Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ الأول : الصحيح [ش] أحدها: المتواتر. وأُجيب: بأنه لا يُعتَبر فيه عدالة، والكلام في الصحيح بالتعريف السابق. الثاني: المشهور. قال شيخ الإسلام (١): وهو واردٌ قطعًا. قال: وأنا متوقّفٌ في رتبته، هل هي قبل المتفق عليه أو بعده؟. الثالث: ما أخرجه الستة(٢). وأُجِيب: بأن من لم يشترط الصحيحَ في كتابه [ب] - (١) لفظه في ((النكت الوفية)) ١: ١٥٦: ((ولا يَرِد منها إلا المشهور، وهو إيراد الحافظ العلائي)). (٢) تقدم ص٤٥٢ أن هذا إيراد مُغْلَطاي، أشار إليه العراقي، وصرَّح به في ((النكت الوفية)) ١٥٧:١، وانظر ما تقدم. وقال البقاعي في الموضع السابق: ((الذي يظهر لي، ولم أفهم غيره بعد محاورة كبيرة من شيخنا: أن هذا وارد .. )) .. ثم، إن الجواب الذي ذكره الشارح هو من كلام العراقي في ((التقييد)) ٢٨٣:١، وتعقيب الشارح عليه بكلام الزركشي دليلٌ عدمٍ رضاه به، ويضاف إليه أن البقاعي نقله في ((النكت الوفية)) ١: ١٥٧ عن العراقي، ونقل استدراك ابن حجر عليه بقوله: ((كلامه غير مسلَّم أولاً وآخراً، أما أولاً: فلأن أصحاب السنن وإن لم يشترطوا الصحيح، فإن لركون نفوس الأمة إليهم، وطمأنينتها بهم، وقعًا عظيمًا، يفيد ما أخرجوه في كتبهم قوةً إذا صح سنده، لجلالتهم في النفوس، والقطع بإمامتهم، مع کون کتبهم مبوّة، فهم فيما أخرجوه فيها في معرض الاحتجاج به. ((وأما آخرًا: فلأن إجماعهم على توثيق الرجال لا يعادله اتفاق الأمة على صحة المتون. والله أعلم)). أي: إن الاتفاق على صحة المتون أقوى. وما أشار إليه ابن حجر من كون كتبهم مبوَّبة: فهو ما صرَّح به الإمام الحاكم في ((المدخل)) ص٦٤ بقوله: ((والفرق بين الأبواب والتراجم: أن التراجم شرطها أن يقول المصنّف: ذكر ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله = ٤٦٢ الأول : الصحيح [ش] لا يزيد تخريجُه للحديث قوةً. قال الزركشي(١): ويُمنعُ: بأن الفقهاء قد يرجِّحون بما لا مَدْخل له في ذلك الشيء، كتقديم ابن العمّ الشقيق على ابن العمِّ للأب، وإن كان العمّ للأم لا يرث. قال العراقي(٢): نعم، ما اتفقَ الستةُ على توثيقِ رواتِه: أولى بالصحةِ مما اختلفوا فيه وإن اتفق علیه الشيخان. الرابع: ما فَقَدَ شرطًا كالاتصال عند من يعدُّه صحيحًا. الخامس: ما فَقَدَ تمامَ الضبط ونحوَه مما يَنزِلُ(٣) إلى رتبة الحسن عند من یسمِیہ صحیحًا. قال شيخ الإسلام(٤): وعلى ذلك يقال: ما أخرجه الستة إلا واحدًا منهم، عليه وسلم .. ، فأما مصنِّف الأبواب فإنه يقول: ذكر ما صح وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبواب الطهارة أو الصلاة أو غير ذلك من العبادات)). لكن قول الحاكم عن المصنفين على الأبواب إنهم يقولون: ذكر ما صح وثبت: غير مسلَّم، وجاءت عبارة الحافظ في مقدمةِ مقدمةِ ((تعجيل المنفعة)) سليمة من هذه المؤاخذة، فإنه قال: ((إن أصل وضع التصنيف للحديث على الأبواب أن يُقتصَر فيه على ما يصلح للاحتجاج أو الاستشهاد، بخلاف من رتَّب على المسانيد، فإن أصل وضعه مطلق الجمع)). (١) هذا النقل كله زيادة على ك، وهو في ((النكت)) للزركشي ٢٥٩:٢ (٦٣). وقوله ((وإن كان العمُّ .. )) أثبتُّه منه ومن النسخ أ، د، و، ز، ط. (٢) في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٨٣. (٣) في ك مع الضبط: يُتَزَّلُه. (٤) ((النكت الوفية)) ١ : ١٥٧، وينظر كلام ابن ناصر الدين المتقدم تعليقاً ص٤٥١. ٤٦٣ الأول : الصحيح [ش] وكذا ما أخرجه الأئمة الذين التزموا الصحة، ونحو هذا، إلى أن تنتشِرَ الأقسام فتکثُرَ حتی یعسُرَ حصرها. التنبيه الثاني : قد عُلِم مما تقدَّم: أن أصحَّ مَن صنف في الصحيح(١): ابن خزيمة، ثم ابن حبان، ثم الحاكم. فينبغي أن يقال: أصحُّها بعد مسلم: ما اتَّفق عليه الثلاثة، ثم ابن خزيمة وابن حبان، أو والحاكم، ثم ابن حبان والحاكم، ثم ابن خزيمة فقط(٢)، ثم ابن حبان فقط، ثم الحاكم فقط، إن لم يكن الحديث على شرطٍ أحدِ الشيخين. ولم أَرَ مَنْ تعرَّض لذلك، فليتأمَّل. الثالث: قد يَعْرِضُ للمَفُوق ما يجعلُه فائقًا، كأنْ يتفقا على إخراجٍ حديثٍ غريبٍ، ويخرجَ مسلمٌ أو غيرُه حديثًا مشهورًا، أو مما وُصِفِتْ ترجمتُه بكونها أصحّ الأسانيد، ولا يقدحُ ذلك فيما تقدم، لأن ذلك باعتبار