Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ الأول : الصحيح [ش] فَأَلْحَقَ به ما كان على شرطهما، وإن لم يُخْرجاه(١). [ب] (١) قوله ((بل بالغ ابن طاهر .. وإن لم يخرجاه)): هذا من كلام البُلقيني، زيادة على كلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى. ولفظه في كتابه ص١٠١ أن ابن طاهر ذكر الصحيحين فقال: ((أجمع المسلمون على ما أُخرج فيهما، أو ما كان على شرطهما)). وفي ((النكت الوفية)) ١ : ١٧٨: ((حُكي عن ابن الملقن أنه قال: وأغرب ابن طاهر فنقل في كتابه ((صفوة التصوف)): الإجماع أيضًا على ما كان على شرطهما)). قلت: كلام ابن الملقن هو في ((المقنع)) ١: ٧٨، أما لفظ ابن طاهر في ((صفوة التصوف)) فهو فيه ص١١١ : - من المطبوع، والمطبوع مختصر من الأصل -: ((وبيننا وبينهم في هذه المسائل في التحليل والتحريم: ما أُخرج في الصحيحين لأبي عبد الله البخاري، ولأبي الحسين مسلم النيسابوري، الذي أجمع المسلمون على قبول ما أُخرج في كتابيهما، أو ما كان على شرطهما ولم يخرجاه، رضوان الله عليهما)). وقال في جزئه ((مسألة التسمية)) ص ٢٠: ((ولا أُخرِجَ منها - أي: من أحاديث الجهر بالبسملة - في الكتابين الصحيحين الذي أجمع المسلمون على صحة ما أُخرج فیهما)). ثم قال ص٥٥، وقد ذكر حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين .. )) قال: ((وهذا النوع من الحديث حكمه عند أهل النقل حكم الكتاب المنزَّل))، يريد: أن أحاديث الصحيحين تفيد القطع الضروري بَلْهَ النظري، ومعلوم أن ابن طاهر أحد رجالات سلسلة المذهب الظاهري، فهو تلميذ الحميدي الظاهري، صاحب ((الجمع بين الصحيحين))، والحميدي تلميذ ابن حزم، فهذه المبالغة في جعله أحاديث الصحيحين قطعيةً كالقرآن الكريم أثر من آثار تبعيَّته لابن حزم الذي يرى أن خبر الواحد - أيًّا كان - يفيد القطع، = ٥٠٢ الأول : الصحيح [ش] وقال شيخ الإسلام(١): ما ذَكَره النوويُّ مُسَلَّم من جهة الأكثرين، أما المحققون: فلا، فقد وافق ابنَ الصلاح أيضًا محققون. وقال في ((شرح النخبة))(٢): الخبرُ المُحْتَفُّ بالقرائن يفيدُ العلم، خلافًا لمن أَبَى ذلك. قال: وهو أنواع: منها: ما أخرجه الشيخانِ في صحيحيهما مما لم يبلُغ التواتر، فإنه احتفَّ به قرائن: ١ - منها: جلالتُهما في هذا الشأن، وتقدُّمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقّي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقّي وحدَه أقوى في إفادة العلم: من مجرَّد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر. إلا أن هذا مختصٌّ: بما لم يَنْتَقِدْه أحدٌ من الحفاظ، وبما لم يقع التجاذبُ بين مدلولَيْه، حيثُ لا ترجيحَ(٣)، لاستحالةِ أن يفيدَ المتناقضانِ العلمَ بصدقهما، من غيرِ ترجيحٍ [ب] - فكيف إذا اعتضد بقرينة التلقي بالقبول. والله أعلم. (١) كما في ((النكت الوفية)) ١: ١٧٨ - ١٧٩. وأعيد التنبيه إلى الملاحظة التي ذكرتها قبل قليل ص٤٩٨: إن الحافظ سلَّم - كما تراه هنا - بأن الأكثرين قالوا بقول النووي، وإن ابن تيمية نسب قول ابن الصلاح إلى الأکثرین. (٢) صفحة ٤٩ - ٥٢، وفي الطبعة التي أعزو إليها: ((التخالف)) بدل: التجاذب، والمعنى واحد. (٣) وخلاصة ذلك: أن ابن الصلاح استثنى من أحاديث الصحيحين ما تكلّم فيه الدار قطني وغيره، فإنها لا تفيد القطع، لكنها لا تخرج عن دائرة الصحة. وأؤكد على هذا الأمر: ما تُكُلُّم فيه من أحاديث الصحیحین فإنه يخرج وينزل عن دائرة إفادة العلم اليقيني، إلى دائرة الصحة فقط، ولا ينزل إلى الضعف، لأن القطع = ٥٠٣ الأول : الصحيح [ش] لأحدهما على الآخر. وما عدا ذلك فالإجماعُ حاصلٌ على تسليم صحته. قال: وما قيل من أنهم إنما اتفقوا على وجوب العمل به، لا على صحته: واليقين حصل لأحاديثهما بقرينة التلقي بالقبول من الأئمة الحفاظ عامة، وهذا الحديث تكلّم فيه بعضهم، فلم يحظ بقرينة التلقي العام، فبقي على أصل الصحة التي ارتآها الشيخان له أو أحدهما، ومعه الحفاظ الآخرون الذين لم يتكلموا فيه، إذ من المعلوم بداهة أنه لا يوجد في الصحيحين أو أحدهما حديث ادَّعى له الشيخان الصحة، واتفق العلماء الآخرون كلهم على ضعفه، فهو في دائرة المختلَف فيه، على أقل تنزّل، ويبفى الحكم لما حكم به الإمامان، لعلوّ مقامهما في هذا