Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
الأول : الصحيح
[ش]
ثم رأيتُ شيخَ الإسلام ذكر في (نُكَته)) (١) معنى ذلك فقال: إن اشتراط العدالة
يستدعي صدقَ الراوي، وعدمَ غفلته، وعدمَ تساهلِه عند التحمُّل والأداء.
وقيل: إن اشتراطَ نفي الشذوذ يُغْني عن اشتراط الضبط، لأن الشاذَّ إذا كان
هو الفردَ المخالِفَ وكان شرطُ الصحيح أن ينتفي: كان مَن كَثُرتْ منه المخالفة
- وهو غير الضابط - أولى.
وأُجيب: بأنه في مقام التبيين، فأراد التنصيص ولم يكتفِ بالإشارة.
قال العراقي (٢): وأما السلامة من الشذوذ والعلَّة: فقال ابن دقيق العيد في
((الاقتراح)): إن أصحاب الحديث زادوا ذلك في حدِّ الصحيح.
قال: وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء(٣)، فإن كثيراً من العلل التي يُعلِّل
(١) يريد - والله أعلم - ((النكت الكبرى))، وهذا الاعتراض وجوابه مستفاد من
((النكت)) للزركشي ٢: ١٠٣ - ١٠٤ (١٨).
(٢) في ((التقييد والإيضاح)) ٢١٨:١، وكذا ما بعده.
(٣) للإمام ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢) رحمه الله تعالى فضل التأكيد على أن
للأئمة الفقهاء - يعني المجتهدين منهم - شروطًا في تصحيح الأحاديث وتضعيفها قد
تختلف عن شروط الأئمة المحدثين، كما ترى صريح كلامه هنا، بل إن كلامه بتمامه
أوضح من هذا في المراد، وقد تقدم نقله أثناء التعليقة الثانية صفحة ١٣٨.
وقد قال رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه («الإلمام بأحاديث الأحكام)): ((وشرطي
فيه أن لا أُورد إلا حديثَ مَن وثَّقه إمام من مزكِي رواة الأخبار، وكان صحيحًا على
طريقة أهل الحديث الحفاظ، أو أئمة الفقه الُّظَّار، فإن لكلِّ منهم مغزىّ قَصَده
وسلكه، وطريقًا أعرض عنه وتركه، وفي كلٌّ خير)). فرضي الله عنه ما أشدَّ إنصافَه !.
=

١٤٢
الأول : الصحيح
(س)
ثم رأيت الإمام الذهبي قال في أول جزئه ((الرد على ابن القطان)) المطبوع أول
((الأحكام الوسطى)) لعبد الحق ٧:١، وهو يعرِّف ببعض منهج ابن القطان علميًا، قال:
((وقاعدته - كابن حزم وأهل الأصول - يقبل ما روى الثقة، سواء خُولف، أو رفع
الموقوف، أو وصل المرسل)).
ومن الأمثلة التطبيقية عنده ما تجده عند كلامه في ((بيان الوَهَم والإيهام)) ٥: ٣٩٨،
٤٣٩ على حديث ((لا بأس ببيع خدمة المدبّر))، وحديث: ((إن للصلاة أولاً وآخراً».
وقال ابن القيم في ((حواشيه)) على ((تهذيب سنن أبي داود)) للمنذري ٣: ٤١
(٢٠١١) على حديث ابن عباس في البكر التي زوَّجها أبوها وهي كارهة، وقد اختلف
في إرساله ووصله، قال رحمه الله: ((وعلى طريقة البيهقي، وأكثر الفقهاء، وجميع
أهل الأصول: هذا حديث صحيح، لأن جرير بن حازم ثقة ثبت، وقد وصله، وهم
يقولون: زيادة الثقة مقبولة، فما بالُها تقبل في موضع، بل في أكثر المواضع التي
توافق مذهب المقلِّد، وتردّ في موضع يخالف مذهبه؟! وقد قبلوا زيادة الثقة في أكثر
من مئتين من الأحاديث رفعاً ووصلاً، وزيادة لفظ ونحوه!)).
لكن قوله رحمه الله عن المقلِّدة إنهم يقبلونها إذا وافقت المذهب، ويردونها إذا
خالفته: يقال عليه: وهكذا شأنهم في الحديث (التام)، فكيف بالكلمة أو الكلمتين،
لكنهم لا يردون ما يردون إلا لدليل آخر، ولا يقبلون ما يقبلون إلا لأدلة أخرى
وعواضد ومؤيدات، والكلام طويل، وينظر ما يأتي ص١٥٢.
أما حديث ((إن للصلاة أولاً وآخراً» فقد رواه الترمذي (١٥١) من طريق ابن
فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً، ونقل إعلال البخاري
له، وترجيح رواية الأعمش، عن مجاهد قال: كان يقال: إن للصلاة أولاً وآخراً،
وتكلم عليه الزيلعي في ((نصب الراية)) ١: ٢٣١، ونقل كلام ابن الجوزي، وابن
القطان، وزاد عليه العلامة قاسم بن قطلوبغا في ((التعريف والإخبار)) ١: ١٠٠ فنقل
كلام ابن الحَصّار - والشاهد عنده أوضح - قال: ((لا يلزم الفقيهَ تركُ مثل هذا السند
=

