Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ الأول : الصحيح [ش] قال(١): وربما علَّل بعضُ النقاد أحاديثَ ادَّعى فيها الانقطاع، لكونها مرويةً بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزمُ منه الانقطاع عند من يُسوِّغ ذلك(٢)، بل في تخریج صاحب الصحیح لمثل ذلك دليلٌ على صحته عنده. القسم الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجالِ بعضِ الإسناد. والجوابُ عنه: أنه إنْ أمكن الجمعُ بأنْ يكونَ الحديثُ عند ذلك الراوي على الوجهين جميعًا، فأخرجهما المصنّف ولم يقتصرْ على أحدهما، حيثُ يكون المختلفون في ذلك متعادِلِينَ في الحفظ والعدد، أو متفاوتين(٣)، فُخرِجُ [ب] - (١) هو الحافظ نفسه في ((مقدمة الفتح)) ص٣٤٧. (٢) سيأتي إن شاء الله تعالى ٤: ٢٦٨ أن الصحيح الذي عليه الجمهور جواز الرواية بالإجازة، وأن الرواية بالمكاتبة المجردة عن الإجازة أجازها كثيرون من المتقدمين والمتأخرين، وأن غير واحد من كبارهم جوَّز إطلاق: حدثنا، وأخبرنا، وذكر الشارح هناك أمثلة على المكاتبة من الصحيحين. (٣) هكذا في أ، ب، هـ، ز، ح، ط، وحاشية و، وعليها نسخة، و((البحر الذي زخر)) ٢: ٦٢٤، والذي في ج، د، و، و((مقدمة الفتح)): أو متقاربين، وما أثبته أصوب، بل هو الصواب، فإن الحافظ أحال في كلامه هنا على الحديث السابع عشر من أحاديث الفصل الثامن، وهو حديث جابر: کان صلی الله عليه وسلم يجمع بين قتلى أُحُد ويقدِّم أقرأهم، وفي إسناده اختلاف بين الليث والأوزاعي، فقال الحافظ: («هما في الزهري سواء»، كما سبقه الحازمي في ((شروطه)) ص ١٥٤، فهذا مثال ما إذا کانوا متعادلین. ثم ذكر فيه اختلاف عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري مع الليث، وقال: ((عبد الرحمن هذا ضعيف))، فدلَّ على أن مراده: متفاوتين، لا متقاربين. ٥٢٢ الأول : الصحيح [ش] الطريقةَ الراجحة، ويُعرِضُ عن المرجوحة، أو يشير إليها: فالتعليلُ بجميع ذلك لمجرد الاختلاف: غيرُ قادح، إذْ لا يلزمُ من مجرَّد الاختلافِ اضطرابٌ يوجِب الضعف. الثالث: ما تفرَّد فيه بعض الرواة بزيادة لم يذكرها أكثرُ منه، أو أضبطُ، وهذا لا يؤثِّر التعليل به، إلا إن كانت الزيادةُ منافيةً بحيثُ يتعذَّر الجمع، وإلا فهي كالحديث المستقلِّ، إلا إنْ وضح بالدليل القويِّ أنها مدرَجةٌ من كلامٍ بعضِ رواته: فهو مؤثّر، وسيأتي مثاله في المدرج(١). الرابع: ما تفرَّد به بعضُ الرواة ممن ضُعَّف، وليس في الصحيح من هذا القَبيلِ غيرُ حديثين تبيّن أن كلاً منهما قد تُوبع. أحدهما(٢): حديث إسماعيل بن أبي أُويسٍ، عن مالك، عن زيد بن (١) في النوع العشرين الآتي ٣: ٤١٢ - ٤١٣. (٢) هو الحديث الثالث والأربعون، انظره هناك ص٣٦٣. وهو في ((صحيح)) البخاري (٣٠٥٩). وهو في (الموطأ)) في كتاب دعوة المظلوم ٢: ١٠٠٣ (١) رواية يحيى الليثي، وإن نفاه الحافظ في ((الفتح)) آخر كلامه عليه ٦: ١٧٧. ثم رأيت الآن الإمام الزرقاني نقل في آخر شرحه على ((الموطأ» ٤٣٢:٤ نفي الحافظ هذا وعلَّق عليه بقوله: ((إن هذا لشيء عجاب، نفيُ كونه في ((الموطأ))! لكن الجواد قد يكبو، والكمال لله)). وهذا ثاني حديث ينفيه الحافظ عن ((الموطأ» وهو فيه، أما الحديث الأول فهو حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) كما تقدم ص ١٧٤. وهذا الحديث من جملة الأحاديث التي ذكرها الحافظ وصدَّرها بقوله: ((قال الدار قطني فيما وجدت بخطه))، فهو ليس في كتابه ((التبُّع)). ٥٢٣ الأول : الصحيح [ش] أسلمَ، عن أبيه، أن عمر استعمل مولى له يُدْعَى هُنَيًّا (١)، الحديثَ بطوله. قال الدار قطني: إسماعيل ضعيف. قال شيخ الإسلام(٢): ولم يَنْفرِد به، بل تابعه معنُ بن عيسى(٣)، عن مالك. ثم إسماعيل ضعَّفْه النسائي وغيره(٤)، وقال أحمد، وابن معينٍ في روايةٍ: لا بأس به(٥). وقال أبو حاتم: محلُّه الصدق وإن كان مغفَّلاً(٦). [ب] - (١) [مُنَيٌّ: بضم الهاء، وفتح النون، وتشديد الياء، مصغرًا، مولى عمر، استعمله عمر على الحِمَى، وهو ثقة، من الثانية، له ذكر في البخاري في الجهاد، بلا روایة. انتھی «تقریب» ۔ (٧٣٢٥) -. والحِمَى : مِن: حَمَيتُ المكان بالفتح، وأحميتُهُ : جعلتُهُ حِمىّ، أي: محظورًاً فلا يُقْرَب ولا يُجْتَرأُ عليه. انتهى. ــ ((المصباح المنير)) ح م ی -٠]. (٢) في ((مقدمة الفتح)) ص٣٦٣. ومن قوله ((ثم إسماعيل ضعَّفه النسائي .. )) ملخَّص من الفصل التاسع ص٣٩١. (٣) وسبقت الإشارة إلى متابعة يحيى الليثي. وذكر الحافظ في ((الفتح)) ٦: ١٧٧ : أن الدارقطني أخرجه في ((غرائب مالك))، من طريق ابن وهب، عن مالك بنحوه، فهؤلاء ثلاثة تابعوا إسماعيل عليه. (٤) النسائي في ((الضعفاء والمتروكين)) (٤٤)، وابن معين في عدد من الروايات عنه. (٥) أما قول أحمد: فهو في ((الجرح)) لابن أبي حاتم ٢ (٦١٣)، وقول ابن معين: هو في رواية عثمان الدارمي عنه (٩٣١). (٦) ((الجرح)): الموضع السابق، ولفظه: (( .. وكان مغفَّلاً))، دون: إن. ٥٢٤ الأول : الصحيح [ش] وقد صح أنه أخرج للبخاري أصولَه، وأَذِن له أن يَنْتَقِيَ منها، وهو مشعِرٌ بأن ما أخرجه البخاري عنه من صحيح حديثه، لأنه كتب من أصوله، وأخرج له مسلم أقلَّ مما أخرج ه البخاري(١). [ت) . - (١) لابن أبي أويس في ((صحيح)) البخاري ثمانية عشر حديثاً، وفي ((صحيح)) مسلم خمسة أحاديث، ولا بد من إزالة اشتباه، وبها تتجلّى دقة أئمتنا رضي الله عنهم، فأقول: إن القصة المشار إليها تفيد بما صرَّح به الحافظ في كلامه في ((المقدمة)) ص٣٩١: أنه لا يحتج بشيء من حديث هذا الرجل غير ما رواه البخاري، لكن قد يبحث باحث عن هذه الأحاديث الخمسة فلا يرى منها في ((صحيح)) البخاري إلا حديثاً واحداً، هو الذي رواه البخاري (٢٧٠٥)، ومسلم ٣: ١١٩١ (١٩)، وحينئذ يفرح المتربّصون ويقولون: في ((صحيح)) مسلم أربعة أحاديث ضعيفة !!. والجواب: أن دقّة الإمام مسلم متجلّية في الرواية عن هذا الرجل، ذلك: أن هذا الحديث وهو الحديث الثالث من الخمسة، رواه مسلم استقلالاً، لا متابعة ولا استشهاداً، لأنه عَرَف أنه من صحیح حديثه، بدليل أنه رواه البخاري، ومع ذلك فإن مسلماً لم يَروه بالطريقة المعهودة له، بل قال: ((حدثني غير واحد من أصحابنا قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس)). أما الأربعة الأخرى: فالقرينة عند مسلم أنها من صحيح حديثه بموافقة الثقات له، فإنه رواها عن ابن أبي أويس في المتابعات، لا استقلالاً، ومحالَّها في ((صحيح)) مسلم: الأول: ٢: ٨٧٥ (١٢٢). الثاني: ٢: ١١٣٥ (بعد ١٢). الثالث: ٣: ١١٩١ (١٩) = البخاري (٢٧٠٥). الرابع: ٣: ١٦٥٨ (بعد ٦٢). الخامس: ٤: ١٨٨٠ (٥٠). وهكذا يكون المشي على بصيرة وهدى، أما النظرة السطحية فلا تدل على حق، ولا توصل إلى نتائج مرضية. ٥٢٥ الأول : الصحيح [ش] ثانيهما(١): حديث أُبيِّ بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم فرس يقال له اللَّحِيف(٢). (س) - (١) هو الحديث السابع والثلاثون من أحاديث الفصل الثامن، وهو فيه ص٣٦٢. والحديث رواه البخاري في كتاب الجهاد (٢٨٥٥)، وقول الدارقطني في ((التتبع)) ص ٢٠٣ رقم الحديث (٧٣). (٢) [اللَّحيف: بفتح اللام المشددة، وكسر الحاء المهملة، وسكون التحتيّة، وبالفاء. فَعِيل بمعنى فاعل، كأنه يَلْحَف الأرض بذنبه، لطوله، أي: يغطِّيها، ويقال : بالخاء المعجمة، حكاه البخاري في ((الصحيح))، ويقال: اللَّحَيف : بضم اللام، وفتح الحاء، وروي بالجيم بدل الحاء، وروي بالنون بدل اللام، من النَّحافة. روى ابن سعد أنه أهداه له ربيعة بن أبي البراء، فأثابه عليه فرائض من نَعَم بني كلاب. شامي. - ٧ : ٦٤٤ ]. ومصدره في ذلك «فتح الباري) ٦: ٥٩ (٢٨٥٥). وحكاية البخاري لقولٍ أنه بالخاء المعجمة: جاءت عقب روايته للحديث في الموضع المذكور، وهي رواية أخي أَبَيّ المذكور: عبدِ المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، وهو دون أخيه أُبيّ، أُبيٌّ - على ضعفه - أحسنُ حالاً منه. ورواية ابن سعد أشار إليها الحافظ إشارة، وهي في ((الطبقات الكبرى)) ١: ٤٢٢ عن شيخه الواقدي، عن أبيّ بن عباس، عن أبيه، عن جده، لكن حصل تحريف في اسم المُهْدِي: ربيعة بن أبي البراء، كما أثبتُّه، وفي خط الشيخ ابن العجمي: ربيعة بن نزار، تحریف. وقوله: ((أهداه له ربيعة .. )): هو في ((السيرة الشامية)) من