العلم، كما سيأتي عن ابن حجر ص٥١٦، ولما عُرف من دقائق مسالكهما. وزاد ابن حجر على ما استثناه ابن الصلاح: ما لم يقع التجاذب بين مدلوليه ولا ترجيح، وكلاهما مستفاد من الواقع، فالاستثناء الأول: واقع حاصل من الدارقطني وغيره، والاستثاء الثاني واقع حاصل للشراح وللفقهاء، وقد عَرَض للاستثناء الثاني ابن رُشَيد في ((ملء العيبة)) ٥: ٣٢٩ فذكره معترِضًا به على ابن الصلاح. ومع ذلك فقد نَّه السَّمين العدوي في (لَقْط الدُّرر)) ص٤١ تنبيهًا وجيهًا، فقال: ((اعلم أن كلامنا الآن في كونه خبرَ الرسول صلى الله عليه وسلم، لا في مضمونه، فالمناسب حذف قوله ((وبما لم يقع)) إلخ، لأنه متى احتفّ به القرائن عُلم أنه خبر الرسول، وقع فيه التخالف أم لا. فإن قلتَ: إذا وقع التخالف فأحدهما كاذب، فکیف يُعلم أنه خبر الرسول؟ قلتُ: لا يلزم من التخالف كذبُ أحدهما، بل هما صادقان، وأحدهما ناسخ للآخر، والآخر منسوخ)). وأول هذا التنبيه للعلامة قاسم بن قطلوبغا في ((حاشيته على شرح النخبة)) ص٤٠. ٥٠٤ الأول : الصحيح [ش] ممنوعٌ، لأنهم اتفقوا على وجوب العمل بكلّ ما صحّ ولو لم يُخرجاه(١)، فلم يَبْقَ للصحيحين في هذا مزية، والإجماعُ حاصلٌ على أن لهما مزيةً فيما يَرجع إلی نفس الصحة. قال: ويَحتمِل أن يقال: المزية المذكورة كونُ أحاديثِهما أصحَّ الصحيح (٢). ٢ - قال: ومنها(٣): المشهورُ إذا كانت له طُرُقٌ متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل. وممَّن صرح بإفادته العلمَ الأستاذُ أبو منصور البغدادي. ٣ - قال: ومنها: المسلسلُ بالأئمة الحفاظ حيثُ لا يكونُ غريبًا، كحدیثٍ يرويه أحمدُ مثلاً، ويشاركُه فيه غيرُه عن الشافعي، ويشاركه فيه غيرُهُ عن مالك، فإنه يفيد العلم عند سامعه، بالاستدلال من جهة جلالة رواته (٤). (ت) - (١) نعم، لكن ما روياه فلا يتوقف عن العمل به - إن لم يكن دليل آخر يمنع من العمل به -، بخلاف ما يصححه غيرهما، فإنه يحتاج إلى نظر وتسليم بصحته، ثم العمل به. وعلى هذا: فالمزية لأحاديث الصحيحين باقية. وينظر ما كتبته في ((أثر الحديث الشريف)) ص ٦٥ تعليقًا من الطبعة السابعة. (٢) تقدّم ردّ هذا المعنى ص ١٦٩، فلا حاجة إليه مع الجواب الذي قدّمته. (٣) أي: ومن القرائن التي إذا احتفت بخبر الواحد جعلته يفيد القطع النظري: كونُه مشهوراً بطرق متباينة لا ضعف فيها ولا علة. وهكذا يقال فيما بعده. وعلى هذا: فالحافظ ابن حجر رحمه الله وسَّع دائرة القرائن التي ترفع الخبر الواحد إلى رتبة القطع به. (٤) وكأن الحافظ رحمه الله أخذ هذا مما تقدم نقله ص٢٠٢ عن بعض أهل الحديث، بواسطة ((التبصرة)) لأبي إسحاق الشيرازي ص٢٩٨، لكن الحافظ زاد عليه: أن لا يكون غريبًا، بل له متابع، فيزداد قوة. والله أعلم. ٥٠٥ الأول : الصحيح [ش] قال: وهذه الأنواعُ التي ذكرناها: لا يحصُل العلم فيها إلا للعالم المتبحِِّ في الحديث، العارفِ بأحوال الرواة والعلل(١)، وكونُ غيرِه لا يحصل له العلم، لقصوره عن الأوصاف المذكورة: لا ينفي حصولَ العلمِ للمتبحِّر المذكور. انتھی. وقال ابن كثير (٢): وأنا مع ابن الصلاح فيما عوَّل عليه وأرشدَ إليه. قلت: وهو الذي أختاره ولا أعتقد سواه. نعم، يبقى الكلام في التوفيق بينه وبين ما ذكره أولاً، من أن المراد بقولهم «هذا حديث صحيح)): أنه وُجدت فيه شروط الصحة، لا أنه مقطوعٌ به في نفس الأمر، فإنه مخالف لما هنا، فلينظَرْ في الجمع بينهما، فإنه عَسِر، ولم أَرَ من تنبَّه له(٣). تنبيه : استثنى ابن الصلاح(٤) من المقطوع بصحته فيهما: ما تُكُلُّم فيه من أحاديثهما، فقال: سوى أحرفٍ يسيرةٍ، تَكَلَّم عليها بعضُ أهل النقد من (١) وهذا هو المراد بقولهم: العلم النظري. (٢) في ((اختصار علوم الحديث)) ص٣٥. (٣) قلت: لا عُسْرَ إن شاء الله، فحكمه ذاك منسحب على ما صح من حيثُ الجملة، وحكمه هذا خاص بما كان في الصحيحين أو أحدهما، لأنها وجدت فيه شروط الصحة، كتلك الأحاديث، مضافًا إليها قرينة التلقي بالقبول. والله أعلم. وعلی حاشية ز کلام طویل لم يتضح المراد منه بسبب طمس متفرق فيه. (٤) ص٢٩، ولا بدّ من التنبيه إلى أن هذا (المتكلّم فيه) لا يخرج عن دائرة الصحة. ٥٠٦ الأول : الصحيح [ش] الحفاظ، كالدار قطني(١) وغيره. [ب] (١) [في فصل قضاء رمضان من ((شرح الهداية)) للعيني: لا يُقبل طعن الدار قطني إذا انفرد به. انتھی.]