١٤٣
الأول : الصحيح
[ش]
بها المحدثون لا تجري على أصول الفقهاء(١).
[ب] -
لقول المحدث: خطأ))، وانظر ما يأتي نقله عن ابن الحصار ص ١٦٠ من ((النكت))
للزركشي ٢: ١٠٧ (١٩).
ومن المهم أيضًا قراءة كلام ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)) ١: ٢٧ في شرح
ما قدّمتُ نقلَه عنه، وصدَّرت التعلیقة به.
(١) ((الاقتراح)) ص ١٨٦ - ١٨٧. ويلاحظ قوله ((كثيرًا))، فإنه لا يريد الاطّراد.
وقد ذكر ابن قاسم الغَزي في ((حاشيته على شرح العراقي على ألفيته)) ٦/آ مثالين على
ما هو علَّة عند المحدثين، وليس علَّة عند الفقهاء - الثاني منهما استفاده من ((النكت))
لابن حجر ١: ٢٣٥ - فقال: ((منها: وصلُ الثقة الضابط لما أرسله غيره إذا كان
المرسِل دونه أو مثلَه، ولا مرجِّح، كما سيأتي في المعلَّل - ٣: ٣٧١ - وكما في
الحديث يرويه ضابط، عن تابعي، عن صحابي، ويرويه آخَرُ مثلُه عن ذلك التابعي،
عن صحابي آخَرَ، فإن بعض المحدثين يعلُّ بهذا، متمسكًا بأن الاضطراب دليلُ عدمِ
الضبط في الجملة، والفقهاء يجوِّزون أن يكون التابعي سمع منهما)».
ثم قال ابن قاسم الغَزي رحمه الله عقب هذا: ((ولم يبيِّن الشيخ تقي الدين (ابن
دقيق العيد) النظرَ في شرط انتفاء الشذوذ. وقد قيل على قياس ما ذكره في العلة: إذا
أثبت الراوي عن شيخه شيئًا فنفاه مَن هو أحفظُ منه، أو أكثر عددًا، أو ملازمةً: قُبِل
عند الفقهاء، لأن المثبت مقدَّم على النافي، وذلك عند المحدثين شاذٍّ غيرُ مقبول».
وروى أبو داود (٣٢٧٨، ٣٢٧٩) عن عكرمة مرسلاً: ((والله لأَغْزُونَّ قريشًا)»،
وذكر الاختلاف في وصله وإرساله، وتكلم عليه الزركشي في ((المعتبر)) ص٣٦ - ٣٧
وقال في آخره: ((والأشبه بطريقة الفقهاء ومتأخري أهل الحديث أن الحكم لمن
وصله، لأنهم ثقات)).
=

١٤٤
الأول : الصحيح
[ت)
وروى أبو داود (٢٠٨٩) عن عكرمة، عن ابن عباس: أن جارية بكرًا أتت النبيَّ
صلى الله عليه وسلم فذكرتْ أن أباها زوَّجها وهي كارهة، وأعلّه أبو داود بأنه روي
عن عكرمة مرسلاً، وقال: هو المعروف، وذكر الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ٣:
١٦٠ - ١٦١ الحديثَ وذكر طرقه، وقال: ((إذا اختُلِف في وصل الحديث وإرساله
حُكِم لمن وصله على طريقة الفقهاء)).
وجاء هذا التمييز بين طريقة المحدثين والفقهاء، عَرَضًا في كلام القاضي أبي يعلى
الفراء الحنبلي (ت ٤٥٨) مع الإشارة إلى أمثلة موضِّحة، فقال في كتابه «العُدَّة)) ٣: ٩٤١:
(«إنهم - أي: المحدثين - يضعفون الحديث بما لا يوجب تضعيفه عند الفقهاء،
كالإرسال، والتدليس، والتفرُّد بزيادة في حديث لم يروها الجماعة)). ومن الواضح أن
القاضي أبا يعلى يريد في سياق كلامه عامة الفقهاء من جميع المذاهب، لا رجال مذهبه
الحنبلي فقط، وأخذ الجملة الأولى منه ابن الجوزي في ((التحقيق)) ١: ١٨٢.
وقال الحاكمُ أبو عبد الله (ت ٤٠٥) في ((المدخل إلى الإكليل)) ص١١٦ : ((القسم
الثالث من الصحيح المختلف فيه))، وذكر هذه الصورة، ومثّل لها، وقال: ((هذه
الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، فإن القول عندهم قول من زاد في متن الإسناد
إذا كان ثقة، فأما أئمة الحديث فإن القول فيها عندهم قول الجمهور الذين أرسلوه،
لِمَا يُخشى من الوهَم على هذا الواحد)).
وسبق الكلَّ الإمام أبو بكر الجصاص (٣٧٠) - وهو فقيه محدث -، فإنه عَرَض
لهذا المعنى في ((شرحه على مختصر الطحاوي)) أكثر من مرة، ومن ذلك قوله رحمه
الله تعالى ١: ٣٤٢ وهو يتحدث عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((تحت كل شعرة
جنابة))، قال: ((وهذا الحديث وإن كان أصحابنا من أهل الحديث يتكلمون فيه من
جهة أنهم يضعِّقون الحارث بن وَجْبَة، ومن جهة أن أيوب - السختياني - رواه عن ابن
سيرين من كلامه غيرَ مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن طريقةَ الفقهاء في
قبول الأخبار غيرُ طريقة هؤلاء، ولا يفسده أن يكون غيره قد رواه من كلام ابن
=

