Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ الأول : الصحيح [ش] وقد قال باشتراط رجلين عن رجلين في شرط القبول: إبراهيم بنُ إسماعيلَ ابنِ عُلَيَّة(١)، وهو من الفقهاء المحدِّثين، إلا أنه مهجورُ القولِ عند الأئمة، [ت) (١) إبراهيم هذا: ترجمه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٥١٢:٦، وأرخ وفاته سنة ٢١٨، وصدّر الترجمة بقوله: ((كان أحد المتكلِّمين وممن يقول بخلق القرآن))، ونقل فيها عن الإمام أحمد قوله فيه: ((ضالَّ مضلّ))، وعن الإمام الشافعي: ((إن ابن علية ضالٌّ قد جلس عند باب الضَّوَالّ يضلُّ الناس)). وترجمه الحافظ الذهبي في ((الميزان)) (٤١) ترجمة مختصرة، وزاد عليها ابن حجر في ((اللسان)) (٦٠)، وعرَّف بهذا الباب فقال: ((موضع كان بجامع مصر)). ولعل معناه: مكان خاص في الجامع يجلس عنده التائهون؟ على ما ضبطتُ به الكلمة: بفتح الضاد، وتخفيف الواو، وينظر ضبطها والتعليق عليها في ((اللسان)). وينبغي التنبُّه إلى الفرق بين ابن علية هذا (الابن) وبين أبيه: الحافظ الثَّبْت إسماعيل ابن عُلَيَّة الذي كان يلقبه شعبة بن الحجاج: سيد المحدثين! وقد وقع فعلاً هذا الاشتباه، فتُرجِم للوالد هنا عند ذكر ولده، في الطبعة المصرية السابقة لهذا الشرح ص٢٨ من الطبعة الأولى، ثم ١: ٧٢ من الطبعة الثانية، وما صوِّر عنها !! ، مع أن المذكور المقصود هو الولد، والله المستعان. وقول الشارح عنه ((هو من الفقهاء المحدثين)): يُنظر فيه! نعم، نقل الخطيب آخر الترجمة عن ابن يونس قوله فيه في كتابه ((تاريخ مصر - قسم الغرباء)) - ٢: ٧ (٦) من المطبوع -: ((له مصنفات في الفقه تشبه الجدل)). وقول الشارح أيضًا فيه ((لميله إلى الاعتزال)): فيه تلطف شديد في بيان أمره، فإبراهيم من مقدَّمي المعتزلة ورؤوسهم! قال الذهبي في ((الميزان)): ((جَهْميٌّ هالك، كان يناظر ويقول بخلق القرآن))، وقال في ((السير)) ٩: ١١٣: ((جهمي شيطان)). = ١٨٢ الأول : الصحيح [ش] لمَيْله إلى الاعتزال، وقد كان الشافعيُّ یردُّ علیه ويحذّر منه. وقال أبو علي الجُبَّائي(١) من المعتزلة: لا يُقبلُ الخبر إذا رواه العدل [ب] - - وفي ((اللسان)) (٦٠) عن العجلي: ((جهميّ خبيث ملعون)). وعن الشافعي أنه قال: ((أنا أخالف ابن علية في كل شيء، حتى في قول لا إله إلا الله، فإني أقول: لا إله إلا الله الذي كلَّم موسى، وهو يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلامًا سمعه موسى .. ، وأن إبراهيم هذا سأل أباه فقال: يا أبتِ أليس كلَّ شيء سوى الله مخلوقًا؟ قال: بلى. قال: فَأَخْبَرَ الناسَ أن أباه يقول: القرآن مخلوق، فبلغ ذلك الشيخَ فأنكر علیه)). فمثل هذا لا يقال عنه: فیه میل إلى الاعتزال. (١) [الجُبَّائي: بالضم، والتشديد، والمدّ. ((لبّ)) . - (٨٨٨) -]. لكن في النقل عنه وهم، فإن الشارح قال هناك: ((وهو - أي أبو علي الجبائي، منسوب - إلى جُبًّا، بالقصر، قرية بالبصرة)). وهذه زيادة منه على ما في ((اللباب)) و((الأنساب)). لكن صرَّح بالقصر آخرون: ياقوت في ((معجمه)) ٢: ٩٧، و((المشترك وضعًا)) له ص٩٢، وابن عبد الحق في ((مراصد الاطلاع)) ١ : ٣٠٨. ومن كلام ياقوت في ((المعجم)): ((وجُبَّى في الأصل أعجمي، وكان القياس أن ينسب إليها: جُبَّوِيٌّ، فنسبوا إليها: جبائي، على غير قياس، مثل نسبتهم إلى الممدود، وليس في كلام العجم ممدود)». لكن المدَّ صحيح مستفادٌ من كلام الذهبي في ((المشتبِه))، وابن حجر في ((تبصير المنتبه)) ١: ٢٨٧، ٢٨٨، ففيه: ((الجبائي: بالضم وتثقيل الموحدة، أبو علي وابنه أبو هاشم .. ، وبالفتح والتخفيف والقصر: شعيب الجبائي))، فأفادا أن من قبله بالمدِّ، وهو أبو علي وذووه. وقد صرَّح به صاحب ((القاموس))، فإنه أورد هذه النسبة تحت مادة = ١٨٣ الأول : الصحيح [ش] الواحد، إلا إذا انضمَّ إليه خبرُ عدلٍ آخَرَ، أو عضده موافقةُ ظاهرِ الكتاب، أو ظاهرُ خبرٍ آخَرَ، أو يكونُ منتشِرًا بين الصحابة، أو عَمِل به بعضهم، حكاه أبو الحسين البصري في ((المعتمد))(١). [ب] - (ج ب أ) - ولم يوردها في مادة: (ج ب ی) - وقال: ((وبالمدِّ - أي: جُبَّاء - المرأة التي لا يروعك منظرها، كالجبَّاءة، وكورة بخوزِستان .. ))، فأفاد أنها بالمدِّ: جُبَّاء، وبه صرَّح شارحه ١: ١٦٢، فضبطها كـ: رُمَّان. وقول الشارح عن جُبَّا ((قرية بالبصرة)): يُتُعقَّب بقول ياقوت - إمام هذا