. ((البناية)) للعيني ٣: ٧٠٢ من طبعة دار الفكر، مع كلامٍ قدره خمسة أسطر، سقط من طبعة ملتان - باكستان، ومحلّه فيها ٣٤٧:٤ قبل قوله: فإن قلت: أخرج مسلم ... ، وهذه الكلمة التي نقلها العيني في انفراد الدارقطني بطعن الراوي، نسبها العيني إلى أبي الفرج ابن الجوزي، فهو ناقل لا قائل. وللعيني كلمات أخرى فيه وفي ((سننه))، تجدها في ((الأجوبة الفاضلة)) ص ٧٧ - ٧٨، وبعضها أخذه من ((نصب الراية)) للزيلعي ١: ٣٤٠، ٣٥٦، ٣٦٠، وكلّه مما نقله عن قرينه ابن عبد الهادي، ومثله في أوائل ((الصارم المنكي)) له ص١٢، وجميع ذلك تجده فيما جمعه شيخنا رحمه الله في جزئه الذي سماه: ((السنة النبوية وبيان مدلولها الشرعي، والتعريف بحال سنن الدار قطني)). وقول ابن الصلاح ((وغيرِه)): يشير إلى الحفاظ الآخرين الذين انتقدوا بعض ما في الصحيحين، وسمَّى الدارقطنيَّ وأبهم الآخرين، لعلوّ شأنه، ولكونه أفرد في هذا الأمر كتابًا طُبع باسم ((التتبّع))، وطُبع معه كتابه الآخر ((الإلزامات)). وللدار قطني جزء مفرد آخر تكلم فيه على بعض ذلك مما ليس في ((التُّع))، انظر الحديث الثاني والثلاثين من الفصل الثامن من ((هدي الساري)). ومثله الأحاديث التي يصدِّرها الحافظ بقوله: قال الدارقطني فيما وجدت بخطه، فإنها من هذا الجزء المفرد، وهي قليلة نادرة. واستدرك عليه الحافظُ نفسُه في ((الفتح)) ١: ٥٤٨ حديثًا هو على شرطه في ((التتبع)) من وجهين، ومع ذلك فلم يذكره الدارقطني، ولا ذكره هو في ((مقدمة الفتح)). = ٥٠٧ الأول : الصحيح [ب] ٢ - ومن هؤلاء: أبو مسعود الدمشقي في جزء له. ٣ - ومنهم: أبو علي الجيَّاني في ((تقييد المهمل)) ص ٧٦٣ - ٩٣٧. ٤- ومنهم: الإمام الشهيد أبو الفضل محمد بن أحمد بن عمار الجارودي الهَرَوي، المتوفى سنة ٣١٧، وطبع كتابه باسم: ((علل الأحاديث في كتاب الصحيح)) لمسلم بن الحجاج، وعدد أحاديثه ٣٦ حديثًا. ولا ريب أن هناك اشتراكاً كبيراً في كلام من تقدم. ٥ - ومنهم: ابن حزم، تكلم في حديث المعراج من رواية شريك، التي أخرجها البخاري في أواخر («صحيحه)) ١٣: ٤٧٨ (٧٥١٧)، وفي حديث عَرْض أبي سفيان ابنتَه أمَّ حبيبة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوَّجها، وقد أخرجه مسلم في فضائل أبي سفيان بن حرب ٤: ١٩٤٥ (١٦٨). وكلامه هذا مشهور معلوم، ولابن طاهر المقدسي جزء سمّاه ((الانتصار الإمامي الأمصار)) للرد على ابن حزم، ذكره الحافظ في ((الفتح)) ٤٨٤:١٣ آخر الصفحة (٧٥١٢). كما ردّ على ابن حزم كلامه في حديث أم حبيبة فقط ابن عبد الهادي، ذكره ابن رجب في ترجمته في ((ذيل الطبقات)) ١١٨:٥. وانظر ((مكانة الصحيحين)) للأخ الدكتور الشيخ خليل ملا خاطر، فإنه أسهب جزاه الله خيراً في هذا من صفحة ٣٨٧ - ٤٦٨، وانظر ما كتبته حول هذا الحديث ضمن ((مجموع رسائل في علم الحدیث دراية)). ٦ - ومنهم: الخطيب البغدادي، نقل كلامه ابن حجر في الحديث الثالث والسبعين. ٧ - ومنهم: الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي، نقل كلامه في الحديث الخامس والثمانین. = ٥٠٨ الأول : الصحيح [ب] ٨ - ومنهم: الإسماعيلي في ((المستخرج))، انظر كلامه في الحديث الثالث والتسعين. ٩ - ومنهم: القاضي ابن العربي، انظر كلامه في الحديث الثالث. ١٠ - ومنهم: البزار، ذكره ابن حجر في ((الفتح)) ٤: ٢٨٠ في كلامه على حديث: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم))، ولم يذكره في ((مقدمة الفتح)). وقال الحافظ آخر الفصل المذكور ص٣٨٣: ((أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع، وبعضُها الجواب عنه محتمِل، واليسير منه في الجواب عنه تعسُّف)). وقال في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٣٦٩: ((أجبنا عن أكثره)). ولعل من أمثلة ما الجوابُ عنه محتمل: هو الحديث الثامن عشر، وجوابه في ((الفتح)) ٣: ٢٣٠ (١٣٦٨) كجوابه في ((المقدمة)». وأما ما الجوابُ عنه فيه تعسُّفُ: فهما الحديثان الحادي والثمانون، والثالث والثمانون لا غير، وجوابه في ((الفتح)) عنهما ٩: ٤١٨، ٨: ٦٦٧، و٩: ٦٣٣: أقوى من كلامه عليهما في ((المقدمة)). فيتعيَّن النظر في كلامه في المواضع كلها ويجمع بينه. على أنه لا بأس بكتابة كلمات يسيرة حول هذه الأحاديث الثلاثة. أما