الإجمال(٣). قال الزركشي(٤): ومن هنا يُعلَم أن ترجيحَ كتابِ البخاري على مسلم إنما [ب]. (١) بعد الشيخين ومالك رحمهم الله تعالی. (٢) قوله: ((ثم ابن خزيمة فقط)): زيادة مفيدة من حاشية ب. (٣) هذا الكلام مُلَفَّق من كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((النكت على ابن الصلاح)) ٣٦٦:١، و((النكت الوفية))١: ١٥٥، و((شرح النخبة)) ص٦٢. وقوله ((لا يقدح ذلك فيما تقدم)): يوضحه عبارة ((النكت الوفية)): ((لا يقدح في قولنا: ما اتفقا عليه، أعلى). وانظر كلام الزركشي التالي. (٤) هذا النقل بتمامه زيادة من النسخ على ك، وهو في ((النكت على ابن الصلاح)) ٢٦١:٢ (٦٥)، وتقدم نقله بتمامه تعليقًا ص٤٥٤ - ٤٥٥. ٤٦٤ الأول : الصحيح [ش] المرادُ به ترجيحُ الجملةِ على الجملة، لا کلِّ فردٍ من أحاديثه علی کلِّ فردٍ من أحادیث الآخر. الرابع: فائدةُ التقسيم المذكور تظهرُ عند التعارضِ والترجيحِ(١). الخامس : في تحقيق شرط البخاري ومسلم. قال ابن طاهر(٢): شرطُ البخاري ومسلم أن يُخرِجا الحديثَ المجمعَ على ثقة رجالہ إلی الصحابي المشهور. قال العراقي(٣): وليس ما قاله بجيد، لأن النسائي ضعَّ جماعةً أخرج لهم [ب] - (١) وتقدم التنبيه إلى أن هذه الأقسام إنما هي مراتب جُمْلية فيما بينها، لا أنها مراتب ملزمة لا تجوز الحَيْدة عنها في الترجيح بين حديثين تعارضا، فلأئمة الاجتهاد أنظارهم واعتباراتهم الخاصة. (٢) في ((شروط الأئمة الستة)) ص٨٦، وتمامه: ((من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلاً))، وكأنه يعتمد في حكاية الشرط الأول عنهما، على قول مسلم في ((صحيحه)) ٣٠٤:١ (٦٣): ((إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا علیه))، وتقدم الكلام علیه ص ٣٤٥. وجاء هنا على حاشية (و) ما نصه: ((قد يضعَّف الراوي لأمر حصل فيه بعد أخذ الشيخين عنه، فلا اعتراض حينئذ عليهما فيما التزماه، كما لا يخفى. اهـ بخط الشيخ عابد))، وهو تنبيه جيد مستفاد من جواب الإمام مسلم عن روايته عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، کما تقدم ص٣٢٤. (٣) في ((شرح ألفيته)) ص ٢١ - ٢٢. وأقول أولاً: لعل سبب تركيز العراقي على تضعيف جماعة من رجالهما: كثرةُ عددهم، فقد ألف الدار قطني كتاباً كبيراً: ((ذكر قوم ممن = ٤٦٥ الأول : الصحيح [ش] الشيخان أو أحدُهما، وأُجِيب: بأنهما أخرجا مَن أُجْمِعَ على ثقته إلى حين تصنيفهما(١)، فلا يقدحُ في ذلك تضعيفُ النسائي بعد وجود الكتابين. وقال شيخ الإسلام(٢): ((تضعيفُ النسائي إنْ كان باجتهاده أو نَقْله عن معاصر فالجواب ذلك، وإنْ نقلَه عن متقدِّم فلا)). (ت) - أخرج لهم البخاري ومسلم في صحيحيهما، وضعفهم النسائي في كتاب ((الضعفاء)). وأقول ثانياً: إن العراقي إمام حافظ مستحضر للأمثلة على ما يقول، لكن ينبغي النظر في أن من ضعَّفه النسائي وقد أخرج له الشيخان أو أحدهما: هل أخرجا له أصولاً واحتجاجاً، أو متابعات وشواهد؟ أو مقرونًا بغيره؟ أو انتقاءً؟ أو من حديثه عن شيخ معيَّن وتجنَّا حديثه عن غيره؟. فإن كان حديثه عندهما أصولاً واحتجاجًا، وضعَّفه النسائي، أو كان حديثه عندهما من روايته عن شيخ معين وضعَّفه النسائي فيه: جاء كلام ابن حجر الذي سينقله الشارح بعد أسطر، ولا بد من التروِّي والنظر الدقيق. وقد تقدم ص٣٢٨ نقل الشيخ ابن العجمي عن ابن الصلاح رحمهما الله قوله في ((مقدمة شرحه على مسلم)) ص٩٩: ((مَنْ حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في ((صحيحه)) بأنه من شرط الصحيح عند مسلم: فقد غَفَل وأخطأ، بل ذلك يتوقَّف على النظر في أنه كيف روى عنه، وعلى أيِّ وجه روى عنه)). وانظر البحث لزاماً ص٣٣١. (١) هذا الجواب يفتقر إلى سَبْر واستقراء، وقد قال الحافظ في كلامه الآتي جملة طواها الشارح واختصرها، عند تكراره كلمة ((قال))، ولفظه: ((والواقع في نفس الأمر: أن نقل التضعيف موجود عمّن تقدم على عصرهما، ويمكن أن يجاب .. ))، ولا أدري لم حذفه الشارح مع أهمیته. (٢) ((النكت الوفية)) ١: ١٥٨، وكذا النقل التالي. ٤٦٦ الأول : الصحيح [ش] قال: ((ويُمكِنُ أن يجاب: بأن ما قاله ابن طاهر هو الأصل الذي بَنَيَا عليه أمرَهما، وقد يَخْرُجان عنه لمرجِّح يقوم مَقَامه))(١). [ٹ) (١) يريد: لمسوِّغْ سوَّغ للإمامين