الفن -: («هي في طرفٍ من البصرة والأهواز، حتى جعل من لا خبرة له جُبَّى من أعمال البصرة، وليس الأمر كذلك). ثم إن أبا علي هذا: هو شيخ المعتزلة وإمامهم في عصره محمد بن عبد الوهاب البصري المتوفّى بها سنة ٣٠٣ عن ٦٨ سنة. انظر ترجمته التاريخية عند الذهبي في ((السير)) ١٤: ١٨٣، وابن كثير في ((البداية)) ١١: ١٣٤، وابن حجر في ((اللسان)) ٥: ٢٧١. وانظر ترجمته الفكرية العَقَدية في ((الملل والنحل)) للشَّهْرَستاني ١: ٧٨. وملأ الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله كتابه ((مقالات الإسلاميين)) من آراء أبي علي ومناقشتها، ولا سیما في ٢٠٨:٢ - ٢١٧. (١) ((المعتمد)) ٢: ٦٢٢. ومؤلّفه هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي، المتوفّى سنة ٤٣٦، له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) ١٦٨:٤، و((سير أعلام النبلاء)) ١٧ : ٥٨٧، و((الميزان)) (٧٥١٤)، و((اللسان)) ٥: ٢٩٨. وليس فيه جرح إلا بدعتُه الاعتزالية. وأبو الحسين نقل عن أبي علي قوله هذا وردًّ، ومال إلى القول بجواز رواية الواحد دون أي عاضد ما دام ثقة، وعَنْوَن: «فصل في أن الخبر لا يردّ إذا كان راويه = ١٨٤ الأول : الصحيح [ش] وأطلق الأستاذُ أبو منصورِ التميميُّ(١) عن أبي علي: أنه لا يُقْبَل إلا إذا رواه أربعة(٢). وللمعتزلة في ردِّ خبرِ الواحدِ حُجَج(٣)، منها: (ت) واحدً». ثم حكى الحججَ المذكورة هنا وردّها بما تُسعفه بضاعته الحديثية الضَّحْلة. وما أورده الشارح هنا - مستفيدًا له من ((النكت)) لابن حجر ١: ٢٤٣ - أقوى في إبطال أدلتهم من حيث الرواية. وانظر ردًّا على حججهم أيضًا من حيث النظر والأدلة في «المحصول)» للإمام الفخر الرازي: ٢: ٥٢٨ فما بعدها کثیر. وزاد أبو الحسين في حكاية العواضد التي اشترطها أبو علي: أن يعضدَ خبرَ الواحد ليُقبلَ: الاجتهادُ، وكأنه يريد القياس والنظر. والله أعلم. (١) أبو منصور التميمي: من ب، و - وفوقها إشارة نسخة -، وكذلك في كتب التراجم، وفي غيرهما: أبو نصر، وهو عبد القاهر بن طاهر البغدادي، إمام من أئمة الفقه والأصول والكلام، له تراجم كثيرة في طبقات الشافعية وغيرها، طُبع له من كتبه ((الفَرْق بين الفِرَق))، وكانت وفاته سنة ٤٢٩، رحمه الله. (٢) على حاشية ك: ((الحمد لله. ثم بلغ قراءة عليّ. كتبه مؤلفه لطف الله به. آمين). (٣) سماها (حُججًا) لأنها في نظر أصحابها كذلك، وإلا فهي شُّبَه لا تثبت أمام النقد. وقد اعتنى علماء السنة بهذه المسألة (حجية خبر الواحد) كثيرًا، فأفرد الإمام البخاري رحمه الله لذلك كتابًا من كتب ((صحيحه)) سماه: كتاب أخبار الآحاد، أو: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد - على اختلاف النسخ - وأورد تحته ٢٢ حديثًا. وللإمام الشافعي رضي الله عنه فصل مهم واسع من فصول ((الرسالة)) أجهز فيه على شُبه المخالفين، من فِقْرة (٩٩٨ - ١٢٦١)، وكأن هذه الشُّبَه التي ذكرها الشارح هي = ١٨٥ الأول : الصحيح [ش] قصةُ ذي الیدین، وکونُ النبي صلى الله عليه وسلم توقّف في خبره حتى تابعه علیه غيره(١). [ب] قديمة مذكورة في كتب المعتزلة، لأن الشافعي ذكرها أواخر هذه الفقرات المشار إليها. وللخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص٢٦ - ٣١، و((آداب الفقيه والمتفقه)) (٢٧٧) كلام في المسألة، وللبيهقي كلام أطول وأَرْوَى في كتابه ((المدخل))، في أربعة أبواب، من (١٨٧ - ٤٠٣) أولها: باب تثبيت خبر الواحد، وقد أفرد بالتأليف هذا الموضوع المهم ثلاثة من الأئمة: الخطيب، ذكره أول كلامه في ((الكفاية))، وابن عبد البر، سماه ((الشواهد في إثبات خبر الواحد))، وابن العربي، رحمهم الله. وأطال العلامة أبو الخطاب الكَلْوَذاني رحمه الله تعالى، في كتابه ((التمهيد في أصول الفقه)) ٣: ٣٥ - ٧٤ في الاحتجاج بخبر الواحد ومناقشة الخصوم. ويلاحظ على شُبَه المعتزلة هذه أن الحديث الأول كان فيه توقُّف النبي صلى الله عليه وسلم من خبر الواحد، وأن الثاني فيه توقُّف أبي بكر، والثالث فيه توقُّف عمر رضي الله عنهما. كما يلاحظ أن الشارح سلك في نقضها: بيان وجهة نظر كل واحد من هؤلاء الثلاثة، ثم الاستدلال بموقفٍ واحدٍ أو أكثر منه، فيه قبوله لخبر الواحد. ومصدره في الشبه وردِّها ((النكت على ابن الصلاح)) للحافظ رحمه الله ٢٤٣:١ فما بعدها، وکأن مصدره کلام البيهقي مع تنسیق وترتیب، ولا