رواية الطبراني مطولاً کرواية ابن سعد، لكن الذي رأيته في مطبوعة ((المعجم الكبير)) ٦ (٥٧٢٩) مختصراً. = ٥٢٦ الأول : الصحيح [ش] قال الدار قطني: أُبيُّ ضعيف. قال شيخ الإسلام(١): تابعه عليه أخوه عبد المهيمن. القسم الخامس: ما حُكِمٍ فيه على بعض الرواة بالوَهَّم، فمنه ما لا يؤثِّر قدحًا، ومنه ما يؤثِّر. السادس: ما اختُلِف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا أكثرُه لا يترتَبُ علیه قدح، لإمكان الجمع أو الترجيح. انتهى. فائدة تتعلق بالمتفق عليه (٢): قال الحاكم(٣): الحديثُ الصحيح ينقسم عشرة أقسام: خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها. [ب] وقوله ((روى ابن سعد)): صحيح، وقد خرَّجته من ((الطبقات))، لكن مقتضى نقل العلامة ابن العجمي هذا النص بطوله من ((السيرة الشامية)) أن يكون صوابه: ابن منده. والله أعلم، وتنظر ترجمة سعد بن أسعد الساعدي من ((أسد الغابة)) ٣٣٥:٢. (١) في ((هدي الساري)) ص٣٨٩. ومتابعة عبد المهيمن هي التي أشار إليها البخاري، كما تقدم. (٢) يريد: المتفق على صحته بالمعنى الأعم مما رواه الشيخان وغيرهما، لا المتفق علیه: بمعنی رواه الشيخان من حدیث صحابي واحد. (٣) في ((المدخل إلى الإكليل)) من ص٧٣ إلى آخر الفصل عنده: ص ١٢٥، لكن الشارح رحمه الله اختصره اختصارًا شديدًا، لا سيما الأقسام الخمسة المختلف فيها، فإنه عدَّها هنا تعدادًا، وكأنه ينقل تلخيص النووي الذي في مقدمة ((شرحه على صحیح مسلم) ١: ٢٧ - ٢٨. ٥٢٧ الأول : الصحيح [ش] فالأول من المتفق عليها: اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح، وهو الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور، إلى آخر كلامه السابق، وقد تقدَّم ما فيه(١). الثاني: مثلُ الأول، إلا أنه ليس لراويه الصحابي إلا راوٍ واحدٌ. مثالُه: حديثُ عروةَ بنِ مُضَرِّس، لا راويَ له غيرُ الشعبي، وذكر أمثلة أخرى. ولم يُخْرجا هذا النوع في الصحيح. قال شيخ الإسلام (٢): بلى، فيهما جملة من الأحاديث عن جماعة من الصحابة ليس لهم إلا راوٍ واحدٌ. وقد تعرَّض المصنف لذلك في نوع الوُحْدان، وسيأتي فيه مزيدُ كلام. الثالث: مثلُ الأول، إلا أن راويه من التابعين ليس له إلا راوٍ واحدٌ، مثلُ محمد بن جبير(٣)، وعبد الرحمن بن فَرُّوخَ، وليس في الصحيح من هذه (١) صفحة ٤٦٨، وينظر ما علَّقته هناك. (٢) في ((النكت الكبرى)) والله أعلم، وكذا ما يليه، ومعنى الكلام موجود في ((النكت)) المطبوعة ١: ٣٦٨، ونوع الوحدان هو النوع السابع والأربعون الآتي إن شاء الله تعالی ٥: ٣٢٠. (٣) هكذا في النسخ: محمد بن جبير، والذي في ((المدخل)) ص٩٢: محمد بن حنين، والواقع أنهما قولان حُكيا في اسمه، رجح المزي في كتابيه: ((تحفة الأشراف)» (٦٤٣٥)، و(تهذيب الكمال)) ٢٥: ١٢٠: أنه ابن جبير، اعتمادًا على ما وقع له من أصول لـ((سنن)) النسائي، وعلى رواية الإمام أحمد لحديثه في ((المسند)) ١: ٢٢١، وأنه: ابن جبير بن مطعم. = ٥٢٨ الأول : الصحيح [ش] الروايات شيء، وكلُّها صحيحة. قال شيخ الإسلام في ((نكته)) (١): بل فيهما القليل من ذلك، كعبد الله بن وَدَيعة، وعمر بن محمد بن جبير بن مُطْعِم، وربيعة بن عطاء. الرابع: الأحاديث الأفراد الغرائب، التي يَنفرِد بها ثقةٌ من الثقات، كحديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، في النهي عن الصوم إذا انتصفَ شعبان، تركه مسلم لتفرُّد العلاء به(٢) ، [ب] - واعترضه الحافظ في كتابيه: ((النكت الظُّراف)) - الموضع السابق - و((تهذيب التهذيب))، فرجَّح أنه محمد بن حنين، وذكر الأدلة على قوله بما لا يدع للناظر وقفة، فليراجع كلامه. (١) أصل الكلام موجود في ((النكت)) المطبوعة ١: ٣٦٨، دون هذه الأمثلة. وقد روى البخاري لعبد الله بن وديعة، عن سلمان الفارسي (٨٨٣، ٩١٠)، وروى لعمر بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده (٣١٤٨). كما روى مسلم لربيعة بن عطاء مولى بني زُهرة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ٣: ١٦٦٨ (٩٥). ولكل واحد منهم حدیث واحد فیهما، لا ثاني له. وقد جزم المزي في ((تحفة