الجليلين الخروجَ عن هذا الأصل، وهو الرواية عمَّن اثُّفق علی وثاقته إلى الرواية عمن اختلف فيه. وأقول: إن النفس تطمئن إلى هذا الجواب، للشواهد الكثيرة عليه، فمن ذلك: إسماعيل بن أبي أُويس، وحاله غير خافية على البخاري، ومن يقرأ أقوال النقاد فيه، ثم يرى رمز (خ) بجانب ترجمته في ((تقريب التهذيب)» - مثلاً - يأخذ الدَّهَش منه كل مأخذ، لكن يزول عنه كل استغراب وإنكار حين يقرأ قصته الآتية ص ٥٢٤ مع البخاري. ومثل ذلك حين يرى الباحث أقوال النقاد في سويد بن سعيد الحَدَثاني، ولا سيما أقوال ابن معين، يحصل في نفسه ما حصل فيها من قبل حينما يرى رمز (م) بجانب ترجمته، لكنه يزول ما حصل له عندما يقرأ جواب مسلم، ويعلم منه أن أمره غیر خاف عليه. والأمثلة كثيرة. ومع ذلك فإني أحكي قصة قصيرة، في أمر يسير جدًّا، لكني أستفيد منها درسًا عظيمًا جدًّا. كان أحد مشايخي الأجلَّة - رحمهم الله جميعاً - يصلي، وإلى جنبه طالب من طلابه، زميلٌ لي، فلفت انتباهَ الطالب أن الشيخ حكّ صُدغه بإصبعه المسبِّحة أكثر من ثلاث مرات متتالية، وبعد فراغ الشيخ من الصلاة، جاء الطالب مستفهماً قائلاً: أليست هذه حركات كثيرة مفسدة للصلاة؟ فقال له الشيخ: رأيتَني فعلتُ هكذا: وحرَّك الشيخ يده كلها بالحكِّ؟ أو فعلتُ هكذا: وحرك الشيخ إصبعه فقط بالحكِّ؟ فسكت الطالب. والدرس من الطالب - على أحقيَّته في نفسه -: سؤالُ مستفيد، وتلميذٌ مع = ٤٦٧ الأول : الصحيح (ت) أستاذه، وهذا أمر لا بدّ منه، لكنه بالنسبة إليّ وأنا أستشهد بها في هذه المناسبة الاصطلاحية، أصف الطالب وسؤاله: أنه سؤال غير متأهل، فهو درس لكل من يكون بهذا المستوى العلميّ، وسيكون سؤاله غير سديد، وإيراده - أو: اعتراضه على العالم - في غير محلّه. والدرس من الشيخ، أن العالم يأوي إلى ركنٍ شديد، ركنِ العلم، فهو يتصرف في شؤونه كلها بعلم، يتكلم بعلم، ويتحرك بعلم، ويكتب بعلم، ويشير بعلم، ويمشي إلى هدفه فيصلُ إليه بسلام، لأنه مشى بعلم، وحينما يخرج عن الجادة فيدخل بُنَّاتِ الطريق ومنعطفاتِهِ، يدخلها بعلم يسوِّغ له تركَ الجادة والعدول إلى المنعطفات. وأذكرتني هذه القصة القصيرة بقصة أخرى. كنت في درس عام لأحد مشايخي الأجلَّة أيضًا، تغمدهم الله برحمته، وأنا في بداية طلبي العلم، والدرس عام يحضره آنذاك نحو ألفي رجل، وجاءت المناسبة ليذكر الشيخ قول الله تعالى في آخر سورة العلق: ﴿واسجد واقترب﴾، وقراءةُ هاتين الكلمتين الكريمتين معاً توجبان على سامعهما سجدة التلاوة، لكن الشيخ رحمه الله وجزاه خيراً قال هكذا: قال الله تعالى: ﴿واسجد﴾، ثم قال: ﴿واقترب﴾. أما أنا: فلفت انتباهي هذه التجزئة للآية، وبعد فترة قصيرة مرَّ بنا في درس الفقه الحنفي أن سجدة التلاوة تجب بقراءة كلمة السجدة إذا كان معها كلمة واحدة قبلها أو بعدها، فأدركتُ رحمة الشيخ ورفقه بالعامة الحاضرين. وهذا يؤكد ما قلته قبل أسطر: إن العالم يتصرف في شؤونه كلها بعلم، فتكون أحواله كلها منوَّرة منوِّرة، راشدة مرشدة. وأعود إلى ما بدأت به فأقول: إذا كان هذا مما يستفاد من أحوال مشايخنا المعاصرين، فما القول في أئمة الإسلام وأركانه في العصور الذهبية للإسلام وللعلم، في تحقيق ما يهدفون إليه، أو يشترطونه على أنفسهم !!. = ٤٦٨ الأول : الصحيح وقال الحاكم في ((علوم الحديث))(١): وَصْفُ الحديثِ الصحيح: أن يرويَه [ش] ومما يزيد أعمالهم العلمية رصانة وسدادًا: قراءتُهم لكتبهم على أصحابهم، فيكونون عونًا لهم على الازدياد من المعارف، وسنداً لهم لتنقيحها من الاستدراكات، والحديث طویل وذو شجون. (١) صفحة ٢٤٢. وأقول: حصل خلل في نقل الشارح لكلام الحاكم في ((المعرفة))، وفي ((المدخل إلى الإكليل)) ص٧٣، فيحسن مراجعتهما للتدقيق في كلام الحاكم، وإن كان ذلك لا يؤثر على صلب المسألة هنا. وأيضًا: لا بد من مراجعة (النكت)) لابن حجر ١: ٢٣٩، ٣٦٧، مع الرجوع إلى مقدمة ابن الأثير لكتابه ((جامع الأصول)) ١: ٩٣، لترى أن ابن الأثير لم يجزم بالفهم الذي آخذه عليه ابن حجر، كما أن الحازمي آخذ الحاكم بما فهمه من كلامه، فاستظهر ابن حجر ١ : ٢٤٠ أن لا مؤاخذة عليه. وتابع البيهقيُّ في ((سننه الكبرى)) ٤: ١٠٥ شيخَه الحاكم، وكلامه صريح في ذلك، وقد نقضه عليه ابن التركماني بما قاله ابن طاهر