الحديث الثامن عشر، وهو حديث عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود الدِّيلي قال: قدمت المدينة فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرّت جنازة، فأُثني على صاحبها خيرًا .. ، فقد أعلّه الحافظ في كتابيه بأن عليّ ابن المديني قال: ابن بريدة لم يسمع أبا الأسود، إنما يروي عنه بواسطة يحيى بن يعمَر، ولم يقف ابن حجر على هذا الحديث إلا بعنعنة ابن بريدة عن أبي الأسود، ثم اعتذر عن إخراج البخاري له. قلت: هذا إعلال غريب من الإمامين الدارقطني وابن حجر إذ لم يذكر أحد من المتقدمين ولا المتأخرين ابنَ بريدة بتدليس، فعنعنته محمولة على الاتصال، في أيّ إسناد كان، وفي أي كتاب، ويتعيَّن حمل هذه العنعنة وكلُّ عنعنة منه على الاتصال، وبه یقوى الجواب عن الحديث الثامن عشر إن كان فيه علَّة أو إشكال. = ٥٠٩ الأول : الصحيح [ب] - وأما الحديث الحادي والثمانون فتوضيح أمره: أنه كان عند البخاري نسخة فيها خبر تاريخي طويل يحكيه ابن عباس عن أوثان الأمم السابقة، وتَسَلسلَ في الحديث إلى حال المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف كان التعامل بينهم في السبايا، وإسناد البخاري بها: إبراهيم بن موسى، عن هشام الصنعاني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، ينظر ((الصحيح)) (٤٩٢٠، ٥٢٨٦). وابن جريج يروي عن عطاء بن أبي رباح الإمام الحجة، عن ابن عباس، وعطاء هذا من خاصة أصحاب ابن عباس، ويروي ابن جريج أيضًا عن عطاء الخراساني، وهو صدوق، لكن في ضبطه كلام، وأيضًا: لم يلق ابن عباس، فروايته عنه منقطعة. وقد نقل الحافظ في ((الفتح)) ٦٦٧:٨، و((المقدمة)) ص ٣٧٥ كلامًا طويلاً، فيه أن ما يرويه ابن جريج، عن عطاء، في أمور التفسير، فإنما هو عن عطاء الخراساني، أخذه من «تفسيره))، من طريق ابنه عثمان، مناولة، وزيادة في العلة: فإن عثمان ضعيف. نقل الحافظ هذا الكلام بواسطة علي ابن المديني. وقال عقبه في ((مقدمة الفتح)) ص ٣٧٦ : ((يحتمل أن یکون هذان الحديثان عن عطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني جميعًا. والله أعلم. فهذا جواب إقناعي، وهذا عندي من المواضع العقيمة عن الجواب السديد، ولا بدّ للجواد من كبوة، والله المستعان)». ومعلوم أن الحافظ رحمه الله فرغ من كتابة ((هدي الساري)) سنة ٨١٣، وتُنُوقِلَتْ عنه، وبدأ بعدها بكتابة ((الشرح)) وفرغ منه سنة ٨٤٢، وهذا الكلام الذي نقلته من ((المقدمة)) يتعلق بالحديث (٤٩٢٠)، أي: هو في النصف الثاني من ((الجامع))، ولعل كتابته عليه في ((الشرح)) كانت من حيثُ التاريخ بعد سنة ٨٣٠، وقد سبق منه رحمه الله أنه قال ٤٤٨:٣ في شرح الحديث (١٥٨٦): ((وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنين وعشرين [وثمان مئة] أن جهة الميزاب [ميزاب الكعبة] فيها ما يحتاج إلی ترمیم)، ذلك أنَّ شرحً نحوٍ ثلاثة آلاف وخمس مئة حدیث لا یبعد أن تستغرق منه = ٥١٠ الأول : الصحيح نحو عشر سنوات. والله أعلم. [ب] والقصد من هذا: أن هذا الجواب الإقناعي المتكلّف قد صاغه بصياغة جواب مقنع غيرٍ متكلَّف، وذلك في شرحه له في ٦٦٧:٨ (٤٩٢٠) فقال: ((الذي قَوِي عندي: أن هذا الحديث بخصوصه عند ابن جريج عن عطاء الخراساني وعن عطاء بن أبي رباح جميعًا، ولا يلزم من امتناع عطاء بن أبي رباح من التحديث بالتفسير أن لا يحدِّث بهذا الحديث في باب آخر من الأبواب، أو في المذاكرة، وإلا فكيف يخفى على البخاري ذلك مع تشدده في شرط الاتصال واعتماده غالبًا في العلل على علي ابن المديني شيخه، وهو الذي نبّه على هذه القصة، ومما يؤيد ذلك أنه - أي: البخاري - لم يكثر من تخريج هذه النسخة، وإنما ذكر بهذا الإسناد موضعين: هذا، وآخر في النكاح - (٥٢٨٦) -، ولو كان خفي عليه لاستكثر من إخراجها، لأن ظاهرها على شرطه)). وزاد الأمر إيضاحًا في آخر ترجمة عطاء الخراساني من ((تهذيب التهذيب)» ٢١٤:٧ فقال عن هذين الخبرين اللذين أخرجهما البخاري: ((إن ثبوتهما في تفسير عطاء الخراساني، لا يمنع أن يكونا عن عطاء بن أبي رباح أيضًا، هذا أمر واضح، بل هو المتعيِّن، ولا ينبغي الحكم على البخاري بالوهم بمجرد هذا الاحتمال، لا سيما والعلةُ في هذا محكية عن شيخه علي ابن المديني، فالأظهر بل المحقَّق أنه كان مطّلعًا على