Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
وقال ابن الجوزي: ما أحسنَ قول القائل(١): إذا رأيتَ الحديث يُباين
المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول: فاعلم أنه موضوع، قال:
ومعنى مناقضته للأصول: أن يكون خارجاً عن دواوين الإسلام من المسانيد
والكتب المشهورة(٢).
[ب] -
الأحاديث على الإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد، ومنها حديث: ((صلّوا خلف كل برّ
وفاجر)) الذي ساق ابن الجوزي طرقه في ((العلل المتناهية)) ١: ٤١٨ - ٤٢٥ عن ستة
من الصحابة، من ثلاثة عشر طريقاً، ونقل آخرها عن الإمام أحمد قوله: ما سمعنا
بهذا !.
أما الاستدراك على قولهم: فلان لم يرو عنه إلا فلان، أو: إلا فلان وفلان:
فكثير، وقد ذكرت في ((دراسات الكاشف)) ص ١٠٥ - ١١٢ أربعين مثالاً على ذلك،
واحد وثلاثون منها على بعض الأئمة المتقدمين: ابن معين وابن المديني وأحمد وأبي
حاتم .. ، حتى ابن حبان، والتسعة الباقية على الذهبي، ومعلوم شهادة ابن حجر له بأنه
من أهل الاستقراء التام في الرجال.
أما إذا نفى إمام من الأئمة حديثاً أو روايةً رجلٍ عن آخر، أو نحو ذلك، ونقل
كلامَه إمامٌ غيره، ووافقه عليه ولم يتعقبه، وآخر وآخر: فحينئذ تحصل الطمأنينة،
بنفي الحديث عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
(١) الكلام الآتي لابن الجوزي نفسه، وليس من نقله عن أحد، وهو مجموع
من موضعين من ((الموضوعات)) ١: ١٤١، وبعضه ١: ١٥١.
(٢) هذا تفسير غريب جداً، ولا يصحّ، ولا يستفاد من كلام ابن الجوزي،
وليتأمل القارئ كلامه في الموضعين اللذين أشرت إليهما، إنما مراده بالأصول:
القواعد الكلية المعلومة من الدين، لا غير، ومُحال أن يحكم ابن الجوزي أو الشارح

٤٤٢
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
ومن أمثلة ما دلّ على وضعه قرينةٌ في الراوي : ما أسنده الحاكم عن سيف
· ابن عمر التميمي قال: كنتُ عند سعد بن طَرِيف، فجاء ابنُه من الكُتّاب يبكي،
فقال: مالكَ؟ قال: ضربني المعلِّم، قال: لأُخْزِينَّهم اليومَ، حدثني عكرمة، عن
ابن عباس مرفوعاً: ((معلِّمو صبيانِكم شراركم، أقلُّهم رحمةً لليتيم، وأغلظُهم
على المسكين))(١).
وقيل لمأمون بن أحمد الهَرَوي: ألا تَرى إلى الشافعي ومن تبعه بخراسان(٢)؟!
فقال: حدثنا أحمد بن عبد الله، حدثنا عبد الله(٣) بن مَعْدان الأزدي، عن أنس
مرفوعاً: (يكون في أمتي رجلٌ يقال له محمد بن إدريس، أضرُّ على أمتي من
[ب] -
أو غيرهما بالوضع على حديث لا يوجد في ((دواوين الإسلام من المسانيد والكتب
المشهورة))، فمن المعلوم أن السنة غير منحصرة في هذه الكتب.
(١) الخبر والذي بعده في (المدخل)) ص١٣٩ - ١٤٠، وفيه: سعد بن طريف، بالطاء
المهملة، وهو كذلك في النسخ، إلا ج، ك ففيهما: ظريف، وسيتكرر التحريف ص٤٨٢.
(٢) الذي في ((المدخل)): ألا تَرَى إلى الشافعي وإلى من نَبَغَ له بخراسان، وكذلك
في ((لسان الميزان)) (٦٢٨٢) ترجمة مأمون الهروي، عن الحاكم، وقد قال أبو نعيم
- فأحسَنَ رحمه الله - في مقدمة ((المستخرج على مسلم)) ١: ٨٣، و((الضعفاء)) له (٢٤٧):
(مثله يستحق من الله تعالى، ومن الرسول، ومن المسلمين: اللعنةَ)).
(٣) ((عبد الله)): في النسخ: عبيد الله، إلا ب، و، ز، ح ففيها عبد الله، ومثلها
في المصادر الأخرى: ((المدخل))، وكتابَيْ أبي نعيم، و((اللسان))، ويضاف إليها:
((المجروحين)) ٣: ٤٥، و((تاريخ ابن عساكر)) ٥٧: ٤، و((الميزان)) (٤٣٨٧).

٤٤٣
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة، هو سراج أمتي)).
وقيل لمحمد بن عُكَّاشة الكرماني: إن قوماً يرفعون أيديهم في الركوع وفي
الرفع منه! فقال: حدثنا المسيَّب بن واضح، حدثنا ابن المبارك، عن يونسَ بن
يزيد، عن الزهري، عن أنس مرفوعاً: ((من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له)).
ومن المخالف للعقل: ما رواه ابن الجوزي(١) من طريق عبد الرحمن بن
زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّ مرفوعاً: ((إن سفينة نوح طافتْ بالبيت سبعاً،
وصلَّت عند المقام ركعتين)).
وأسند من طريق محمد بن شجاع الثلجي (٢)، عن حَبان بن هلال، عن
حماد ابن سلمة، عن أبي المهزَّم، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إن الله خلق الفَرَس
فأجراها فعرِقَتْ، فخلق نفسه منها !! ))(٣).
(١) في ((الموضوعات)) ١: ١٤٢.
(٢) تحرف في النسخ كلها إلى: البلخي! كما تحرف في ك فقط: أبي المُهَزِّم إلى:
أبي المُهَزِّن، مع الضبط التام !!.
(٣) ابن الجوزي أيضاً ١: ١٤٩. وأقول: نعم، رواه ابن الجوزي لكن في قول
الشارح: ((أسند من طريق محمد بن شجاع)) مأخذ شديد عليه، ومثله على ابن عدي
٧: ٣٠٧ ذلك أنهما أهملا حكاية الانقطاع الذي في السند إلى الثلجي، والتنبيه إليه
مهم جداً هنا، فقد أسنده ابن الجوزي إلى الحاكم، قال الحاكم: ((أخبرني إسماعيل
ابن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني قال: أُخبِرتُ عن محمد بن شجاع الثلجي
قال: أخبرني حبان بن هلال))، به، هكذا لفظ إسماعيل الشعراني: أُخبِرت، وكانت
وفاته سنة ٣٤٧، فلا أقل من واسطة واحدة بينهما، والمحدثون يردّون كل ما يُروى
=

٤٤٤
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
هذا لا يضعه مسلم(١)، والمتهم به محمد بن شجاع، كان زائغاً في دينه، وفيه
أبو المهزَّم، قال شعبة: رأيته ولو أُعطي درهماً لوضعَ خمسين حديثاً(٢).
-
(ت)
بهذه الصيغة وأدنى منها مما يُشعر بالانقطاع !.
وأيضاً فقد قال الذهبي في ترجمة إسماعيل الشعراني من ((تاريخ الإسلام)): ٧:
٨٤٩: ((رَوَى عنه الحاكم وقال: لم أَرْتَبْ في شيء من أمره إلا روايته عن عمير بن
مرداس، فالله أعلم، وسألته أين كتبتَ عن عمير؟ قال: لما رحلتُ إلى محمد بن
أيوب، فلعله كما قال)). ومثل هذا الخبر مما يُضعف تحميل وِزْر هذا (الكفر الصريح)
لمحمد بن شجاع. وانظر ما يلي.
(١) [بل ولا عاقل]، زاده الشارح في ((اللآلئ المصنوعة)) ٣:١.
(٢) محمد بن شجاع الثلجي ولد وتُوفي (١٨١ - ٢٦٦) رحمه الله، من تلامذة
الحسن بن زياد اللؤلؤي، والحسن من تلامذة أبي حنيفة وأصحابه: زفر وأبي يوسف،
فالثلجي من رجال المدرسة الحنفية في الفروع، وهو أيضاً من ((الواقفة)) في المعتقد،
أي: إنه يقول: القرآن كلام الله تعالى، ولا يزيد بقوله: مخلوق ولا غير مخلوق، لا
مجاراةً منه لابن أبي دُؤاد، ولا معاندةً منه لأحمد بن حنبل، إنما هو التزام منه لما
يفهمه من ظاهر النصوص التي فيها نسبةُ القرآن إلى الله تعالى وأنه كلام الله تعالى،
فقط.
ومن يكونُ على خُبْر بتاريخ تلك المعضلة، وشحن البيئة العلمية بنارها: يدركُ
جيداً أن هذين الوصفین في محمد بن شجاع کافیان لجرحه وتَلْبه بكل جریمة، حتى
لو كانت له آثار مشهودة مشهورة على خلاف ما يُرمی به، من ذلك: رمیه بوضع
أحاديثَ فيها تجسيم وكفر و(لا عَقْل)، كهذا الذي ذكره الشارح عن ابن الجوزي !!
هذا إن اتصل السند وصحّ؟! وبناء على هذا فإنه من المجسِّمة !! مع أن العلماء ذكروا
=

٤٤٥
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
فيما ذكروا لابن شجاع من مؤلفات: ((الردّ على المشبِّهة))، ذكره له العيني في ((البناية))
٢٧٢:١، وابن قُطْلُوبُغا في ((تاج التراجم)) ص ٢٤٣، وغيرهما.
وإذا عُرِفِتْ دخيلة الجرح والاتهام فإن من الواجب عدمَ الوقوفِ عنده والالتفاتِ
إليه، والأخذَ حينئذ بكلمات المديح والثناء بعين الاعتبار والاعتماد.
وقد اتفقت كلمة مادحيه وجارحيه على وصفه بالعلم والعبادة والديانة. فقد
وصفه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) ص٥٩٧: النوع ٤٧ بكثرة الحديث
والتصنيف، وأن له كتاباً في المناسك في نيِّف وستين جزءاً كباراً دِقاقاً، أي: بخط
دقيق. واتفقوا على أن الله تعالى أكرمه بالوفاة ساجداً في صلاة العصر، وعلّق عليه
الذهبي في ((تذهيب التهذيب)) ٨: ١٣٣: ((خُتم له بخير إن شاء الله تعالى، وأناب إلى
الله، فالحمد لله)).
وبما أن هناك قرائن تدفع عن محمد بن شجاع اتهامه بوضع هذا الحديث: فإن
من الواجب البحث عن رجل آخر يليق بحاله اتهامُه بهذا الكفر الصريح، وأذكر
القرائن أولاً، ثم مَن يُناسب اتهامه بالحديث ثانياً.
أما القرائن: فكونه من المدرسة الحنفية، ثم كونه من الواقفة، فهاتان قرينتان
تقدم ذكرهما. وقرينة ثالثة نبّه إليها الكوثري في ((الإمتاع))، وفي تعليقاته على ((الأسماء
والصفات)) ص٣٧٢، هي: أن ابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ ذكر في كتابه ((الاختلاف
في اللفظ)) ص٤٠ مغالاةَ دهماءِ الرواة، وأنهم حملوا من مستشنع الأحاديث حديث
عَرَق الخيل، هكذا قال ابن قتيبة جزاه الله خيراً، وربَأً بنفسه ودينه أن يصرِّح بهذا
الكفر وینسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والشاهد من هذا: أن ابن شجاع توفي سنة ٢٦٦، وأن ابن قتيبة توفي سنة ٢٧٦،
وهذه فترة قصيرة غير كافيةٍ لشيوع ما وضعه ابن شجاع، فيذكره ابن قتيبة في كتابه،
بل ينبغي أن تكون هناك فترة كافية من الزمن، ليشيع فيها الحديث شيوعاً يحمل
العلماءَ على ذكره في الكتب والتحذير منه.
=

٤٤٦
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[س)
وأيضاً فإن ابن شجاع من كبار الفقهاء لا من عامة الرواة، قال ابن النديم في
((الفهرست)) ص٢٥٩: ((مبرِّز على نظرائه من أهل زمانه، وكان فقيهاً ورعاً ثباتاً على
رأيه، وهو الذي فتق فقه أبي حنيفة، واحتج له وأظهر علله، وقوّاه بالحديث، وحلآه
في الصدور)).
فهذه قرينة تدعونا للبحث عن رجل آخر تساعد طبقتُه الزمنية وأوصافه العلمية
والعَقَدیة على فعل ذلك.
وقرينة رابعة: هي أننا لو تتبّعنا لنرى أول من تكلم في معتقد ابن شجاع من حيثُ
التشبيه فقط، لرأينا ذلك عند قرينه عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى سنة ٢٨٠،
وذلك في كتابه ((ردّ الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المَرِيسي العنيد))، وهو كتاب
صارخ بالتشبيه، حتى إن ناشره - على ما هو عليه - لم يحتمل منه كل ما فيه من تشبيه
الخالق بالمخلوق، فنبّه في مقدمته إلى بعض ذلك فقال: ((أتى فيه ببعض ألفاظ كان
الأولى والأحسنُ أن لا يأتي بها، كمثل ((الجسم، والمكان، والحيِّز)) فإني لا أوافقه
عليها ولا أستجيز إطلاقها .. )).
وأزيد عليها من كلام الدارمي: الحركة ص٢٠، والحدّ ص٢٣، والمَسّ
ص٢٥، وما دامت هذه الألفاظ تتصل بالذات الإلهية فلا يقال فيها: كان الأولى
والأحسن، لكن هكذا تفعل ((عين الرضا)). ثم إنه من المهم جداً لهذا الرجل
((الدارمي)) أن يشوِّه سمعة من يؤلف كتاباً في الردّ عليه وعلى بدعته.
أما كلام غير عثمان الدارمي في ابن شجاع فمن أجل أنه من الواقفة لا غير،
والواقفة: فرقة بين الجهمية ومَن شايعهم مِن القائلين بأن القرآن كلام الله مخلوق،
وبين القائلين بأنه كلام الله غير مخلوق، وعلى رأسهم الإمام أحمد، وبما أن ابن
شجاع لا يقول بأنه غير مخلوق، فإن الإمام أحمد ألحقه بالجهمية، إنْ صحت الرواية
عنه، ومن الطبيعي حينئذ أن يقول فيه الإمام أحمد: مبتدع صاحب هوى، وما رضيه
أن يولَّى القضاءَ ولا على حارس، وهذا غير بعيد من الإمام أحمد في حق مَن يختلف
=

٤٤٧
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
(س)
معه في تلك الآونة العصيبة عليه وعلى عقيدة الأمة.
وإذا كان أحمد ما زاد على هذا، فيستغرب من القواريري ذاك القول الفاحش
الذي لا مسوِّغ له في ابن شجاع، ونسأل الله العدل في الرضا والغضب.
وختم الذهبي ترجمة الثلجي في ((تذهيب التهذيب)) بعدما نقل نيله من الإمام
الشافعي وأحمد، قال: ((كلام الأقران والمتعاصرين بعضُهم في بعض محمول، اللهم
ارحم الكل، وارضَ عمن تبع الحق ونَحَاه وإن غِط)).
وقبل النُّقلة إلى أمر آخر في البحث أعود لأؤكِّد أن نسبة رواية ابن شجاع
للحديث نسبة منقطعة مشبوهة، كما قدمتُ، فلا يجوز نسبة هذا الكفر واللاعقل،
إلیه.
أما النظر في رجل يناسب اتهامه بوضع هذا الحديث زمناً ومعتقداً: فأقول: إن
الراوي لهذا الحديث المكذوب عقلاً وديناً، عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، وهو
منه بريء: هو أبو المهزَّم - بفتح الزاي وكسرها - وهو متفق على أنه متروك، لكن
افتتح ترجمته ابنُ حبان في كتابه ((المجروحين)) ٣: ٩٩ بأنه ((كان شيخاً صالحاً لم يكن
العلم صناعتَه، كان ممن يهم ويخطئء فيما يروي)) مع أنه ذكر بعدُ اتهام شعبة له أنه
يحدث بتسعين - كذا - حديثاً مقابل فَلْس !! وهذا يحتمل الاتهام بالوضع، ويحتمل
الاتهام بقبول التلقين، إن اعتمدنا ثناء ابن حبان عليه بالصلاح والعبادة.
ويبقى في الإسناد رجلان: حَبان بن هلال شيخ الثلجي، وهو ثقة، وشيخه حماد
ابن سلمة، وهو إمام من أئمة الإسلام، قال فيه الإمامان علي بن المديني وابن حبان:
إذا رأيتَ الرجل يتكلم في حماد بن سلمة فاتّهمه على الإسلام !.
لكنْ من المسلَّم به في حق هذا الإمام: أنه آثر العبادة آخر حياته على الاعتناء
بالرواية، فحصل له شيء، تحاماه من أجله البخاري فلم يحتج به في ((صحيحه))،
وأما مسلم فأخرج له بعض رواياته عن ثابت البُناني احتجاجاً، وعن غيره في
المتابعات. هذا شيء.
=

٤٤٨
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
(س)
وشيء آخر: حكى بعضهم - على سبيل الاعتماد، منهم ابن حجر في ((النكت
على ابن الصلاح)) ٢: ٨٥٧، والشارح فيما يأتي ص٤٧٩ -، وبعضهم على سبيل
الردّ: أن حماداً ابتُليَ بربيبه عبد الكريم ابن أبي العوجاء، فكان عبد الكريم يكتب
أحاديث في أوراقٍ ويدسُّها في كتب حماد، فكان حماد يرويها، كما سيأتي من
الشارح ص٤٧٩، فأصابع الاتهام متوجِّهة في تحميل تَبِعة هذا الحديث إلى هذا
الراوي الضُّلِيل، أنه افتعل ذلك، وينظر لزاماً كلام النسائي في حماد بن سلمة، الذي
في ((التعديل والتجريح)) للباجي ٥٢٤:٢، وهو في ((إكمال)) مغلطاي ١٤٥:٤ ،
و «تهذیب) ابن حجر ١٥:٣.
وقد افتتح الذهبي في ((الميزان)) (٤٩١٢) ترجمة ابن أبي العوجاء بقوله: ((زنديق
معثَّر))، وزاد عليه الحافظ في ((اللسان)) (٤٨٧٤)، و((النكت الوفية)) ٥٥٠:١ أشياء
كثيرة منها: أنه هو وصالح بن عبد القدوس ((صحَّحا الثَّنَوِية)) أي: اعتقدا صحة الديانة
الثنوية، والثنوية: هي هي المائَوِية، نسبةً لرجل فارسي اسمه ماني، يقول بإلهين
اثنين، إله الخير وإله الشر، وهي التي عناها المتنبي بقوله:
تُخبر أن المائَوِية تكذبُ
وکم لظلام الليل عندك من يدٍ
وافتتح الذهبي ترجمة صالح بن عبد القدوس في ((الميزان)) (٣٦٣٠) بقوله:
((صاحب الفلسفة والزندقة)).
والذين يردّون اتهام ابن أبي العوجاء بما قدمته: يردُّونه لأنه من رواية محمد بن
شجاع الثلجي، المتهم عندهم بما قدمته أيضاً، لكنْ بناء على ما بيَّنته من واقع أمره،
فلا یبقی وجه لردّه. والله أعلم.
ولقائل أن يقول: إننا لو سلّمنا باتهام ابن أبي العوجاء، فإنه لا ريب في أن هذا
الكفر الصريح لا ينبغي أن يتصوَّر رواجه على حماد بن سلمة !! فأقول: نعم، وليس
ثَمَّة إلا احتمالُ أن يكون أُخذ عنه صحيفةً لا روایة. فالمتهم به رجل من وراء الستار،
لا أحدُ الرجلين المذكورين في الإسناد: الثلجي وأبي المهزم، فمهما قيل فيهما فإن
=

٤٤٩
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
وقد أكثر جامع ((الموضوعات)) في نحو مجلدين - أعني أبا الفرج ابنَ
الجوزي - فذکر کثیراً مما لا دليل على وضعه بل هو ضعيف.
[ش]
(وقد أكثر جامع ((الموضوعات)) في نحو مجلدين، أعني أبا الفرج ابن
الجوزي فذكر) في كتابه (كثيراً مما لا دليل على وضعه بل هو ضعيف) بل وفيه
الحسن، بل والصحيح.
وأغربُ من ذلك: أن فيها حديثاً من ((صحيح)) مسلم كما سأبينه.
قال الذهبي(١): ربما ذكر ابن الجوزي في ((الموضوعات)) أحاديث حساناً قوية.
قال: ونقلتُ من خط السيف أحمد ابن المجد (٢) قال: صنف ابن الجوزي
[ب] -
صلاحهما وديانتهما - وهى محل اتفاق - تَردّ اتهامهما باختلاق هذا الكفر الصريح.
وأزيد القول أيضاً: لو أننا سلَّمنا بكل ما حكاه عثمان الدارمي وأنَّهم به الثلجيَّ:
فإن التجهم شيء، وهذا الكفر الصريح شيء آخر، والثلجي - على مقامه عند
البعض، وعلى بدعته في نظر آخرين - مستبعدٌ منه كلَّ الاستبعاد اختلاقُ هذا
الحديث !! والله أعلم بحقيقة الأمر.
ثم رأيت كلمة للحافظ ابن عساكر في أمر هذا (الكذب والكفر) أعدلَ وأدقَّ،
قالها في ((تاريخه)) ١٣: ١٤٥ ترجمة أبي علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي
قال: ((حديث إجراء الخيل موضوع، وضعه بعض الزنادقة، ليشنِّع به على أصحاب
الحديث .. ))، فما ذكر الثلجيَّ ولا غيره، ووصف واضعه بالزندقة، ولم يُوصف
الثلجي بذلك، ونقلها الحافظ في ((لسان الميزان)) (٢٣٤٧) آخر ترجمة الأهوازي، مع
الموافقة، وكذلك لم يذكر الثلجيَّ ولا غيره.
(١) في ((تاريخ الإسلام)) ترجمة ابن الجوزي ١٢: ١١١١، وكذا قوله التالي.
(٢) في النسخ: ابن أبي المجد، خطأ، إلا ط ففيها ما أثبت، وهو حفيد الإمام
=

٤٥٠
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
كتاب ((الموضوعات)) فأصاب في ذكره أحاديثَ شنيعة مخالفة للنقل والعقل،
ومما لم يُصب فيه: إطلاقُه الوضعَ على أحاديثَ بكلامِ بعضِ الناس في أحدٍ
رواتها، كقوله: فلان ضعيف، أو ليس بالقوي، أو ليّن، وليس ذلك الحديثُ
مما يَشهد القلب ببطلانه، ولا فيه مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سنة ولا
إجماع، ولا حجة بأنه موضوع سوى كلام ذلك الرجل في راويه، وهذا عدوانٌ
ومجازفة. انتھی(١).
[ت) .
الموفق ابن قدامة المقدسي، فهو سيف الدين أحمد بن مجد الدين عيسى بن موفق
الدين عبد الله ابن قدامة (٦٠٥ - ٦٤٣) رحمهم الله، ترجمته في ((تاريخ الإسلام)) ١٤ :
٤٣٤، وترجمة أبيه فيه ١٣: ٤٤٤ (٥٧٨ - ٦١٥) رحمه الله.
وهذا نقل واحد من عدة نقول نقلها الذهبي في ترجمة ابن الجوزي في ((تاريخٍ
الإسلام)) عن السيف ابن المجد هذا في انتقاد ابن الجوزي، وقد يكون في بعضها حط
بسبب اختلاف المشرب حتى من الذهبي. والله أعلم.
(١) [قال العراقي - ص١٢٠ -: ومع هذا فلا يلزم من وجود كذاب في السند أن
يكون الحديث موضوعاً، إذْ مطلق كذب الراوي لا يدل على الوضع إلا أن يعترف
بوضع هذا الحديث بعينه، أو ما يقوم مقام اعترافه، على ما ستقف عليه. انتهى.].
وتقدم هذا النقل قريباً ص٤٢٦.
[وعبارة ((فتح الإله)): هذا مع أن مجرد تفرد الكذاب، بل الوضَّاع، ولو كان بعد
الاستقصاء في التفتيش من حافظ تام للاستبراء غير مستلزِم للوضع، بل لا بدَّ معه من
انضمام شيء آخر، كإقرار واضعه، ورِكَّة لفظه، أي: ضعفه عن قوة فصاحته صلى
الله عليه وسلم في اللفظ والمعنى معاً، أو في اللفظ حيثُ لم يرو بالمعنى، ويُعرف
=

٤٥١
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
وقال شيخ الإسلام(١): غالبُ ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي
يُنتقد عليه بالنسبة إلى ما لا ينتقد قليل جداً، قال: وفيه من الضرر: أن يُظن ما
لیس بموضوع موضوعاً، عكس الضرر بـ((مستدرك)) الحاکم، فإنه یظن ما ليس
بصحيح صحيحاً.
قال: ويتعيَّن الاعتناء بانتقاد الكتابين، فإن الكلام في تساهلهما أعدم
الانتفاعَ بهما إلا لعالم بالفنّ، لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه
التساهل.
قلت: قد اختصرتُ هذا الكتاب فعلَّقتُ أسانيده وذكرت منها موضع
الحاجة، وأتيتُ بالمتونِ وكلامٍ ابن الجوزي عليها، وتعقبتُ كثيراً منها، وتتبعت
كلام الحفاظ في تلك الأحاديث، خصوصاً شيخَ الإسلام في تصانيفه وأمالیه،
[ب] -
ذلك بكثرة ممارسته ألفاظَ الشارع، حتى تحصل له ملكة قوية، وهمّة راسخة یفرق بها
بين الموضوع وغيره، ثم قال بعد كلام طويل : الحكم بالوضع من المتأخرين عَسِرٌ
جداً .. إلخ ما تقدم - ص ٤٣٠ - على هامش الصفحة السابقة.].
قلت: وابن الجوزي مقرُّ بهذا على نفسه، لكنه أدخل الحديث في
((الموضوعات)) لنكارة معناه - في نظره -، وقد قال أول كتابه ١٥:١: ((اعلم أنه قد
يجيء في كتابنا هذا من الأحاديث ما لا يُشك في وضعه، غير أنه لا يتعيّن لنا الواضع
من الرواة، وقد يتفق رجال الحديث كلهم ثقات، والحديث موضوع، أو مقلوب، أو
مدَّس، وهذا أشكل الأمور)).
(١) هذا وما بعده من ((النكت الوفية )) ١: ٥٤٨ - ٥٤٩.

٤٥٢
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
ثم أفردتُ الأحاديث المتعقَّبة في تأليف(١).
وذلك أن شيخ الإسلام ألَّف ((القول المسدَّد في الذبّ عن المسند))،
أورد فيه أربعة وعشرين حديثاً في ((المسند)) وهي في الموضوعات،
وانتقدها حديثاً حديثاً، ومنها حديث في ((صحيح)) مسلم، وهو ما رواه من
طريق أبي عامر العَقَدي، عن أفلحَ بن سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن
أبي هريرةَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنْ طالتْ بك مدةٌ أَوشكَ
أن تَرَى قوماً يَغْدُون في سَخَط الله، ويَرُوحون في لعنته، في أيديهم مثلُ
أذناب البقر))(٢).
[ب] -
(١) يشير الشارح رحمه الله أولاً إلى مختصره ((اللآلئ المصنوعة))، ثم إلى
((النكت البديعات))، وكلاهما طبع أكثر من مرة، لكن المهم التنبيه إلى أن ((النكت
البديعات)) طبع أولاً في الهند سنة ١٣٠٣ باسم ((التعقبات على الموضوعات))، فظنه
بعض الطلبة كتاباً آخر غير ((النكت البدیعات)).
ثم عمل الشارح رحمه الله وجزاه خيراً عملاً ثالثاً، فجمع الأحاديث الموضوعة
التي لم يذكرها ابن الجوزي في كتابٍ عُرف بـ ((الذيل على اللآلئ المصنوعة)) طبع
محقَّقاً في مجلدين، باسم ((الزيادات على الموضوعات)) بلغ عدد أحاديثه بترقيم
محققه: ١٠٥٦ حديثاً.
(٢) ((صحيح)) مسلم ٤: ٢١٩٣ (٥٣، ٥٤) من طريق زيد بن الحُباب وأبي عامر
العَقَدي، عن أفلح بن سعيد، به، وهو في ((مسند)) أحمد ٢: ٣٠٨، ٣٢٣ عن أبي
عامر، به، إلا أنه أبهم أفلح بن سعيد في الموضع الأول.

٤٥٣
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
قال شيخ الإسلام(١): لم أقفْ في كتاب ((الموضوعات)) على شيء حكم
عليه بالوضع وهو في أحد الصحيحين غيرِ هذا الحديث، وإنها لغفلةٌ شديدة،
ثم تكلّم عليه وعلى شواهده.
وذيَّلْت على هذا الكتاب بذيل في الأحاديث التي بقيت في الموضوعات
من ((المسند))، وهي أربعةَ عشر حديثاً مع الكلام عليها، ثم ألَّفتُ ذيلاً لهذين
الكتابين سميته: ((القول الحسن في الذبِّ عن السنن))، أوردتُ فيه مئةً وبضعةً
وعشرين حديثاً ليست بموضوعة(٢).
منها: ما هو في (سنن)) أبي داود وهو أربعةُ أحاديثَ، منها حديث صلاة
(٣)
التسبيح(٣).
ومنها: ما هو في ((جامع)) الترمذي، وهو ثلاثة وعشرون حديثاً.
ومنها: ما هو في ((سنن)) النسائي، وهو حديث واحد (٤).
(١) في ((القول المسدّد)) ص٣٧، وهو الحديث الثالث من أحاديثه التي زادها
على جزء شيخه العراقي.
(٢) ينبغي أن يلاحظ: أنه رحمه الله يقول: ليست بموضوعة، لا أنها صحيحة،
فقد تكون ضعيفةً أو أحسنَ حالاً.
(٣) صلاة التسبيح أخرج حديثها أبو داود (١٢٩١ - ١٢٩٣) من حديث ابن
عباس وغيره، وقد أفرد الكلام عليها بالتأليف عدد من الأئمة، وهي ثابتة، ولا أرى
للإطالة فيها حاجة.
(٤) هو قوله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ آية الكرسي في دُبُر كل صلاة
=

٤٥٤
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
ومنها: ما هو في ابن ماجه، وهو ستة عشر حديثاً.
ومنها: ما هو في ((صحيح)) البخاري رواية حماد بن شاكر، وهو حديثُ
ابنِ عمر: ((كيف بك يابنَ عمر إذا عُمِّرت بين قومٍ يُخبئون رِزق سنتهم))، هذا
الحديث أورده الديلمي في «مسند الفردوس)) وعزاه للبخاري، وذکر سنده إلى
ابن عمر، ورأيت بخط العراقي أنه ليس في الرواية المشهورة، وأن المزي ذكر
أنه في رواية حماد بن شاكر. فهذا حديث ثانٍ في أحد الصحيحين(١).
[ب] -
مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت))، رواه النسائي (٩٩٢٨) من حديث
أبي أمامة رضي الله عنه، وذكره ابن الجوزي (٤٧٨)، فينظر التعليق عليه.
(١) كرر الشارح رحمه الله هذا القول في ((النكت البديعات)) (٢٢٧) وغيره،
وكلامه فيه أوفى من كلامه الذي في ((اللآلى)) ٢: ١٨١، وسأعتمده في نقل كلام
العراقي الآتي.
وتفصيلُ القول في هذه الفقرة من كلام الشارح كما يلي:
١ - حديث ابن عمر هذا طرف من حديث طويل أوّله: أنه صلى الله عليه وسلم
دخل ومعه ابن عمر حائطاً لبعض الأنصار، فجعل صلى الله عليه وسلم يلتقط من
التمر ويأكل، وابن عمر لا يأكل، فسأله؟ فقال: لا أشتهيه، فقال صلى الله عليه
وسلم: «لکني أشتھیه، وهذه صُبْح رابعةٍ لم أَذُق طعاماً ولم أجده .. ، وکیف بك يا بن
عُمر إذا بقيتَ في قوم يُخبئون رزق سنتهم، ويضعُف اليقين .. )).
رواه عبد بن حميد (٨١٦)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) تفسير الآية ٦٠ من
سورة العنكبوت، من طريق الجراح بن المنهال، عن الزهري، عن رجل لم يسم، عن
ابن عمر، ورواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم)) ص٢٣٤ في آخر
=

٤٥٥
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
(ت)
باب من أبواب كتابه، ومن طريقه: الواحدي في ((أسباب النزول)) ص٣٩٦.
وعند الجميع: الجراح - لا: الحجاج - بن المنهال الجزري، وهو ضعيف، بل
شديد الضعف، قال فيه البخاري في ((التاريخ الأوسط)) (٧٧٥)، وتبعه مسلم في
((الكنى)) (٢٦٦٠): منكر الحديث، وقال النسائي في ((الضعفاء)) (١٠٣): متروك
الحدیث.
وشيخه الزهري: ليس هو بابن شهاب، بل قال أبو الشيخ عقب روايته: ((قال أبو
محمد - هو هو أبو الشیخ ـ: الزهري هو عبد الرحيم بن عطاف)).
قلت: أما أبوه عطاف: فنعم، هكذا جاء في ((التاريخ الكبير)) للبخاري ٥
(١٠٦٤)، و((الثقات)) لابن حبان ٧: ٧٠، وابن حجر بخطه في ((التقريب)) (٣٩٥٥)،
وتحرف في ((تهذيب التهذيب)) ٦: ٢٣١ إلى: ابن عطاء، بالهمز.
وأما عبد الرحيم: فهكذا في ((سنن النسائي الكبرى)) (٨٩٣٩)، و((تحفة
الأشراف)) (٣١٧٦)، وفي المصادر الأربعة السابقة: البخاري، وابن حبان، وكتابي
ابن حجر: عبد الرحمن فكأنهما قولان.
أما الرجل المبهم الراوي عن ابن عمر، فسُمِّ عند أبي الشيخ - والواحدي -:
عطاء، وهو ابن أبي رباح، والراجح سماعه من ابن عمر، كما بيَّنته في التعليق على
الحديث (٩٨٠٢) من ((مصنف)) ابن أبي شيبة، وعلى ترجمته من ((الكاشف))
(٣٧٩٧).
٢ - أما حديث البخاري: فهو الحديث الذي علّقه في كتاب الصلاة: الباب ٨٨
باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره (٤٨٠)، على شيخه عاصم بن علي، عن
عاصمٍ بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأخیه واقدٍ بن محمد، قال
عبد الله - ابن عمر -: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الله بن عَمٍو كيف
بك إذا بقيتَ في حثالة الناس)).
فلیس لحدیث «القوم يخبئون رزق سنتهم)) صلة بحديث البخاري لا من قريب
=

٤٥٦
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ب]
ولا من بعيد، إنما فيه قوله صلى الله عليه وسلم: ((كيف بك يابن عمر إذا بقيت في
قوم))، وهو يتفق مع قوله في حديث البخاري (٤٨٠) من حديث ابن عمر أيضاً:
((كيف بك إذا بقيت في))، فاللفظ والمعنى الإنكاري متفقان، وقد روى الديلمي اللفظ
الأول، كما يستفاد من ((النكت البديعات))، وسبق ذهن الديلمي إلى لفظ البخاري
هذا، فعزاه إليه، وساق سنده به.
ثم وقف العراقي على كلام الديلمي فاستغرب عزوه إلى البخاري، فراجَع («تحفة
الأشراف)) ليتثبّت نفياً أو إثباتاً، فرأى المزيَّ في ((التحفة)) (٤٧٢٨) ذكر الطرف
المشتبه بالرواية الموضوعة، وعزاه إلى البخاري وقال: ((هذا من رواية حماد بن شاكر
عن البخاري))، فتأكد عند العراقي استغرابه، فعلق على كلام الديلمي بما نصه: ((ليس
هو فیما رأينا من نسخ البخاري، وذکر المزيُّ أنه من رواية حماد بن شاكر)».
أما ابن حجر فاستدرك على المزي نفيَه (الضمنيَّ) وجودَ هذا الحديث في
روايات البخاري الأخرى، فعلّق عليه في ((الفتح)) ١: ٥٦٦، و((النكت الظراف)) أنه في
رواية الفربري، فانظره في كتاب الصلاة، الباب ٨٨، باب تشبيك الأصابع في
المسجد (٤٨٠).
٣ - وعلى هذا: فيكون الحكم على حديث البخاري هذا بأنه موضوع سَهْوة من
الحافظين: الديلمي أولاً، ثم العراقي، وأن الصواب الذي لا شك فيه: أن حديث
البخاري صحيح، وأن ابن الجوزي بريء من هذا الحكم.
٤ - حديث ابن عمر الذي في ((منتخب عبد بن حميد)) وغيره، والذي حكم عليه
النسائي بالوضع، كما نقله عنه ابن الجوزي ٣: ٨٨، يختلف عن حديث ابن عمر
الذي في البخاري اختلافاً كبيراً.
فالذي في البخاري هو من رواية ابن عُمر، لكنه خطاب موجَّه إلى عبد الله بن
عَمْرو، وقد رواه بتمامه الإمام أحمد في ((مسنده)) ٢: ١٦٢ من حديث ابن عَمْرو.
هذه مغايرة.
=

٤٥٧
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ت)
ومغايرة ثانية: إن مدار معناه على الحضّ على العزلة عن النساء آخر الزمن، أما
حديثُ ابنِ عُمر الموضوعُ فمدار معناه على ذم ادخار الرزق والقوت، ومدح الزهد
في الدنيا، فلا صلة بين معنييهما لا من قريب ولا من بعيد.
٥ - بقيت ملاحظة أخيرة حول كلام الشارح هنا وفي ((النكت البديعات))، هي
قوله هنا: ((فهذا حديث ثانٍ في الصحيحين))، ونحوه هناك: ((فهذا حديث في
((الموضوعات)) من صحيح البخاري.
أقول: هاتان الجملتان هما من زيادات الشارح على كلام العراقي، وتبيّن فيما
سبق أن ذلك غير صواب. والله أعلم.
٦ - واستيفاء للكلام على معنى هذا الحديث الموضوع أقول: قال القرطبي في
((تفسيره)) ١٣: ٣٥٩ - ٣٦٠ إذْ ذكر حديث ابن عُمَر، وقال: «هذا حديث ضعيف،
يُضعِّقه أنه عليه السلام كان يدَّخر لأهله قوتَ سَنَتهم، اتفق البخاري علیه ومسلم،
وكانت الصحابة يفعلون ذلك وهم القدوة وأهل اليقين، والأئمة من بعدهم من
المتقين المتوکلین».
وحديث البخاري ومسلم هو حديث عمر رضي الله عنه: أنه صلی الله عليه وسلم
كان يحبس لأهله قوت سنتهم. رواه البخاري (٣٠٩٤، ٥٣٥٧، ٥٣٥٨)، ومسلم ٣:
١٣٧٦ (٤٨، ٤٩) من حديث عمر.
وقد قال الله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن الله خُمُسه وللرسول .. ﴾
[الأنفال: ٤١]، وكان صلى الله عليه وسلم يقسم الغنائم بين أصحابه، فيدَّخرون
أنصباءهم، وأذن لهم بادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، كما في البخاري (٥٥٦٩)،
ومسلم ٣: ١٥٦٣ (٣٤) عن سلمة بن الأكوع وغيره، ولولا ادّخارُ الناس أرزاقَهم لما
كانت زكاة ولا حج ولا جهاد ولا وصية ولا وقف ولا ميراث، ولا هبة.
ومع ذلك فإنه يؤید ذمَّ الادخار حدیثُ أنس: کان صلی الله عليه وسلم لا يدخر
شيئاً لغدٍ. رواه الترمذي (٢٣٦٣) وقال: غريب، وقال الصدر المناوي في ((كشف
=

٤٥٨
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
(س)
المناهج والتناقیح)) (٤٦٩٥): سنده جيد، ورواه ابن حبان (٦٣٥٦).
ثم إن ردَّ حديث ابن عمر مسلَّم به من حيث السند، أما تضعيفه من حيث
المعنى، كما نقلته عن القرطبي، فإن الشراح أجابوا عن التعارض الظاهر بينهما،
فينظر لزاماً ((فتح الباري)) ٩: ٥٠٣، وأما جواب ابن كثير في ((الشمائل)) ص ١٠٤ ففيه
نظر.
وأقصد من هذا التنبيه: أن المعنى الذي أنكره القرطبي غير مسلّم، ولا بدّ من
التأني في الإثبات، وزيادةَ التأتّ في النفي والإنكار، ومذاهبُ السلف واسعة، فمن
ادخر فله رکن شدید یأوي إليه، ومن لا: فله رکن شدید یاوي إلیه.
ولا بد لي من قولٍ آخر وأخير: إن هذا الاشتباه من الحافظين الديلمي والعراقي
رحمهما الله، أورث هذا الكلامَ الذي اختصرتُ بيانه كثيراً، ويلزمني أن أنبّه إلى اشتباه
آخر يتصل بما نحن فيه، كي لا يتكرر التوارد عليه فيما بعد، فيقال: صار في البخاري
حدیثان موضوعان! وبيانه كما يلي:
أخذ كلامَ الشارح في دعواه أن ابن الجوزي ذكر في ((موضوعاته)) حديثاً من
البخاري، وآخر من مسلم: العلامةُ السَّنْدروسي في كتابه ((الكشف الإلهي)) فقال في
مقدمته ص٥٦: ((إنه أدخل فيه حديثاً من ((صحيح)) البخاري المجمع على صحته،
ومن جامع مسلم المتفق على جلالته))، فعّق عليه محققه بقوله: «هو حديث: إن أحق
ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله))، اعتماداً على كلام المؤلف السندروسي هناك ص١٥٨
(٢٢٠)، الذي أخذ فيه إنكار الشارح في ((اللآلئ المصنوعة)) على ابن الجوزي دعواه
أن هذا الحديث في ((صحيح)) البخاري، فلا يصح ذكره في ((الموضوعات)).
قلت: لفظ الشارح في ((اللآلئ المصنوعة)) ١: ٢٠٦ لا غبار عليه، فإنه قال بعد
نقل كلام ابن عدي ٦: ١٠٧ (١٣٢٢) ولفظه: وهذا الحديث - وإن كان في إسناده
ثابت الحفار - لا يعرف، فهو حديث منكر: ((عمرو بن المُخَرِّم: له مناكير، وثابت
الحفار: لا يعرف، والحديث منكر)). أي: من هذا الطريق بهذه القصة، وإلا فهو بهذا
=

٤٥٩
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
ومنها: ما هو في تأليف البخاري غير ((الصحيح))، كـ: ((خلق أفعال
العباد))، أو تعاليقه في ((الصحيح))، أو في مؤلّف أُطلِقٍ عليه اسم الصحيح
كـ ((مسند)) الدارمي(١) و((المستدرك))، و((صحيح)) ابن حبان، أو في مؤلَّف
معتبر كتصانيف البيهقي، فقد التزم أن لا يُخرج فيها حديثاً يعلمه
اللفظ في «صحیح) البخاري، وذكره بسنده ومتنه.
فقد نبّه الشارح رحمه الله إلى أمر مهم في النقل والحكم الذي يجده القارئ في
الكتب المفردة لتراجم الضعفاء والمجروحين، بأسانيدها، هو: أنهم يحكمون على
إسناد معين، فهو حكم خاص، لا حكم عام، ولو كان يُنكَر على كل حكم من هذه
الأحكام الخاصة، لكان يحق لنا أن ننكر على ابن عدي أحكامه على أحاديث أخرى
كثيرة من هذا القبيل، وكذلك يقال في حق ابن حبان في ((المجروحين)).
ومن أمثلة ذلك في حق ابن حبان: أنه ذكر في ترجمة عبد السلام بن عبيد بن أبي
فروة من ((المجروحين)) ٢: ١٥٢ أشدّ الأحاديث تواتراً: ((من كذب عليّ متعمداً)) !! ،
وحديث ((لا يلدغ المؤمن من جُحْر مرتين))، وهو في الصحيحين !! ومراده ومراد
غيره: أن الحديث موضوع من هذا الطريق، لا من عامة طرقه، وقد سبق مني ٢: ٢٣
التنبيه إلى هذه الملاحظة، وضرورة التفرقة بين الكتب التي تعطي حكماً خاصاً،
والكتب التي يستفاد منها الحكم العام، وهذا مثال واقعي على ذاك الكلام النظري.
نعم، صنيع العقيلي في ((ضعفائه)) أتم فائدة، فإنه كثيراً ما يذكر حديثاً متنُه
صحيح معروف من غير طريق هذا الضعيف الذي رواه في ترجمته، لكنه صنيع غير
لازم لهم.
(١) ينظر ما سبق صفحة ٦١ - ٦٢.

٤٦٠
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
موضوعاً (١)، ومنها ما ليس في أحد هذه الكتب.
وقد حرَّرت الكلام على ذلك حديثاً حديثاً، فجاء كتاباً حافلاً، وقلت في
آخره نظماً (٢):
أبي الفرج الحافظِ المُقْتدِي
كتاب الأباطيل للمرتضى
الذي البصر الناقد المُهتدِي
تضمَّن ما ليس من شرطه
وفوقَ الثلاثين عن أحمدِ
ففيه حديثٌ روى مسلم
روايةِ حمادِ المسند(٣)
وفردٌ رواه البخاريُّ في
ويضعٌ وعشرون في الترمذي(٤)
وعند سليمانَ قلْ أربعٌ
[ب]
(١) ينظر كلام البيهقيُّ في مقدمة ((معرفة السنن)) ١: ١٤٥، و((المدخل لدلائل
النبوة)) ١: ٤٦ - ٤٧، ولا يُنكِرِ البيهقيُّ ولا غيره اختلافَ الاجتهاد في هذا الباب، فما
يراه البيهقي ضعيفاً أو شديد الضعف فيسوِّغُ لنفسه ذكرَ الحديث في كتبه، قد يراه
غيره موضوعاً، فينكر على البيهقي مخالفته لما التزمه.
(٢) ليس في آخر ((اللآلئ المصنوعة)) نظم، إنما هو في آخر ((النكت
البديعات))، لكنها غير هذه الأبيات، وتختلف عدة الأحاديث الموضوعة في بعض
الکتب هنا، عما هو هناك.
(٣) تقدم ص٤٥٤ وما بعده أن هذا لا يصح.
(٤) ((سليمان)): هو الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني. وفي
قوله ((الترمذي))، وبعد بيتين ((الجهبذي)): عيبٌ من عيوب القافية يسمونه:
الإكفاء، وهو المخالفة بين هجاء قافية القصيدة، فأصلها هنا دال مهملة،
واضطر إلى جعلها ذالاً معجمة.