١٤٥
الأول : الصحيح
قال العراقي(١): والجواب أن من يُصنِّف في علم الحديث إنما يذكُر الحدَّ
[ش]
[ب] -
سيرين، إذ لا يمتنع أن يرويه مرفوعًا، ثم يفتي به ويعتقده مذهبًا، بل يؤكده ذلك
عندنا)).
وقال أول كتاب النكاح ٢٤٤:٤، وهو يتكلم عن حديث ((لانكاح إلا بشهود)):
((وهذه الأخبار كلها عند أهل الحديث ضعيفة، بعضها من جهة الرجال، وبعضها من
جهة الإرسال، والصحيح عندهم ما يُروى عن الحسن مرسلاً .. ، وهي عندنا صحيحة
من أكثر الوجوه التي رويت فيه، وليس طريقةُ الفقهاء في قبول الأخبار طريقة أصحاب
الحديث، ولا نعلم أحداً من الفقهاء رجع إليهم في قبول الأخبار وردّها، ولا اعتبر
أصولهم فيها))، وانظر كلام ابن حجر في التنبيه الثالث الآتي ص ١٤٩ فما بعدها.
فهذه أقوال جمهرة من أئمة الحديث والأصول والفقه، في اعتماد طريقة الفقهاء
في القبول والردّ، دون إنكار عليهم، وإنكار المنكرين عليه فيه بُعد عن الصواب،
وإلزام لهم بما لا يلزمهم.
(١) في ((النكت)) ١: ٢١٨، وكلمة ((الحديث)): ثبتت في النسخ، وفي بعض
أصول ((التقييد والإيضاح))، ولم تثبت في بعضها الآخر، كما نبه إليه محقق الكتاب
العلامة الأستاذ الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله تعالى، واستظهر حذفها من
حيث المعنى، كما هو في النسخة التي بخط الحافظ ابن حجر، ولم يُنَبَّه إلى هذا في
طبعة الدكتور أسامة الخياط ٢١٨:١.
ثم إني رأيتها مكتوبة ثم مضروبًا عليها في نسخةٍ أقدمَ من نسخة ابن حجر، هي
نسخة علي بن الحسن بن علي البيجوري أحد تلامذة الحافظ العراقي، وكان فراغه من
كتابة نسخته «ليلة الاثنين الثامن والعشرين من ذي القعدة الحرام من سنة اثنتين
وثمانين وسبع مئة بالقاهرة)) بعد أسبوع واحد من فراغ العراقي من تبييض نسخته ((يوم
=

١٤٦
الأول : الصحيح
[ش]
عند أهله، لا عند غيرِهم من أهلِ علمٍ آخَرَ، وكونُ الفقهاء والأصوليين لا
يشترِطون في الصحيح هذين الشرطين لا يُفْسِد الحدَّ عند من يَشترطُهما، ولذا قال
ابن الصلاح بعد الحدّ(١)؛ فهذا هو الحديثُ الذي يُحكَم له بالصحة بلا خلافٍ بین
أهل الحديث، وقد يختلفون في صحةِ بعضِ الأحاديث، لاختلافهم في وجود
هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراطِ بعضِها، كما في المرسل(٢).
الثاني:
قيل(٣) : بقي عليه أن يقولَ: ولا إنكارٍ.
ورُدَّ: بأن المنكَر عند المصنفِ وابنِ الصلاح هو والشاذَّ سِيَّانِ، فذِكْره معه
تكريرٌ، وعند غيرهما أسوأ حالاً من الشاذ، فاشتراطُ نفي الشذوذ يقتضي
اشتراطَ نفيه بطريق الأَولى (٤).
[ب]
الأحد الحادي والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة اثنتين وثمانين وسبع مئة)).
أما نسخة ابن حجر من الكتاب المذكور، التي اعتمد عليها العلامة الشيخ
الطباخ: فإنه نسخها - كما جاء في خاتمتها - في شهر رجب سنة ٨٠٦، وكانت وفاة
العراقي في الثامن من شعبان سنة ٨٠٦.
(١) صفحة ٩.
(٢) هنا على حاشية ك: بلغ.
(٣) نبّه إلى هذا التاج الأَرْدُبيلي التبريزي، في مختصره ((الكافي)) ص ١٢٩،
فقال في تعريف الصحيح: (( ... من غير شذوذ وعلة قادحة ولا نكارة)). وقد نقل عنه
هذا ابن حجر في ((النكت)) ٣٢٧:١، وردّ عليه بما يأتي.
(٤) [قوله ((بطريق الأولى)): على حذف المضاف، أي: بطريق البيان الأولى.
=

١٤٧
الأول : الصحيح
[ش]
قيل: لم يُفْصِحْ بمراده من الشذوذ هنا، وقد ذَكَر في نوعه(١) ثلاثةَ أقوال،
الثالث :
وأما قولهم بطريقٍ أولى: فقيل: إضافة بيانية. أي: بطريقٍ هو أولى بالدلالة على
ذلك مما مضى قبله، وهو بمعنى قولهم: بالطريق الأولى. غَزِّي . - ٥/أ -. ].
((غَزّي)): هو العلامة المتفنن شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قاسم الغَزِّي
القاهري الشافعي، المشهور بابن قاسم الغَزي، صاحب الشرح على المختصر
المشهور بـ: ((متن أبي شجاع)) في فقه السادة الشافعية، وعليه كتب العلامة الباجوري
حاشيته الشهيرة، ويُعرف بابن الغَرابيلي أيضًا، ولد سنة ٨٥٩، وتوفي سنة ٩١٨
رحمه الله تعالى، وله حاشية على شرح الحافظ العراقي على ألفيته، في ٢١٤ ورقة،
وهي دقيقة ومفيدة، تشبه جدًّا هذه الحاشية على ((التدريب)) في تَوَلَّجها في فنون
عديدة غيرِ أصول الحديث، وسيرى القارئ إكثار الشيخ ابن العجمي من النقل عنها.
وهذا غير ابن قاسم العبادي الذي تقدمت ترجمته ص ٣٠.
ثم إنه يستفاد من هذا الإعراب أن يُقرأ هذا التركيب ((بطريقِ أولى))، والتركيب
المماثل له: من بابِ أولىُ، بإضافة الكلمة الأولى إلى الثانية، لا بتنوينهما.
وأصل الفائدة والعبارة للبرهان البقاعي رحمه الله في ((النكت الوفية)) ٧٢:١،
ولفظه: ((قوله ((بطريق أولى)): إضافة بيانية، أي: طريقٌ هو أولى .. ))، إلى آخر ما نقله
الغزي، واختصره ابن العجمي. وعبارة البقاعي أعلى وأجمل.
وبين عبارة الغزي والبقاعي فرق، وما أرى أن هذا خطأٌ من تصرُّف الغَزي ثم ابن
العجمي، كلّ في عبارة مَن قبله، لا، إنما هي زيادة تعمدها يريد بها التنبيه والإفادة،
زيادة على تعبير الآخر. والله أعلم.
(١) ((ذَكَرَ)) أي: ابن الصلاح، وذلك في النوع الثالث عشر ص٨٣. والقول الأول
=