بد من حصول تكرار فیما يستدلون به. (١) حديث ذي اليدين: رواه البخاري في مواطن من ((صحيحه))، أولها (٤٨٢)، وانظر أطرافه عنده، وانظر الكلام عليه في ((الفتح)) عند آخر موضع ذكره فيه البخاري (٧٢٥٠). ١٨٦ الأول : الصحيح [ش] وقصةُ أبي بكرٍ حين توقّف في خبر المغيرة في ميراث الجدَّة حتى تابعه محمد بن مَسْلَمة(١). وقصةُ عمر حين توقَّف في خبر أبي موسى في الاستئذان حتى تابعه أبو سعید(٢). وأُجيبَ عن ذلك كلِّه. فأما قصةُ ذي اليدين: فإنما حَصَل التوقّف في خبره، لأنه أخبره عن فعله [ب] - (١) رواها أبو داود (٢٨٨٦)، والترمذي (٢١٠٠، ٢١٠١)، والنسائي (٦٣٤٦)، وابن ماجه (٢٧٢٤)، وغيرهم. ونقل المنذري رحمه الله في ((تهذيب سنن أبي داود)) (٢٧٧٤) عن الترمذي أنه قال: ((حسن صحيح))، ومثله عند المزي في (تحفة الأشراف)) (١١٢٣٢)، والطبعة الهندية ٢: ٣٤ المطبوعة سنة ١٣٠٢، وغيرها، وسقطت من مطبوعات الترمذي في البلاد العربية، ومَن أثبتها فمن الطبعات الهندية لا من أصل خطِّي يدعيه. وراوي القصة هو قَبيصة بن ذؤيب، صحابيّ له شرف الرؤية، يقصُر سنّه عن إدراك الواقعة، لکن قبول مرسل أمثاله یکاد یکون محل اتفاق. (٢) وذلك حين استأذن أبو موسى على عمر رضي الله عنهما ثلاثًا فلم يُجَبْ أبو موسی فرجع، فلحق به عمر، وسأله عن عدم انتظاره أكثر من ذلك، فروی له عن النبي صلی الله عليه وسلم أنه قال: [((إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يُؤْذَن له فليرجع)) الحديث، رواه الشيخان. - البخاري (٦٢٤٥)، ومسلم ٣: ١٦٩٤ (٣٣) -. ]. ١٨٧ الأول : الصحيح [ش] صلى الله عليه وسلم(١)، وأمرُ الصلاةِ لا يَرجع المصلِّي فيه إلى خبر غيره، بل ولو بَلَغوا حدَّ التواتر(٢)، فلعله إنما تذكَّر عند إخبارِ غيرِهِ. وقد بعث صلى الله عليه وسلم رُسله واحدًا واحدًا إلى الملوك(٣)، ووفد عليه الآحادُ من القبائل فأرسله إلى قبائلهم (٤)، وكانت الحجةُ قائمةً بإخبارهم [ب] (١) عبارة الحافظ في ((الفتح)) ١٣: ٢٣٥ أقوى، وهي: ((لأنه عارض علمه، وكلّ خبرٍ واحدٍ إذا عارض العلم لم يُقبل))، أي: لأن إخبار ذي اليدين عارض علم النبي صلى الله عليه وسلم بصواب فعله، و(العلم) بمعنى الجزم والقطع، فهو صلى الله عليه وسلم جازم بنفي ما يدَّعيه ذو اليدين، ودعوى ذي اليدين تفيد الظن، فإنها خبر آحاد، وما في نفسه صلى الله عليه وسلم يقين، فتقديمه أمر بَدَهي. وتمام كلام الشارح ليس في مقام الصلاحية هنا. والله أعلم. (٢) الصواب عربيةً حذف حرف العطف (بل)، لئلا يدخل حرف عطف على مثله هو (الواو)، وهو خطأ شائع على أقلام السابقين واللاحقين، وسيتكرر في عبارة الشارح رحمه الله، وقد أکرر التنبيه. (٣) تخريج الأخبار الواردة بهذا المعنى متعذّر، لكثرتها. وانظر ((المصباح المضيّ) لابن حُدَيدة ٢: ١٩٣ - ٢٦٥، و((صحيح)) البخاري ١٣ : ٢٤١: ((باب ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد .. )). وقال ابن حجر تعليقًا عليه: ((أخرج مسلم - ١٣٧٩:٣ (٧٥) - أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رسله إلى الملوك، وقد استوعبهم محمد بن سعد، وأفردهم بعض المتأخرين في جزء تتبَّعهم من ((أسد الغابة)) لابن الأثير)). ولعله عَنَى ابن حُديدة المتوفّى سنة ٧٨٣؟ لكنْ يُبْعده أن غالب نقوله عن ابن سعد، وابن عبد البر. (٤) وهذا كثير أيضًا. ويُنظر - على سبيل التقريب - حوادث العام التاسع = ١٨٨ الأول : الصحيح [ش] عنه مع عدم اشتراط التعدد(١). وأما قصةُ أبي بكر: فإنما توقَّف إرادةَ الزيادةِ في التوثُّقُ(٢)، وقد قَبِل خبرَ عائشةَ وحدَها في قَدْرِ كفنِ النبي صلى الله عليه وسلم(٣). وأما قصةُ عمر: فإن أبا موسى أخبره بذلك الحديثِ عقبَ إنكاره عليه رجوعَه، فأراد التثبُّتَ في ذلك(٤)، وقد قَبِل خبرَ ابنِ عوفٍ وحدَه في أخذ الجِزية من المجوس(٥)، وفي الرجوع عن البلد الذي فيه (س) للهجرة، من كتب السيرة النبوية، فإنه عام الوفود، وبوَّب البخاري ١٣: ٢٤٢: ((باب وُصاة النبي صلى الله عليه وسلم وفودَ العرب أن يبلُّغوا من وراءهم)). (١) هكذا في أ، ب، ز، وحاشية ج، أما في ج، د، هـ، و، ح، ط، ي، ك: فـ: اشتراط عدم التعدد. (٢) وعبارة الحافظ في ((النكت)) ١: ٢٤٥: ((إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه إنما توقف فيه لأنه أمر مشهور، فأراد أن يتثبت فيه))، فأفاد سبب توقُّقه. (٣) وبهذا استدل الحافظ في (النكت))، وعبارته في ((الفتح)) ١٣: ٢٣٥: ((قَبِل أبو بكر خبر عائشة في أن النبي صلى الله عليه وسلم مات يوم الاثنين))، وكلاهما في حديث واحد، رواه البخاري (١٣٨٧) عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلتُ على أبي بكر رضي الله عنه فقال: في كم كفَّنتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالَتْ: في ثلاثة أثواب بيض سَحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله صلی الله عليه وسلم؟ قالت: یوم الاثنین .. )). (٤) [وقد قال عمر في خبر الاستئذان: إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثَّت. رواه مسلم . - ١٦٩٧:٣ (٣٧) -. ]. وينظر لزاماً ((شرف أصحاب الحديث)) ص٩٢. (٥) [أخرجه البخاري . - (٣١٥٧) -]. ١٨٩ الأول : الصحيح [ش] الطاعون(١)، وخبرَ الضحاك بن سفيان في توريثِ امرأةٍ أَشْيَم(٢). قلت: وقد استدلَّ البيهقي في ((المدخَل)) (٣) على ثبوتِ الخبرِ بالواحدِ [ب] - - (١) [أخرجه الشيخان - البخاري (٥٧٢٩، ٥٧٣٠، ٦٩٧٣)، ومسلم ٤: ١٧٤٢ (٩٨، ١٠٠) -. ]. (٢) [من دية زوجها. أخرجه أبو داود . - (٢٩١٩) -]، والترمذي (٢١١٠) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢٦٤٢). فهذه أمثلة ثلاثة لعمر رضي الله عنه، وذكر الحافظ في ((الفتح)) ١٣: ٢٣٥ أول كتاب: أخبار الآحاد مثالين آخرين، وأجاب عنها جميعًا. (٣) أول باب تثبيت خبر الواحد (١٨٧). [قال الشارح في ((شرح ألفيته)) - ١: ٣٧٢ -: ويستدلُّ له من القرآن بقوله تعالى : ﴿إِنْ جاءكم فاسقٌ بِنَبأ فتبيَّنوا﴾ - الحجرات: ٦ -، فَأَمَر بالتثُّت عند إخبار الفاسق، ومفهومه أنه لا يجب التثُّت عند إخبار العدل، وذلك صادق بالواحد، لأن سبب نزول الآية إخبارُ الوليد بن عقبة عن بني المُصْطَلِقِ أنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة، واعتمادُ النبي صلى الله عليه وسلم على خبره. انتهى.]. سيكرر الشيخ ابن العجمي الكلام على هذه الآية الكريمة في النوع ٣٩ - الفرع الثاني ٥: ١٧٨، وأُحيل القارئ الكريم إلى استكمال البحث هناك، إن شاء الله، وأقتصر هنا على مسألة التثُبُّت فقط. إن القراءة المتواترة المشهورة للآية الكريمة كما أثبتُّها: ﴿فتبيَّنوا﴾، وثمة قراءة متواترة أيضًا لحمزة والكسائي وخلف: ﴿فتثبتوا﴾، وكأن الشارح يريدها، بدليل تكراره كلمة ((التثبت)). والمفهوم الذي ذكره الشارح - وهو عدم وجوب التثبّتِ إذا كان المخبِر عدلاً -: = ١٩٠ الأول : الصحيح [ب] سبقه إليه القرطبي في ((تفسيره)) ١٦: ٣١٢، لكن قال الحافظ في ((الفتح)) ١٣: ٢٣٤: ((وهذا دليل يورَد للتقوِّي، لا للاستقلال، لأن المخالف قد لا يقول بالمفاهیم)) یرید: مفهوم الشرط والصفة: ((إن جاءكم فاسق)). ويُزاد في (مفهوم الصفة) من الآية: أنها أَمَرت بالتثبت عند إخبار الفاسق، ولا يوصف إنسان بأنه (فاسق) إلا إذا تحقَّق ذلك فيه، أما من لم يُتَحقَّق فسقه فغير داخل تحت مسمى الفاسقِ المأمورِ بالتثبت من خبره، وذلك کالمجهول حاله. قال ابن کثیر رحمه الله عند هذه الآية: ((امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال، لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقَبِلها آخرون، لأنا إنما أُمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقَّق الفسق، لأنه مجهول الحال))، ولهذا الكلام صلة بما سأبيّنه ٤: ٩١ في النوع الثالث والعشرين إن شاء الله تعالى: أن الجهالة ليست جرحًا محقَّقًا. وكون قصة الوليد بن عقبة سببًا في نزول الآية: رواه الإمام أحمد في ((المسند)) ٤: ٢٧٩، ورجاله ثقات، كما قال الهيثمي في ((المجمع)) ٧: ١٠٩، على مذهبه في اعتماده توثیق ابن حبان. وفي القصة: أن الحارث بن ضِرار الخزاعي رضي الله عنه خرج ومعه سَرَواتُ قومه وزكواتهم ليقدِّموها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت نفسه أرسل صلى الله عليه وسلم الوليدَ بن عقبة لَيَجبيَها منهم، فلما شارف الوليد منازلهم رأى خروجهم مجتمعين، وكان بينه وبين القوم إِحْنة وعداوة من قبلُ، فظن أنهم خرجوا لأخذ الثأر، ففرِق منهم ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما رأى وظنّ، فغضب عليه الصلاة والسلام، وبعث إلى الحارث بعثًا، فنزلت الآية. والوليد في ذلك معذور، للقرينة التي قامت في نفسه، وهو قد ظن فأخطأ، ولا يقال للمخطئء: فاسق، بالمعنى