الأشراف)) (١٧٤٥٤): بأن ربيعة هذا هو ربيعة بن عطاء بن يعقوب، مولى ابن سباع، ولم يجزم بذلك في ((تهذيبه)) ٩: ١٣٦، ولم يترجم لسواه البخاريُّ في ((التاريخ الكبير)) ٣ (٩٨٤)، وابن أبي حاتم في ((الجرح)) ٣ (٢١)، وابن حبان في ((الثقات)) ٦: ٣٠٠. ففي الجزم بأن الأئمة الثلاثة يقولون: إنهما واحد: نظر. (٢) ورواه أصحاب السنن: أبو داود في كتاب الصوم (٢٣٣٠)، والترمذي فيه = ٥٢٩ الأول : الصحيح [ش] وقد أخرج بهذه النسخة أحاديث كثيرة(١). [ب] - (٧٣٨) وقال: حسن صحيح، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٩١١)، وابن ماجه (١٦٥١). وانظر ما يأتي ٣: ٢٦. وأشار إلى تفرُّده به عدد من الأئمة، منهم أبو داود والترمذي، وحكى أبو داود عن الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي: أنه كان لا يحدِّث بهذا الحديث. قال أبو داود: «قلت لأحمد: لمَ؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَصِلُ و شعبان برمضان، وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافَه))، فهذا جرح للحديث بالفهم. ولم يَرَ أبو داود ذلك وجيهًا، فعلَّق عليه بقوله: ((ولیس هذا عندي خلافَه))، وكأن مسلماً یری رأي ابن مهدي في هذا الحديث. وهذا النوع من الجرح بالفهم، لا بسبب ضعف الرواية، جدير بالتنبُّه له والتُّع والدراسة، وإن كثيرًا من المشتغلين بهذا العلم عنه غافلون. ومن فوائد الإمام المنذري رحمه الله تعالى قوله في ((تهذيب سنن أبي داود)) ٣: ٢٢٣ (٢٢٣٧): ((العلاء بن عبد الرحمن وإن كان فيه مقال فقد .. احتج به مسلم .. ويجوز أن یکون تر که - أي: هذا الحدیث فلم یذکره في صحيحه - لأجل تفرده به، وإن كان قد خرَّج في الصحيح أحاديث انفرد بها رواتها، وكذلك فعل البخاري أيضًا، وللحفاظ في الرجال مذاهب، فعلى كل واحد منهم ما أدَّى إليه اجتهاده من القبول والرد)). وفائدة أخرى أعجِّل بها بمناسبة النقل عن المنذري، فأقول: ثم حكى المنذري عن الإمام أحمد قوله في هذا الحديث: حديث منكر، فاستنكر منه الأستاذ الشيخ أحمد شاكر هذه الحكاية، ولا غرابة ولا استنكار، ذلك أن الإمام أحمد أراد بـ: حديث منكر: حديثًا فردًا، وقد رأيتَ ذلك في كلامهم السابق. (١) زادت على السبعين حديثًا، حسب ما يستخرج من ((تحفة الأشراف)) ما بين = ٥٣٠ الأول : الصحيح [ش] قال شيخ الإسلام: بل فيهما كثيرٌ منه، لعله يزيد على مئتي حديث(١). وقد أفردها الحافظ ضياء الدين المقدسي، وهي المعروفة بـ((غرائب الصحيح)). الخامس: أحاديثُ جماعة من الأئمة، عن آبائهم، عن أجدادهم، لم تتواتر الرواية عن آبائهم، عن أجدادهم إلا عنهم، كعمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّ، وبَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وإياس بن معاوية بن قُرَّةً، عن أبيه، عن جدِّه، أجدادُهم صحابةٌ، وأحفادُهم ثقاتٌ. فهذه أيضًا مُحتجٌّ بها، مخرَّجة في كتب الأئمة دون الصحيحين. [ب] - (١٣٩٧٤ - ١٤٠٩٨). (١) لفظه في ((النكت)) المطبوعة ١: ٣٦٨: ((فيهما قدر مئتي حديث)). ومن اللطائف: أن أول حديث في ((صحيح)) البخاري، وآخر حديث فيه: جاءت الطبقات الأربعة العليا فيهما منفردة. فمن المشهور أن حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)): تفرد به عمر رضي الله عنه من بين سائر الصحابة، فلم یصحَّ عن غيره منهم، وتفرد به عن عمر علقمة بن وقاص الليثي، وتفرد به عنه محمد بن إبراهيم التيمي، وتفرد به عن التيمي یحیی بن سعيد الأنصاري، ثم کثرت الرواة له عن یحیی. وآخر حديث فيه، وهو حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)). ورواه الترمذي في الدعوات ٥: ٤٧٨ (٣٤٦٧)، وقال: حسن صحيح غريب. ووجه الغرابة فيه تفرد محمد بن فضيل به عن شيخه عمارة بن القعقاع، وتفرد عمارة به عن شيخه أبي زرعة بن عمرو البَجَلي، وتفرد أبي زرعة به عن أبي هريرة، وتفرد أبي هريرة به عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما أفاده الحافظ في ((الفتح)) ١٣ : ٥٤٠. ٥٣١ الأول : الصحيح [ش] قال شيخ الإسلام: ليس المانعُ من إخراج هذا القسم في الصحيحين: كونَ الرواية وقعتْ عن الأب عن