١٤٨
الأول : الصحيح
[ش]
أحدُها: مخالفةُ الثقةِ لأرجحَ منه. والثاني: تفرُّدُ الثقة مطلقًا. والثالث: تفرُّدُ
[ب] -
- حسب الترتيب هنا - حكاه عن الشافعي، والثاني: عن الحاكم، والثالث: عن
الخليلي في ((الإرشاد)) ١ : ١٧٦ وحكاه عن حفاظ الحديث.
وينبغي التنبيه هنا لأمرين:
أولهما: قول الشارح: ((الظاهر أنه أراد هنا الأول)): أمر جزم به ابن حجر في ((النكت))
١: ٢٣٦، وهو في دائرة الاحتمال، ذلك أن ابن الصلاح ذكر في نوع الحديث الشاذ،
هذه الأقوال الثلاثة، ثم اختار للشاذ معنيين فقال: ((فخرج من ذلك أن الشاذ المردود
قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف. والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة
والضبط ما يقع جابرًا لما يوجب التفردُ والشذوذُ من النكارة والضعف».
فالجزم بأن ابن الصلاح أراد في تعريف الصحيح الشاذَّ على معنىً غير المعنى
الذي اختاره هو: فيه وقفة، وتعبير الشارح بـ((الظاهر)) أولى من الجزم. وعلى هذا: فإذا
لاحظنا المعنى الذي اختاره ابن الصلاح وقرَّره زال الإشكال الذي نقله الشارح عن
ابن حجر. والله أعلم.
وإنما قلت أول كلامي عن استظهار الشارح وجَزْم ابن حجر: إنما هو ((في دائرة
الاحتمال)): من أجل قولهما: ((هنا))، فهما يفسِّران الشاذ المذكور في تعريف الصحيح
بمخالفة الثقة للأوثق منه أو للأكثر عددًا، أما الشاذ عند ابن الصلاح لمطلق ما يسمى
شاذًّا: فهو على المعنى الذي رجَّحه في نوعه وفصَّله. والله أعلم.
ثانيهما - ويتعلق بكلام ابن حجر -: نسب ابن حجر في ((النكت)) - الموضع
السابق - إلى الخليلي أنه فسَّر الشاذ بتفرد الثقة، وهو سبق ذهن منه رحمه الله، لأن
الخليلي فسَّرَه بتفرد الراوي ثقةً كان أو غير ثقة، أما الذي فسَّره بتفرد الثقة: فهو
الحاكم أبو عبد الله في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٣٧٥ النوع الثامن والعشرين.

١٤٩
الأول : الصحيح
[ش]
الراوي مطلقًا، ورَدَّ الأخيرين، فالظاهر أنه أراد هنا الأول.
قال شيخ الإسلام(١): وهو مشكل، لأن الإسناد إذا كان متصلاً ورواتُه
كلُّهم عدولاً ضابطين: فقد انتفتْ عنه العلل الظاهرة، ثم إذا انتفى كونه معلولاً:
فما المانعُ من الحكم بصحته؟ فمجردُ مخالفةِ أحدِ رواتِه لمن هو أوثقُ منه، أو
أكثرُ عددًا: لا يَستلزِمِ الضعفَ، بل يكونُ من باب: صحيح وأصح (٢).
قال: ولم أرَ مع ذلك عن أحدٍ من أئمة الحديث اشتراطَ نفي الشذوذِ
المعبّر عنه بالمخالفة، وإنما الموجودُ في تصرُّفاتهم تقديمُ بعضِ ذلك على
بعضٍ في الصحة، وأمثلةُ ذلك موجودةٌ في الصحيحين وغيرهما.
فمن ذلك: أنهما أخرجا قصةَ جملٍ جابر من طُرق(٣)، وفيها اختلافٌ كثيرٌ
[ب]
(١) الظاهر أنه في ((النكت الكبرى))، وينتهي ص١٥٣ عند قوله: الرابع، وينظر
كلام طويل للحافظ أيضاً في ((الجواهر والدرر)) ٢: ٩٣٨.
(٢) نعم، وقد يكون من باب صحيح وعليل، وانظر تمام الكلام.
(٣) روى البخاري طرفًا منه في كتاب الصلاة - باب الصلاة إذا قدم من سفر
(٤٤٣) - وهنا أطرافه، وهي خمسة وعشرون موضعًا، منها: كتاب الوكالة (٢٣٠٩)،
وفيه مرفوعًا: ((قد أخذتُه بأربعة دنانير، ولك ظهرُه إلى المدينة))، والاستقراض
(٢٤٠٦)، وفيه مرفوعًا أيضًا: ((بِعْنيه، ولك ظهره إلى المدينة))، والشروط (٢٧١٨)،
وفيه: ((پعنیه بأُوقية» فبعته، فاستثنيت حُملانه إلى أهلي.
ثم علَّق البخاري تحت (٢٧١٨) رواياتٍ أخرى بينها اختلافٌ في اشتراط جابر
ذلك له إلى أن يصل المدينة، وبيَّن إذن النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك، وخَتَمها
بقوله: «الاشتراط أکثر وأصح عندي))، وضمنها روایات أخرى في اختلاف قدر ثمنه،
وختمها بقوله: ((وقول الشعبي ((بأوقية)) أکثر)).
=