والحازمي. وأول من نقض على الحاكم دعواه هذه على الشيخين: هو شيخه الدارقطني، في حوار جرى بينهما، سجَّله الحاكم نفسه في ((المستدرك)) (بعد ٨٢١٨)، وسأنقله بتمامه بعد قليل. وأما ابن طاهر (٤٤٨ - ٥٠٧) - وهو بعد الحاكم بقَرْن - فجعل ما فُهِم من كلام الحاكم أمراً مستحسنًا، فقال أول جزئه ((شروط الأئمة الستة)) ص٨٦: (( ... إن كان للصحابي راويان فصاعدًا: فَحَسَنٌ .. )). وعلى كل: فإن ابن حجر قد سلَّم في ((مقدمة الفتح)) ص٩ للحاكم دعواه فيمن بعد طبقة الصحابة، وظاهر كلامه تسليمه بحثًا وسَبْرًا من قِبَله، فجاء تلميذه السخاوي = ٤٦٩ الأول : الصحيح [ش] الصحابي المشهورُ بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله راويان ثقتان، ثم يرويَه من أتباع التابعين الحافظُ المتقنُ المشهور بالرواية، وله رواةٌ ثقات. وقال في ((المدخل)): الدرجةُ الأولى من الصحيح اختيارُ البخاري ومسلم، وهو أن يرويَ الحديثَ عن النبي صلى الله عليه وسلم صحابيٌّ زائلٌ عنه اسمُ الجهالة، بأن يَرويَ عنه تابعيان عدلان، ثم يَرويَ عنه التابعيُّ المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويَه عنه من أتباع التابعين حافظٌ متقن وله رواةٌ من الطبقة الرابعة، ثم يكونَ شيخ البخاري أو مسلم حافظًا مشهوراً بالعدالة في روايته، ثم يتداولَه أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا، كالشهادة على الشهادة. فقال ١: ٨٥: ((قد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك، وإن كان مناقضًا لكلامه الأول، ولعله رجع عنه إلى هذا فقال : .. ))، وذكر كلامه الذي في ((المستدرك)) (٦١). ويؤيد أن الحاكم رجع عنه إلى هذا: كونُه ألَّف «المدخل»، الذي ادعی فیه علی الشيخين هذه الدعوى، قبل ((معرفة علوم الحديث))، بدليل أنه في ((المعرفة)) ص٢٣٤ ذكر ((المدخل))، وهو ألَّف ((المستدرك)» بعد ((المعرفة)»، بدليل أنه ذكر ((المعرفة)» آخر كلامه الذي ذكرت طرفًا منه الآن، فترتيب كتبه هكذا: ((المدخل))، ثم ((المعرفة))، ثم ((المستدرك)). والواقع: أنني لم أصلْ إلى نتيجة مرضية، ورأيت أن الكلام يطول، مع المناقشات، بنقل كلام الحاكم واستقرائه في كتبه الثلاثة، وبنقل كلام مَن بعده: الجياني، وعياض، وابن طاهر، والحازمي، وابن الأثير، والزركشي، وابن حجر، والسخاوي، والسيوطي، وهكذا، في مسألة يقال فيها ما قاله الحافظ في مسألة أخرى: تعٌ لیس وراءه أرب. ٤٧٠ الأول : الصحيح [ش] فعمَّم في ((علوم الحديث)) شرطَ الصحيح من حيث هو، وخصَّص ذلك في ((المدخل)) بشرط الشيخين. وقد نَقَضَ عليه الحازمي(١) ما ادَّعى أنه شرطُ الشيخين: بما في الصحيح من الغرائب التي تفرَّد بها بعض الرواة. وأُجِيب(٢): بأنه إنما أراد أن كلَّ راوٍ في الكتابين يُشترط أن يكون له راويان، لا أنه يُشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحدیث بعينه. قال أبو علي الغسَّاني - ونقله عياضٌ عنه(٣) -: ليس المرادُ أن يكون كلّ خبر رَوَيَاه يجتمعُ فيه راويان عن صحابيِّه، ثم عن تابعيِّه، فمن بعده، فإن ذلك يَعِزُّ وجوده، وإنما المرادُ أن هذا الصحابيَّ، وهذا التابعي، قد روى عنه رجلان خرج بهما عن حدِّ الجهالة (٤). (١) [الحازمي: بحاء مهملة، ثم زاي، نسبة إلى حازمٍ جدًّه.]. نحوه في ((لبّ اللباب)) ص٧٤، وكانت ولادته ووفاته سنة (٥٤٨ - ٥٨٤) عن ست وثلاثين سنة، ووُصف بالإمامة! رحمه الله تعالى، وانظر الحاشية السابقة للمسألة من حيثُ هي. (٢) هذا جواب ابن حجر في ((النكت)) ١: ٢٤٠. وهو أحد احتمالين ذكرهما ابن الأثير في مقدمة ((جامع الأصول)) ١: ١٦٢. (٣) في ((إكمال المعلم)) ١: ٨٣. (٤) ومع ذلك فإن هذا الفهم منقوض بالصحابة الذين روى لهم الشيخان، وليس لهم إلا راو واحد، وهذا لفظ الدارقطني الذي نقله عنه الحاكم نفسه في ((المستدرك)) (بعد ٨٢١٨)، وسبقت الإشارة إليه قبل قليل ص٤٦٨ : = ٤٧١ الأول : الصحيح أسند الحاكم (٨٢٠٦) حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه مرفوعًا: ((عبادَ الله: إن الله وضع الحرج .. )). ثم قال (٨٢١٨): ((قال لي أبو الحسن علي بن عمر الحافظ - هو الإمام الدارقطني -: لِمَ أسقطا حديث أسامة بن شريك من الكتابين؟ قلت: لأنهما لم يجدا لأسامة بن شريك راويًا غيرَ زياد بن علاقة. فحدثني أبو الحسن رضي الله عنه - هو الدارقطني أيضًا - وكتبه لي بخطه، قال: قد أخرج البخاري رحمه الله [(٦٤٣٤)] عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن بيان بن بشر، عن قيس ابن أبي حازم، عن مرداس الأسلمي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: ((یذهب الصالحون أسلافًا))، ولیس لمرداس راو غیرُ قیس. ((وقد أخرج البخاري حديثين عن زُهرة بن معبد، عن جده عبد الله بن هشام بن زهرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وليس لعبد الله راو غیر زهرة» [(٢٥٠١، ٣٦٩٤)]. ((وقد اتفقا جميعًا [بل في مسلم فقط: ١٤٦٥:٤ (٣٠)] على إخراج حديث قيس ابن أبي حازم، عن عدي بن عَميرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: ((من استعملناه على عمل))، وليس لعدي بن عَميرة راوٍ غیر قيس)). ((وقد اتفقا جميعًا [بل في البخاري فقط (٤١٧٣)] على إخراج حديث مَجْزَأة بن زاهر الأسلمي، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في النهي عن لحوم الحُمُر الأهلية، وليس لزاهر راو غير مجزأة)». ((وأخرج البخاري حديث الحسن، عن عمرو بن تَغْلِب، وليس له راو غير الحسن)) [(٢٩٢٧، ٩٢٣)]. وحديثُ زياد بن عِلاقة، عن أسامة بن شريك: أصحُّ وأشهرُ وأكثر رواةً من هذه الأحاديث))، وقد ساقها الحاكم عقبه من رواية ثلاثة عشر رجلاً عن زياد، عن أسامة، وقال: ذكرتُ أقلّ من النصف. ثم أفاد الدارقطنيُّ الحاكمَ أن لأسامة راويين آخرين غير زياد بن علاقة، وهما: = ٤٧٢ الأول : الصحيح [ش] قال شيخ الإسلام(١): وكأن الحازميَّ فَهِم ذلك من قول الحاكم: ((كالشهادة على الشهادة))، لأن الشهادةَ يُشتَرط فيها التعدُّد. وأُجِيب: باحتمال أن يريدَ بالتشبيه بعضَ الوجوه لا كلّها، كالاتصال واللقاء وغيرهما. وقال أبو عبد الله ابن المَوَّاق(٢): ما حَمَلَ الغسانيَّ عليه كلامَ الحاكم، وتَبِعه عليه عياضٌ وغيرُهُ: ليس بالبيِّن، ولا أعلم أحداً رَوَى عنهما أنهما صرَّحا بذلك، ولا وجودَ له في كتابَيْهما، ولا خارجاً عنهما، فإن كان قائلُ ذلك عَرَفه من مذهبهما بالتصفّح لتصرُّفهما في كتابيهما: فلم يُصِبْ، لأن الأمرين معًا في عمرو بن الأقمر ومجاهد. وهذه الفائدة لا علاقة لها بنقض تلك الدعوى. ويجد القارئ بعض هذه الأمثلة في كلام الحاكم أول كتابه ((المستدرك)» (٦١)، وهو الذي أشار إليه السخاوي فيما تقدم ص ٤٦٩ - ٤٧٠. وأقول: في هذا النقل عن الإمام الدارقطني ملحظ عجيب! فالدارقطني هو من هو في إمامته، واهتمامُه بأمر الصحيحين معروف، ومع ذلك فعليه استدراكان في خمسة أمثلة !! وما كشفهما إلا مراجعة الأصول. (١) ينظر معناه في ((النكت)) للحافظ ١: ٢٤٠. (٢) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي يحيى ابن المَوَّاق، (٥٨٣ - ٦٤٢) رحمه الله تعالى، واشتهر بكتابه ((بغية النقّاد النقلة)) الذي حُفِظ منه قطعة من السِّفر الأول، وطبعتْ في مجلدين، وجاءت الدراسة في مجلد ثالث، والنصّ الذي نقله الشارح ليس في القسم المطبوع، وانظر ص ١٩٣ من دراسته، ومن ((ملء العيبة)) لابن رُشید ٤٩:٥. ٤٧٣ الأول : الصحيح [ش] كتابيهما، وإن كان أخذه من كون ذلك أكثريًّا في كتابيهما: فلا دليلَ فيه على كونهما اشترطاه، ولعل وجود ذلك أكثريًّا إنما هو لأن مَن رَوَى عنه أكثرُ من واحد، أكثرُ ممن لم يَرْوِ عنه إلا واحدٌ في الرواة مطلقًا، لا بالنسبة إلى من خُرِّج لهُ منهم في الصحيحين، وليس من الإنصاف إلزامُهما هذا الشرطَ من غير أن يثبتَ عنهما ذلك، مع وجود إخلالهما به، لأنهما إذا صحَّ عنهما اشتراطُ ذلك كان في إخلالهما به دَرَكٌ عليهما. قال شيخ الإسلام: وهذا كلامٌ مقبول، وبحثُ قويّ. وقال في ((مقدمة شرح البخاري)) (١): ما ذَكَره الحاكم وإن كان منتقِضًا في حقِّ بعضِ الصحابةِ الذين أخرج لهم، إلا أنه معتبَر في حقّ مَن بَعدهم، فليس في الكتاب حديثٌ أصلٌ من روايةٍ مَنْ ليس له إلا راو واحدٌ قطّ. وقال الحازمي ما حاصلُهُ(٢): شَرْط البخاري أن يُخْرِج ما اتَّصل إسناده بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنه ملازمةً طويلة، وأنه قد يُخْرج أحيانًا عن أعيان الطبقة التي تلي هذه في الإتقان والملازمة لمن رووا عنه، فلم يَلْزَموه إلا ملازمةً يسيرة. (١) ((هدي الساري)) ص٩. وانظر ما