الجد، بل لكون الراوي أو أبيه ليس على شرطهما، وإلا ففيهما أو في أحدهما من ذلك: روايةٌ علي بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جده(١). ورواية محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده(٢). ورواية أُبَيّ بن عباس بن سهل، عن أبيه، عن جده(٣). ورواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده(٤). ورواية الحسن وعبد الله ابنيْ محمدٍ بن علي بن أبي طالب، عن أبيهما، عن جدِّهما(٥). [ب] - (١) انظر ((تحفة الأشراف)) (١٠٠٦٩): حديث واحد فيهما. (٢) لم أر في ((تحفة الأشراف)) حديثًا بهذه الترجمة، إنما فيه (٦٧٤٣) حديث واحد عزاه إلى البخاري في إسلام عمر رضي الله عنه (٣٨٦٤)، لكن من رواية عمر ابن محمد بن زيد، عن جده زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله، لا ذکر لمحمد فیه. والله أعلم. (٣) هذه الترجمة في ((صحيح)) البخاري فقط. وانظر ما تقدم قريبًا ص٥٢٥. (٤) يستفاد من ((تحفة الأشراف)) (٣٧٧٦) أن مسلماً روى حديثًا واحدًا هكذا. (٥) في الصحيحين حديث واحد بهذه الترجمة، كما يستفاد من ((التحفة)) (١٠٢٦٣)، ومحمد بن علي: هو محمد ابن الحنفية. ٥٣٢ الأول : الصحيح [ش] ورواية حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، عن جده(١)، وغير ذلك. قال (٢): وأما الأقسامُ المختلف فيها فهي: المرسَل، وأحاديث المدِّسين إذا لم يذكروا سماعهم، وما أسنده ثقة وأرسله ثقات، ورواياتُ الثقات غيرِ الحفاظِ العارفين، ورواياتُ المبتدعة إذا كانوا صادقين. قال شيخ الإسلام: أما الأول والثاني: فكما قال(٣). وأما الثالث: فقد اعترض عليه العلائي بأن في الصحيحين عدةَ أحاديثَ اختُلِف في وصلها وإرسالها (٤). (١) في ((التحفة)) (١٠٤٧٥) دلالة على حديث واحد بهذه الترجمة في ((صحيح)) مسلم. (٢) الكلام متصل للحاكم في ((المدخل)) ص١٠٨ فما بعدها. (٣) الظاهر أن النقل من ((النكت الكبرى))، وكذلك ما يليه. ولفظه في ((النكت)) المطبوعة ١: ٣٦٩: ((فالأول: كما قال، نعم قد يخرجان منه في الشواهد، وفي الثاني نظر يعرف من كلامنا في التدليس))، فينظر كلامه بطوله في ٢: ٦٣٤ فما بعده، وخلاصته: أن في الصحيحين من أحاديث المدلِّسين بالعنعنة عددًا غير قليل، فمنه ما لم يُرَ مصرَّحًا فيه بالسماع، فيُحمل - تحسينًا للظن - على أنه مصرَّح فيه بالسماع في طرق لم تبلغنا، ومنه ما هو في المتابعات، فيتسامح فيها، ومنه ما روي في طرق أخرى مصرَّح فيها بالسماع، لكن اختار صاحب الصحيح هذه الطرق المعنعن فيها لملاحظة له، كما سيأتي في كلام الشارح إن شاء الله تعالى في نوع المدلس ٣: ٢٥٦. (٤) وفي (النكت)) المطبوعة ١: ٣٦٩ قال الحافظ: ((في الصحيحين منه جملة، = ٥٣٣ الأول : الصحيح [ش] قال شيخ الإسلام: ولا يَرِدُ عليه، لأن كلامه فيما هو أعمُّ من الصحیحین. وأما الرابع: فقال العلائي: هو متفق على قبولِه والاحتجاج به، إذا وُجدتْ فيه شرائط القبول، وليس من المختلف فيه البتة(١). (ت) وقد تعقّب الدارقطني بعضه في كتاب ((التُّع))، وقد أجبنا عن أكثره)). والجواب الذي نقله الشارح عن الحافظ أولى، لأن الحاكم - فعلاً - يتكلم فيما هو أعمُّ من الصحيحين، يتكلم في الصحة مطلقًا، لكن الحاكم يفترض المسألة في ((المدخل)) ص١١٦ في ((خبر يرويه ثقة من الثقات، عن إمام من أئمة المسلمين، فيسنده، ثم يرويه جماعة من الثقات، فيرسلونه))، فالصورة هي صورة الحديث الشاذ على التعريف الراجح، كما سيأتي إن شاء الله ٣: ٢٧٢. ولذا قال الحاكم ص١١٧ : ((هذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، فإن القولَ عندهم قولُ من زاد في متن الإسناد إذا كان ثقة، فأما أئمة الحديث: فإن القولَ فيها عندهم قولُ الجمهور الذين أرسلوه، لِمَا يُخْشَى من الوهم على هذا الواحد)). (١) ((البتة)): [قال الجوهري - ٢٤٢:١ -: ((البتُّ: القطع))، ثم قال: ((ويقال: لا أفعله بتةً، ولا أفعله البتةَ: لكل أمر لا رجعةَ فيه، ونصبُه على المصدر)). انتهى. وفي ((الوافي)) وشرحه للدماميني: ((الأكثرُ بحسب الاستعمال: في المصدر الواقع بعد جملة محتمل غيره: التعريفُ باللام أو الإضافة، نحو: ﴿ذلكَ عيسى ابنُ مريمَ قولَ الحقِّ﴾ - مريم: ٣٤ -، ونحو: هذا زيدٌ الحقَّ، ولا أفعل كذا البتةَ، بوصل الهمزة، على القياس)). وحكى صاحب ((اللباب)) أن القطع فيها مسموع، بل ادَّعى شارحه أنه هو المسموع، ولا أعرف ذلك من جهةٍ غيرِهما. ومعنى («لا أفعله البتةَ)): جزمتُ بأن لا أفعله، وقطعت به قطعةً واحدة لا تَردُّدَ فیها للنظر، بحیث أجزم به، ثم يبدو لي، ثم أجزم به، فيكون قطعتين أو أكثر، بل هو قطعة واحدة لا يُثَنَّى فيها النظرُ. قال = ٥٣٤ الأول : الصحيح [ش] قال(١): ولا يبلُغ الحفاظ العارفون نصفَ رواةِ الصحيحين، وليس كونه حافظًا شرطًا، وإلا لَمَا احتُجَّ بغالب الرواة. (س) الرَّضيُّ: وكذا افعله البتة، أي: جزمتُ بأن تفعلَه، وقطعتُ به قطعة. فالبتة بمعنى القول المقطوع به، وكأن اللام فيها في الأصل للعهد، أي: القطعة المعلومة مني التي لا تردد فيها .. إلخ.]. ((الوافي)) في النحو، لمحمد بن عثمان البلخي، المتوفى سنة ٨٣٠، صاحبٍ ((عين العلم وزين الحلم)). وشَرَحه عصرُّه الدماميني (٨٢٧هـ) وسمّاه: ((المنهل الصافي))، كما في ((كشف الظنون)). وصاحب اللباب: هو تاج الدين محمد بن محمد الإسفرايني المتوفى سنة ٦٨٤، وذكر له حاجي خليفة شروحًا عديدة في ((كشف الظنون)) - مع قول الشارح السيوطي في ((بغية الوعاة)) ١: ٢١٩: لم أقف له على ترجمة - فالله أعلم من هو مراده. ثم رأيت الزَّبيدي في ((شرح القاموس)) ٤: ٤٣١ نقل بعض هذا، وعزاه إلى شرح ((العباب))، وهو للشريف جمال الدين عبد الله بن محمد الحسيني النيسابوري الأصل، ثم الحلبي، ثم الدمشقي، ثم القاهري (٧٠٦ - ٧٧٦) كما في ((إنباء الغُمر)) لابن حجر ١: ١١٨، وانظر لزامًا ((الدرر الكامنة)) ٢: ٢٨٧. وقوله ((لا أعرف ذلك من جهة غيرهما)): الظاهر أنه من كلام الدماميني، ويؤيده كلام الحافظ في ((فتح الباري)) ٧: ٤٨٣ (٤٢٢٠). وكلامُ الرَّضيِّ: في ((شرحه على كافية ابن الحاجب)) ١: ١٢٤، وهو محمد بن الحسن الأستراباذي (أواخر القرن السابع) وشرحه هذا (قاموس) هذا العلم، وللسيد الشریف حاشیة علیه. (١) القائل هو ابن حجر. وانظر مناقشته أيضًا لابن الصلاح في مسألة الحفظ في كلامه الآتي قريبًا ص٥٤٩. ٥٣٥ الأول : الصحيح [ش] وقال شيخ الإسلام: الحاكم إنما فَرَضَ الخلاف فيه بين أكثر أهل الحديث وبين أبي حنيفة ومالك(١). قال: وأما الخامس: فكما ذَكَر من الاختلاف فيه، لكنْ في الصحيحين أحاديثُ عن جماعةٍ من المبتدعة عُرِف صدقُهم واشتهرتْ معرفتهم بالحديث، فلم يُطْرَحوا للبدعة (٢). [ب] (١) وقد أسند الحاكم في ((المدخل)) ص١١٨ إلى الإمام أبي حنيفة قوله: ((لا يحلُّ للرجل أن يروي الحديث إلا إذا سمعه من فم المحدث، فيحفظُه ثم يحدثُ به)). وأسند بعده إلى الإمام مالك قوله: ((لا يؤخذ العلم ممن لا يعرف ما يحدث به))، وقوله: ((لقد أدركتُ بهذه المدينة أقوامًا لهم فضل وصلاح ما أخذت عن واحد منهم حرفًا))، قيل: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: ((لأنهم كانوا لا يعرفون ما يحدِّثُون به)). فأبو حنيفة رحمه الله اشترط الحفظ، ومالك رحمه الله اشترط المعرفة، لكن نقل عنه الحافظ في ((النكت)) ١: ٢٦٧ ما يفيد اشتراطه الحفظ أو المعرفة. (٢) وسيأتي إن شاء الله تعالى من الشارح رحمه الله سرد أسمائهم تحت عنوان (فائدة) آخر المسألة السابعة من النوع الثالث والعشرين ٤: ١٣٩. وقد قال الحافظ رحمه الله في ((النكت)) المطبوعة ١: ٣٧٠: ((نعم، وقد أخرجا لبعض الدعاة الغلاة كعمران بن حطان، وعباد بن يعقوب، وغيرهما، إلا أنهما لم يخرجا لأحد منهم إلا ما تُوبع علیه)). وأقول: كون عمران بن حطان غاليًا في بدعته: صحيح مسلَّم، إلا أنه لم يَصلْ به الغلوُّ إلى كونه داعيةً لبدعته، كما بيَّنته في التعليق على ترجمته من ((الكاشف)» (٤٢٦٢)، فانظره لزامًا، وسيأتي في كلام الشارح - الموضع المشار إليه ٤: ١٤٣ - أن عمران كان ((من القَعَدية الذين يرون الخروج على الأئمة ولا يباشرون ذلك»، = ٥٣٦ الأول : الصحيح [ش] قال: وقد بقي عليه من الأقسام المختلَف فيها رواية مجهولِ العدالةِ. وكذا قال المصنف في ((شرح مسلم))(١). مما يؤيد ما قلته هناك. وأما