١٥٠
الأول : الصحيح
[ش]
في مقدار الثمن، وفي اشتراطِ ركوبِهِ، وقد رجَّح البخاريُّ الطرقَ التي فيها
الاشتراطُ على غيرها، مع تخريجه للأمرين(١)، ورجَّح أيضًا كونَ الثمن أُوقِيَّة،
مع تخريجه ما يخالف ذلك.
ومن ذلك: أن مسلمًا (٢) أخرج فيه حديث مالك، عن الزهري، عن عروة،
عن عائشة في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر. وقد خالفه عامةُ أصحابِ الزهري،
كَمَعْمَر، ويونس، وعمرو بن الحارث، والأوزاعي، وابن أبي ذئب،
[ت)
ثم علَّق الروايات المختلفة: بأوقيةٍ. بأربعة دنانير. لم يبيِّن الثمن. أوقية ذهب.
بمئتي درهم. أحسبه قال: بأربع أواقٍ. بعشرين ديناراً. وختمها بقوله: ((وقول الشعبي
((بأوقية)»: أکثر)».
ثم رواه في ثلاثة مواضع من كتاب الجهاد: (٢٨٦١) وفيه: ((أواقٍ من ذهب))،
و(٢٩٦٧) وفيه قول جابر: ((بِعتُه إياه على أن لي فَقار ظهره حتى أبلغ المدينة))،
و(٣٠٨٩) وفيه قول جابر أيضًا: ((اشترى مني بعيرًا بأوقيتين ودرهم، أو ودرهمين)).
ورواه مسلم في كتاب المساقاة ٣: ١٢٢١ - ١٢٢٤ (١٠٩ - ١١٧) وجمع طُرُقُه
وألفاظه ـ على عادته رحمه الله - وليس فيها جديد على ما تقدم عن البخاري إلا ما في
رقم (١١٣) قال جابر: بِعتُه منه بخمس أواقٍ.
ولعل الحافظ يريد في كلامه الذي نقله الشارح هنا بالروايات التي ليس فيها اشتراط:
الرواياتِ التي سكتتْ عن الاشتراط مطلقًا، أو الرواياتِ التي فيها الإذن المباشر من النبي
صلی الله عليه وسلم لجابر بركوب الجمل إلى المدينة، دون اشتراط منه.
وهذا مثال على (عادة البخاري) التي أشار إليها ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى))
١ : ٢٥٦.
(١) من ك، وفي غيرها: الأمرين.
(٢) ١: ٥٠٨ (١٢١)، وهو في ((الموطأ)) ١: ١٢٠ (٨).

١٥١
الأول : الصحيح
[ش]
وشُعيب(١)، وغيرِهم، عن الزهري، فذكروا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل
صلاة الصبح.
ورجَّح جمعٌ(٢) من الحفاظ روايتهم على رواية مالك، ومع ذلك فلم يتأخَّرْ
(١) رواية معمر: رواها البخاري (٦٣١٠)، وأحمد ٦: ٣٤، ورواية يونس،
وعمرو بن الحارث: عند مسلم عقب الرواية السابقة، ورواية الأوزاعي، وابن أبي
ذئب: عند أبي داود (١٣٣٠)، ورواية شعيب: عند البخاري (٦٢٦).
(٢) منهم: الإمام مسلم، صرح بذلك في كتابه ((التمييز))، كما نقله عنه الإمام أبو
عَمْرو الداني في كتابه ((الإيماء إلى أطراف أحاديث الموطأ» ٤٩:٤ (٥٢٤)، وابن
رجب في ((فتح الباري)) ١٢٩:٩، وأشار إلى هذا في ((صحيحه))، فقد أخَّر رواية
يونس، وعمرو بن الحارث، وعادته في ((صحيحه)) أن يختم أحاديث الباب بالراجح
عنده، كما أفاده النووي في ((شرحه)) ١٠٣:٩: ((لا تسافر المرأة إلا ومعها محرم))،
والقرطبي في ((تفسيره)) ٢١٢:٣ في تعيين الصلاة الوسطى.
وقد شرحت طريقة الإمام مسلم هذه في ((صحيحه)) في مقدمتي لـ ((مصنف)) ابن أبي
شيبة ١٠٢:١، وفي ((دراسات الكاشف)) ص ١٨٨، بالأمثلة العديدة، وعندي زيادات
كثيرة عليها أضفتها وطبعتها ضمن ((مجموع رسائل في علم الحديث دراية)) فتنظر.
على أن ابن عبد البر نازع في وَهْم مالك على الزهري، فإنه قال في ((التمهيد)» ٨:
١٢١: ((لا يدفع ما قاله مالك من ذلك، لموضعه من الحفظ والإتقان، وثبوته في ابن
شهاب، وعلمه بحديثه، وقد وجدنا معنى ما قاله مالك في هذا الحديث منصوصًا في
حديثه عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس، حين بات عند ميمونة .. ))،
وذكر الحديث، وكلامُ الحافظ ابن رجب في تأييد هذا الفهم واضح في تتمة كلامه في
((فتح الباري)) ١٢٩:٩ - ١٣٠.
=

١٥٢
الأول : الصحيح
[ش]
أصحابُ الصحيح عن إخراجِ حديثٍ مالك في كتبهم. وأمثلة ذلك كثيرة (١).
ثم قال: فإن قيل: يلزم أن يُسَمَّى الحديث صحيحًا ولا يعمل به، قلنا: لا
مانع من ذلك، ليس كلّ صحيحٍ يُعملُ به، بدليل المنسوخ (٢).
[ب] --
وهناك مثال آخر سيأتي في الكلام على الحديث المنكر - النوع الرابع عشر - وهو
رواية مالك، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عُمر بن عثمان .. ، وأن الثقات
رووه عن الزهري على أنه: عَمْرو بن عثمان، وانظر الكلام عليه هناك ٣: ٢٩٥.
(١) ذكر خمسة أمثلة أخرى شيخنا العلامة محمد عبد الرشيد النعماني رحمه الله
تعالى في كتابه «الإمام ابن ماجه وكتابه السنن)) ص ٢٩٩ - ٣٠٠، والتتبّع ينفي الحصر، لكن
هذا كلَّه لا يعني إثبات حديث ضعيف في الصحيحين، سوى ما يُشير مخرّجه الإمام إلى
علته، بل هو دائر بين صحيح وأصح، وصحيح معمول به وغير معمول به، والقولُ بصحة
جميع ما في الصحيحين غيرُ القول بعدم لزوم العمل بكل ما فيهما، وليتنبّه القارئ*
الحصيف إلى المغالطة التي يغالط بها المغرضون حول أحاديث الصحيحين.
(٢) هذا النقل والذي بعده متصل عن ابن حجر. وكونُ كلِّ حديث صحيح لا
يعمل به: أمر معروف شائع عند أئمة السلف، لكن ليس من باب عدم العمل بالسنة،
معاذ الله وحاشاهم، إنما هو من باب تقدیم العمل بحدیث آخر، أو دلیل سواه، وهذه
مهمة الأئمة الفقهاء، وهذا الكلام من الحافظ يؤيد نظرة الفقهاء المتقدمين إلى عدم
اشتراطهم انتفاء الشذوذ والعلة عن تعريف الحديث الصحيح، وتقدم هذا ص ١٤١
فما بعدها، وانظر خاصة ص ١٤٢ النقل عن الإمام ابن القيم.
وانظر ما كتبته في «أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء رضي الله
عنهم)) صفحة ٨١، ٩٩، ١٠٤، ففيها نقولٌ عن عدد من الأئمة المجتهدين، فيها
التصريح بورود أحاديث صحيحة لم يؤخذ بها: النخعي، وابن أبي ليلى، وابن
=

١٥٣
الأول : الصحيح
[ش]
قال: وعلى تقدير التسليم: أن المخالفَ المرجوحَ لا يُسمَّى صحيحًا، ففي
جَعْل انتفائه شرطًا في الحكم للحديث بالصحة: نظر، بل إذا وُجِدت الشروطُ
المذكورةُ أولاً: حُكِم للحديث بالصحة ما لم يظهرْ بعد ذلك أن فيه شذوذًا، لأن
الأصل عدم الشذوذ، وكونُ ذلك أصلاً: مأخوذٌ من عدالة الراوي وضبطه، فإذا
ثبتتْ عدالتُه وضبطُه كان الأصل أنه حَفِظ ما رَوَى حتى يَتَبَيّن خلافه (١).
الرابع :
عبارة ابن الصلاح: ((ولا يكون شاذًا ولا معللاً))(٢)، فاعتُرض بأنه لا بدَّ أن
يقول: بعلة قادحة. وأُجيبَ: بأن ذلك يؤخَذُ من تعريف المعلول حيثُ ذُكِر في
موضعه.
قال شيخ الإسلام(٣): لكن مَن غيَّر عبارة ابن الصلاح فقال ((من غير شذوذ
ولا علة)): احتاج أن يَصفَ العلةَ بكونها قادحةً، وبكونها خفيَّة.
وقد ذكر العراقي في ((منظومته)) الوصفَ الأولِ(٤)، وأهمل الثاني، ولا بدَّ منه،
[ب]
مهدي، والثوري، وابن وهب، وأحمد، ومن المتأخرين: الذهبي وابن رجب.
(١) على حاشية ك: بلغ.
(٢) صفحة ٨، وتبعه النووي في ((إرشاد طلاب الحقائق)) ص٥٧، وقيدها
القسطلاني رحمه الله في مقدمته الاصطلاحية أول ((إرشاد الساري)) ١: ٨ بأكثر من هذا
فقال: (( .. ولا علة خفية قادحة مجمع عليها)).
(٣) هذا النقل وتاليه من ((النكت الكبرى)). والله أعلم.
(٤) في ((شرح الألفية)) للعراقي ص٧، ووصف العلة بأنها قادحة.

١٥٤
الأول : الصحيح
[ش]
وأهمل المصنفُ وبدرُ الدين ابنُ جماعةَ الاثنين(١)، فبقي الاعتراض من وجهين.
قال شيخ الإسلام: ولم يُصِب من قال: ((لا حاجة إلى ذلك لأن لفظ العلَّة
لا يُطلَق إلا على ما كان قادحًا))، فلفظُ العلَّة أعمُّ من ذلك.
الخامس :
أُورِدَ على هذا التعريف ما سيأتي: أن الحسن إذا رُويَ من غير وجه ارتَفَى
من درجة الحُسْن إلى درجة الصحّة، وهو غيرُ داخلٍ في هذا الحدّ(٢).
وكذا: ما اعتَضَدَ بتلقِّي العلماء له بالقبول. قال بعضهم: يُحكَم للحديث
بالصحة إذا تلقَّه العلماء بالقبول وإن لم يكنْ له إسنادٌ صحيح (٣).
[ب]
(١) المصنف: النووي هنا في ((التقريب))، وابن جماعة في ((المنهل الرويّ))
ص٣٣ احترز عن العلة فقط.
(٢) هذا إيراد الإمام الزركشي في ((النكت)) له ١٠٢:٢ (١٧)، وسيجيب الشارح
عنه.
(٣) أصل هذه الفوائد للبدر الزركشي رحمه الله في ((النكت)) له ١١٠:٢ (١٩)،
وفي كلامه زيادة فوائد على ما هنا.
وأقول: إن هذا مبحث مهم، يجب الاعتناء به، وكثير من المشتغلين بهذا الفن
في أيامنا لا يتقبّلون هذا المعنى، ويجمدون عند ما يقفون عليه من الأسانيد،
ويزدادون جمودًا بالحكم عليها بمقتضى رسوم مبادئ هذا الفن! فيحكمون على
أنفسهم أنهم مبتدئون به !.
وقد رُفع سؤال حول هذا المعنى إلى فضيلة الشيخ حسين بن محسن الأنصاري
(١٢٤٥ - ١٣٢٧) رحمه الله تعالى، فأجاب جوابًا موسّعًا، ذكر فيه ما حضره من
=

١٥٥
الأول : الصحيح
قال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(١) لما حكَى عن الترمذي أن البخاريَّ
[ش]
[ب]
أقوال العلماء، ومنها ما ذكره الشارح هنا، وقد نَسَّق جوابه هذا وصحح تحريفاته
المطبعية شيخنا العلامة رحمه الله، وألحقه بـ((الأجوبة الفاضلة)) للعلامة اللكنوي من
ص٢٢٨ - ٢٣٨. وعدمُ صحة بعض الأمثلة المذكورة لا يُبطل الحكم ويُلغيه.
وفات الشيخَ الأنصاريَّ رحمه الله أمثلةٌ ونقولٌ كثيرة، ينبغي تتبُّعها، ومن ذلك،
- ولعله تركه عمدًا، لكونه على غير توجُّهه -: الحديثُ المشهور، الذي يكثر حوله
القيل والقال، وهو حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه في الاجتهاد بالرأي، فقد قال
فيه الخطيب في كتابه ((آداب الفقيه والمتفقه)) (٥١٥): ((وهذا إسناد متصل ورجاله
معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد تقبّلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته
عندهم - ثم ذكر أحاديث أخرى وقال : - وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة
الإسناد، لكنْ لما تلقَّتْها الكافة عن الكافة غَنُوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها،
فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعًا غَنُوا عن طلب الإسناد له».
وقد نقل ابن القيم رحمه الله هذا الكلام مع الإقرار والتسليم والاحتجاج به في
((إعلام الموقعين)) ١: ٢٠٢.
(١) بل هذا من ((التمهيد)) ١٦: ٢١٨، ونَقْل الترمذي هو في ((العلل الكبرى)) ولم
ينسب الزركشي القول إلى ((الاستذكار)) ولا ((التمهيد)). ولفظه في ((الاستذكار)) ١:
٢٠٢: ((وهذا إسناد وإن لم يخرجه أصحاب الصحاح، فإن فقهاء الأمصار وجماعةً من
أهل الحديث متفقون على أن ماء البحر طهور، بل هو أصلٌ عندهم في طهارة المياه
الغالبة على النجاسات، المستهلكة لها، وهذا يدلُّك على أنه حديث صحيح المعنى،
يتلقَّى بالقبول والعمل الذي هو أقوى من الإسناد المنفرد)».
وقال قبلُ في ((الاستذكار)) ١: ١٤٠ أيضًا - وقد ذكر حديثًا فيه إبراهيم بن أبي
=

١٥٦
الأول : الصحيح
[ش]
صحَّح حديث البحر («هو الطَّهور ماؤه))(١): وأهلُ الحديث لا يصحِّحون مثلَ
إسناده(٢)، لكن الحديث عندي صحيح، لأن العلماء تَلَقَّوْه بالقبول.
وقال في ((التمهيد))(٣): رَوَى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الدينارُ
أربعةٌ وعشرون قِيراطًا))، قال: وفي قول جماعةِ العلماءِ وإجماعِ الناسِ على
معناه: غِنى عن الإسناد فیه.
يحيى الأسلمي أحدُ المتروكين -: ((والعمل في مثل ذلك لا يكون إلا توقيفًا، وإن كان
حديث ابن أبي يحيى ضعيفًا، فإنه تقوِّيُّه صحة العمل به)).
وقال في ((جامع بيان العلم)) (١٨٧٨) - وأشار إلى حديث علي رضي الله عنه مع
كُمَيل بن زياد النخعي عن العلم والعلماء -: ((هو حديث مشهور عند أهل العلم
يُسْتغنَى عن الإسناد لشهرته عندهم)).
ومع تأكيدي على أهمية هذا المعنى، وتنبيهي الباحثين المعاصرين إلى عدم
الوقوف عند رسوم الإسناد، فإني أؤكد الرجوع إلى كلام الإمام الكشميري الذي ختم
به هذا المبحث شيخنا في خاتمة ((الأجوبة الفاضلة))، فإنه مهم جدًّا.
(١) رواه مالك ٢٢:١ (١٢)، ومن طريقه: ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٤٠٢)
وغيره، وانظر تخريجه هناك، ونقلُ الترمذي عن البخاري تصحيحه الحديث هو في
«العلل الكبرى» ١٣٦:١.
(٢) لاضطرابٍ حصل في إسناده، بيّنه الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ١٠:١.
(٣) ((التمهيد)) ١٤٥:٢٠ ولفظه في أوله: ((رُوي عن جابر بإسناد لا يصح ... )).
وهو طرف من حديث ذَكَره الديلمي في ((الفردوس)) (٤٦٩٩)، وهو في ((كنز العمال))
(٢٩٧٣) وقال: ((فيه الخليل بن مرة، قال البخاري: منكر الحديث))، وقال عنه في
(التاريخ الكبير)) ٣(٦٧٩): فيه نظر. وحكمُ غيرِهِ عليه أخفُ.