تقدم ص٤٦٨، فقد أشرتُ إلى كلامه هذا وكلام تلميذه السخاوي، وينظر لزامًا ما سيأتي ص٥٢٣ من أجل قوله هنا: إلا أنه معتبر في حق من بعدهم، فكلامه هناك موافق لكلام الحاكم، ومثّل له بعبد الله بن وديعة وآخرين. (٢) هذا حاصل ما في صفحة ١٥١ - ١٥٦ من ((شروط الأئمة الخمسة)). ٤٧٤ الأول : الصحيح [ش] وشَرْط مسلم أن يُخْرِج حديثَ هذه الطبقة الثانية، وقد يُخرج حديثَ من لم يَسْلَم من غوائل الجرح إذا كان طويلَ الملازمةِ لمن أَخَذَ عنه، كحماد بن سلمة في ثابتِ البُنَاني وأيوب(١). - (١) أيوب: هو السَّختياني. وتمام كلام الحازمي ص١٥٦ : ((وذلك لكثرة ملازمة حمادٍ ثابتًا، وطول صحبته إياه، حتى بقيت صحيفة ثابت على ذُكْره وحفظه بعد الاختلاط کما كانت قبل الاختلاط)). وفي كلامه ملاحظتان، أولاهما: أنه مثَّل بحماد بن سلمة في ثابت وأيوب، وركّز على حماد في ثابت دون أيوب. والثانية: أنه وصف حمادًا بالاختلاط. ولم أر في كلام غيره من الأئمة المتقدمين عليه - أو غيرهم - من أثنى على أحاديث حماد عن أيوب، إلا قول أحمد - وهو في التهذيبين -: ((أسند حماد بن سلمة عن أيوب أحاديث لايسندها الناس عنه))، وكأن انفراده بها لكثرة روايته عنه، ولطول ملازمته، فلا غرابة ولا مؤاخذة. وأما وصفه بالاختلاط: فغاية ما فيه قول ابن حبان في ((الثقات)) ٦: ٢١٦ أنه كان يخطئ بسبب تغيُّر حفظه، ومثله وصف البيهقي له بسوء الحفظ في ((سننه الكبرى)) ٤ : ٩٤، و((الخلافيات))، ونقله عنه في ((نصب الراية)) ١: ٢٨٦، و((تهذيب التهذيب)) ٣: ١٤، و((النكت الوفية)) ١: ١٦٢. والمراتب خمسة: ضعف حدّة الذهن، ثم النسيان، ثم سوء الحفظ، ثم التغيُّر، ثم الاختلاط، ولا بدّ من الالتزام بها في نقل كلام الأئمة، وانظر أول النوع ٦٢. هذا، وللإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ((زاد المعاد)) ١ : ٣٦٤ تنبيه نفيس إلى دخيلةٍ في فن التصحيح والتضعيف، يغفل عنها كثير من أهل زماننا، وذلك أنه نقل عن أبي الحسن ابن القطان قوله في مطر الوراق ٣: ٣٩٤ من ((بيان الوهم والإيهام)): = ٤٧٥ الأول : الصحيح [ش] وقال المصنف: إن المراد بقولهم على شَرْطِهما: أن يكونَ رجالُ إسناده في كتابَيْهما، لأنه ليس لهما شرطٌ في كتابَيْهما ولا في غيرهما(١). (س) عِيب على مسلم إخراج حديثه في ((صحيحه))، فقال: ((ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه، لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يُعلم أنه حفظه، كما يَطرح من أحاديث الثقة ما يُعلم أنه غلط فيه، فغلطَ في هذا المقام مَن استدرك عليه إخراج جميع حديث الثقة، ومن ضعَّف جميع حديث سيء الحفظ. فالأولى: طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية: طريقة أبي محمد ابن حزم وأشكاله. وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن. والله المستعان)). ولا يلزم من كلامه رحمه الله حصر هذه الطريقة في صنيع الإمام مسلم، بل هذا صنيع الإمام البخاري أيضًا، رحمهما الله تعالى، إنما حملتْه المناسبة على ذكر مسلم. وقد نبّه إلی هذا زمیل ابن القيم وصديقه: الإمام ابن عبد الهادي رحمه الله، کما نَقَل ذلك عنه الزيلعي في ((نصب الراية))، أثناء كلام طويل جدًّا لابن عبد الهادي، استغرق من ١: ٣٣٥ - ٣٥٨ كما تقدم التنبيه إلى هذا ص٣٨٤، ومحل الشاهد منه هنا قوله ١: ٣٤١: ((صاحبا الصحيح رحمهما الله إذا أخرجا لمن تُكُلُّم فيه فإنهم ينتقون من حديثه ما تُوبع عليه، وظهرت شواهده، وعُلم أن له أصلاً، ولا يروون ما تفرد به، سيما إذا خالفه الثقات .. ، وهذه العلة راجت على كثير ممن استدرك على الصحيحين، فتساهلوا في استدراكهم، ومِن أكثرهم تساهلاً: الحاكم أبو عبد الله)). وممن اشتهر تطبيق الشيخين عليه هذا المنهج رجلان: البخاري مع إسماعيل بن أبي أویس، ومسلم مع سوید بن سعيد، وغيرهما. (١) نحوه في ((إرشاد طلاب الحقائق)) له ص٦١. وهذا اللفظ في ((النكت)) للزركشي ٢٠٠:٢ (٥٠)، وكذا نقله العراقي في ((شرح ألفيته)) ص ٢٢، وعلَّق عليه = ٤٧٦ الأول : الصحيح [ش] قال العراقي(١): وهذا الكلام قد أخذه من ابن الصلاح، حيث قال في ((المستدرك)): أودعه ما رآه على شرط الشيخين، قد أخرجا عن رُواته في کتابیهما(٢). قال: وعلى هذا عَمِل ابن دقيق العيد، فإنه ينقلُ عن الحاكم