أمر يتصل بالحلال والحرام، كما قال النووي في كلمته المشهورة عن العمل بالحديث الضعيف، في مقدمة ((الأذكار)) ص ١١، وقال في آخرها: ((لا يُعمل في الأحكام إلا بحديث صحيح أو حسن، إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك، كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحب أن يُتَنزّه عنه، ولكن لا یجب)». (٣) روى مالك ٦٧١:٢ (٧٩) عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: ((المتبايعان كلُّ = ٧٧ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به وعملُ العالِم وفُتیاہ علی وَفْق حدیثٍ رواه : لیس حكمًا بصحته، [ش] . . (وعملُ العالم (١) وفُتياه على وَفْق حديثٍ رواه: ليس حكمًا) منه (بصحته) ولا بتعديل رواته، لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطًا، أو لدليل آخرَ وافقَ ذلك الخبر (٢)، وصحح الآمدي(٣) وغيرُه من الأصوليين أنه حكمٌ بذلك. [ب] - وأقول: إن هذه النسبة مستنتجة استنتاجاً من عموم واقعهما في كتابيهما، لا مِن نقلٍ عنهما، ويؤيد الزركشيَّ بعضَ التأييد ما قدَّمته صفحة ٤٤ من النقل عن الذهبي في ((الميزان)) (٦٦٣١) ترجمة مالك بن الخير الزبادي - مع تعليق ابن حجر عليه في ((اللسان)) (٦٢٦٧) -: ((في رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدًا نصّ على توثيقهم ... ))، أي: فرواية الشيخين لهما توثيق لهم. وأقول: هذا يؤيد قول الزركشي بعض التأييد، لا تمام التأييد، ذلك لأن هؤلاء لم يجرحوا، وفي رواة الشيخين من جُرح، ولم يسلّم القول بجرحهم، وفيهم من جُرح وسَلَّم الشيخان بجرحهم - وعددهم نادر جدًّا - لكنهما رضي الله عنهما إمامان يتعاملان مع هذا العدد النادر بحذر وبصيرة، كما تقدم بيان ذلك أكثر من مرة، كموقف البخاري من إسماعيل بن أبي أويس، وموقف مسلم من سويد بن سعيد. وعلى هذا: فلا يصح إطلاق نسبة هذا المذهب إليهما، والله أعلم. (١) المراد بالعالم: المجتهد ومَن في حكمه، وقد مرَّ قريباً ص٥٦، وانظر صفحة ١٥٦ : السابع عشر من الفوارق بين الرواية والشهادة. (٢) وإلى هذا ذهب ابن الصلاح ص ١٠٠، ويخالفه بعضَ المخالفة قولُ الخطيب في ((الكفاية)) ص ٩٢: ((إذا عمل العالم بخبر من روى عنه، لأجله، فإن ذلك تعديل له يعتمد عليه، لأنه لم يعمل بخبره إلا وهو رضاً عنده وعدل))، والقيد المهم في كلام الخطيب قوله ((لأجله)). (٣) ((الإحكام)) ١٢٥:٢ - ١٢٦. ٧٩ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] وقال ابن كثير(١): في القسم الأول نظر، إذا لم يكن في الباب غيرُ ذلك الحدیث، وتعرَّضَ للاحتجاج به في فُتیاه، أو حكمه، أو استشهدَ به عند العمل بمقتضاه. قال العراقي (٢): والجواب: أنه لا يلزمُ من كون ذلك البابِ ليس فيه غيرُ [ب] - واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرَّقا، إلا بيعَ الخيار))، وعلَّق عليه بقوله: (ليس لهذا عندنا حدٌّ معروف، ولا أمر معمول به فيه)). وانظر ((التمهيد)) ٧:١٤ لزامًا، ثم صفحة ٩ منه من أجل عمل أهل المدينة به أو بخلافه. وينظر ما تقدم ٢: ٤٠٤ نقلاً عن ابن فرحون. ومن أجل إشارته إلى كلمة ابن أبي ذئب الخشِنَة في مالك رضي الله عنهما: ينظر ما كتبتُه في ((أدب الاختلاف)) ص ١٤٩ - ١٥٤. (١) في ((اختصار علوم الحديث)) ص ٩٧، ومراده بالقسم الأول: عملُ العالم وفتیاہ علی وَفْق حدیث. وعلق ابن العجمي هنا: [قال الزركشي - ((النكت)) ٣: ٩٤٨ (٢٤٨) - بعد إيراد كلام شيخه ابن كثير - ((اختصار علوم الحديث)) ص ٩٧ -: وهذا منه عجيب، لأن ذلك لم يُلاقِ كلام ابن الصلاح، فإن كلامه مفروض في غير هذه الحالة، وانظر قوله : عمل العالم على وَفْق حديثه ليس حكماً بصحة ذلك الحديث، فعُلِم أن كلامه فيما إذا لم يظهر أن ذلك مستندُهُ، ونظيرُ ذلك الخلافُ الأصولي في أن الإجماع الموافق لخبرٍ : هل يجب أن يكون عنه. انتهى.]. (٢) ((التقييد والإيضاح)) ٥٦٦:١، وهو يشير إلى ما تقدم ٣: ٤٤ عن أبي داود وشيخه أحمد من تقديم الضعيف على رأي الرجال. ٨٠ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] هذا الحديث: أن لا يكونَ ثَمَّ دليلٌ آخَر من قياس أو إجماع، ولا يلزمُ المفتيَ أو الحاكمَ أن يذكرَ جميع أدلته، بل ولا بعضَها، ولعل له دليلاً آخر واستأنس بالحديث الوارد في الباب، وربما كان يَرَى العملَ بالضعيف وتقديمَه على القياس، كما تقدم. تنبيه : مما لا يدلُّ على صحة الحديث أيضًا - كما ذكره أهل الأصول(١) -: موافقةُ الإجماع له، على الأصح، لجواز أن يكون المستنَدُ غيرَه، وقيل: يدلّ(٢). وكذلك بقاء خبر تتوفر الدواعي على إبطاله، وقال الزيدية: يدل(٣). [ب] - (١) ذكر الشارح رحمه الله ثلاث أمارات لا تدل على صحة الحديث، نقلها عن أهل الأصول، وينظر لها ((المحصول)) ٢٨٧:٤، و((البحر المحيط)) ٢٤٣:٤، ٢٤٦، ٢٥٦، و(تشنيف المسامع)) للزركشي أيضًا ٩٥٣:٢، و(الغيث الهامع)) لولي الدين العراقي ٤٨٨:٢. ويلاحظ أن بعضهم - خاصة أبا زرعة العراقي - ينصب الخلاف بين القطع بصحة الخبر، وعدم القطع بصحته، لا: بين صحة الخبر، وعدم صحته، على خلاف عبارة الشارح هنا. (٢) ((قواطع الأدلة)) ١١١٢:٣ - ١١١٤، و((البحر المحيط)) ٢٤٦:٤ - ٢٤٧، ٤٥٦. (٣) هذا من ((جمع الجوامع))، وينظر ((تشنيف المسامع)) ٩٥٤:٢. وتوضيحه: أن بقاء خبر تتوفر الدواعي الاجتماعية، والظروف السياسية على خلافه، ويبقى مع ذلك مرويًا متداولاً بين أهل العلم، لم يُبْطَل: فإن بقاءه قرينة على صحته عند الزيدية، وذلك كحديث غَدير خُمّ - وهو متواتر -، وقوله صلى الله عليه وسلم فيه لعليّ رضي الله عنه: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا =