Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
النوع الثاني : الحسن
ومن مظانِّه سنن أبي داود، فقد جاء عنه أنه یذکر فیه الصحیحَ.
[ش]
(ومن مظانِّه) أيضاً: (سنن أبي داود، فقد جاء عنه أنه يَذكر فيه الصحيحَ
[ب] -
(٨٦٥)، وقال عن قول الترمذي: صحيح: ((تصحيح مثل هذا من غلط الرواة بعد
الترمذي، فإنه لا يقع ممن له أدنى معرفة بالحديث)) فإذا كان هذا حال الاعتماد على
رواية الكَروخي، فما بال الاعتماد على طبعات لازمام لها ولا خطام !!.
وأفاد الإمام ابن دقيق العيد أن من أسباب اختلاف أحكام الترمذي اختلافَ
الروايات عنه، منها اختلاف رواية الكَروخي مع روايات المبارك الصيرفي، نقل ذلك
عنه الزركشي ٣٤٦:٢ - ٣٤٧ (٨٢) بواسطة العلامة القاضي أبي العباس السَّروجي،
عنه.
وبناءً على هذا أقول: إن الدراسات المعاصرة التي تتصل بكتاب ((السنن)) عامة،
أو بحكم من أحكامه لدراسته، مثل: حسن، أو حسن غريب، أو حسن صحيح،
حسن صحيح غريب، وهكذا، إن هذه الدراسات لا تصل - فيما أرى - إلى نتائج
حاسمة صحيحة، لأنها تقوم على اعتماد طبعات ((السنن))، وليس فيها ما يُعتمد على
أحكام الإمام الترمذي، لأنها غير معتمدة على أصول خطية موثوقة مقروءة على أئمة
معتمدين، فلهذا كانت دراساتٍ على أرض غير صُلبة، ولا يزال هذا الكتاب الرفيع
القدر، العمدة الحجة، بحاجة إلى خدمة لائقة بمقامه العلمي الرفيع، يعتمد فيه القراء
على أحكام مؤلفه الإمام، لا على أحكامنا.
ومن الدراسات الجادّة المعاصرة عن ((الحديث الحسن لذاته ولغيره)) كتاب
الدكتور خالد الدريس، وأولى الحديث الحسنَ عند الإمام الترمذي اهتماماً خاصاً،
وأجودُ ما فيه وهو يتصل بما نحن بسبيله: المقارنةُ بين أحكامه في المطبوع مع نسخة
الگروخي، وقد علمتَ حالها.

٤٢
النوع الثاني : الحسن
وما يُشبهه ويُقاربه، وما كان فيه وَهْن شديد بَّته، وما لم يَذكُر فيه شيئاً فهو
صالح، فعلى هذا: ما وجدنا في كتابه مطلقاً ولم يُصححه غيره من
المعتمدین ولا ضعَّفه : فهو حسنٌ عند أبي داود.
[ش]
وما يُشبهه ويُقاربه(١)، وما كان فيه وَهْن شديد بَّنه، وما لم يَذكُر فيه شيئاً فهو
صالح) قال: وبعضُها أصح من بعض.
(فعلى هذا: ما وجدنا في كتابه مطلقاً) ولم يكن في أحد الصحيحين (ولم
يُصححه غيره من المعتمَدين) الذين يميزون بين الصحيح والحسن (ولا ضعَّقه :
فهو حسنٌ عند أبي داود) لأن الصالح للاحتجاج لا يَخرج عنهما، ولا يرتقي
إلى الصحة إلا بنصّ، فالأحوط الاقتصار على الحسن، وأحوطُ منه: التعبيرُ عنه
بـ: صالح(٢).
-
[ب] -
(١) جاء هذا اللفظ في ((تاريخ بغداد)) ١٠: ٧٨ من رواية ابن داسه، عن أبي
داود، وليس في ((رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه)) المطبوعة، فإنها من رواية أبي
بکر محمد بن عبد العزیز الهاشمي، عن أبي داود.
أما قوله الثاني فهو في الرسالة المطبوعة ص ٣٧ - ٣٨.
وقال السخاوي في ((شرح التقريب والتيسير)) ص٧٧: ((مشى ابن الجزري في
((هدايته)) - ص ٢٥١ بشرحها - على أن ما يُشبهه: هو الحسن، وما يقاربه: هو
الصالح))، وهذا أولى من كلام مغلطاي)) ٢: ١٤٣، وفي ((النكت الوفية)) ١: ٢٥٧
تفصیل جید.
(٢) بل هذا الأحوط هو المتعين، بل إن المتعين اللازم أن نقول: ما سكت عنه
أبو داود فهو صالح عنده، لا: صالح فقط، إذِ الصالح مطلقاً، هو ما صلُح للاحتجاج
به، وهو الصحيح والحسن، أما الصالح عند أبي داود فهو الصالح للاحتجاج
=

٤٣
النوع الثاني : الحسن
[ش]
وبهذا التقرير يندفع اعتراض ابن رُشَيد (١): بأن ما سكت عليه قد يكون
عنده صحیحاً وإن لم یکن کذلك عند غيره.
وزاد ابن الصلاح(٢): أنه قد لا يكون حسناً عند غيره، ولا مندرِجاً في حدّ
[ب] -
وللاعتبار، والصالح للاحتجاج عنده هو الصحيح والحسن والضعيف إذا لم يوجد في
الباب غيره، ويقدِّمه في العمل به على القياس، والصالح للاعتبار هو ما كان ضعيفاً
ضعفاً يسيراً ووسطاً لا ضعفاً شديداً.
ثم، إن كلمة (عنده) تمیِّز وتخرج ما يختلف فيه حكم أبي داود مع حكم غيره
من الأئمة، زيادة في القوة أو الضعف، أو نقصاناً فيهما.
وقد فصَّل الحافظ في ((النكت)) ١: ٤٣٥ أقسام ما يندرج تحت قول أبي داود
((وما سكت عنه فهو صالح))، فقال: «ومن هنا یتبیّن أن جمیع ما سكت علیه أبو داود
لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي، بل هو على أقسام: ١ - منه ما هو في
الصحيحين. ٢ - أو على شرط الصحة. ٣ - ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته.
٤ - ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد - وهذان القسمان - ٣، ٤ - كثير في كتابه
جداً. ٥ - ومنه ما هو ضعيف، لكنه من رواية من لم يُجمع على تركه غالباً. وكل هذه
الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها)).
لكن من الإنصاف وحقِّ الإمام الذهبي رحمه الله أن يقال: إنه هو السابق إلى هذا
التفصيل، وفيه هذا القيد الذي في كلام الحافظ ((لم يجمع على تركه غالباً) فإنه مهم،
فلينظر كلامه في ((السِّير)) ١٣ : ٢١٤، وزاده ابن حجر تحريراً.
(١) كلامه في ((النفح الشذي)) ١: ٢١٨.
(٢) في التنبيه الرابع ص٣٣.

٤٤
النوع الثاني : الحسن
[ش]
الحسن، إذْ حكى ابن مَنْده(١): أنه سمع محمد بن سعد الباوَرْدي يقول: كان من
[ب] -
(١) في جزئه المسمَّى تجوُّزاً (شروط الأئمة)) ص٧٣. وأنبه إلى أمرين، أولهما:
أن الظاهر - والله أعلم - من حكاية الباوَرْدي هذا المذهب عن هذين الإمامين إنما هي
استظهار واستقراء منه من كتابيهما، لا من نقل عنهما.
ثانيهما: قوله عن الحديث الضعيف هو أقوى عند أبي داود من رأي الرجال،
أقول: هکذا قال رحمه الله، وتُوبع كثيراً، ولو قال رحمه الله: أولى من رأي الرجال،
لكان أسلم، وإن كانت النتيجة واحدة، ذلك أن الحديث الضعيف يقدَّم على الرأي
لاحتمال صدق نسبته إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما رأي الرجال:
فهو منسوب إلى الرجال، لكنْ قوَّتُه من حيث إنه مبني على القياس الثابتِ أصلُ
مشروعيته بالكتاب والسنة.
فإن قيل: قد جاءت عبارة الإمام أحمد عند ابن حزم في ((المحلّى)) ١: ٦٨
(١٠٤): ((ضعيف الحديث أقوى من رأي أبي حنيفة))، فعبَّر: أقوى، أقول: نعم،
ولكن جاء لفظها في ((مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله)) ٣: ١٣١٣: ((ضعيف
الحديث خير من رأي أبي حنيفة))، حتى إن ابن حزم روى قبل هذا اللفظ رواية أخرى
بلفظ: أحب، لا بلفظ: أقوى.
كتبت هذا ثم رأيت الأبناسي في ((الشذا الفياح)) ١: ٢٤٦ عَدَل عن العبارة المتداولة
إلى ما نبّهت فقال: أولى من رأي الرجال، ومثلها في ((النكت الوفية)) ١: ١٨٨، ٢٦٩.
ثم، إنه اشتهر حكاية مذهب أبي داود مع مذهب شيخه أحمد، وعبارة الشارح
هنا تشير إلى هذه التسوية بقوله: ((وهذا أيضاً رأي الإمام أحمد))، وأصرح منها عبارته
الآتية آخر نوع الحديث المقلوب صفحة ٥٣١، والأمر سهل إن شاء الله.
وأخيراً: إن ذكر أبي حنيفة في كلمة الإمام أحمد جاء به المناسبة، أو السؤال، لا
بخصوص أبي حنيفة، فأنت ترى أن النقل عن أحمد وأبي داود يتكرر فيه كلمة: أحبّ
إليّ من رأي الرجال، عامةً لأيِّ كان.

٤٥
النوع الثاني : الحسن
[ش]
مذهب النسائي أن يُخرج عن كل من لم يُجمَع على تركه، قال ابن منده:
وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه، ويُخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب
غيرَه، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال(١).
وهذا أيضاً رأي الإمام أحمد فإنه قال(٢): إن ضعيف الحديث أحبُّ إليه من
رأي الرجال، لأنه لا يُعدل إلى القياس إلا بعد عدمِ النص(٣)، وسيأتي في هذا
البحثِ مزيدُ كلام، حيثُ ذَكَر المصنف العمل بالضعيف (٤).
فعلى ما نُقل عن أبي داود يَحتمل أن يريد بقوله صالح: الصالح للاعتبار
دون الاحتجاج، فیشمل الضعيف أيضاً، لكن ذكر ابن كثير(٥) أنه رُوي عنه: وما
سكتُّ عنه فهو حسن، فإنْ صحَّ ذلك فلا إشكال(٦).
[ب] -
(١) فلهذا أدخلتُ في (الصالح عنده) الضعيفَ ضعفاً يسيراً أو وسطاً.
(٢) في ((مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه عبد الله)) ٣: ١٣١٤، وأسنده إليه
ابن حزم في ((المحلی)) ١: ٦٨ (١٠٤)، وينظر أيضاً «إعلام الموقعين)) لابن القيم ١: ٦١.
(٣) قف وتأمل هذا التعبير! يقول: لا يعدل إلى القياس إلا بعد عدم النص، أي:
ففي حال وجود نص ضعيف، يكون له اعتبار ووجود، ولا يجوز تركه وإهداره
ونظمه في (سلسلة) واحدة مع الموضوعات !!.
(٤) آخر نوع الحديث المقلوب الآتي ص ٥٣١.
(٥) في ((اختصار علوم الحديث)) ص٤١. والاحتمال الذي طَرَقه في ((النكت
الوفية)) ١ : ٢٦٠ فيه بُعد.
(٦) قلت: لم يصح هذا عن أبي داود، والجواب الصحيح ما قَدَّمته قبل
صفحتین.

٤٦
النوع الثاني : الحسن
[ش]
تنبيه :
اعترض ابن سيد الناس ما ذُكر في شأن ((سنن)) أبي داود فقال(١): لم يرسم
أبو داود شيئاً بالحسن، وعملُه في ذلك شبيه بعمل مسلم(٢) الذي لا ينبغي أن
[ب] -
(١) في ((النفح الشذي)) ١: ٢٠٨.
(٢) الذي بيّنه في مقدمة «صحيحه» ١: ٥ -٦ وذلك بقوله - مع اختصار وتصرُّف
يسير -: أما القسم الأول فإنا نتوخّى أن نقدّم الأخبار التي هي أسلم من العيوب وناقلها
أهل استقامة وإتقان. ٢ - فإذا تقصَّينا أخبارهم أَتْبعناها أخباراً من طريق من ليس
بالموصوف بالحفظ والإتقان، کلیٹ بن أبي سُلیم، ویزید بن أبي زياد. ٣ - فأما حديث
المتهمين عند أهل الحديث أو أكثرهم فلا نتشاغل بحديثهم. ٤ - وكذلك مَن الغالبُ
علی حدیثه المنکر أو الغلط، أمسکنا عن حديثهم. انتھی باختصار.
فهؤلاء أربعة أقسام، وينبغي أن يجعلوا ثلاثة، کما نصّ مسلم أول كلامه ص٤
بقوله: ((ثم إنا مبتدئون في تخريج ما سألتَ ونَعمِدُ إلى جملة ما أُسند من الأخبار
فنقسمها على ثلاثة أقسام)).
وابن سيد الناس يرى أن قول أبي داود: ذكرت في كتابي الصحيح وما يشبهه
ويقاربه، هو مثل قول مسلم: إنه أخرج في صحيحه أحاديث رجال القسم الأول
والثاني، ولم ينزل إلى رجال الطبقة الثالثة، لكونه التزم الصحة، وأما أبو داود فنزل
إليها وأخرج بعض أحاديث رجالها، لكونه لم يلتزم الصحة، لكنه التزم البيان بقوله:
وما کان فیه وهن شدید بيّنتُه.
هذا، وقد قال في ((النكت الوفية)) ١: ٢٦٢: ((حاصل اعتراض ابن سيد الناس:
أنه يُلزم ابنَ الصلاح أن يقول: إن في ((صحيح)) مسلم ما ليس بصحيح، أو أن كل ما
في ((سنن)) أبي داود صحيح))، وينظر معه الجواب عن هذا الاعتراض، وإن كنت أرى
=

٤٧
النوع الثاني : الحسن
[ش]
يُحمل كلامه على غيره: أنه اجتنب الضعيف الواهي، وأتى بالقسمين الأول
والثاني، وحديثُ من مثَّل به من الرواة من القسمين الأول والثاني موجود في
کتابه دون القسم الثالث.
قال(١): فهلا أُلزِم مسلم من ذلك ما أُلزِم به أبو داود، فمعنى كلامهما
واحد.
قال: وقول أبي داود: ((وما يشبهه))، يعني في الصحة، ((ويقاربه))، يعني
فيها أيضاً، هو نحو قول مسلم: ليس كلّ الصحيح نجده عند مالك وشعبة
وسفيان(٢)، فاحتاج أن ينزل إلى مثل حديث ليث بن أبي سُليم، وعطاء بن
السائب، ويزيد بن أبي زياد(٣)، لِمَا يشمل الكلَّ من اسم العدالة والصدق، وإن
[ب] -
أن هذا المعنى لم يخطر ببال ابن الصلاح، رحمهم الله جميعاً.
(١) ابن سيد الناس ١: ٢١١، ولفظه: ((فهلاّ ألزم الشيخ أبو عمرو مسلماً .. )).
وكذلك النقل التالي.
(٢) هكذا قال ابن سيد الناس! وليس في كلام مسلم شيء من ذلك، إنما
ذكرهم في آخر البحث ص٨ في سياق ذمهم وجرحهم للرواة غير المرضيّين.
(٣) نعم، ذكر الإمام مسلم هؤلاء الثلاثة في سياق روايته حديثَ الطبقة الثانية
غير الموصوفين بالحفظ والإتقان، وروى مسلم لليث بن أبي سليم، ويزيد بن أبي
زياد الكوفي مقرونين. أما عطاء بن السائب فلم يرو له مسلم شيئاً، كما بيَّنتُ ذلك في
التعليق على ترجمته في ((الكاشف)) (٣٧٩٨). مع ما في كلام الحافظ في «النكت على
ابن الصلاح)) ١: ٤٣٤، وتلميذه السخاوي في ((فتح المغيث)) ١: ١٤٥ من صراحة أن
مسلماً روى لعطاء هذا في المتابعات، وليس الأمر كذلك.

٤٨
النوع الثاني : الحسن
[ش]
تفاوتوا في الحفظ والإتقان، ولا فرق بين الطريقين، غير أن مسلماً شرط
الصحيح، فتحَرَّج من حديث الطبقة الثالثة(١)، وأبا داود لم يشترطه، فذكر ما
یشتدُّ وهنه عنده، والتزم البیان عنه.
قال(٢): وفي قول أبي داود، إن بعضها أصح من بعض: ما يشير إلى القدر
المشترك بينهما من الصحة وإن تفاوتت، لما تقتضيه صيغة (أفعل) في الأكثر.
وأجاب العراقي(٣) بأن مسلماً التزم الصحيح، بل المجمعَ عليه في كتابه،
(س).
(١) ((فَتَحَرَّجَ)) هكذا جاءت الكلمة في نسخة ز، وفي ((النفح الشذي)) ١: ٢١٣،
وضبطها كذلك وفسّرها البقاعي في ((النكت)) ١: ٢٦٤ بإزالة الحرج، وفي باقي نسخ
((التدریب)): فيخرج.
(٢) المصدر السابق. ودعوى وجود قدر مشترك في الصحة، بين أحاديث الكتابين:
مسلَّمة في الكثير، لا الأكثر، لأن الراجح تفسير كلمة أبي داود (صالح) بما كان صالحاً
للاحتجاج - وهو الصحيح والحسن -، وما كان صالحاً للاعتبار، وهو ضعيف. وهو بهذا
يختلف عن مسلم في ((صحيحه)) وبهذا يُعرف ما في جواب العراقي الآتي.
(٣) في ((النكت)) ١: ٣١٩. وجوابه هذا قائم على التسليم بكلِّيتيْن، أولاها: أن
كل ما صححه مسلم فهو صحيح مجمع على صحته .. ثانيتها: أن كل ما في ((سنن)) أبي
داود فهو صحيح أو حسن عنده، لا غير.
وفي كلتيهما نظر، أما ما يتعلق بصحيح مسلم: فقد تقدم ٢: ٣٢٢، جواب ابن
الصلاح والنووي، وأن فيه غير المجمع عليه، وفيه أيضاً: أن الصحيح المجمع على
صحته هو ما رواه في كتابه أصولاً واحتجاجاً، أما ما كان في المتابعات والشواهد:
فلا، وكلامه الذي نقلته قريباً جداً ص ٤٦ واضح جدَّ الوضوح، ولم أر أحداً توقف
=

٤٩
النوع الثاني : الحسن
[ش]
فليس لنا أن نحكم على حديث خرَّجه بأنه حسن عنده، لما عُرِف من قصور
الحسن عن الصحيح، وأبو داود قال: إن ما سكتُّ عنه فهو صالح، والصالح
يشمل الصحيح والحسن، فلا يرتقي إلى الأول إلا بيقين.
وثَم أجوبة أخرى(١)، منها: أن العملين إنما تشابها في أن كلاًّ أتى بثلاثة
أقسام، لكنها في ((سنن)) أبي داود راجعة إلى متون الحديث، وفي مسلم إلى
رجاله، وليس بين ضعفِ الرجلِ وصحةٍ حديثه منافاةٌ.
ومنها: أن أبا داود قال: ما كان فيه وهن شديد بيَّنْتُه، ففُهِم أن ثَم شيئاً فيه
وهن غیر شدید لم يلتزم بيانه.
ومنها: أن مسلماً إنما يَروي عن الطبقة الثالثة في المتابعات، لينجبر
القصور الذي في رواية مَن هو (مِن] الطبقة الثانية (٢)، ثم إنه يُقِلّ من حديثهم
[ب] --
في الحكم على بعض أحاديث هذا القسم بالحسن، وأن بعض رجاله لم يسلموا من
غوائل الجرح.
وأما ما يتعلق بالأحاديث التي سكت عنها أبو داود: فتقدم هنا ص٤٢ أن الصواب
في فهم كلمة (صالح) هو ما كان صالحاً للاحتجاج عنده، والصالح للاحتجاج عنده هو
الصحيح والحسن والضعيف ضعفاً يعتبر به: أي: ليس شديدَ الضعف. والله أعلم.
(١) ثلاثة، هي التي ذكرها، وهي في ((النكت الوفية)) ١: ٢٦٢ - ٢٦٤.
(٢) هكذا في النسخ، و((النكت الوفية)) تحت: الجواب الرابع: ((عن الطبقة
الثالثة .. من الطبقة الثانية))، والظاهر أن يقال فيهما: الطبقة الثانية، وتأمل كلامَ مسلم
الذي تقدم قريباً نقلُه باختصار، مع الأمثلة، وكلامَ ابن حجر في ((النكت)) ١: ٤٣٤
من قوله: ((وإنما احتج - مسلم - بأهل القسم الأول سواء تفردوا أم لا، ويُخرج من
=

٥٠
النوع الثاني : الحسن
[ش]
جداً، وأبو داود بخلاف ذلك.
فوائد :
الأولى :
من مظانّ الحسن أيضاً: ((سنن)) الدار قطني، فإنه نصَّ على كثير منه، قاله
ابن الصلاح(١).
الثانية :
عدَّة أحاديث كتاب أبي داود أربعةُ آلافٍ وثمانُ مئةِ حديثٍ (٢)، وهو روايات،
أتمُّها رواية أبي بكر ابن داسَةْ، والمتصلة الآن بالسماع رواية أبي علي اللؤلؤي(٣):
(ت)
أحاديث أهل القسم الثاني ما يرفع به التفرد عن أحاديث أهل القسم الأول .. )).
(١) ص٣٢ آخر التنبيه الرابع. وفي ج، ك: ((قاله في المنهل الروي))، وهو فيه
أيضاً ص٣٨، لكن ما أثبتُّه أولى، فهو الأصل.
(٢) وبلغ تعداد أحاديثه معي (٥٢٣٢) حديثاً، وكان اعتمادي على أصل الحافظ ابن
حجر الذي بخطه رحمه الله تعالى، وقد جمع فیه بین عدة روايات، لكنه لم يستقص ما
فيها، وجاء في التعليق عليه زيادة (٩٩) حديثاً أخرى مستخرجة من (تحفة الأشراف)).
(٣) ((النكت)) للزركشي ٢٥٤:٢ - ٣٥٥ (٨٤)، وينظر ما كتبته عن روايات
((سنن)) أبي داود، في المقدمة التي كتبتها من ص ١٠ - ١٨.
وأما كتب السنن الثلاثة الأخرى، فكتب الشيخ ابن العجمي ما نصه:
[قال الزركشي - ((النكت)) ٢: ١٩٤ (٤٥) -: وأما كتاب ابن ماجه فقال أبو
الحسن ابن القطان صاحبه: عدَّته أربعة آلاف، وأما أحاديث الترمذي والنسائي فلم أر
من عدَّهما. انتهى.].

٥١
النوع الثاني : الحسن
[ش]
الثالثة :
قال أبو جعفر ابن الزبير(١): أولى ما أُرشِد إليه: ما اتفق المسلمون على
اعتماده، وذلك الكتب الخمسة، و((الموطأ)): الذي تقدَّمها وضعاً ولم يتأخر
عنها رتبة، وقد اختلفتْ مقاصدهم فيها، وللصحيحين فيها شُقُوف(٢)،
وللبخاري : - لمن أراد التفقُّه ـ مقاصدُ جليلة، ولأبي داود: في حصر أحاديث
الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره، وللترمذي: في فنون الصناعة الحديثية ما لم
يشاركه غيره (٣)، وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلَّها.
وقال الذهبي(٤): انحطتْ رتبة ((جامع)) الترمذي عن ((سنن)) أبي داود
[ب]
(١) هو الإمام أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغَرْناطي (٦٢٧ - ٧٠٨)،
طُبع له: ((ملاك التأويل)) في مجلدين كبيرين، و((البرهان في تناسب سور القرآن)).
(٢) أي: تميُّز وزيادة مكانة.
(٣) قال الإمام أبو بكر ابن العربي رحمه الله في مقدمة شرحه ((عارضة
الأحوذي)): ((فيه أربعة عشر علماً فوائد: صنَّف - أي: رتّب -، وذلك أقرب إلى
العمل، وأسند، وصحح، وأَسْقَم، وعدّد الطرق، وجرح، وعدّل، وأسمى،
وأَكْنَى، ووصل، وقطع، وأوضح المعمول به، والمتروك، وبيّن اختلاف العلماء في
الردّ والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله، وكلّ علم من هذه العلوم أصل في
بابه، وفرد في نصابه)).
(٤) في ترجمة المصلوب من ((تاريخ الإسلام)) ٣: ٩٦٣. وهو محمد بن سعيد بن
حسان، والكلبي: هو محمد بن السائب، والنقل مكرَّر في ((قوت المغتذي)) ١: ٩.
وأقول: روى الترمذي للمصلوب حديثاً واحداً (٣٥٤٩) عن ربيعة بن يزيد
=

٥٢
النوع الثاني : الحسن
[س) .
وقال: لا يصح من قِبَل إسناده، وأنه تُرِك حديثه، ثم أفاد أنه ساق هذا الحديث من
طريق المصلوب لينِّه إلى غرابته وخطئه، فساقه من طريق معاوية بن صالح، عن ربيعة
ابن يزيد، فما روى له الترمذي احتجاجاً واستدلالاً، ولا متابعة ولا استشهاداً، إنما
روی له لردّ روایته.
وروى الترمذي حديثاً واحداً كذلك (٣٠٥٩) من طريق ابن إسحاق، عن أبي
النضر - هو الكلبي - عن باذان مولى أم هانئ، عن ابن عباس، قصة نزول آية
﴿شهادةُ بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ﴾ من سورة المائدة، الآية ١٠٦ - ١٠٨،
وقال: غريب وليس إسناده بصحيح، ثم قال: ((رُوي عن ابن عباس شيء من هذا على
الاختصار من غیر هذا الوجه» وساقه، وقال عنه: حسن غريب.
فظهر بهذا أن الترمذي ما روى لهذين الرجلين احتجاجاً واستدلالاً، ولا متابعة
ولا استشهاداً، إنما روى لهما ليبيِّن خطأهما فيما روياه فقط، فلا عتب عليه، ولم
يفعل ما يحطُّ رتبة كتابه، ومعلوم أن المستقِرَّ عند علماء الحديث أن رتبة كتابه بين
کتابي أبي داود والنسائي.
واستيفاء للأمر، أقول: إن هذا القول من الذهبي ناشئ عن نظرته العامة إلى
الإمام الترمذي وكتابه، وهي: إلى التليين ورخاوة نَفَسه في الجرح التعديل، أكثر من
قربه إلى الاعتدال والتوسط، يدل على ذلك عدة مواقف له.
منها: قوله في ترجمته إسماعيل بن رافع من ((الميزان)) (٨٢٧)، مع ما علَّقته على
ترجمته في «الكاشف)» (٣٧٢).
وقوله في ((السير)) ٥: ١٦٧ في ترجمة عمرو بن شعيب، مع ما علَّقته على
ترجمته في «الكاشف)» (٤١٧٣) أيضاً.
ومنها: قوله في ((الميزان)) (٦٥٦١) في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف
المزني: ((لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي))، مع ما علقته على ترجمته في
«الكاشف» (٤٦٣٧) كذلك.
=

٥٣
النوع الثاني : الحسن
[ت)
وقوله في ((الميزان)) ترجمة يحيى بن يمان (٩١٢٣): ((لا يُغتَرُّ بتحسين الترمذي،
فعند المحاققة غالبها ضعاف))، وقد فاتني أن أعلق على هذا الحكم الغريب! في
«الكاشف)» (٦٢٧٤).
والذهبي - في هذا القول خاصة - متأثر جداً بكلام شيخه ابن تيمية في عدة
مواضع من كتبه، ومنها في ((مجموع فتاويه)) ١: ٢٥١ - ٢٥٢: ((من نَقَل عن أحمد كان
يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه، ولكن كان في
عرف أحمد بن حنبل ومَن قبله مِن العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح
وضعيف، والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به، وإلى ضعيف
حسن، وأولُ من عُرف عنه أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام هو أبو عيسى الترمذي في
((جامعه))، والحسن عنده ما تعددت طرقه، ولم يكن في رواته متهم، وليس بشاذّ،
فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفاً ويحتج به، ولهذا مثَّل أحمدُ الحديثَ
الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب، وحديث إبراهيم الهَجَري،
ونحوهما)). فقول الذهبي ((غالبها ضعاف)): مصدره فيه هو هذا القول، والله أعلم.
وانظر ما تقدم نقله ص٣٨ عن ((المسؤَّدة)).
ويتابع الذهبيَّ مَن بعده، ولاسيما من المعاصرين، ولهذا أسباب، أهمها ـ وما
دام الحديث عن الحديث الحسن عند الترمذي - أن الإمام الذهبي لا يفرق بين قولي
الترمذي: حسن فقط، وحسن غريب، فلذلك قال: عند المحاققة غالبها ضعاف، والله
أعلم، وقد تقدم ضرورة التفرقة بينهما فيما سبق تعليقاً ص١٨.
وهذا الحديث في دفن الميت ليلاً (١٠٥٧) الذي قال فيه الترمذي هذا الحكم
الغريب !! جاء في إسناده: يحيى بن يمان، عن المنهال بن خليفة، عن الحجاج بن
أرطاة، وحديث الثلاثة ضعيف، لكن قال الترمذي: «وفي الباب عن جابر، ویزید بن
ثابت أخي زيد بن ثابت، وهو حديث حسن))، ثم أشار إلى العمل عند بعضهم
بحکمین من أحكام هذا الحدیث.
=

٥٤
النوع الثاني : الحسن
وأما مسند أحمد بن حنبل، وأبي داود الطيالسي، وغيرهما من المسانيد :
[ش]
والنسائي لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما.
(وأما مسند أحمد بن حنبل، وأبي داود الطيالسي، وغيرهما من
المسانيد)(١).
قال ابن الصلاح(٢): كمسند عُبيدالله بن موسى، وإسحاق بن راهُويَهْ،
والدارمي(٣)، وعبدٍ بن حميد، وأبي يعلى الموصلي، والحسن بن سفيان، وأبي
[ب] -
فقوله ((حسن)) فقط، يشير إلى أنه حسن لغيره، وحديث جابر ويزيد بن ثابت
شاهدان على ذلك.
وعن هذا المعنى، وفي مثل هذه المناسبة، يعبِّر الحافظ ابن حجر بقوله: الحيثيّة
مرعيّة، أي: تجب مراعاة المناسبة والملابسة والسياق للنصّ المراد.
(١) [فائدة: قال الشارح في ((شرح ألفيته)) - ((البحر الذي زخر)) ٣: ١٢٠٥ -:
قال البلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) - ص١٨٤ -: المساند : يجوز لك أن تثبت الياء
فيها، والأولى لك أن لا تثبت. وقال الزركشي - ((النكت)) ٢: ٣٥٧ (٨٧) -: يجوز
إثبات الياء في المسانيد والمراسيل، ويجوز حذفها، والأولى الحذف، قال تعالى :
﴿ما إنَّ مفاتِحه﴾ - القصص: ٧٦ -، والإثبات عند البصريين موقوف على السماع،
وعند الکوفیین جائز. انتهى.].
(٢) صفحة ٣٤ التنبيه السادس.
(٣) وهَّم مغلطاي ٢: ١٥٢، والعراقيُّ ١: ٣٢٨، والزركشيُّ ٣٦٤:٢ (٩١) ابنَ
الصلاح في عدّ كتاب الدارمي بين المسانيد، لأنه مرتَّب على الأبواب، كالكتب
الخمسة الأخرى، لكن نقل البقاعي في ((النكت الوفية)) ١: ٢٨٣ عن خط العراقي عن
((تاريخ بغداد)) ٢٠٩:١١ أول ترجمة الدارمي ((قال: إنه صنّف ((المسند)) و((التفسير))،
و((الجامع))، فلعل ابن الصلاح اطّلع على ((المسند))، ودَرَسَتْ نسخُه بعد ذلك، فلم
=

٥٥
النوع الثاني : الحسن
فلا تلتحق بالأصول الخمسة وما أشبهها.
[ش]
بكر البزار، فهؤلاء عادتهم أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من
حديثه، غيرَ مقيَّدين بأن يكون محتجاً به أو لا(١).
(فلا تَلتحق بالأصول الخمسة وما أشبهها)، قال ابن جماعة: من الكتب
المبوَّبَة كـ ((سنن)) ابن ماجَهٌ (٢).
[ب] -
نَرَ شيئاً منها، كغيره من الكتب التي لم نر غير أسمائها)».
قلت: كان الأولى تأويل ((المسند)) بـ: ((السنن))، بجامع أنه يروي أحاديثه بالسند.
والله أعلم.
وعرَّف الشيخ ابن العجمي بهذه النسبة فقال:
[الدارمي : نسبة إلی دارم بن مالك، بطن کبیر من تمیم، ینسب إليه خلق کثیر،
واسمه : بحر بن مالك، قال له أبوه : ائت بالخريطة، وكان فيها مال، فجاءه يحملها
وهو يَدْرِمِ تحتها، فقال له أبوه : جاءكم بحر يَدْرِم، فسمي دارماً، والدَّرَمان : ضرب
من المشي في تقارب الخُطا، وهي مِشية المرأة القصيرة المُختالة، ودَرَمَت الأرنب:
إذا مشت مشياً سريعاً في قِصَر الخَطْو.]
((الاشتقاق)) لابن دريد ص٢٣٤، و((جامع الأصول)) ١٤: ٢٠.
(١) نعم، ولكن انظر للفائدة العامة كلام الحافظ رحمه الله في ((النكت على ابن
الصلاح)) ٤٤٧:١ على مسند: ابن راهويه، وبقيّ بن مخلد، والبزار، وأحمد،
رحمهم الله تعالى.
(٢) ((المنهل الروي)) ص ٣٨. وحرف ((من)) في قوله ((من الكتب)): بيان للاسم
الموصول ((ما)) الذي في المتن في قوله ((وما أشبهها))، يريد ابن جماعة إلحاق ((سنن
ابن ماجه)» بالكتب الخمسة.

٥٦
النوع الثاني : الحسن
في الاحتجاج بها والركون إلى ما فيها.
[ش]
(في الاحتجاج بها والركون إلى ما فيها) لأن المصنّف على الأبواب إنما
يورد أصح ما فيه ليصلُح للاحتجاج(١).
تنبيهات :
الأول :
اعتُرِض على التمثيل بـ((مسند)) أحمد بأنه شَرَط في ((مسنده)) الصحيح(٢)،
قال العراقي(٣): ولا نسلِّم ذلك، والذي رواه عنه أبو موسى المديني(٤): أنه سئل
عن حديثٍ فقال: أُنْظُروه، فإن كان في ((المسند)) وإلا فليس بحجة: فهذا ليس
بصريح في أن كل ما فيه حجة، بل ما ليس فيه: ليس بحجة.
قال: على أن ثَم أحاديثَ صحيحة مخرَّجة في الصحيح وليست فيه، منها
[ب] -
(١) لأن التبويب فيه حكم شرعي يحتاج إلى دليل عليه، فيذكر الإمامُ المصنِّفُ
أحاديث تحته كالدليل عليه، والمفروض أن يورد من الأدلة ما يُثبتُ صحة ما بوّب له.
وانظر ما تقدم ٢ : ٤٦٢.
(٢) قاله مغلطاي في ١: ١٥٥.
(٣) ((النكت)) ١: ٣٢٨ -٣٢٩. وكذلك النقل الثاني والثالث.
(٤) في جزئه ((خصائص المسند)) ١: ٢١ آخر الصفحة من طبعة الأستاذ الشيخ
أحمد شاكر رحمه الله تعالى، وينظر لفظه، ونقلُ الحافظ ابن حجر في ((النكت)) ١ :
٤٤٨ مطابقٌ لما في ((الخصائص)). وسيشير الحافظ - بعد أسطر - إلى هذه الكلمة من
الإمام أحمد، في كلامه الآتي المنقول من مقدمة ((القول المسدَّد)).

٥٧
النوع الثاني : الحسن
[ش]
حديث عائشة في قصة أم زرع(١).
قال: وأما وجود الضعيف فيه فهو محقَّق، بل فيه أحاديثُ موضوعة
جمعتُها في جزء، ولعبد الله ابنه فيه زياداتٌ، فيها الضعيفُ والموضوع. اهـ.
وقد ألَّف شيخ الإسلام كتاباً في ردِّ ذلك سماه ((القول المسدَّد في الذبِّ
عن المسند)) قال في خطبته: ((فقد ذكرتُ في هذه الأوراق ما حضرني من الكلام
على الأحاديث التي زَعَم بعض أهل الحديث أنها موضوعة، وهي في ((مسند))
أحمد، ذباً عن هذا التصنيف العظيم، الذي تلقتْه الأمة بالقبول والتكريم،
وجعله إمامُهم حجةً يُرجع إليه، ویعوَّل عند الاختلاف علیه)).
ثم سرد الأحاديث التي جمعها العراقي وهي تسعة، وأضاف إليها خمسةً
عشَر حديثاً أوردها ابن الجوزي في ((الموضوعات)) وهي فيه، وأجاب عنها
حديثاً حديثاً.
(١) رواه البخاري (٥٨١٩)، ومسلم ٤: ١٨٩٦ (٩٢).
قلت: وكذلك ما روى أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إن الله قال: من عادى
لي ولياً فقد آذنته بالحرب .. ))، وهو في البخاري (٦٥٠٢)، قال الذهبي في («الميزان)) ١
(٢٤٦٣) ترجمة خالد القَطَواني: ((لا أظنُّه في مسند أحمد))، لكنه جزم في آخر ترجمة
اللالكائي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٠٨٥) فقال: ((ليس هو في مسند أحمد مع كبره»،
وكذلك جزم بنفيه عن ((المسند)) ابن رجب في شرح الحديث الثامن والثلاثين من ((جامع
العلوم والحكم)). نعم هو في ((المسند)) ٦: ٢٥٦ من حديث عائشة، ويشترك مع حديث
أبي هريرة في کثیر من ألفاظه، ویفترق عنه بعدم ذکر بعضها.

٥٨
النوع الثاني : الحسن
[ش]
قلت: وقد فاته أحاديثُ أُخَرُ أوردها ابن الجوزي وهي فيه، وجمعتها في
جزء سميته ((الذيل الممهَّد)) مع الذبّ عنها، وعدتُها أربعةَ عشَر حديثاً(١).
وقال شيخ الإسلام في كتابه («تعجيل المنفعة)) في رجال الأربعة(٣): ليس في
((المسند)) حديث لا أصل له إلا ثلاثةُ أحاديث أو أربعة، منها حديث
عبد الرحمن بن عوف، أنه يَدخل الجنة زحفاً (٣).
[ب] -
(١) أما ((القول المسدَّد)): فطبع مرات، ويوجد فيه فوائد حديثية نادرة، وأما
((الذيل الممهّد)): فلم يطبع بعدُ، لكن طُبع مع ((القول المسدّد)) ذيل له تأليف الشيخ
صِبغة الله المِدْراسي، أحد علماء الهند (١٢٢١ - ١٢٨٠) رحمه الله، استدرك فيه
اثنين وعشرين حديثاً، وفرغ من تأليفه عام ١٢٧٩ هـ.
(٢) لم أر هذا القول في مظنته من ((تعجيل المنفعة))، إنما فيها ١: ٢٤١ بعد ما
ذكر جزء العراقي، واستدراكه عليه وزياداته: ((ظهر من ذلك أن غالبها جياد، وأنه لا
يتأتّى القطع بالوضع في شيء منها، بل ولا الحكم بكون واحد منها موضوعاً إلا الفرد
النادر، مع الاحتمال القوي في دفع ذلك)).
(٣) ((المسند)) ٦: ١١٥ من حديث عائشة مرفوعاً: ((قد رأيت عبد الرحمن بن
عوف يدخل الجنة حَبْوا))، وفي إسناده عمارة بن زاذان، قال أحمد فيه وفي حديثه
هذا: هذا الحدیث کذب منکر، وعمارة يروي أحاديث مناکیر.
قلت: والمناكير هنا بمعنى الأحاديث المخالفة للثابت الصحيح، فهو في حكم
الموضوع، وكثيراً ما ترد هذه الكلمة في كتب الموضوعات بهذا المعنى، ولا يراد
بها: مخالفة الضعيف للقوي، ويكفي هذا الحديثَ ردّاً وإبطالاً قولُ الإمام أحمد فيه
المتقدم، ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٨٠٣).

٥٩
النوع الثاني : الحسن
[ش]
قال(١): والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضَّرب عليه فتُرِك سهواً، أو
ضُرِب وكُتِب مِن تحت الضرب(٢).
وقال في كتابه ((تجريد زوائد مسند البزار))(٣): إذا كان الحديث في ((مسند))
أحمد لم يُعْزَ إلى غيره من المسانيد.
وقال الهيثمي في ((زوائد المسند))(٤): مسند أحمدَ أصح صحيحاً من غيره.
(١) ((القول المسدَّد)) ص٢٩ تحت كلامه على الحديث السابع.
ويَشَمُّ القارىء من كلام الحافظ أنه یرید دعم الحدیث لیتم له دفع دعوى الوضع
عن بعض أحاديث ((المسند))! وتبعه الشارح في ((اللآلئ المصنوعة)) ١ : ٤١٢، ودفعُ
ذلك عن صحابي جليل، أحدِ العشرة المبشرين بالجنة، وشهد بدراً والحديبية: أولى
وأوجب، وأحُّ إلى الله ورسوله صلی الله عليه وسلم.
(٢) [فائدة: قال الذهبي في ((المنقذ من الضلال - كذا، وصوابه ((المنتقى من
منهاج الاعتدال)) ص ٤٣١ -: مما انتقاه من كلام شيخه ابن تيمية: إن الإمام أحمد
صنف كتاباً في فضائل الخلفاء الأربعة وغيرهم، فيه الصحيح والسقيم، ثم زاد ابنه
عبد الله بن أحمد أحاديث، وزاد القَطِيعي جملة كثيرة، واهية ومكذوبة، فظن الجهلة
أن الكل من رواية أحمد، وهذا خطأ قبيح.].
وكتاب الإمام أحمد المشار إليه هو ((فضائل الصحابة)) المطبوع في مجلدين.
(٣) نحوه في مقدمة ((مختصر زوائد مسند البزار)) ١: ٥٩.
(٤) زوائد المسند: اسمه ((غاية المقصد))، ولم أجد فيه شيئاً من هذا النقل، غاية
ما في مقدمته قوله رحمه الله: بعد ما ذكر انشغاله عن ((المسند)) بأعماله الأخرى على
((مسند)) البزار وأبي يعلى، ومعاجم الطبراني، قال: إنه وجّه اهتمامه إلى زوائد المسند
((لأن أفراد المسند - أي زوائده - غالباً أصح من أفراد ما ذكرت من هذه الكتب)).

٦٠
النوع الثاني : الحسن
[ش]
وقال ابن کثیر(١): لا يوازي ((مسندَ)) أحمد كتابٌ مسند في كثرته وحسن
سياقاته، وقد فاته أحاديثُ كثيرة جداً، بل قيل: إنه لم يقع له جماعةٌ من
الصحابة الذين في الصحيحين قريباً من مئتين.
[ب] -
(١) ((اختصار علوم الحديث)) ص٣٢، وعلق الأستاذ أحمد شاكر رحمه الله على
دعوى «فاته أحادیث کثیرة جداً) فقال: «في هذا غلوّ شدید، بل نرى أن الذي فات
(«المسند» من الأحاديث شيء قليل .. )).
وأقول: رتب الحافظ ابن عساكر أسماء الصحابة أصحاب المسانيد المرويِّ لهم
في ((مسند أحمد))، وبلغ عددهم (١٠٥٦) ما بين مسمَّى ومبهم، والمبهمة أسماؤهم
كثيرون. ورُقّم في طبعة المكنز الإسلامي أصحاب المسانيد، فبلغ عددهم (١٣٠٨).
أما كتاب ابن حزم ((أسماء الصحابة الرواة)) المرويّ لهم في ((مسند بقي بن
مخلد)) فقد بلغ عددهم بترقيم طابعه (١٠١٨)، ورقم (٥١٥) مكرر فيكون العدد
(١٠١٩) وألحق طابعه من ((تلقيح فهوم أهل الأثر)) لابن الجوزي (٩٠) صحابيّاً،
فالمجموع (١١٠٩)، والمبهمة أسماؤهم قليل عددهم جداً على أصابع اليد الواحدة،
وکأن ابن حزم لم یفهرس لهم، ولو فهرس لهم لزاد العدد كثيراً.
ثم إن ابن حبان ذكر في المجلد الثالث من ((ثقاته)) الصحابةَ الذين ذُكرت لهم
رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فبلغ عدد مَن ذُكروا بأسمائهم وكناهم رجالاً
وإناثاً (١٦٠٣) مع العشرة المبشرين الذين ذكرهم آخر المجلد الثاني.
فعلى هذا الاعتبار يصح القول: إنه فات مسند الإمام أحمد عدد غير قليل،
يضاف إلى هذا قول الذهبي الذي نقله عنه الأستاذ الشيخ أحمد شاكر نفسه في آخر
تعليقته المذكورة، وهو: ((لنا أحاديث قوية في الصحيحين والسنن والأجزاء، ما هي
في المسند».