الاصطلاحي المخرج له عن العدالة. ١٩١ الأول : الصحيح [ش] بحديثٍ (١): ((نضَّر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها فأَدَّاها))، وفي لفظٍ: ((سمعَ منَّا حديثًا فبلَّغِه غيرَه)). وبحديث الصحيحين(٢): بينما الناسُ بقُبَاءَ في صلاةِ الصبحِ إذْ أتاهم آتٍ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزِل عليهِ الليلةَ قرآنٌ، وقد أُمِر أن تَستقبلوا الكعبةَ، فاستَقْبَلوها وكانت وجوهُهم إلى الشامِ، فاستداروا إلى الكعبة. قال الشافعيُ(٣): فقد تركوا قبلةً كانوا عليها بخبرٍ واحدٍ، ولم يُنكِرِ ذلك علیهم صلی الله عليه وسلم. وبحديث الصحيحين(٤) عن أنس: إني لَقَائم أَسقي أبا طلحةَ وفلانًا وفلانًا، إذْ دخل رجل فقال: هل بَلَغَكم الخبر؟ قلنا: وما ذاك؟ قال: حُرِّمت الخمر! (١) رواه أبو داود (٣٦٥٢)، والترمذي (٢٦٥٦) وقال: حسن، وابن ماجه (٢٣٠، ٣٥٠٦) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه. ورواه الترمذي (٢٦٥٧) وقال: حسن صحيح، (٢٦٥٨)، ورواه آخرون من الصحابة ((نحو ثلاثين)) كما سيأتي في كلام الشارح أواخر النوع الثلاثين ٥: ٤٨، فلذا عُدَّ من المتواتر، وأفرده بعض المتقدمين وبعض المعاصرين بالتأليف. (٢) رواه البخاري (٥٠٣) وانظر أطرافه عنده، ومسلم ١: ٣٧٥ (١٣)، كلاهما من حديث ابن عمر، وروياه قبل قليل من حديث البراء أيضًا، وفي رواية البخاري زيادة: أن ذلك كان في صلاة العصر، وانظر جَمْع الحافظ في ((الفتح)) بين الروايتين. (٣) ((الرسالة)) (١١١٤ - ١١١٩) باختصار شديد. (٤) رواه البخاري (٢٤٦٤)، ومسلم ٣: ١٥٧ (٣). ١٩٢ الأول : الصحيح [ش] قال: أَهرِقُ (١) هذه القِلالَ يا أنس! قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل. وبحديثٍ إرسالِه عليًّا إلى الموقف بأولِ سورةٍ براءة (٢). وبحديثٍ يزيدَ بنِ شيبانَ (٣): كنا بعرفةَ فأتانا ابن مِرَبَع الأنصاري فقال: إني رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إليكم، يأمركم أن تَقِفوا على مشاعركم هذه. [ب] (١) [أصل هَرَاقَه: أراقه، من باب: باع، فأُبدلت الهمزة هاء، والأصل هَريَقَه، وِزان دَخْرَجه، وأصل الأمر: هَرْبِقْ، وزان: دَحْرِج، وقد يُجمع بين الهاء والهمزة فيقال : أهْرَاقَه يُهْرِيقُه، تشبيهًا له بـ: أسْطاع يُسْطِيع، كأن الهاء زِيدتْ عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ومنهم من يجعل الهاء كأنها أصل ويقول: هَرَقْتُه هَرْقًا، من باب نَفَع، فمن جعلها بدلاً من الهمزة يفتح، كما يفتح الدال من يُدَخْرِج، وعلى قول من جمع بينهما يُسكِّن، كما يسكِّن: يَسْطاع. انتهى ملخصًا من ((المصباح) . - ري ق -. ]. (٢) [أخرجه الترمذي وحسَّنه . - (٣٠٩٠) عن أنس، (٣٠٩١) عن ابن عباس -. ]. وهذا إبعاد من الشيخ ابن العجمي في العزو، فالحديث في ((صحيح)) البخاري في مواضع، منها (٣٦٩)، وأول تفسير سورة براءة (٤٦٥٥، ٤٦٥٦) من رواية أبي هريرة، ولعله لاحظ أن الشاهد في رواية البخاري مرسل، كما قاله الحافظ ٨: ٣١٨. (٣) [أخرجه الأربعة.]. کلُّهم في المناسك: أبو داود (١٩١٤)، والترمذي (٨٨٣) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٣٠١٤)، وابن ماجه (٣٠١١). وابن مربع: هو الصواب، وتحرف في ح، ك إلی: بن موسى، وفي ب إلى: أبي موسى. ١٩٣ الأول : الصحيح وإذا قيل : صحيح: فهذا معناه، لا أنه مقطوعٌ به. [ش] وبحديث الصحيحين(١): عن سلمة بن الأكوع: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ عاشوراءَ رجلاً مِن أَسْلِمَ يُنادي في الناس: إن اليومَ يومُ عاشوراء، فمن كان أكلَ فلا يأكلْ شيئًا، الحدیثَ. وغير ذلك. وقد ادَّعى ابنُ حِبان نقيضَ هذه الدعوى فقال(٢): إن روايةَ اثنينٍ عن اثنينِ إلى أن ينتهيَ لا تُوجَد أصلاً. وسيأتي تقرير ذلك في الكلام على العزيز. ونَقل الأستاذ أبو منصور البغدادي(٣): أن بعضَهم اشترطَ في قبول الخبر: أن يرويَه ثلاثةٌ عن ثلاثة إلى منتهاه، واشترط بعضهم: أربعةً عن أربعة، وبعضُهم: خمسة عن خمسة، وبعضهم: سبعة عن سبعة. انتهى. (وإذا قيل): هذا حديث (صحيح: فهذا معناه) أي: ما اتَّصلَ سنده مع الأوصاف المذكورة(٤)، فقبِلْناه عملاً بظاهر الإسناد، (لا أنه مقطوعٌ به) في (ت) (١) البخاري (١٩٢٤)، ومسلم ٢: ٧٩٨ (١٣٥). (٢) في مقدمة ((الإحسان)) ١: ١٥٦، والنقل بالمعنى، وتقدم هذا قبل قليل صفحة ١٧٨ - ١٧٩، وانظر الكلام على الحديث العزيز ٥: ٥٣ في النوع الحادي والثلاثين. (٣) نقله عنه الشارح في ((البحر)) ١: ٣٧٥ بواسطة الحافظ ابن حجر. (٤) والأوصاف التي ذُكرت هي خمسة إجمالاً، لكنها سبعة تفصيلاً، وهي: الاتصال، والعدالة، والضبط، وعدم شذوذ السند، وعدم شذوذ المتن، وعدم العلة القادحة في السند، وعدم العلة القادحة في المتن. وعبارة الإمام ابن الصلاح والنووي والشارح - كما ترى في أولها - تشير إلى هذا المعنى، الذي هو: صحة المتن والسند بالشروط الثلاثة الأولى والأربعةِ التاليةِ لها، = ١٩٤ الأول : الصحيح [ش] نفس الأمر(١): (ت) وسلامةُ المتن من الشذوذ والعلة القادحة داخلة فيها. فقول الشارح بعد هذا: قَبلناه عملاً بظاهر الإسناد: فيه وقفة، بل ينبغي أن يقال: عملاً بظاهر الإسناد والمتن. ذلك أن ابن الصلاح قال بعد تعريف الصحيح وذِكْر محترزاته: ((فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة .. ))، ومعلوم أن كلمة (الحديث) تُصرف إلى: السند والمتن. وقد نبّه ابن الصلاح أيضًا أواخر الحديث الحسن ص٣٨، وتبعه النووي والشارح وغيرهما إلى أن قولهم: ((صحيح الإسناد)» دون قولهم ((حديث صحيح))، لأن تصحيح الحديث تصحيح لسنده ومتنه، أما ذاك فتصحيح للإسناد فقط. والأئمة المحدثون لم يَقصِروا جهودهم في التصحيح والتضعيف على خدمة ما يسمَّى بـ(النقد الخارجي)، أي: نقد الأسانيد، فإنْ سَلِمتْ صححوا المتون، وإلا فلا، وهذا ظاهر جدًّا لمن تأمل تقسيماتهم، فضلاً عمن غاص وأمعن في كلامهم. ونَقَل الشارح في جزئه ((بلوغ المأمول)) المطبوع ضمن ((الحاوي)) ٢: ١١٤، قول ابن الصلاح هذا وعلّق عليه بقوله: ((فأشار إلى أن هذا ضابطُ الصحيح المتفق عليه، وبقي من الصحيح نوع آخر لم يدخل في هذا الضابط، وهو الصحيح المختلَف فيه)). وأَزيدُ من وجه آخر: أن هذا التصحيح يفيد غلبة الظن، كما هو صريح كلامه هنا، فلا معارضة بينه وبين قولهم: أحاديث الصحيحين تفيد القطع. وانظر ما سيأتي صفحة ٤٨٧ مع التعليق عليه. (١) [قوله في ((نفس الأمر)): هو و(الواقع) عبارتان عن معنى واحد، وهو: علم الله تعالى، أو: اللوح المحفوظ، أو: المبادئ العالية، أو: ما يجده العقل لضرورةٍ أو دليلٍ، واقتصر السيد في ((حاشية شرح المطالع)) على الأخير فقال: ((أما نفس الأمر = ١٩٥ الأول : الصحيح [ش] لجوازِ الخطأ والنسيان على الثقة(١)، خلافًا لمن قال: إن خبرَ الواحدِ يُوجبُ [ب] فهو: نفس الشيء، و(الأمر) هو (الشيء). ومعنى كون الشيء موجودًا في نفس الأمر، أي: موجودًا في حد ذاته، أي : ليس وجوده وتحقُّقه وثبوته متعلِّقًا بفَرْض فارض، أو باعتبار معتبِرٍ، مثلاً: الملازمةُ بين طلوع الشمس ووجود النهار متحقِّقَةٌ في حد ذاتها، سواءٌ وُجد فارض أم لم يوجد أصلاً، وسواء فَرَضها أو لم يفرِضها قطعًا. و(نفس الشيء): أعمُّ من (الخارج) مطلقًا، وكلُّ موجود في الخارج موجود في نفس الأمر، بلا عكسٍ كليّ، ومن (الذهن) من وجه، لإمكان اعتقاد الكواذب، كزَوْجِيَّة الخَمْس، فتكون موجودة في الذهن، لا في نفس الأمر، ومثل ذلك يسمى: ذهنيًّا حقيقيًّا. انتهى))، وسكت عن مادة افتراق نفس الأمر، لظهورها وكثرتها. انتهى من ((شرح الورقات الكبير)) لابن قاسم.]. والسيد: هو الشريف الجرجاني، وحاشيته هي على شرح القطب الرازي التحتاني، المتوفى سنة ٧٦٦، على ((مطالع الأنوار)) للأَرْموي المتوفى سنة ٧٢٣. (١) هذا احتمال له شيء من الوجود والواقع، لكنه مبالَغ في اعتماده واعتباره، حتى كأنه احتمال عقلي لا اعتبار له، وقد قال الحافظ - فيما نقله البقاعي عنه في (النكت الوفية)) ١: ١٢٩ - ((لا يُوقِف الدليلَ إلا الاحتمالُ الأرجح أو المساوي))، وهذا القول منه رحمه الله فيه بيان للمراد من قول العلماء حين تقريرهم المسائل: إذا طرأ الاحتمال بطل الاستدلال، فما كلَّ احتمال يُبطل الاستدلال، بل يُبطله الاحتمال الأرجح أو المساوي، أما الاحتمال الضعيف أو الواهي كهذه الاحتمالات الواهية فلا تُبطل الدليل أبدًا. وينظر لبيان قيمة هذا الاحتمال والتجويز تعليق شيخنا على ((الرفع والتكميل)) ص١٨٩. ١٩٦ الأول : الصحيح [ش] القطع، حكاه ابن الصبَّاغُ(١) عن قومٍ من أهل الحديث، وعزاه الباجيُّ لأحمد (٢)، [ب] - (١) هو الإمام الفقيه الأصولي الشافعي أبو نصر عبد السيِّد بن محمد ابن الصباغ (٤٠٠ - ٤٧٧)، أحد مدرسي المدرسة النِّظامية ببغداد، رحمه