هذه العلة، ولولا ذلك لأخرج في التفسير جملة من هذه النسخة، ولم يقتصر على هذين الحديثين خاصة. والله أعلم. ولا سيما أن البخاري قد ذكر عطاء الخراساني في ((الضعفاء))، وذكر حديثه عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي واقع في شهر رمضان بكفارة الظهار، وقال: لا يتابع علیه، ثم ساق بإسناد له عن سعيد بن المسيب أنه قال: كذب عليّ عطاء، ما حدثتُه هكذا. ومما يؤيد أن البخاري لم يخرج له - لعطاء الخراساني -: أن الدار قطني والجياني والحاكم واللالكائي والگلاباذي وغيرهم لم یذکروه في رجاله)». = ٥١١ الأول : الصحيح [ب] وهذا كلام قوي جيد، يبقى التنبيه إلى قوله عن البخاري: إنه متشدد في شرط الاتصال: هو أمر مسلَّم به على المعنى الذي قدَّمته: يريد قرينة قوية دالة على إمكان اللقاء بين الراوي وشيخه، لا على المعنى الذي يريده الحافظ: ثبوت اللقاء. ثم قوله: إن أبا علي الجيّاني لم يذكر عطاء الخراساني في رجال البخاري: وهذا أيضًا مسلم به، لكن الحافظ نفسه نقل إعلال هذا الحديث (الحادي والثمانين) في (مقدمة الفتح))، عن الجياني، وهو نقلها عن أبي مسعود الدمشقي في ((الأطراف))، فكونه لم يذكر عطاء الخراساني في رجال البخاري، لا يفيد في البحث شيئًا. وقوله أخيرًا: ذكر البخاري عطاء الخراساني في ((الضعفاء)): يريد به: ((الضعفاء الكبير))، وهو قد ذكره في ((ضعفائه الصغير)) المطبوع (٢٧٨)، لكن لم يذكر الحديث الذي أشار إليه، ولا قول سعيد بن المسيب فيه. والله ولي التوفيق. وأما الحديث الثالث والثمانون (٥٥٠٢): وهو حديث نافع، عن رجل من بني سَلِمة أخبرَ عبد الله - ابنَ عمر - أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنمًا له، الحديثَ، قال الدارقطني في ((التتبع)) ص٢٤٦ : اختُلِف فيه على نافع وعلى أصحابه، ثم قال: ولا يصح، والاختلاف فيه كثير، قال ابن حجر ص٣٧٦: ((هو كما قال، وعلَّته ظاهرة، والجواب عنه فيه تكلُّف وتعسُّف». وهذا إعلال للسند، والحديثُ صحيح، وينظر ((مصنف)) ابن أبي شيبة (٢٠١٨٣، ٢٠١٨٦)، و((الموطأ)) ٢: ٤٨٩ (٤)، و((التمهيد)) ١٣٦:٥ - ١٣٧. والحديث في ((مسند)) أحمد ٣: ٤٥٤، ٦: ٣٨٦، وختم الحافظ كلامه عليه في ((الفتح)) ٩: ٦٣٣ (٥٥٠٥): ((الراوي الذي لم يسمَّ يقدح في صحة الخبر، إلا أنه قد تبيَّن بالطريق الأخرى أن له أصلاً))، وبقراءة رواياته التي في ((الصحيح)) (٥٥٠٢، ٥٥٠٤، ٥٥٠٥) تتبيَّن صحة هذا، وبقراءة الأحاديث (٥٥٠١ _ ٥٥٠٥) معها تتبيَّن صحة ذلك فقهيًا، ورضي الله عن الإمام البخاري ما أدقّه !!. وهذا الحديث - وغيره إن وجد - ينطبق عليه قول أبي إسحاق الإسفرايني = ٥١٢ الأول : الصحيح [ش] قال شيخ الإسلام(١): وعدةُ ذلك مئتان وعشرون حديثًا، اشتركا في اثنين وثلاثين، واختصَّ البخاري بثمانين إلا اثنين، ومسلم بمئة. قال المصنف في شرح البخاري (٢): ما ضُعِّف من أحاديثهما مبنيٌّ على علل ليست بقادحة. قال شيخ الإسلام(٣): فكأنه مال بهذا إلى أنه ليس فيهما ضعيف، وكلامه في ((شرح مسلم)) يقتضي تقريرَ قولٍ من ضَعَّف، فكأن هذا بالنسبة إلى مقامهما، (ت) المتقدم ص ٥٠٠. تعليقًا: ((وإن حصل فذلك اختلاف في طرقها ورواتها))، فقول الحافظ أولاً: ((الجواب عنه فيه تكلف)»: أي: الجواب عنه إسنادًّا، ومع ذلك فغالب الظن أن البخاري ساق هذا الإسناد (٥٥٠٢) عقب الذي قبله (٥٥٠١)، وساق بعده (٥٥٠٣، ٥٥٠٤) ليرشِّح أن هذا المبهم إنما هو ابن كعب بن مالك، وكعبٌ سَلَمّي، وقد قال نافع: عن رجل من بني سَلِمة، وابن کعب سَلَميّ، كأبيه. (١) ذكر في ((مقدمة الفتح)) أول الفصل الثامن ص٣٤٦ عدَّة ما انفرد به البخاري وهو ٧٨ حديثًا، وعدَّة ما اتفقا عليه وهو ٣٢ حديثاً، فالمجموع كما قال هناك مئة حديث وعشرة أحاديث. وقال في ((النكت الوفية)) ١: ١٨٠: ((وانفرد مسلم بمئة))، فتمَّ العدد: مئتا حدیث وعشرة أحاديث. لكنه في ((النكت الوفية)) قال: «يختص البخاري بثمانین، واشتركا في ثلاثین)»، فتجوَّز بحذف الكسر فيما اشتركا فيه، وبجبرِه فيما اختص به البخاري. وعدَّها السِّلَفي فبلغ العدد (٢٠٧)، كما تجده في خاتمة المطبوع من ((التتبع)) ص ٣٧٨. وانظر ما تقدم ص٢٩٤. (٢) في ((التلخيص)) ١: ٢٤٥، بالمعنى. (٣) ((النكت الوفية)) ١: ١٨٠، و((شرح النووي على مسلم)) ١: ٢٧. ٥١٣ الأول : الصحيح [ش] وأنه يدفع عن البخاري، ويقرِّر على مسلم. قال العراقي(١): وقد أفردتُ كتابًا لِمَا تُكُلُّم فيه في الصحيحين أو أحدِهما مع الجواب عنه. قال شيخ الإسلام(٢): لم يُبَيّض هذا الكتاب، وعُدِمت مُسَوَّدته. وقد سَرَد شيخ الإسلام ما في البخاري من الأحاديث المتكلّم فيها في (مقدمة شرحه))(٣)، وأجاب عنها حديثًا حدیثًا. ورأيتُ فيما يتعلَّق بمسلم تأليفًا مخصوصًا فيما ضُعُّفٌ من أحاديثه بسببِ ضعفٍ رواته(٤)، وقد ألَّف الشيخُ ولي الدين العراقي كتابًا في الردِّ عليه. (١) في ((شرح ألفيته)) ص ٢٥ - ٢٦. ونحوه في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٨٦ - ٢٨٧. (٢) ((النكت الوفية)) ١: ١٨٣. ومثله وزيادة في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٣٨٠، و((البحر الذي زخر)) ٢ : ٦١٢. (٣) من صفحة ٣٤٨ - ٣٨٣ وهو الفصل الثامن من فصول ((المقدمة)). ومع ذلك فقد فاته عدد یسیر مما نُكلُّم فيه. وقد أشرت ص٥٠٦، ٥٠٨ إلی حدیثین من ذلك، أحدهما استدركه ابنُ حجر نفسُهُ على الدار قطني، حيث لم يذكره في كتابه ((التتبع))، ولا ذكره هو في ((المقدمة)). والثاني: ذكر أن البزار طعن فيه، ولم يذكره هو في ((المقدمة)) أيضًا. وفي (الفائدة) الآتية ص ٥١٦ تعليقًا حديث ثالث. وفي التعليقة الثانية ص ٥٢٢ حدیث رابع. (٤) وهكذا قال الشارح في ((البحر الذي زَخَرَ)) ٢: ٦١٢ - ٦١٣، لم يسمِّ مؤلِّفه. = ٥١٤ الأول : الصحيح [ش] وذَكَر بعضُ الحفاظ(١) أن في كتاب مسلم أحاديثَ مخالفةً لشرط الصحيح، بعضُها أبهم راويه، وبعضُها فيه إرسال وانقطاع، وبعضُها فيه وجادة، وهي في حكم الانقطاع، وبعضُها بالمكاتبة. وقد ألَّف الرَّشيد العطَّار كتابًا في الردِّ عليه، والجوابِ عنها حديثًا حديثًا، وقد وقفتُ عليه (٢)، وسيأتي نقلُ ما فيه ملخَّصًا مفرَّقًا في المواضع اللائقة به إن شاء الله تعالى(٣). [ب] - ويريد الشارح رحمه الله أن هذا الكتاب جَمَع فيه مؤلِّفه ما ضُعِّف من أحاديث مسلم بسبب ضعف رواته، فهو تثبيت للطعن في بعض أحاديث ((صحيح)) مسلم، لذلك قام الحافظ أبو زرعة العراقي للردِّ عليه والدفاع عن ((صحيح)) مسلم، كما قام من قبله والده الزين العراقي في الجواب عما ضعّف من أحاديث الصحيحين، وسَبَق هذا قبل أسطر، وانظر ما يأتي. (١) ظاهر كلام الشارح الآتي بعد سطرين أن الرشيد العطار قد أشار إلى كلام هذا (البعض) في كتابه الآتي ذكره، وأجاب عنه، وقد ذكر في مقدمته ما ذكره أبو على الجياني، وتابعه عليه المازري: من أن في ((صحيح)) مسلم أربعة عشر حديثًا معلّقة، فذكرها أيضًا ووصلها، ثم زاد من عنده أشياء كثيرة، وصلت بترقيم محققه إلی ستة وستین حديثًا. (٢) وهو ((غُرَر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة))، والرشيد العطار: هو الإمام الحافظ رشيد الدين أبو الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي الأموي المصري المالكي، (٥٨٤ - ٦٦٢) رحمه الله تعالى، وقد طبع الكتاب أكثر من مرة. (٣) انظر آخر الكلام على النوع التاسع (المرسل) ٣: ١٧٠، وآخر الكلام على = ٥١٥ الأول : الصحيح [ش] ونعجِّل هنا بجوابٍ شاملٍ لا يختصُّ بحدیث دون حدیث. قال شيخ الإسلام في ((مقدّمة شرح البخاري)) (١): الجوابُ من حيثُ الإجمال عما انتُقِد عليهما: أنه لا ريبَ في تقديم (٢) البخاريِّ ثم مسلم على أهل عصرهما ومَن بعده مِن أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلَّل(٣)، فإنهم لا يختلفون أن ابنَ المديني كان أعلمَ أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك، ومع ذلك فكان ابنُ المديني إذا بلغه عن البخاري شيء يقول: ما رأى مثلَ نفسه. وكان محمد بن يحيى الذَّهْلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشیخان جمیعًا. وقال مسلم: عرضتُ كتابي على أبي زرعة الرازي، فما أشار أن له علةً تركتُه(٤). فإذا عُرِف ذلك وتقرَّر أنهما لا يُخَرّجان من الحديث إلا ما لا علَّة له، أو له علةٌ غيرُ مؤثّرة عندهما، فبتقديرِ توجيهِ كلامٍ مَن انتقد عليهما، يكون قولُه [ب] - الحديث المنقطع ٣: ١٧٧، و(الفائدة) أثناء الكلام على المسألة السادسة من مسائل النوع الثالث والعشرين ٣: ١١١. (١) ص٣٤٦ - ٣٤٧ أول الفصل الثامن، وفي النقل طولٌ وتصرُّفٌ لا يضرُّ، وزيادة الأمثلة من