عباد بن يعقوب الرَّوَاجني: فله حديث واحد في البخاري ١٣ : ٥١٠ (٧٥٣٤) مقروناً بغيره. (١) ((شرح مسلم)) للنووي ١: ٢٨. ومجهولو العدالة قسمان: مجهولو العدالة ظاهراً وباطنًا، ومجهولو العدالة باطنًا لا ظاهرًا، وهؤلاء الذين يطلق عليهم: المستورون. ومعلوم أن الحافظ رحمه الله يسوِّي بين القسمين، وسيأتي في محله إن شاء الله تعالى ٣: ٨١. وقد قال في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٣٧٠: ((يمكن الجواب عن الحاكم: بأن هذا القسم وإن كان مما اختلف في قبول حديثهم وردِّه، إلا أنه لم يطلق أحد على حديثهم اسم الصحة، بل الذين قَبِلوه جعلوه من جملة الحسن بشرطين: أحدهما: أن لا تكون رواياتهم شاذة، وثانيهما: أن يوافقهم غيرهم على رواية ما رووه، فقبولها حينئذ إنما هو باعتبار المجموعية، كما قُرِّر في الحسن. والله أعلم)). وأقول تعليقًا على قول الحافظ ((لم يطلق أحد على حديثهم اسم الصحة)): في هذا نظر، فمعلوم أن الحاكم حينما قال: ((الصحيح من الحديث منقسم على عشرة أقسام)): لم يُرِد الصحة الاصطلاحية، لأنه يدرج الحسن في الصحيح، فهما عنده - من حيثُ الإطلاقُ والتسميةُ - شيء واحد، كما هو مشهور عنه، وحينئذ: فحديثهم مقبول حسن لذاته، لا يشترط لقبوله موافقة غيرهم عليه، وأما الشرط الأول - أن لا تكون رواياتهم شاذة ـ: فهذا صحيح هنا، ومع رواة أصح الصحيح. ثم إن الحاكم على مذهب شيخه ابن حبان في قبول حديث الرجل إذا لم يذكر = ٥٣٧ الأول : الصحيح [ش] وقال أبو علي الحسين بن محمد الجَيَّاني - فيما حكاه المصنف(١) -: الناقلون سبعُ طبقاتٍ: ثلاث مقبولة، وثلاث مردودة، والسابعة مختلَفٌ فيها. فالأُولى من المقبولة: أئمة الحديث وحفّاظهم، يُقْبَل تفرُّدهم، وهم الحجَّة على مَن خالفهم. بجرح، كما شرحته في مقدمه ((مصنف)) ابن أبي شيبة ١: ٧٧، و((دراسات الكاشف))، ص ١٨٦. ومن أقواله في ((المستدرك)) (١٠١٢) عن يحيى ابن أبي سليمان راوي حديث «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا): (( ... سکن مصر، ولم یذکر بجرح)، وقال (١٢١٨) عن حديث ابن عباس في خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الاستسقاء متخشعًا متذللاً: ((لا أعلم أحدًا من رواته منسوبًا إلى نوع من الجرح)). وقال (٢٨٢٢) عن حديث مظاهر بن أسلم، عن القاسم، عن عائشة مرفوعًا: ((طلاق الأَمَة تطليقتان)): ((مظاهر شيخ من أهل البصرة لم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح، فإذا الحدیث صحیح ولم يخرجاه)). مع تنبيهي إلى أنه يهمني من كلام الحاكم نفيُه الجرحَ عن الراوي - حسب علمه - سواء أكان الأمر كذلك أم لا. وهذا تطبيق منه لما قعَّده هو أول النوع الثامن عشر من ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢٢٦ بقوله: ((أصل عدالة المحدث: أن يكون مسلماً، لا يدعو إلى بدعة، ولا يُعلن من أنواع المعاصي ما تسقط به عدالته)). (١) أول شرح ((صحيح)) مسلم ١: ٢٨. ٥٣٨ الأول : الصحيح [ش] والثانية: دونهم في الحفظ والضبط، لَحِقَهم بعضُ وَهْمِ(١). والثالثة: قومٌ ثبتَ صدقُهم ومعرفتُهم، لكنْ جَنَحوا إلى مذاهب الأهواء من غير أن يكونوا غُلَاةً ولا دعاةً(٢). فهذه الطبقات احتَمَل أهلُ الحديث الروايةَ عنهم، وعليهم يدورُ نقل الحديث. والأُولى(٣) مِن المردودة: مَنْ وُسِم بالكذب ووَضْع الحديث. والثانية: من غلبَ عليه الوَهَم والغلط (٤). [ب] (١) الوهْم - بسكون الهاء -: سَبْق الذِّهن واللسان والقلم. ولجلالة أصحاب هذه الطبقة ضبطتُها بالسكون، أما الوهَم - بفتح الهاء - : فهو الغلط جزمًا، وزنًا ومعنى. (٢) أي: يقبل حديثهم بلا خلاف. وقد علَّق النووي رحمه الله على هذا الحكم من أبي علي فقال: ((ليس كما قال، بل فيهم خلاف، وكذلك في الدعاة خلاف مشهور)). وانظر المسألة السابعة من النوع الثالث والعشرين ٤: ١٢١. (٣) في ج، د: والأوَّةُ. وهو تعبير سائغ، لكنه غير شائع. (٤) هذا عطف تفسير إذا ضبطنا ((الوهَم)) بفتح الهاء، والأولى أن يكون عطف تأسيس ومغايرة، فتضبط الهاء بالسكون، ويكون المعنى: من كثر منه سَبْق اللسان، ومن كثر منه الغلط. والله