الله تعالى، له (الشامل)) في الفقه، و((العُدَّة)) في أصول الفقه، وتمام اسمه: ((عُدَّة العالِم والطريق السالم)). وانظر ترجمته عند التاج السبكي ٥: ١٢٢. والقول المذكور هنا: نسبه الحافظ العراقي في ((شرح الألفية)) ص٩ إلى ((العدَّة)). ونسبةُ هذا القول إلى طائفة من أهل الحدیث ثابتةٌ في مصادر أخرى. (٢) الباجي: هو أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي المالكي، الإمام في الحديث والفقه والكلام وفنون كثيرة، (٤٠٣ - ٤٧٤) رحمه الله تعالى، كما ذكره وقدَّره الذهبي في ((السِّير)) ١٨ : ٥٤٤، وقد تولى هذا الإمام الأندلسي القضاء ببغداد، وهذا مشهور في كتب ترجمته، وتولى القضاء بحلب، كما ذكره ابن العديم في ((بغية الطلب)) ١٠ : ٤٦٤٨، وهذا غير مشهور ولا معروف !. وهذا النقل عن الإمام أحمد رحمه الله جاء في ((إحكام الفصول)) للباجي ص٣٢٣، وهو مذكور في كتب أصول المذهب الحنبلي، فلا حاجة إلى نقله عن الباجيّ المالكيّ، لكن هكذا جاء النص والنقل في ((النكت الوفية)) للبقاعي ١: ٩٠، فاقتبسه منه الشارح. وهو رواية عن الإمام أحمد، وليست بالمعتمدة الراجحة عند علماء المذهب الحنبلي، بل رجَّحوا الرواية الثانية التي تتفق مع جمهور العلماء الآخرين، وهي: أن خبر الواحد لا يقتضي العلم اليقيني، بل الظني. انظر ((التمهيد)) لأبي الخطاب الكَلْوذاني من متقدمي الحنابلة (٤٣٢ - ٥١٠ هـ) رحمه الله ٣: ٧٨، ٨٣، و((شرح الكوكب المنير)» لابن النجار الفُتوحي من متأخريهم (٩٧٢ هـ) رحمه الله ٢: ٣٤٨. = ١٩٧ الأول : الصحيح [ش] وابنُ خُوَيْزِ مَنْداد(١) لمالك، وإنْ نازعه فيه المازَري(٢) بعدمِ وجودِ نصٌّ له فيه، [ب] - وفي ((إحكام الفصول)) مناقشة جيدة لهذه الرواية غير الراجحة. (١) ابن خُوَيْزِ مِنْداد: هكذا ضُبط في ((القاموس المحيط))، موضع مادة: (خ زم د)، وصرَّح فيه بكسر الزاي وفتح الميم، وكذلك ضُبط بالقلم في ((النكت الوفية)) للبقاعي ١٤ /ب = ١: ٩٠، وهي نسخة نفيسة مقروءة على مؤلفها، لكنْ وضع على الدال الأخيرة نقطة في موضعين، فصارت ذالاً معجمة، وفي الموضع الثاني وضع تحت الميم كسرة، وهما قِيلٌ حكاه الزَّبيدي في ((التاج)) ٨: ٥٧، وانظره لزامًا. وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله، أرَّخ الصفدي وفاته في ((الوافي)) ٢: ٥٢: ((٣٩٠ تقريبًا)) رحمه الله، ولم يذكر عياض في ((ترتيب المدارك)) ٣: ٣٨٠ ولا ابن فرحون في ((الديباج المُذْهَب)) ٢: ١٨٠ تاريخ ولادته ولا وفاته. وحكايته هذا القول عن الإمام مالك: يخدِشها منازعة المازِري لها، ويؤيِّد المازريَّ قولُ عياض، وابن فَرْحون والصفدي في المترجَم: ((عنده شواذٌّ عن مالك)). ثم ذكروا أنه كان يختار ((أن خبر الواحد يوجب العلم))، وانظر تمام كلامهم فيه هناك. وعبارة ابن عبد البر في مقدمة ((التمهيد)) ١: ٨ = ٥١ من طبعة شيخنا، أدقُّ وأولى في حكاية نقل ابن خُوَيْزِمِّنداد عن مالك، ولفظه: ((وذكر ابن خوازبنداذ (وهو وجه في ضبط اسمه إلا الألف فلم أَرَ ذكرًا لها) أن هذا القول يخرَّج على مذهب مالك)). والفرق واضح بين الكلامين، ولعل أقدمَ من لم يدقُّق في حكاية نقله هو ابن حزم في ((الإحكام)) ١: ١١٥، وتُوبع من قِبَل أصحاب كتب الأصول وعلوم الحديث، فليتنبّه لهذا وأمثاله. وانظر لزامًا ولا بدَّ التعليقة الآتية بعد ضبط نسبة المازري. (٢) ((المازِري)): [بزاي مفتوحة، وقد تكسر. ابن خلِّكان . - ٤: ٢٨٥ -. ]. ونقله عنه الذهبي في ((السِّير)) ٢٠: ١٠٥، وضبطها ياقوت بالفتح في ((معجمه)) = ١٩٨ الأول : الصحيح [ش] وحكاه ابنُ عبد البر عن حُسين الكَرابيسي(١)، ٥: ٤٧، وفي كتابه الآخر («المشترِك وضعًا والمفترِق صُفْعًا)) ص٣٨١، ومثله الذهبي في ((المشتبه)) ص٥٦٥، وابن حجر في ((التبصير)) ٤: ١٣٣٦، وصاحب ((القاموس)) مادة (م زر)، في حين أن الشارح اقتصر في ((لب اللباب)) (٣٥٥٦) على ضبطها بالكسر! وهو منسوب إلى مازَر مدينةٍ بجزيرة صِقَلِيّة. وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن علي المازري المالكي (٤٥٣ - ٥٣٦) رحمه الله تعالى، صاحبَ ((المُعْلِم بفوائد مسلم)) وشارح ((البرهان)) لإمام الحرمين، المطبوع باسم ((إيضاح المحصول من برهان الأصول)). ومنازعته لابن خويز منداد فيه في ص٤٤٣ - ٤٤٤. (١) الكرابيسي: وصفه الذهبي في ((السير)) ٧٩:١٢ بـ: ((العلامة فقيه بغداد))، ثم أثنى على علمه