تصحيحَه لحديثٍ على شرط البخاري مثلاً، ثم يَعترِضُ عليه بأن فيه فلانًا ولم يُخْرِج له البخاري، وكذا فعل الذهبي في ((مختصر المستدرك))(٣). [ب] - بما تراه هنا إلى قوله: ((وفيه نظر)). (١) في ((شرح ألفيته)) ص٢٢، وكذا في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٤٧ - ٢٤٨، وقال الزركشيُّ نحوه في ((النكت)) ٢٠٠:٢ (٥٠). وكلمة ابن الصلاح المشار إليها في «مقدمته)) ص١٨. (٢) كيفما كان إخراجهما عن الراوي احتجاجاً، استشهاداً، مقروناً، انتقاء، .. ، وينظر ما تقدم ص٣٣١ فما بعدها. ولكن لا بدّ من تنبيه: تقدم تعليقًا ص ٣٢٨ - وسينقله الشارح بعد قليل ص ٤٨٤ - تقعيد ابن الصلاح للحديث الذي يصلح أن يقال فيه: على شرط مسلم، أن يكون رجاله على وَفْق ورودهم في صحيح مسلم، وقد وافق النوويُّ في شرحه على مسلم ١ : ٢٦ ابنَ الصلاح على هذا القيد، وهو هنا في قوله الذي أُعلَّق عليه هذا التنبيه أطلق القول: شرطهما أن يكون رجاله في كتابيهما، أي: على أيِّ كيفية كانت، وقدمت هناك ص٣٣١ - ٣٣٢ انفصالاً عن هذا التعارض بأن كلام ابن الصلاح والنووي في شرحهما على مسلم: مقيد، وكلامهما في ((المقدمة)) و((الإرشاد)) مطلق، وأن الأليق بطريق الشيخين هو كلامهما المقيد، والأليق بكلام الحاكم كلامهما المطلق. والله أعلم. (٣) أما الذهبي فهذا كثير منه، تنظر أمثلته في ((تلخيصه)) المطبوع مع = ٤٧٧ الأول : الصحيح ((المستدرك)). وأما ابن دقيق العيد: فإن العراقي يشير إلى ما في كتاب ((الإمام)) لابن دقيق العيد، ويجد القارئ نصوصًا كثيرة منه في ((نصب الراية)) للزيلعي. ومما فيه قوله تعليقًا على حديث رواه الحاكم (١٤٨٨)، من طريق أبي يزيد الخولاني - وسماه يزيد بن مسلم - عن سيار بن عبد الرحمن، عن عكرمة، وقال عنه: ((صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه))، فقال ابن دقيق العيد متعقبًا - كما في ((نصب الراية)) ٢ : ٤١٦، وليس في القسم المطبوع من ((الإمام)) -: ((لم يخرج البخاري ولا مسلم لأبي يزيد، ولا لسيار شيئًا، ولا يصح أن يكون على شرط البخاري إلا أن يكون أخرج لهما، وكأنه أراد بكونه على شرط البخاري أنه من رواية عكرمة، فإن البخاري احتج بروايته في مواضع من كتابه))، وأبو يزيد وسيار من رجال أبي داود وابن ماجه. أما عكرمة فروى له مسلم مقرونًا بطاوس وسعيد بن جبير، ونحوُهُ عند المزي ٢٠: ٢٩٢، وبهذا تعلم ما في سكوت الذهبي عن قول الحاكم: ((صحيح على شرط البخاري)). وقبل أن أنتقل إلى أمثلة أخرى أقول: يلاحظ ويستفاد من كلام ابن دقيق العيد: أن شرط البخاري أن يكون أخرج لهما، ولم يقل: احتجاجاً، بل مطلق إخراجٍ ورواية، أما عكرمة فقال: البخاري احتج برواية عكرمة. وسار على هذا الرأي الزيلعيُّ في ((نصب الراية))، فإنه نقل ٤: ٢٣ - ٢٤ عن الحاكم تصحيحه حديثًا على شرط مسلم، فتعقَّبه بقوله: ((فيما قاله نظر، لأن حُبِّيَّ بن عبد الله لم يخرَّج له في الصحيح شيء))، إنما هو من رجال السنن الأربعة. ثم نقل عنه ٤: ٣٢٤ تصحيحه حديثًا على شرطهما، فتعقَّبه بـ((إن أبا الزبير ليس على شرط البخاري، ووقع مثل هذا في حديث آخر، أخرجه في المغازي عن ابن إسحاق بسنده، وقال فيه: على شرط الشيخين، وابن إسحاق ليس من شرط البخاري))، وأبو الزبير روى له البخاري مقرونًا بعطاء عن جابر (٢١٨٩)، وابن إسحاق: قال المزي ٤٢٩:٢٤ : استشهد به البخاري، وروى له مسلم في المتابعات. = ٤٧٨ الأول : الصحيح [ش] قال: وليس ذلك منهم بجيد (١)، فإن الحاكم صرَّح في خطبة ((المستدرك)) بخلاف ما فهموه عنه، فقال(٢): ((وأنا أستعينُ الله تعالى على إخراج أحاديثَ رُواتُها ثقاتٌ قد احتجَّ بمثلها الشيخان أو أحدُهما)). فقوله ((بمثلها)) أي: بمثلِ رواتِها لا بهم أنفسِهِم، ويَحتمِل أن يُراد: بمثلِ تلك الأحاديث، وإنما يكونُ مثلَها إذا كانتْ بنفسِ رواتها. وفيه نظر (٣). [ب] وأقول: إن هذه المؤاخذة من الزيلعي تتمشّى مع ما اشتهر في تفسير قول الحاكم وغيره: على شرطهما، ولكن المثالين يتمشيان مع ما شرحته تمامًا لقوله، فانظر ما تقدم ص ٣٢٩ فما بعدها، ويحسن أن تضاف هذه الأمثلة إلى تلك الأمثلة. (١) القائل هو العراقي، وفي ((النكت الوفية)) ١: ١٦٣ عن ابن حجر: ((بل قد أجادوا وأصابوا .. )). وانظر تمام كلامه تعليقاً بعد قليل جدًّا. (٢) الحاكم في ((المستدرك)) ١: ٣. (٣) أي: في صحة هذا الاحتمال الثاني نظر. قلت: توضيح كلام الحاكم ومَن علّق عليه من العلماء رحمهم الله يكون بالوقوف عند قوله ((احتجّ بمثلها الشيخان)): ما المراد بـ((مثلها))؟))، ((ذلك أن المثلية تستعمل حقيقة بمعنى (المغايرة)، تقول: هذا القلم مثل هذا القلم، أي: هو غيره، فهما متغايران في الذات، متحدان في الصفات، وتستعمل مجازاً بمعنى الاتحاد ذاتًا وصفةً، كقول القائل: مِثْلك مَن يعرف الجميل، يعني: أنت تعرف الجميل، ويُنظر ((المصباح المنير))، و(تاج العروس)) ٣٠: ٣٨٠. وعلى هذا: فهل مراد الحاكم: سأُخرج أحاديث رواتها ثقات هم من رواة أحاديث الشيخين ذواتًا وصفات، أو: رواتها متصفون بصفاتِ رواةِ الشيخين؟ فذهب ابن الصلاح والنووي وابن دقيق العيد والذهبي إلى الأول، وذهب إلى الثاني: = ٤٧٩ الأول : الصحيح [ش] قال(١): وتحقيقُ المِثْلية: أن يكونَ بعضُ مَن لم يُخَرَّج عنه في الصحيح مثلَ من خُرِّج عنه فيه، أو أعلى منه عند الشيخين. وتُعرَفُ المِثْلية عندهما إما بنصِّهما على أن فلانًا مثل فلان، أو أرفعُ منه، وقلَّما يُوجَد ذلك، وإما بالألفاظ الدالة على مراتب التعديل، كأن يقولا في بعض مَن احتجًا به: ثقة، أو ثَبْت، أو صدوق، أو لا بأس به، أو غيرَ ذلك من ألفاظ التعديل، ثم يُوجدُ عنهما أنهما قالا ذلك أو أعلى منه في بعض من لم يحتجًّا به في كتابيهما(٢)، فَيُستَدل بذلك على أنه عندهما في رتبة مَن احتجابه، لأن مراتب الرواة معيارُ معرفتِها: ألفاظُ الجرح والتعديل. قال: ولكنْ هنا أمرٌ فيه غموض لا بدَّ من الإشارة إليه، وذلك أنهم لا يكتفون في التصحيح بمجرَّد حالِ الراوي في العدالة والاتصال من غير نظرٍ إلى غيره، بل ينظرون في حاله مع مَنْ روى عنه في كثرةٍ ملازمته له، أو قلَّتِها، أو كونِه من بلده مُمارِسًا لحديثه، أو غريبًا من بلدٍ مَن أخذ عنه، وهذه أمورٌ تظهر [ب] - العراقي، وذهب الحافظ إلى إرادة المعنيين: الحقيقة والمجاز، والذوات والصفات، وسيأتي قريبًا جدًّا قوله: ((إن الحاكم استعمل كلمة ((مثل)) في أعم من الحقيقة والمجاز، في الأسانيد والمتون، دلّ على ذلك صنيعه .. )). (١) هو العراقي نفسه، لكن كلامه هذا - والذي بعده - من شرحه الكبير على ألفيته، كما أشار إليه في آخر كلامه في ((شرحه)) المطبوع ص ٢٢، وكما صرح به البقاعي في ((النكت الوفية)) ١: ١٦٦. (٢) وهذا قليل في كلام البخاري، نادر في كلام مسلم، فهي إحالة على قليل الجدوى، وهي مُعَرْقِلة في تحقيق المثلية. ٤٨٠ الأول : الصحيح [ش] بتصفّح كلامهم وعملهم في ذلك. انتهى كلامه(١). وقال شيخ الإسلام(٢): ما اعتَرَض به شيخنا على ابن دقيق العيد والذهبيِّ ليس بجيد، لأن الحاكم استعمل لفظةً (مثل) في أعمَّ من الحقيقة والمجاز، في الأسانيد والمتون، دلَّ على ذلك صنيعه، فإنه تارة يقول: على شرطهما، وتارة: على شرط البخاري، وتارة: على شرط مسلم، وتارة: صحيح الإسناد ولا يعزوه لأحدهما. وأيضًا: فلو قَصَدَ بكلمة (مثل) معناها الحقيقيَّ حتى يكون المرادُ: احتج بغيرها ممن فيهم من الصفات مثلُ ما في الرواة الذين خرَّجا عنهم: لم يقل (١) هذا التنبيه - على أنه مُعَرْقِل آخرُ في تحقيق المثلية - لكنه مفيد جدًّا في الحكم على رجلٍ مّا بأنه على شرط الشيخين أو أحدهما، ولا يكشف ذلك إلا البحثُ الدؤوب، والممارسةَ الطويلة لكتب الجرح والتعديل، ومعرفةُ أحوال الرواة وتواريخهم واتصالاتهم ببعضهم. وينظر بعض ذلك في كلام الحافظ ابن حجر الآتي قريبًا. كتبت هذا بناء على الفهم المشهور، لا على ما صِرتُ إليه أخيراً، كما تقدم ص٣٣١ فما بعدها. (٢) ((النكت الوفية)) ١: ١٦٣. قال ذلك تعليقًا على قول العراقي عن عمل ابن دقيق العيد والذهبي: إنه ((ليس بجيد))، فقال ابن حجر: ((بل قد أجادوا وأصابوا، لأن الحاكم استعمل كلمة (مثل) فيما هو أعمٌ .. )). هذا، وفي ((البحر الذي زخر)) ٢: ٧١٧: ((قال الحافظ جمال الدين المزي: اصطلاحُ المتقدمين إذا قالوا على شرط البخاري ومسلم: أن ذلك مخرَّج على نظير رجال الصحيحين، واصطلاحُ المتأخرين: إذا كان على رجال الصحيحين)). فقول ابن الصلاح والنووي وابن دقيق العيد والذهبي: يتمشَّى مع اصطلاح المتأخرين، وقول غيرهم - كالعراقي -: يتمشى مع اصطلاح المتقدمين. والله أعلم.