أعلم. وليس المراد مَن زاد عدد وَهَمه وغلطه، على عدد صوابه وضبطه، أي: ليس المراد: أن من روى خمسين حديثًا أنه يغلط في ثلاثين منها، ويصيب في العشرين، لا، لا، بل من غلط في عشرة من الخمسين، أو قريبٍ منها، فذلك الذي کثُر وهمه، ويضعَّف حديثه، إلا الحديثَ الذي استطعنا الجزم بصوابه، من جراء متابعيه مثلاً، فنقبله جزمًا، وإلا الحديثَ الذي استطعنا الجزم بخطئه، للقرائن الخاصة أو العامة، = ٥٣٩ الأول : الصحيح السادسة: منْ رأی في هذه الأزمانِ حديثًا صحیحَ [ش] والثالثة: قومٍ غَلَوْا في البدعة ودَعَوْا إليها، فحرَّفوا الرواياتِ ليحتجُّوا بها. وأما السابع المختلف فيه: فقوم مجهولون انفردوا بروايات، فقبلهم قوم، وردَّهم آخرون(١). قال العلائي: هذه الأقسام التي ذكرها ظاهرة، لكنها في الرواة (٢). انتهى. (السادسة) من مسائل الصحيح (٣): (مَنْ رأى في هذه الأزمانِ حديثًا صحیحَ [ب] فذلك الذي نردُّه جزمًا، ونحكم ببطلانه، ولا نقول عنه: ضعيف، لأن الخطأ وما لم يُرْوَ سيّان، أما الذي لم نستطع الجزم بصحته، ولا الجزم برده: فهو الضعيف الذي هو في دائرة الاحتمال. وعلى هذا التفسير ينبغي أن نفهم كلام الحافظ في ((شرح النخبة)) عن سيء الحفظ ص٨٦، ١٠١. (١) لم يفصح الإمام الجيَّاني عن الجهالة هنا، ومعلوم أن بعضها أخفُ من بعض، ويَتْبع ذلك: أن الاختلاف متفاوت الوجاهة والاعتبار، فمن قَبِل حديثَ عدل الظاهر خفيّ الباطن، كان أقربَ ممن قَبِل حديث مجهول العين، أو العدالة مطلقًا. كما لم يفصح رحمه الله عمَّن قَبِل رواية هؤلاء المجاهیل، وكأنه یشیر إلى مذهب ابن حبان ومن معه، وإلى ما اشتهر عن الحنفیة. هذا، وعلى حاشية ك هذان البلاغان: بلغ. و((الحمد لله. ثم بلغ كذلك. كتبه مؤلفه، لطف الله به. آمین)». (٢) على حاشية هـ: ((أي: لا في الصحابة)). (٣) هذه المسألة هي المسألة الثانية عند ابن الصلاح ص١٢، والكلام فيها مشهور. وقد أفرد الشارح رحمه الله الكلام عليها بما أسماه ((التنقيح في مسألة التصحيح))، وهو يزيد على صفحة مخطوطة قليلاً، ركّز فيها على خلاصة رأيه في = ٥٤٠ الأول : الصحيح [ب] المسألة، وقد نقل منها خلاصتها الشيخ ابن العجمي هنا، لكني سأؤخِّره إلى آخر الکلام علی المسألة عند ذکر الشارح خلاصة رأیه هناك ص ٥٥٣. أما أنا فيهمُّني أول كلام الشيخ ابن الصلاح، فلذلك أقدّم الكلام ولا أؤخره. قال رحمه الله ص١٢ - ١٣ باختصار - مع المحافظة على محل الشاهد -: (الثانية: إذا وجدنا فيما يُروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثاً صحيح الإسناد .. فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته .. لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عَرِيّاً عما يشترط من الحفظ والضبط والإتقان .. ، وصار معظمُ المقصود بما يتداول من الأسانيد - خارجاً عن ذلك - إبقاءَ سلسلة الإسناد التي خُصَّت بها هذه الأمة زادها الله تعالى شرفاً. آمين)). فهذه أربع نقاط : دائرة البحث وميدانه. حكمه. تعليله. التعليل العام للمسألة. أما دائرة البحث - ويتصل بها التعليل العام -: فهي: أن ابن الصلاح لاحظ بنفسه، ومن خلال أقوال من سبقه بنحو مئتي سنة، وثلاث مئة سنة: الرامهرمزي (٣٦٠)، الخطابي (٣٨٨)، البيهقي (٤٥٨)، الخطيب (٤٦٣)، كلهم يشكو من النقلة التي حصلت للرواية والتحمل، فقد كان الأمر على دقة متناهية في التحمل والأداء، ثم بدأ الأمر يتناقص إلى أن ظهر من أقوال هؤلاء الأئمة كلمات كثيرة يشكون فيها مما طرأ على الرواية. وسبب هذه النقلة الخطيرة: حضور طائفتين من الناس مجالس الرواية: كبار في السن لكنهم من العامة، وصغار في السن كان آباؤهم وذووهم يحضرونهم تلك المجالس، للبركة، وأملاً أن يكونوا في المستقبل طلاب علم وحديث، وكثيراً ما يتحقق لهم هذا الرجاء، وكثيراً ما لا يتحقق، ومع مستقبل الأيام جلس الكبار والصغار للرواية والأداء، وكلاهما لم يكونوا أهلاً للتحمل، وكثير منهم بقي غير متأهل، ولکنه جلس - أو أُجلس - للرواية، طلباً لعلوّ الإسناد، وتكثير الطرق، وهذه مزلة قدم لا تحمد. ثم إن الكتب التي كانوا يروونها على صنفين: كتب أصول: جوامع وسنن =