وبيانه، وأرخ وفاته سنة ٢٤٨ رحمه الله. أما كلام ابن عبد البر: ففي ((التمهيد)) ٨:١ = ص ٥١ من طبعة شيخنا، ولفظه: ((قال قوم - كثير من أهل الأثر وبعض أهل النظر -: إنه يوجب العلم الظاهر والعمل جميعًا، منهم حسين الكرابيسي وغيره، وذكر ابن خوازبنداذ أن هذا القول يخرَّج على مذهب مالك». قلت: وهاهنا أمور، منها: أن (العلم الظاهر) فسَّروه بالظن القوي الغالب، ففي ((النكت الوفية)) ١: ٨٩ معلِّقًا على حكاية العراقي أن بعضهم خالف الجمهور فقال: إن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر: ((قال شيخنا - أي: ابن حجر -: إنما يكون ذلك مخالفًا لو قيل يفيد العلم، وأُطْلِقَ، فأما (الظاهر) وهو غلبة الظن على صحته: فلا خلاف في أنه يفيده، لكنْ حكَوْا في الأصول عن أحمد وقومٍ من أهل الحديث القولَ بأنه يفيد العلم اليقيني، فالله أعلم بمراد الكرابيسي، فإن العبارة المذكورة هنا عنه لا = ١٩٩ الأول : الصحيح [ب] تصرِّح بالمقصود، وقد نُقِل عن أبي بكر القفال مثلُها، وأُوِّل ذلك بغالب الظن، لأن العلم لا يتفاوت، وبهذا التأويل صرَّح ابن فُورَك والصيرفي. ((وممن نَقَل إفادته العلمَ عن الكرابيسي: ابنُ عبد البر، وابنُ حزم عن داودَ والحارثِ بن أسد [المحاسبي]، وحكاه ابن خُوَيْزِمَنداد عن مالك. وفي نقله عن الحارث نظر، فقد صرَّح في كتابه «فهم السنن» بخلافه، وما حكاه ابن خویزمنداد عن مالك نازعه فيه المازري وقال: لم نعثر لمالك فيه على نصّ، وممن نقله عن أحمد: الباجيُّ .. )). ثم ذكر ما سيأتي في كلام الشارح، وسأنبه إلى ما فيه من زيادات عليه. فالعلم الظاهر في تفسير ابن حجر: هو الظن الغالب، لكنه لم يجزم بأن هذا المعنى هو المراد في كلام من قاله، لأنه حينئذ لا خلاف بينهم وبين الجمهور القائلین بإفادة خبر الواحد الظنَّ القويَّ إن لم يحتفّ بقرينة. وقال الغزالي رحمه الله تعالى في ((المستصفى)) ١: ١٤٥: ((وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل، إذ يسمى الظن علمًا، ولهذا قال بعضهم: يورث العلم الظاهر، والعلم ليس له ظاهر وباطن، وإنما هو الظن)). وكذا فسَّره غيره من الأصوليين، ومنهم الباجي في ((إحكام الفصول)) ص٣٢٣ - ٣٢٤، وأبو الحسين البصري في ((المعتمد)) ٢: ٩٣. وقال السخاوي رحمه الله في ((فتح المغيث)) ١: ٢٩ - ٣٠: ((وأما من ذهب - كحسين الكرابيسي وغيره - إلى أن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر والعمل جميعًا: فهو محمول على إرادة غلبة الظن، أو التوسّع، لا سيما من قدَّم منهم الضعيف على القياس، كأحمد، وإلا فالعلم عند المحققين لا يتفاوت)). ثم إن مذهب أحمد: تقدم أنه قول له، والراجحُ عنه عند أصحابه موافقةُ قوله لقول الجمهور. ويقال في قول القفال ما يقال في قول الكرابيسي، وأنت ترى ما في حكايته عن الحارث المحاسبي. = ٢٠٠ الأول : الصحيح [ش] وابنُ حَزْمٍ عِن داود(١). [ب] وأما تحرير النقل عن مالك: فتقدم - وكلام ابن عبد البر أمامك - أن ابن خُوَيْزِ مِنْداد يقول: إن هذا يخرَّج على مذهب مالك، ولم ينسبه إليه. وأزيد هنا: أن ابن خويز منداد يقول بـ(العلم الظاهر) لا بـ(العلم)، والفرق كبير، فالعلم: هو اليقيني الجازم القاطع، والظاهر منه: هو الظن القوي، وعبارة ابن عبد البر صريحة في أن ابن خويز منداد يقول: يخرَّج على مذهب مالك أن الآحاد تفيد العلم الظاهر، أي الظن القوي. وهذه ملاحظة ثانية على نقل ابن حزم، وهذا لفظه في ((الإحكام)) ١: ١١٥: ((قال أبو محمد - هو ابن حزم -: قال أبو سليمان - هو داود الظاهري - والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي، وغيرهم: إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب العلم والعمل معًا، وبهذا نقول، وقد ذكر هذا القولَ أحمد بن إسحاق (كذا سماه) المعروفُ بابن خُوَيْزِمِنْداد عن مالك بن أنس». فتأملْ كيف يكون التصرف في حكاية الأقوال، وتأنَّ في النقول، ولا تستسلم لكثرة التوارد على نقلٍ ما. (١) تقدم قبل أسطر أنه قاله في ((الإحكام)) ١: ١١٥. وأقول: إن ابن حزم أدرى بمذهب إمامه رحمهما الله تعالى، ولا يستغرب مثل هذا القول عن داود، لكن عدم دقة ابن حزم في حكايته أقوال حسين الكرابيسي، والحارث المحاسبي، وابن خُوَيْزِ مِنْداد عن مالك: تحملني على التوقف في نسبته هذا القول إلى داود الظاهري أيضًا، إلی أن یتیسّر الوقوف على كلامه.