عند الحافظ نفسه، كما سأنبِّه إليه. (٢) هكذا في ك ــ بعد التعديل -، والمصدر المنقول عنه، وفي النسخ: تقدُّم. (٣) وهكذا في ((المقدمة))، وفي النسخ: والعلل. (٤) قلت: اشتهر قول مسلم هذا، واشتهر أنه يريد به ((صحیحه))، كما هو سياق الشارح هنا، متابعةً لابن حجر، وكما هو سياق ابن الصلاح في مقدمة ((شرحه على مسلم)) ص٦٨، ٩٨، والنووي من بعده ١: ١٥، ٢٦، وانظر ما تقدم ص ٣٣٠. ٥١٦ الأول : الصحيح [ش] معارِضًا لتصحيحهما، ولا ريبَ في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراض من حيثُ الجملة. وأما من حيثُ التفصيل: فالأحاديث التي انتُقِدت عليهما ستة أقسام(١) : (س) (١) [فائدة: روى البخاري في «الإیمان) - (١٢) - من طريق اللیث، عن یزید، (عن أبي الخير)، عن ابن عمرو: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلام خير؟ قال: ((تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)). وقد روى مسلم - ١ : ٦٥ (٦٣، ٦٤) - من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيدَ، بهذا الإسناد نظير هذا السؤال، لكن جعل الجواب فيه: ((من سلم الناس من لسانه ويده)). فادَّعى ابن مندهْ ـ ((الإيمان)) ٢: ٤٥١ [؟] - فيه الاضطراب. وأُجيب : بأنهما حديثان انَّحد إسنادهما، وهذا ليس راجعًا إلى واحد من الأقسام الستة التي ذكرها الحافظ، وكأنه رأى أنه من قسم المندفع بالكلية، ولهذا لم يَسْرُده في ((المقدمة))، مع تنبيهه عليه في الشرح. انتهى من ((شرح ألفيته)) . - ٢: ٦٣٥ _]. ومما يؤيد أنهما حديثان كما قال الحافظ: أن السؤال في رواية الليث جاء عن الإسلام، أيْ: أيُّ خصالِ الإسلام وأعمالِه الصالحة خير، فجاء الجواب: تُطعم الطعام وتقرأ السلام، أما في رواية عمرو بن الحارث فجاء السؤال عن المسلمين: أيُّ المسلمين خير، فدلَّه على أوصافهم: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده))، فاختلف الجواب لاختلاف السؤال. ورواية الليث عند البخاري برقم (١٢)، وعند مسلم برقم (٦٣). فإن قيل: روى البخاري (١١)، ومسلم (٦٦) عن أبي موسى: أيُّ الإسلام أفضل؟ فقال: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده))، فدلّ هذا اللفظ على أنهما سواء، أقول: نعم، لكن أعقب مسلم هذه الرواية بقوله: ((وحدثنيه إبراهيم بن سعيد .. قال: = ٥١٧ الأول : الصحيح [ش] الأول: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد، فإنْ أخرج صاحب الصحيح الطريقَ المَزِيدة، وعلَّله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود، لأن الراوي: إنْ كان سمعه فالزيادة لا تضرُّ، لأنه قد يكونُ سمعه بواسطة عن شيخه، ثم لقيَه فسمعه منه، وإنْ كان لم يسمعْه في الطريق الناقصة فهو منقطع، والمنقطعُ ضعيفٌ، والضعيف لا يُعِلَّ الصحيح. ومن أمثلة ذلك(١): ما أخرجاه من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في قصة القبرين. قال الدارقطني في انتقاده(٢): قد خالف منصورٌ فقال: عن مجاهد، عن ابن عباس. وأخرج البخاري حديث منصور على إسقاط طاوس. قال(٣): وحديث الأعمش أصحُ. [ب] - سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ المسلمين أفضل)). فالإمام مسلم متنبِّه لهذا، ونبّه إليه بهذا السياق، فتأنّ، وينظر تمام البحث في ((منهج الإمام مسلم)) ضمن «مجموع رسائل في علم الحدیث درایة». (١) هذا المثال أشار إليه الحافظ إشارة ص٣٤٧، فنقله الشارح من موضعه ولخَّصه، وهو الحديث الثاني من أحاديث الفصل الثامن، ومحلَّه ص ٣٥٠ هناك. والحديث رواه البخاري (٢١٨)، وطريق منصور فيه (٢١٦). ومسلم في ١: ٢٤٠ (١١١). (٢) ((التُّع)) ص٣٣٤ (١٧٨). (٣) فاعل ((قال)) مشتبِه هنا، هل هو الدارقطني؟ أو ابن حجر صاحبُ الكلام الأول؟ ولو جاءت العبارة: وقال .. ، لكان الفاعل هو البخاري! وبمراجعة أصل كلام = ٥١٨ الأول : الصحيح [ش] قال شيخ الإسلام(١): وهذا في التحقيق ليس بعلَّة، فإن مجاهدًا لم يُوصَف بالتدليس، وقد صحَّ سماعه من ابن عباس، ومنصور عندهم أتقنُ من الأعمش، والأعمشُ أيضًا من الحفاظ، فالحديث كيفما دارَ دارَ على ثقة، والإسناد كيفما دار كان متصلاً، وقد أكثر الشيخان من تخريج مثل هذا. وإنّ(٢) أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة، وعلَّه الناقد بالمَزِيدة، تضمَّن اعتراضُه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر: إنْ كان الراوي صحابيًّا، أو ثقةً غيرَ مدلِّس قد أدرك مَن روى عنه إدراكًا بينًا، أو صرَّح بالسماع إنْ كان مدلِّسًا من طريق أخرى، فإنْ وُجِد ذلك: اندفع الاعتراضُ بذلك، وإن لم يُوجَد وكان الانقطاع ظاهرًا، فمحصَّل الجواب أنه إنما أخرج مثلَ ذلك حيثُ له متابع(٣) وعاضد، أو حقَّتْه قرينة في الجملة تقوِيُّه، ويكون التصحيحُ وقع من حيثُ المجموع. مثاله(٤): ما رواه البخاري من حديث أبي مروان، عن هشام بن عروة، عن [ب] ابن حجر على المثال يتبيَّن أنه الترمذي، وذلك عقب روايته للحديث في ((سننه)) ١ : ١٠٢ (٧٠)، وهو في هذا متابع لشيخه البخاري، إذْ إنه نقل ذلك عنه في ((علله الکبری)) ١: ١٣٩ - ١٤٠. (١) في ((مقدمة الفتح)) ص ٣٥٠، في كلامه على الحديث الثاني نفسه. (٢) هذا من تمام كلام الحافظ السابق. (٣) في أ، ج، ك: سائغ. (٤) أيضًا أشار الحافظ إلى هذا المثال أثناء كلامه ص ٣٤٧ في ((المقدمة))، فنقله الشارح من موضعه ص٣٥٨. والحديث في البخاري (١٦٢٦)، بالطريق المذكورة، وله طرق أخری انظرها عند رقم (٤٦٤) منه. = ٥١٩ الأول : الصحيح [ش] أبيه، عن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ((إذا صليتِ الصبحَ فطُوفي على بعيركِ والناسُ يصلُّون)) الحديثَ. قال الدار قطني(١): هذا منقطع، وقد وصلہ حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة. ووصله مالك في ((الموطأ)) (٢)، عن أبي الأسود، عن عروةً كذلك. قال شيخ الإسلام(٣): حديث مالك عند البخاري مقرونٌ بحديث أبي مروان، وقد وقع في رواية الأَصيلي(٤): عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم [ب] وكذلك هو عند مسلم ٢: ٩٢٧ (٢٥٨)، من طريق مالك الآتي تخريجها. قلت: وتتعيَّنُ مراجعة ((الفتح)) فإنه قد أثبت تعدد الواقعة وقال: ((إذا عُرف ذلك تبيَّن التغاير بين القصتين، فإن إحداهما صلاة الصبح يوم النحر، والأخرى صلاة الصبح يوم الرحيل من مكة)). (١) في ((التتبع)) ص٢٤٦ (١٠٧). (٢) ١ : ٣٧٠ (١٢٣). ومن طريقه مسلم، كما تقدم. (٣) في ((مقدمة الفتح)) ص٣٥٨. (٤) الأَصِيليُّ أحد أركان رواة ((صحيح)) البخاري، فهو الإمام الفقيه عالم الأندلس أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم الأصيلي المالكي، نسبة إلى أَصِيلا، من بلاد الأندلس، كتب بمكة عن أبي زيد محمد بن أحمد المروزي - أحد أئمة السادة الشافعية - ((صحيح)) البخاري، وأبو زيد أجلَّ من رواه، كما قال الخطيب في ((تاريخه)) ١٥٤:٢، قال الدار قطني: حدثني أبو محمد الأصيلي، ولم أَرَ مثله! وله كتاب ((الدلائل)) في اختلاف مالك وأبي حنيفة والشافعي. وكانت وفاته أواخر سنة = ٥٢٠ الأول : الصحيح [ش] سلمة، موصولاً، وعليها اعتمد المزيُّ في ((الأطراف))(١)، ولكنْ معظَم الرواياتِ على إسقاط زينب. قال أبو علي الجيَّاني(٢): وهو الصحيح. وكذا أخرجه الإسماعيلي بإسقاطها من حديث عَبْدَة بنِ سليمان، ومُحاضِر، وحسان بن إبراهيم(٣)، كلّهم عن هشام، وهو المحفوظ من حديثه، وإنما اعتمد البخاري فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب، ثم ساق معها رواية هشام التي سقطت منها، حاكيًا للخلاف فيه على عروةَ، كعادته، مع أن سماعَ عروةَ من أمِّ سلمة ليس بالمستبعَد (٤). [ت) ٣٩٢هـ رحمه الله تعالى. انظر ((السير)) ١٦ : ٥٦٠. ورواية الأصیلي هذه، عن أبي زيد المروزي - كما تقدم - عن أبي عبد الله محمد ابن يوسف الفَرَبري، عن الإمام البخاري. (١) ((تحفة الأشراف)) ١٣: ٥٢ (١٨٢٦٢). (٢) لفظه في ((تقييد المهمل)) ٢: ٦٠٩: ((هو المحفوظ)). (٣) زاد الحافظ نفسه في ((الفتح)) ٣: ٤٨٧: علي بن هاشم أيضًا. (٤) ((صحيح)) البخاري (١٦٢٦) بالإسنادين معًا. وقال الحافظ أيضًا: ((وسماع عروة من أم سلمة ممكن، فإنه أدرك من حياتها نيفًا وثلاثين سنة، وهو معها في بلد واحد)». قلت: وهذا من الإمام البخاري يتمشَّى مع ما قررته من أن مذهب مسلم أن تكون قرينة إمكان اللقي ظاهرة، وأن مذهب البخاري وابن المديني أن تكون قرينة إمكان اللقي متأكدة، وذكرت الأمثلة على ذلك من صنيعهما رحمهم الله تعالى، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ص٩٢، وينظر البحث المفرد ضمن ((مجموع رسائل في علم الحدیث درایة».