Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ الأول : الصحيح [ش] ومما يدلُّ على أن عُرْفَهم في ذلك الزمانِ ماشٍ على قانون اللغة: أن أحمد ابن حنبل قال: ما بالبصرة أعلمُ - أو قال: أثبتُ - من بِشْر بن المفضَّل، أما مثلُه (١) فَعَسی(١). قال: ومع احتمالِ كلامِهِ ذلك فهو مُنْفُرِد به، سواءٌ قَصَد الأول أم الثاني(٢). [ب ] - (١) هذا النقل متابعة للحافظ، وكلامه في ((النكت الوفية)) ١١٤:١، وفيه سبق ذهن من الحافظ رحمه الله، فلم يقل الإمام أحمد هذا القول في بشر بن المفضّل، إنما قاله جوابًا لأبي حاتم الرازي لما سأله ((عن الأوزاعي والدَّسْتَوائي: أيُّهما أثبتُ في يحيى - ابن أبي كثير ـ؟ قال أحمد: الدستوائي لا تسل عنه أحدًا، ما أرى الناس يروون عن أحد أثبتَ منه، مثلُه عسى، فأما أثبتُ منه فلا))، كما في ((الجرح)) ٦٠:٩ (٢٤٠) ترجمة هشام الدستوائي. أما بشر بن المفضل فقال فيه أحمد: إليه المنتهى في التثبّت بالبصرة، كما في ((تهذيب الكمال)) ١٥٠:٤. وأما الوَهَل الذي حصل للحافظ في هذا النقل، فهو داخل تحت قول البقاعي في أول كتابه ٥:١: «وأما الاعتذار عن شيخنا، فهو أن النقل حالة المذاكرة قد يُتساهل فيه)). وانظر ما يأتي صفحة ٤٣٣. [اسم ((عسى)) وخبرها محذوفان، وقد أجاز ذلك الكِرماني - على البخاري ٤ : ١٩٢ - في حديث: ((صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا))، وفيه: فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى. انتهى.]. ووافقه العيني في ((العمدة)) ٤: ١٧٦. وبخط الشيخ ابن العجمي: ((فقال أبو أیوب»، وهي زلة قلم. (٢) قول الحافظ هذا يُلغي اعتراض الصنعاني عليه، الذي تجده في كتابه = ٣٠٢ الأول : الصحيح [ش] قال: وقد رأيتُ في كلام الحافظ أبي سعيد العلائي ما يُشْعِر بأن أبا علي لم يَقِفْ على ((صحيح)) البخاري(١)، قال: وهذا عندي بعيدٌ، فقد صحَّ عن بلديِّه وشيخِه أبي بكر ابن خُزيمة أنه قال: ما في هذه الكتب كلُّها أجودُ من كتاب محمد بن إسماعيل(٢). وصحَّ عن بلديُّه ورفيقه أبي عبد الله ابن الأَخْرَمَ(٣) أنهُ قال: قلَّما يفوتُ البخاريَّ ومسلمًا من الصحيح. (ب) ((توضيح الأفكار)) ١: ٤٨. (١) ونحوه في كلام الحافظ الذهبي في ((التذكرة)) ترجمة الإمام مسلم ٢: ٥٨٩، ولفظه: ((لعل أبا علي ما وصل إليه صحيح البخاري؟)). وتبعه الحافظ ابن عبد الهادي في مختصره لـ((التذكرة)) المطبوع باسم ((طبقات علماء الحديث)) ٢: ٣٨٨. والاستبعاد الذي قاله الحافظ تعليقًا على كلمة العلائي، يقال هنا أيضًا. (٢) نَسَب الحافظ هذه الكلمة في ((مقدمة الفتح)) ص٤٨٩، و((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٢٨٦، و((النكت الوفية)) للبقاعي ١: ١١٥: إلى الإمام النسائي، فإن صح أنها لابن خزيمة أيضًا فالتوارد على مثل هذه الجملة غير مستبعد. أما كلمة النسائي فأسندها إليه الخطيب في ((تاريخه)) ٢: ٣٢٧، ((وهو من مشايخ أبي علي النيسابوري)) أيضًا، كما قاله في ((النكت على ابن الصلاح)). قلت: ومن الممكن أن يدخل على كلمة النسائي - أو ابن خزيمة - ما دخل على كلمة أبي علي النيسابوري، فكلمة ((أجود)) مثل كلمة ((أصح)) في التفضيل. (٣) هو الإمام الحجة أبو عبد الله محمد بن يعقوب ابن الأخرم، ولد سنة ٢٥٠، وتوفي سنة ٣٤٤، أي: قبل أبي علي النيسابوري بخمس سنين، انظر ((السِّير)) ١٥ : ٤٦٦. وكلمته المذكورة دالة على معرفته بـ«صحیح)) البخاري، وهما من بلد واحد. ٣٠٣ الأول : الصحيح [ش] قال: والذي يظهر لي من كلام أبي علي أنه قدَّم ((صحيحَ)) مسلم لمعنىّ آخَرَ غيرِ ما يَرجِعُ إلى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة في الصحة(١)، بل لأن مسلمًا صنَّف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة کثیرٍ من مشايخه، فكان يتحرَّز في الألفاظ، ويتحرَّى في السياق(٢)، بخلاف البخاري، فربما كتب [ب] - (١) وهذا ما أعتقد أن أبا علي أراده. والله أعلم، ذلك أن لفظه كما قدمته ص٢٩٦، ونقلته عن ((تاريخ بغداد)) ١٥: ١٢٣ : ((ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث))، فهذه الزيادة ((في علم الحديث)) تدل على أن مراده هذا، لا الصحة الاصطلاحية، و((علم الحديث)): فنونه التي أشار إلى بعضها ابن حجر في كلامه المذكور، ويكون قد حصل للحافظ من جراء اختصاره لكلمة أبي علي، ما حصل لغيره من اختصارها على وجه آخر. وهذه فائدة من فوائد الرجوع إلى المصادر الأصلية القديمة، لا سيما المصادر المسندة، فإنها تأتي بالألفاظ كما هي. (٢) مراده: يتحرَّز في ألفاظ المتون، ويتحرَّى في سياق الأسانيد. وهذا شائع جدًّا في ((صحيح)) مسلم، وذلك أنه يسوق الحديث عن شيخين له أو ثلاثة، ثم يميز بين ألفاظهم في سياق الأسانيد وألفاظ التحمل والأداء، ثم ينبّه إلى لفظ كل واحد منهم إن كانت مغايرة لفظية مثنِيّة - وإن دقّتْ-، ويمكن الوقوف على أمثلة ذلك بأيسر نظرة في ((الصحيح)). وأولُ حديث فيه جامعٌ لألوان متعددة من ذلك، منها قوله أول كتاب الإيمان ١ : ٣٦ (١): ((حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا وكيع، عن كَهْمَس، عن عبد الله ابن بريدة، عن يحيى بن يَعْمَر. ح وحدثنا عبيدالله بن معاذ العَنْبري - وهذا حديثه - حدثنا أبي، حدثنا كَهْمَس، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يَعْمَر .. )). فنبه بقوله ((وهذا حديثه)) إلى اختياره هذا السياق، وإلى عادة من عاداته في = ٣٠٤ الأول : الصحيح [ب] کتابه، وفي السند الأول قال وكيع: عن کھمس، أما العنبري فقال: حدثنا کھمس، وفي السند الأول قال كهمس: عن عبد الله بن بريدة، فسماه، أما في الثاني فنسبه فقط إلی أبيه. ثم قال (٢): ((حدثني محمد بن عبيد الغُبَري وأبو كامل الجَحْدري وأحمد بن عبدة .. وساقوا الحديث بمعنى حديث كهمس وإسناده، وفيه بعض زيادة ونقصان أحرف)». ثم قال (٣): ((وحدثني محمد بن حاتم .. فاقتصَّ الحديث كنحو حديثهم .. وفيه شيء من زیادة، وقد نقص منه شيئًا». ثم قال (٤): ((وحدثني حجاج بن الشاعر .. بنحو حديثهم)). ثم قال (٥): ((وحدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وزهير بن حرب، جميعًا عن ابن علية. قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم .. )). وإسماعيل هو ابن علية، لكن زهيرًاً سماه بما یحبّ، وابن أبي شيبة سماه بما هو معروف به. إلی أمثلة كثيرة جدًّا فيه. وهكذا يجد القارئ فيه هذه الجوانب كثيرة واضحة. والإمام مسلم متأثر في هذا التمييز بشيخه الإمام أحمد، فإنه حريص على ذلك جدًّا في ((مسنده))، من ذلك قوله فيه ١: ٢٠١: ((حدثنا يزيد وعباد بن عباد قالا: أنبأنا هشامُ بنُ أبي هشام - قال عباد: بنُ زياد - عن أمه، عن فاطمة ابنة الحسين ... )). فهشام بن أبي هشام: هو هو هشام بن زياد، الراوي الضعيف المتروك، وقوله في المتن ((طال عهدها)) و((قَدُم عهدها)): هما بمعنى واحد. وانظر ((تعجيل المنفعة)) ترجمة عباد بن زياد (٥١٤)، وفي آخرها قال الحافظ: ((وأحمد يحرص على تمييز الألفاظ في السند والمتن كثيرًاً». وينظر في ((المسند)) أيضًا على سبيل المثال ٣: ٤٤٦، ٤٤٧. = ٣٠٥ الأول : الصحيح [س) وانظر لزامًا ترجمة حجاج العامري من ((تعجيل المنفعة)). وتأثر بالإمام أحمد أيضًا تلميذُه الآخر: الإمام أبو داود السجستاني، وهذا ظاهر جدًّا في ((سننه)) مُكثِر منه، لكنه قد ينبه إلى المغايرات أثناء الرواية، وقد يعلِّق الإسناد اختصاراً، وينبه إلى الاختلافات، وينظر منه على سبيل المثال: (١، ٤، ٥، ١٨، ٢١) إلى آخر ما هنالك. وأعود إلى أصل المسألة فأقول: إن مسلمًا كان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السیاق، وقد أشرت إلى نقطة من بحر أمثلته في کتابه، ولكني أقول: إن كثيرًا جدًا مما في كتابه هو من هذا القبيل، بل أكثر ما فيه هو كذلك، ولكن فيه نصوص ظاهرها من هذا القبيل، إلا أنه في الحقيقة ساقها مساق التعليل لها. مثال ذلك: أنه روى ١ : ٢٣٤ (٨٩) هو والنسائي ١ : ٥٣ (٦٦) كلاهما عن علي ابن حُجْر، عن علي بن مُسهِر، عن الأعمش، عن أبي رَزِين وأبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فَلْيُرِقْهُ ثم لْيغسِلْه سبع مرار)). وأعقبه مسلم برواية «إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش، بهذا الإسناد، مثلَه، ولم يقل: فليرقه))، أي: لم يقل إسماعيل: فليرقه، فَيَتَوَهَّم متوهِّم أن هذا داخل تحت عادة مسلم من حرصه على تمييزه بين ألفاظ الرواة، إلا أن الأمر ليس كذلك، إنما أراد إعلال رواية علي بن مسهر عن الأعمش ((فليرقه)). يدلنا على ذلك قول النسائي عقب روايته له: ((قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا تابع عليَّ بن مسهر على قوله: فليرقه)). ويُستدل لقول النسائي هذا برواية مسلم له من طريق إسماعيل بن زكريا المذكورة. فمسلم جاء بالدليل ونَبَّه بصمت، والنسائي نَّه وصرح بالفرق والعلَّة، ولم يَسُقُ الدليل، وانظر ما كتبته في مقدمة ((مصنف)) ابن أبي شيبة ١: ١٠٩ - ١١٩، أو في ((دراسات الكاشف)) للذهبي ص١٨٨، ثم زدت عليهما في ((مجموع رسائل في علم الحديث دراية)). ٣٠٦ الأول : الصحيح [ش] الحديثَ من حفظه ولم يميِّز ألفاظَ رواته، ولهذا ربما يَعرِض له الشك، وقد صحَّ عنه أنه قال: ربَّ حديثٍ سمعتُه بالبصرة فكتبتُه بالشام(١). ولم يتصدَّ مسلم (١) أسنده إليه الخطيب في ((تاريخه)) ٢: ٣٢٩، ولفظه: أن والي بخارى أُحَيد بن أبي جعفر قال: ((قال محمد بن إسماعيل يومًا: ربَّ حديث سمعتُه بالبصرة كتبته بالشام، وربَّ حديث سمعته بالشام كتبته بمصر، قال: فقلت له: يا أبا عبد الله بكماله؟ قال: فسكتَ)). ولا بدَّ من وَقْفة عند هذا الخبر لبيان ما فيه من إشكال، والجواب عنه. أما الإشكال: ففي هذا الخبر أن البخاري قد يسمع حديثًا في بلد، فلا يفرغ لكتابته في صحفه إلا بعد انتقاله إلى بلد آخر يفرغ فيه لكتابة ما فاته تدوينه في صُحُقُه، ثم كان منه بعد ذلك أيامَ تأليف كتبه - ومنها ((صحيحه)) - أنه ينقل من هذه الصحف التي دوّن فيها مسموعاته في وقت متأخر، ويترتب على ذلك احتمالان: احتمال طروّ الخلل على ما كتبه متأخرًا، وبالتالي: احتمال دخول هذا الخلل على ما دوّنه من السنة النبوية في مؤلفاته عامة، وعلى ما دوّه في ((صحيحه)) خاصة. والجواب: ١ - أن لفظ البخاري ((ربّ حديث)) و((ربّ)) كلمة للتقليل. ٢ - وكلمة ((حديث)) لا تعني الحديث النبوي المرفوع فقط، بل يدخل تحتها كل كلمة يروونها بالإسناد، فيدخل مع المرفوع أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم مهما تأخرت الطبقة، وبالنسبة لما نحن فيه : تدخل كل كلمة يرويها البخاري عن أي إنسان: من شيوخه أو طبقته، وما أكثر هذا !!. ٣ - إن الإمام البخاري معروف بحافظته النادرة، شأنه شأن الحفاظ الكبار من صدر الأمة، وترجمته الحافلة بنوادر الأخبار مسطّرة مدوّنة، ومن مشاهير أخباره قصته مع العشرة الذين حاولوا أن يقلب عليه كل واحد منهم عشرة أحاديث فما استطاعوا. = ٣٠٧ الأول : الصحيح [ب] ٤ - ثم، إن الإمام منهم ما كان يرضى أن يكتب الحديث الواحد من وجه واحد أو اثنين أو ثلاثة، بل كانوا يكتبون الحديث الواحد من عشرات الوجوه، وقد قال إبراهيم بن سعید الجوهري: «کل حدیث لا یکون عندي من مئة وجه فأنا فیه یتیم))، وهو على جلالته ليس كالبخاري، فإذا كان احتمال طروّ الخلل على ما كتبه البخاري بالشام، وكان قد سمعه بالبصرة، فإن كتابته إياه في المرات الأخرى تسدِّد هذا الخلل، إن كان. ٥ - ولو سلَّمنا بطروّ الخلل على حديث نبوي عنده، فإنا لا نسلُّم بكونه حصل له هذا الخلل في حديث من أحاديث ((صحيحه))، لما هو معلوم مقرّر من تشدده في ((صحیحه)) خاصة، وینظر ما تقدم قريباً ص٢٨٩، وغيره مما يأتي کثیر. ومع هذه الأجوبة فلم يبق لاحتمال ما ذُكر في الإشكال إلا ما هو أقل من القليل، وأضعف من الضعيف، كمَّ وكيفًا، ومثل هذا لا يُبنى عليه حكم ولا شبهة. وهذا الذي كتبته شيء آخر غير الذي يقوله الحافظ ابن حجر ويريده، فكون البخاري - وهو من أئمة الحديث وفقهاء المحدثين - يكتب الحديث من حفظه ولا يميِّز ألفاظ رواته: لا يضيره شيئًا، وحين قال الحافظ ((ربما يعرض له الشك)): «لَّه على ذلك تصريح البخاري بشكُّه، وهذا دليل أمانته وتحرِّيه، وهذا لفتُ نظرٍ منه للقارئ والباحث أن يتثَبَّت، فأيُّ غضاضة عليه بعد !. هذا، وقد نقل الخطيب في ((تاريخه)) ١٢٣:١٥ - ١٢٤ عن ابن عقدة كلامًا فيه: ((قد يقع لمحمد بن إسماعيل الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم، فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، ويتوهم أنهما اثنان)»، وسأل البقاعي شيخه ابن حجر عن هذا؟ فقال له ما توضيحه: أشار ابن عقدة بقوله هذا إلى أن البخاري يحصل له هذا التوهم في كتابه ((التاريخ))، كما في ((النكت الوفية)) ١: ١١٢ - ١١٣. قلت: والقرينة في كلام ابن عقدة واضحة، فهذا غير ما نحن فيه أيضاً. ٣٠٨ الأول : الصحيح [ش] لما تصدَّى لهُ البخاريُّ من استنباط الأحكام وتقطيع الأحاديث، ولم يُخْرِج الموقوفات(١). (ت) (١) أي: ما ليس بمرفوع، سواء أكان موقوفًا أم مقطوعًا. ثم إن هذه ثلاث مزايا لـ ((صحيح)) مسلم على ((صحيح)) البخاري: ١ - تحرُّزه في الألفاظ وتحرِیه في السياق. ٢- واقتصاره على الأحاديث المرفوعة، فليس فيه إلا الحديث السَّرْد بعد خطبته ومقدمته. ٣- وعدم تقطيعه الأحاديثَ وتفريقها على مواطن. ويندرج تحت المزية الأولى أمور: تمييزه لألفاظ الرواة في الأسانيد، مثل تفرقته بين حدثنا، وأخبرنا. ومثل تعيينه الأسماء المهملة المشتركة، کقوله عن شيخه: حدثنا إسماعيل، فیزید من عنده: يعني ابن علية. ومثل: تمييزه لألفاظ الرواة في المتون، كقوله: قال فلان كذا، وقال فلان كذا. و کقوله آخر السیاق الثاني : بمثله، أو بنحوه. وهذا ما يعبِّرون عنه في جانب مسلم: إنه كان لا يجيز الرواية بالمعنى، بل يحرص على الرواية باللفظ. أما المزية الثانية، وهي اقتصاره على الأحاديث المرفوعة: فقد استدرك عليه العراقي في ((النكت)) ٢٣٧:١ فقال: ((قلت: قد روى مسلم بعد الخطبة في كتاب الصلاة - ١: ٤٢٨ (١٧٥) - بإسناده إلى يحيى بن أبي كثير أنه قال: ((لا يستطاع العلم براحة الجسم))، فقد مزجه بغير الأحاديث، ولكنه نادر جدًّا، بخلاف البخاري. والله أعلم)). = ٣٠٩ الأول : الصحيح [ب] وأصل الفكرة لابن حزم، كما سيأتي من نقل الشارح بعد أسطر، عن ابن حجر، عن قاسم التُّجيبي، وتوقَّع ابن الصلاح هذا الملحظ توقَّعًا، وعلَّق عليه العراقي بما تقدم. إلا أن هذا المعنى لم يَرُقْ للحافظ ابن حجر، فإنه عمل جزءًا سماه ((الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف))، قال في مقدمته ص ١٧ - ١٩: ((هذه أحاديث موقوفة ومقطوعة تتبعتُها من ((صحيح)) مسلم، وقد وقع أكثرها في ضمن أحاديث مرفوعة، وهي في الكتاب المذكور كثيرة ... وكان الحامل على جمع هذه الأحاديث أنه يقع في بعض المجالسِ الحديثُ عن قول أبي عمرو ابن الصلاح في ((علوم الحديث)): إنه ليس في ((صحيح مسلم)) بعد الخطبة والمقدمة إلا الحديث المرفوع الصِّرْف غير ممزوج بالموقوفات. واستدرك مَن تأخر عن عصر ابن الصلاح عليه أنه وقع في مسلم شيء من الموقوفات على بعض التابعين، وهو قول يحيى بن أبي كثير: لا يُستطاع العلم براحة الجسم، وظن بعض من شاهدناه أنه ليس في مسلم غيرُ هذا الموضع، فتبَّعت ذلك من الصحيح، ووقع لي فيه مثل أَثَر يحيى بن أبي كثير، كقول عروة: ((لا تقل كَسَفت الشمس .. ))، إلى غير ذلك)). وقد كان تأليفه لهذا الجزء الذي استقرأ فيه ((صحيح)) مسلم في ثلاثة أيام بحلب سنة ٨٣٣، أي: بعد عشرين سنة من فراغه من تأليف ((مقدمة الفتح)) التي قال فيها في ص١٣: ((اقتصر مسلم على الأحاديث دون الموقوفات، فلم يعرِّج عليها إلا في بعض المواضع على سبيل الندور تبعًا لا مقصودًا)). وأول حديث في هذا الجزء ((الوقوف)): هو حديث عمر رضي الله عنه في مجيء جبريل، وفي أوله قصة مجيء يحيى بن يَعْمَر وحميد بن عبد الرحمن الحميري إلى الحج - أو العمرة - ولقائهما عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فاشتكيا له من ظهور معبد الجهني بالبصرة بقول القَدَر، إلى آخر القصة، ثم روى لهما عبد الله بن عمر، عن أبيه، حديث جبريل: وفيه أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان الستة. فاعتبر = ٣١٠ الأول : الصحيح (س) الحافظ هذا المقدار من القصة موقوفًا، وأن في ((صحيح)) مسلم موقوفات! وأن دعوى أنْ ليس فيه بعد مقدمته إلا الحديث السرد: غير مسلَّمة !. وهذا عجيب منه رحمه الله! فأصل الكلام في خلوِّ ((صحيح)) مسلم عما ليس مرفوعًا، وهذه الأحاديث الموقوفة فيها ذكر سبب ورود الحديث، أو ذكر سبب رواية الصحابي - أو التابعي - للحديث، ومسلم رحمه الله متكفِّل برواية الحديث كاملاً مع قصته في سبب وروده أو روايته، فصارا كالقطعة الواحدة، وكثيراً ما تكون القصة مُعِينة ومساعدة على فهم الحديث، فلا يستسيغ الإمام مسلم حذفها. أما معلَّقات البخاري فليس بينها وبين الحديث التالي لها أيُّ ارتباط، سوى أنها مذاهب للسلف حول المسألة الفقهية - أو العلمية عامة - التي بوَّب بها البخاري، وأورد الحديث دليلاً عليها. وقد اعترف الحافظ أول كلامه الذي نقلته أن أكثرها وقع ضمن المرفوعات، فأفاد أن القليل - أو النادر - منفرد مستقل، واستثنى في آخره - غير المطبوع - إحدى عشرة مقولة، ينطبق عليها صدر كلامه وسَرَدها، و(العشرة) بالنسبة إلى مجموع ما في ((صحيح)) مسلم: عدد نادر، كما قال في ((مقدمة الفتح))، أما مجموع ما في ((الوقوف)) فنحو المئتين، فهذا عدد كبير. وأما المزية الثالثة - عدم تفريق مسلم الحديثَ على مواطن - فهذا غالبيٌّ أكثريٌّ، وندَر منه وقوع خلافه، وانظر ص٤ - ٥ من مقدمة ((صحيحه))، وشرح النووي ١ : ٤٩، ويتصل بهذه المزية أمر آخر، هو: عدم تكرار مسلم للحديث الواحد في أبواب متعددة، والذي حصل له تكراره نادر، فانظر له ما يأتي ص ٣١٤. وبهذا الاستعراض لمزايا ((صحيح مسلم)) يتجلَّى تمامًا أنها مزايا علميه فنية، لكنها لا ترجع إلى أُسّ الصحة الاصطلاحية، كما هو الحال في مزايا ((صحيح)) البخاري. ٣١١ الأول : الصحيح [ش] قال: وأما ما نَقَلَه عن بعض شيوخ المغاربة، فلا يُحفَظُ عن أحدٍ منهم تقييدُ الأفضلية بالأصحية، بل أطلقَ بعضُهم الأفضلية، فحكى القاضي عياضٌ (١) عن أبي مروان الطَّبَّني - بضم المهملة وسكون الموحدة (٢)، ثم نون - قال: كان بعض شيوخي يُفَضِّل ((صحيح)) مسلم على ((صحيح)) البخاري. [ب] (١) في ((إكمال المعلم)) له ١: ٨٠، وعزاه الحافظ في ((هدي الساري)» ص ١٢ إلى ((الإلماع))، ولا شيء فيه. وأبو مروان هو: عبد الملك بن زيادة الله الطّبْني (٣٩٦ - ٤٥٧) رحمه الله، أحدٌ شيوخ أبي علي الجَيّاني، رحل إلى المشرق مرتين، وجلس للإملاء، فحضر مجلسه کثیر، فیھم ألف محبرة تکتب عنه، وکان یفتخر بذلك ویقول: کان يحضر مجلس الباقلاني خمس مئة مَحبرة، وله ثلاثة مبلِّغين، ويحضر مجلس أبي حامد الإِسفرايني خمس مئة مَحْبرة أيضًا، وله مبلِّغان. له ترجمة في ((الصلة)) لابن بَشكُوال (٧٧٢)، و((جذوة المقتبس)) (٦٣٠)، و((بغية الملتمِس)) (١٠٦٥)، وبعضها في ((نفح الطيب)) ٢: ٤٩٦. (٢) [هكذا في ((التبصير)) - ٨٧٩ - كـ ((المراصد)) - ٧٨٩:٢ -، لكن المؤلف ضبطه في ((لب اللباب)) - (٢٥٨٤) - بضمتين، مع أن في أصله، وهو ((اللباب)) - ٢ : ٢٧٥ - الوجهين، وعلى كل حال فهو نسبة إلى طُبنة مدينة من عمل إِقْرِيقَّة.]. لكن من ضبطه بضمتين شدَّد النون، كما صرَّح به السمعاني ٤: ٥٠، وإن لم يقع هذا التصريح في كلام ابن الأثير. والضبط المذكور هنا أصله لابن حجر، وعليه مشى في ((التبصير))، وأصلُه لعبد الغني بن سعيد في ((مشتبه النسبة)) ص٤٥، وتبعه ابن ماكولا ٥: ٢٦٢ وأصحاب المشتبه. ٣١٢ الأول : الصحيح [ش] قال(١): وأظنُّه عَنَى ابنَ حزم. فقد حكى القاسم التُّجِيبيُّ في ((فِهْرِسته))(٢) عنه ذلك، قال: لأنه ليس فيه بعد الخطبة إلا الحديثُ السَّرْوُ(٣). (١) هو الحافظ ابن حجر، وما يزال الكلام له. (٢) [سيأتي - ٤: ٢٦٧ - ضبط ((الفِهْرِسْت)) في كلامه، وبالهامش.]. والتُّجِيبي هذا: ترجمه الذهبي في ((المعجم المختصّ)) برقم (٢٣٧): القاسم بن يوسف، وترجمه في ((معجم الشيوخ)) في الكنى (٣٩): أبو القاسم بن يوسف، وقال فيهما: مولده في حدود سنة ٦٧٠، ولكن قال في الأول منهما: أظنه بقي إلى نحو سنة ٧٣٠، وقال في الثاني: قيل توفي في حدود سنة ٧٣٥. وأخذ ابن حجر ترجمته في ((الدرر الكامنة)) ٣٢٣:٣ من ((المعجم المختص)) إلا تاريخ الوفاة، وأثنى الحافظ على رحلة المترجم ((مستفاد الرحلة والاغتراب)). هذا، والنص المنقول هنا عن التجيبي هو في ((برنامج شيوخه)) ص ٩٣. (٣) [بل فيه غير الأحاديث، لكنه نادر جدًّا، فقد أخرج في كتاب الصلاة - ١ :٤٢٨ (١٧٥) - بسنده إلى يحيى بن أبي كثير أنه قال: لا يُستطاع العلم براحة الجسم.]. تقدم نقله من كلام الحافظ العراقي، فانظره ص ٣٠٨ تعليقًا، وقد نقل عياض ٢: ٥٧٧ عن بعض أشياخه مناسبة ذكر مسلم لهذا القول في هذا الموقع، وعنه النووي ٥: ١١٣، فانظره فإنه معنی طريف. ويحيى بن أبي كثير: أحد الثقات الأثبات، من صغار التابعين، توفي سنة ١٣٢ ، أو قبلها، وانظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ١١: ٢٦٨. وللكلمة تتمة، أسندها الخطيب في ((تاريخه)) ١١: ٣٧٥ كاملة: ((ميراث العلم = ٣١٣ الأول : الصحيح واختصَّ مسلمٌ بجمْع طُرُق الحديث في مكانٍ. [ش] وقال مَسْلَمة بن قاسم القُرْطبي (١) من أقران الدارقطني: لم يَضَعْ أحدٌ مثلَ ((صحيح)) مسلم(٢)، وهذا في حُسْن الوَضْع وجَوْدة الترتيب، لا في الصحة. ولهذا أشار المصنف حيث قال من زيادتهِ على ابن الصلاح: (واختصَّ مسلمٌ بجمْعْ طُرُق الحديث في مكانٍ) واحد بأسانيده المتعددة، وألفاظه المختلفة، فَسَهُل تناوله، بخلاف البخاري فإنه قَطَّعها في الأبواب، بسبب استنباطه الأحكام منها، وأورد كثيراً منها في غير مظنَّته (٣). (س) خير من الذهب، والنفس الصالحة خير من اللؤلؤ، ولا يستطاع العلم براحة الجسد)). واستشهد بها ابن أبي حاتم في مناسبة نادرة جَرَتْ له، انظرها للفائدة والعمل في («سِيَر أعلام النبلاء)) ١٣: ٢٦٦، وينظر ما كتبتُه ص ١٠٣ من ((معالم إرشادية لصناعة طالب العلم)). (١) هو أبو القاسم مسلمة بن القاسم القرطبي المتوفّى سنة ٣٥٣ عن ستين سنة، له تصانيف في الفن، وكانت له رحلة إلى المشرق لقي فيها الأكابر، له تاريخ جمع فيه من لم يذكره البخاري في ((تاريخه))، وهو كثير الفوائد، في مجلد واحد، طُعِن فيه بأنه من المشبِّهة، فدافع عنه الحافظ في ((لسان الميزان)) (٧٧٣٧) بأنه: ((ما نسبه إلى التشبيه إلا من عاداه))، وانظره. (٢) هكذا جاء لفظه: لم يَضَعْ، ولذا فسَّرَه الحافظ بقوله: وهذا في حسن الوضع وجودة الترتيب. ويتحرَّف إلى: لم يَصْنَع، فتحتمل معنى: لم يؤلف أحد مثله في جودة وضعه، وتحتمل: لم يؤلف أحد مثله في صحته، لكنه تحريف، وقد اتفقت النسخ على: لم يَضَعْ، وقول مسلمة هذا يؤيد ما شرحته عن مزايا مسلم الثلاثة ص٣٠٨ - ٣١٠. (٣) قال الإمام النووي في ((مقدمة شرح مسلم)) ١: ١٥ وقد ذكر معنى هذا: = ٣١٤ الأول : الصحيح [ش] قال شيخ الإسلام: ولهذا نَرَى كثيراً ممن صنَّ في الأحكام من المغاربة يَعتمد على كتاب مسلم في سياق المتون، دون البخاري لتقطيعه لها(١). (ت) - ((وقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا في مثل هذا، فَنَفَوْا رواية البخاري أحاديث هي موجودة في ((صحيحه)) في غير مظانِّها السابقة إلى الفهم)). وليلاحَظْ قوله ((جماعة))، أي: لم يحصل هذا لواحد، وليلاحَظْ وصف الإمام النووي لهم بأنهم ((حفاظ))! ومع ذلك غلطوا، فنفوا ما هو موجود، وهذا درس وتوجيه لطالب العلم أن لا يتسرع في أمور العلم عامة، وفي النفي خاصة. وقد كرر مسلم رحمه الله بعض أحاديث كتابه، لكنه عدد قليل جدًّا بالنسبة لجملة كتابه، عدَّدها الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله في المجلد الخامس ص٢١٢ - ٢٢٢ فجاء العدد معه ١٣٧ حديثًا، لكن هذا العدد لکل حديث مکرر ولو في الكتاب نفسه، ككتاب الإيمان مثلاً، والطهارة، وهكذا، أما إذا اعتمدنا العدد الذي فيه تكرار الحديث في کتابین فأكثر متتالیین أو متباعدین فیحذف منه ٦٣ حديثًا، فيبقى عدد الأحاديث المكررة ٧٤ حديثًا، وهي الأحاديث التي وضع الأستاذ المذكور بجانب اسم الصحابي في الفهرس نُجَيمة صغيرة. وهذه مزية ينبغي أن تضاف إلى مزايا ((صحيح)) مسلم الثلاثة السابقة. (١) مقتبس من ((مقدمة الفتح)) ص١٣، و((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٢٨٣. ومن المغاربة الذين يشملهم كلام الحافظِ: الإمامُ الحميدي، وعبد الحق الإشبيلي رحمهما الله، في كتابيهما ((الجمع بين الصحيحين))، وفي كتاب عبد الحق الآخر ((الأحكام)). وعمَّم الحكمَ وأتى بتعليل آخر العلامةُ المحدث السيد عبد الحي الكتاني رحمه الله في كتابه ((التراتيب الإدارية)) ١: ٤٦ فقال: ((والقاعدة عندهم: أنه لا يقدَّم أحد على البخاري = ٣١٥ الأول : الصحيح [ش] قال(١): وإذا امتاز مسلمٌ بهذا فللبخاريِّ في مقابِله من الفضل ما ضَمَّنْه في أبوابه من التراجم التي حيّرت الأفكار(٢)، وما ذَكَره الإمام أبو محمد ابن أبي في العزو، ويعزون الحديث للصحيحين إذا كان فيهما، ولكن يسوقون لفظه لمسلم، لشدة محافظته على الألفاظ النبوية))، ومضمونُ هذا التعليل: أن البخاري قد يروي بالمعنى، وهذا أمر صّرّح به الحافظ في عدد من كتبه، منها في ((النكت)) ١: ٣٨٢. (١) في ((مقدمة الفتح)) ص١٣. (٢) الترجمة تَرِد في كلام العلماء على ثلاثة معان : الترجمة: بمعنى سيرة الرجل، لأن أصل معناها: البيان والإفصاح، وترجمة الرجل تُفْصِح عن حاله، وتختلف من عِلم إلى عِلم، فترجمة المحدثين لرجل تختلف عن ترجمة علماء السير والتراجم له، كابن خلِّكان، والصَّفَدي له. وبمعنى: سلسلة الإسناد، كقولهم: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أخرج البخاري بھذہ الترجمة خمسین حديثاً - مثلاً -. وبمعنى: التبويب على الحديث، فيقولون: بوَّب البخاري بكذا، أو: أخرجه البخاري وترجم عليه بكذا. وفي ((القاموس المحيط)) مادة (ت رج م): ((الترجمان: المفسِّر للسان))، ومن هذا القبيل سمى الإمام ابن رُشيد كتابه الذي تكلم فيه على أبواب البخاري وتراجمه: ((ترجمان التراجم))، وقال عنه ابن حجر في ((المقدمة)) ص١٤ : ((وقفت على مجلد منه، ولو تمَّ لكان في غاية الإفادة، وإنه لكثير الفائدة مع نقصه)). وهذه المزية - التبويب، والتفقُّه في الحديث، والغوص والإمعان في معانيه - لا تعدلها مزية من مزايا ((صحيح)) مسلم، وقد صنَّف الحافظ في ((المقدمة)) ص١٣ تراجم البخاري أصنافًا وعدَّدها، ثم ذكر مَن أفرد هذا الجانب لخدمة ((صحيح)) = ٣١٦ الأول : الصحيح [ش] جَمْرة (١) عن بعض السادة قال: ما قُرِى ((صحيح)) البخاري في شدَّة إلا فُرِجت، ولا رُکِب به في مركب فغرِق (٢). فوائد : الأولى: قال ابن الملقُّن: رأيت بعض المتأخرين قال: إن الكتابين سواء. فهذا قول ثالث، وحكاه الطُّوفي في ((شرح الأربعين))، ومال إليه القرطبي(٣). (ت) البخاري من العلماء، هذا إلى جانب من اهتم به ضمن شرحه له ولم يفرده بكتاب، - ويزاد عليهم من ألَّف في هذا الغرض ممن جاء بعد ابن حجر -. ومع ذلك فقد بقيت مشكلات على الحافظ لم يَتَسَنَّ له حلَّها، ودقائق لم يتمكن من كشفها، لكنها نادرة العدد. (١) في مقدمة ((مختصره)) لصحيح البخاري ١: ٦ من شرحه ((بهجة النفوس وتحلِّيها))، وكانت وفاته سنة ٦٩٩ رحمه الله تعالى. ومن أشهر تلامذته: ابن الحاج صاحب ((المدخل)). والحافظُ ابن حجر كبير الاعتقاد بابن أبي جمرة، يصفه كثيراً في (الفتح)) كثيرًا بـ((الإمام))، و((العارف القدوة))، ويدعو له بقوله: ((نفع الله به))، ولم أقف على موضع له في ((الفتح)) - مثلاً - جرحه بكلمة، مع أنه جرح الكرماني وابن بطال حديثيًّا، ورحم الله الجميع. ويريد بقوله ((بعض السادة)): بعض السادة الصوفية. (٢) على حاشية ك: بلغ. (٣) ابن الملقن: في ((المقنع)) ١: ٦٠، والطوفي: في ((شرح الأربعين)) ص ٢٧، وانظر ما يأتي عن رأي القرطبي. وهذه الفائدة من الحافظ ابن حجر، نقلها عنه تلميذه البقاعي في ((النكت الوفية» = ٣١٧ الأول : الصحيح (ت) ١: ١٢١. ثم رأيتها في ((النكت)) للزركشي ١٧٢:٢ (٣٩)، وكتب السخاوي بقلمه حاشية بجانب قوله ((حكاه بعض المتأخرين)): ((وذكر هذا القول ابن ناصر الدين عن بعض شيوخه، ولعله أراد ابن الملقن، لأنه ذَكَر ذلك في شرحه على البخاري)». ولم ينقل محقق كتاب الزركشي هذه الفائدة، ونقلُها متعين، ولا يصح إغفال هذه الفوائد التي على حواشي المخطوطات، فتموت مع ضياع الكتاب، ويتعيَّن نقلها أكثر وأكثر حين نلاحظ أن السخاوي نفسه لم يذكرها في كتابه ((فتح المغيث)). وما عزاه السخاوي إلى ابن ناصر الدين: لم أره في الشرح الصغير على منظومته ((عقود الدرر))، فلعله في الكبير غير المطبوع، كما أني لم أره في جزئه ((افتتاح القاري لصحيح البخاري)). والله أعلم. والطوفيّ: قال فيه الذهبي في ((ذيل العبر)) ص٤٤ في حوادث سنة ٧١٦: ((ومات العلامة النجم سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي الشيعي الشاعر، صاحب ((شرح الروضة))، وكان على بدعته كثير العلم عاقلاً متديّنًا، مات ببلد الخليل كهلاً)). وانظر ((الشذرات)) لابن العماد الحنبلي ٦: ٣٩، و((مقالات الكوثري)) ص٢٦٣، المقالة ٣٥. أما القرطبي: فهو الإمام أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي المالكي الفقيه المحدث، المدرس بالإسكندرية، ولد سنة ٥٧٨ بقرطبة، وتوفي سنة ٦٥٦ بمصر، اختصر كلاً من ((صحيح)) البخاري، و((صحيح)) مسلم، وشرحَ مختصره الثاني وسماه ((المفهم شرح تلخيص صحيح مسلم))، ويسمى أحيانا تجوّزًا: المفهم شرح صحيح مسلم، وهو شيخ القرطبي المفسِّر صاحب ((الجامع لأحكام القرآن)) الشهير. وعبارة ((النكت الوفية)) من كلام الحافظ ١: ١٢١: (( .. ومال إليه القرطبي في مختصره للبخاري)). أي: مال إلى التوقف عن التفضيل بين الكتابين، وتتمة الكلام في ((النكت)) تؤيد أن القرطبي مال إلى ذلك في مقدمة كتابه ((المفهم)) أيضًا. في حين أن الحافظ قال في ((مقدمة الفتح)) ص١١ بعد ما حكى عن الدار قطني ترجيح البخاري وكتابِهِ، على مسلم وكتابه: ((وهذا الذي حكيناه عن الدارقطني جزم = ٣١٨ الأول : الصحيح [ش] الثانية : قدَّم المصنفُ هذه المسألة وأخَّر مسألةَ إمكانِ التصحيح في هذه الأعصار، عكسَ ما صنع ابن الصلاح، لمناسبة حسنة، وذلك أنه لما كان الكلام في الصحيح ناسَبَ أن يُذْكَر الأصح، فبدأ بأصحِّ الأسانيد، ثم انتقل إلى أخصَّ منه، وهو أصحُّ الكتب. الثالثة : ذَكر مسلم في مقدمةِ ((صحيحه)) أنه يقسم الأحاديث ثلاثة أقسام، الأول: ما رواه الحفاظ المتْقِنون. والثاني: ما رواه المستورون والمتوسِّطون في الحفظ والإتقان. والثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون. وأنه إذا فَرَغ من القسم الأول (ت) به أبو العباس القرطبي في أول كتابه: المفهم في شرح صحيح مسلم)). أما لفظ القرطبي في مقدمة مختصره للبخاري: فهو كما نقله الزركشي ٢: ١٧٢ (٣٩): ((والأَوْلى: أن لا يقال في أحد أَوْلى، بل هما فرسا رِهانٍ، وليس لأحد بمسابقتهما يدان))، وقريب منه في مقدمة ((المفهم)) ١: ٩٧، فَفَهم منه مَن فهم أن القرطبي يقول بالتسوية بينهما. وعلَّق بجانب هذا الكلام الحافظ السخاوي بقلمه على حاشية ((النكت)) للزركشي: ((وكأنه رابع أيضًا، وهو الوقف)). أي: فهِم السخاويُّ من هذا الكلام توقف القرطبي عن الترجيح بينهما، لا أنهما سواء، لكنه لم يجزم، كما ترى، بل قال: كأنه رابع؟. ولم ينقل محقق كتاب الزركشي هذه الفائدة أيضًا، وأشار السخاوي رحمه الله في ((فتح المغيث)) ١: ٥٠ إشارة إلى هذين القولين: ((التساوي، قولاً ثالثًا، بل فيها رابع، وهو الوقف)). ٣١٩ الأول : الصحيح [ش] أَتْبعه الثاني، وأما الثالث: فلا يُعرِّج عليه(١). [ب] - (١) ((صحيح)) مسلم ١: ٤ - ٥، واللفظ الذي جاء به الشارح هنا هو لفظ النووي في ((مقدمة شرح مسلم)) ١ : ٢٣. وأنّبِّه إلى بعض ألفاظ الإمام مسلم المهمة حول هذه الأقسام الثلاثة، وما حصل من مفارقة مهمة بين عبارته وعبارة النووي، عن رجال القسم الثاني. فالأول: قال: ((أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا، لم یوجد في روایتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش)). الثاني: حديثُ ((مَنْ ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان .. لكن اسم السَّر والصدق وتعاطي العلم یشملهم)). الثالث: ((قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم». وأَلْحَقَ بالقسم الثالث: ((مَن الغالب على حديثه المنكرُ أو الغلطُ أمسكنا أيضًا عن حدیثهم)). فهم ثلاثة أقسام جملة، وأربعة تفصيلاً، وصريح كلامه أنه يروي أحاديث القسم الأول، ويعرِّج على أحاديث القسم الثاني، أما الثالث والرابع: فلا أبدًا. ومثَّل لرجال القسم الثاني بعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث ابن أبي سُليم. ولا يلزم أن يكون قد روى لهم في ((صحيحه))، إنما هو تمثيل، والواقع أنه لم يرو لعطاء بن السائب، كما بيَّنته في التعليق على ترجمته من ((الكاشف)) للذهبي (٣٧٩٨)، أما يزيد فروى له متابعة لابن أبي نجيح ٣: ١٦٣٧ (بعد ٤)، وأما ليث: فروی له مقرونًا بأبي إسحاق الشيباني ٣: ١٦٣٦ (دون رقم). = ٣٢٠ الأول : الصحيح [ش] فاختلف العلماء في مراده بذلك، فقال الحاكم والبيهقي(١): إن المنيَّة اخْتَرَمَتْ مسلمًا قبل إخراج القسم الثاني، وأنه إنما ذكر القسم الأول. قال القاضي عياض(٢): وهذا مما قَبِلَه الشيوخ والناس من الحاكم، وتابعوه علیه. قال: وليس الأمرُ كذلك، بل ذكر حديثَ الطبقة الأولىُ، وأَتى بأسانيد الثانية، على طريق المتابعة والاستشهاد، أو حيثُ لم يجد في الباب مِن حدیثِ الأُولى شيئًا، وأَتى بأحاديث طبقةٍ ثالثة(٣)، وهم أقوامٌ تَكَلَّم فيهم قومٌ وزكَّاهم (ت) ولا بدَّ من التنبيه إلى الفرق الحاصل في تلخيص النووي لعبارة مسلم عن رواة القسم الثاني. فالنووي وصفهم بأنهم مستورون، ويتبادر إلى الذهن أنهم مَن يقال في الواحد منهم: عدل الظاهر، خفيّ الباطن، في حين أن لفظ مسلم: اسم السَّتر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، فالسَّر كلمة ثناء على الرجل، أضاف إليها ثناء آخر: الصدق، وثناء ثالثًا: تعاطي العلم، فالستر المراد هنا: الفضل والُّبل والشرف، وهو المعنى الذي بيّنتُه بشواهده التي زادت على العشرة في ((دراسات الكاشف)) ص ٧٦ فما بعدها. (١) كلام الحاكم في ((المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل)) ص٧٨، وأما كلام البيهقي ففي كتابه ((المدخل إلى علم السنن)) (٧٩٣). (٢) في ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ١: ٨٦ - ٨٧، والشارح ينقل عنه بواسطة النووي في ((مقدمة شرح مسلم)) ١: ٢٣ باختصار، وينتهي بانتهاء الفائدة الثالثة. (٣) بل نصّ على طرحه أحاديث أهل الطبقة الثالثة والرابعة، وفي نَقْل كلام =