١٥٧
الأول : الصحيح
[ش]
وقال الأستاذ أبو إسحاقَ الإسْفَرايني(١): تُعْرَف صحة الحديث إذا اشتهر
-
[ب]
(١) [((الإِسفَرايني)): ((بالكسر، وسكون السين، وفتح الفاء والراء، وكسر
التحتية، ونون، نسبة إلى إِسفَراين - بلا همزٍ - بُلَيدة بنواحي نيسابور)). كذا في
((اللبّ)). والذي في ((المراصد)): أَسْفَرايين بياءين، أولاهما مكسورة، والأخرى
ساکنة .].
((لب اللباب)) للشارح (١٤٣)، لكنها بياءين في الطبعة التي أعزو إليها، وبياء
واحدة في الطبعة الأوربية ص ١٣. وانظر ما يأتي.
وقوله ((بلا همز)): من زيادات الشارح على أَصْلَيْه، يريد أنها: إِسِفَراين، بالياء
قبل النون، لا بالهمز.
((مراصد الاطلاع)) ١: ٧٣، لكنْ فيه ضبط الهمزة أولَه بالفتح.
ثم إن ياقوتًا الحَمَويَّ ضبط أَسْفَرايين ١: ١٧٧: ((بالفتح، ثم السكون، وفتح
الفاء، وراء، وألف، وياء مكسورة، وياء أخرى ساكنة، ونون)). وجمع الزَّبيدي في
(تاج العروس)) ٩: ٢٣٥ الوجوه فقال: ((بكسر الهمزة وفتحها، ويفتح الفاء وكسرها،
وإسفراين، بالياء الواحدة بعد الألف، وبالهمزة بدلاً عنها، وإسفرايين)).
وأبو إسحاق هذا هو: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، ركن الدين، المتوفى سنة
٤١٨ رحمه الله، له ترجمة عالية في ((طبقات الشافعية)) للسبكي ٤: ٢٥٦ - وغيرها
كثير - وقد وصفه في أولها بقوله: ((أحد أئمة الدين كلامًا وأصولاً وفروعًا)).
ويبدو من النظر في المصدر المذكور أن النقول الحديثية التي تنقل عن أبي
إسحاق مذكورة في كتابه ((تعليقة في أصول الفقه))، ومن أجوبته عن مسائل حديثية
رفعها إليه الحافظ أبو سعيد ابن عَلِيَّك.
والقول المذكور عنه هنا من كتابه في ((الأصول)»، صرَّح بذلك الزركشي في
=

١٥٨
الأول : الصحيح
[ش]
عند أئمة الحديث بغير نكيرٍ منهم.
وقال نحوه ابن فُوْرَك(١).
وزاد بأنْ مَثَّل ذلك بحديث: ((في الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْر))، و((في مئتي درهم
خمسةُ دراهم))(٢).
(ت)
مصدره السابق.
وهو من قَبِيل قوله الآخر: ((إن أخبار الصحيحين مقطوع بصحة أصولها
ومتونها))، فإن التاج السبكي نقله عن ((كتابه في أصول الفقه)). انظر ((طبقات)) السبكي
٤: ٢٦٠ - ٢٦١ تعليقًا.
(١) ابن قُورك: ص ٦ من كتابه ((مشكل الحديث وبيانه))، وهو الإمام في
الأصلين أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني المتوفى سنة ٤٠٦ رحمه الله.
وكتب ابن العجمي ضبطاً مفصلاً لـ ((فورك)) فقال:
[((فُوْرِك)) بضم الفاء، وسكون الواو، وفتح الراء، وقيل: بفتح الفاء والراء،
وقيل : بفتح الفاء و کسر الراء - حكاهما ابن جماعة -، آخره كاف، ويوجد في بعض
نسخ ((الشفا)) تنوينه، وهو ظاهر إن لم يكن اسمًا أعجميًّا، وإلا فممنوع من الصرف
العلمية والعُجمة. كذا في حواشي ابن قاسم على ((الشفا)». وقال الشُّمُنِّي في ((حاشية
النخبة)): والكاف في آخره للتصغير في لغة الفرس، ومعناه في العربية: فُوَير، مصغّر
فار، وظهر من هذا أنه لا ينصرف للعجمة والعلمية. انتهى. وتعقَّبه المولى السَّرِيُّ
الدوري - الدروروي - بأنه لم يظفر بـ: فوير بمعنى فار، فيما رآه من كتب اللغتين.].
(٢) قوله: ((وزاد بأنْ مثّل)): صريح بأن الزيادة والتمثيل من ابن فورك، ولا شيء
عنده، وقد سَلِم مصدر الشارح - وهو الزركشي في ((النكت)) ١١٣:٢ - ١١٤ (١٩)
من هذا الوهم، كما سلمت عبارة الشارح في ((البحر)) ١ :٣٢٧ أيضًا، فلا أدري كيف
=

١٥٩
الأول : الصحيح
(ت)
حصل له هذا الوهم هنا.
ومراده رحمه الله من هذين الحديثين التأكيد على أن شهرة الحديث بين أهل
العلم، وتلقّيهم إياه بالقبول والعمل: كافية مغنية عن تطلّب إسناد صحيح له، لكن
هل هذان الحديثان ينطبق عليهما هذا القول، فليس لهما إسناد صحيح، مع الإجماع
على حكمهما الفقهي؟.
و جوابه:
أما الحديث الأول: فقد روى البخاري (١٤٥٤) - وغيره -: أن أبا بكر الصديق
كتب لأنس بن مالك رضي الله عنهما كتابًا فيه فرائض الصدقة، ووجّهه به إلى
البحرين، أوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله
صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله ... ))، وجاء في آخره:
((وفي الرِّقَةِ رُيُع العُشْر)).
قال في ((الفتح)) ٣٢١:٣: الرِّقَة: ((الفضة الخالصة، مضروبةً أو غير مضروبة،
وقيل: يطلق على الذهب والفضة، بخلاف الوَرِق))، أي: فإنه يطلق على الفضة
المضروبة فقط.
وهذا لفظ يكاد يكون مرفوعًا صريحًا، فإنْ لم يكُنْه، فهو في حكم الرفع الصريح
قطعًا، وهو صالح للاحتجاج.
وأما الحديث الثاني: ففيه أحاديث مرفوعة، وموقوفة على عدد من الصحابة
والتابعين، تجدها في ((مصنف)) عبد الرزاق (٧٠٧٢ - ٧٠٨٥)، وعند ابن أبي شيبة
أكثرُ منها (٩٩٣٦ - ٩٩٥٥)، ومن المرفوع الذي عنده: مرسلُ الإمام محمد الباقر
(٩٩٣٦، ٩٩٤١، ٩٩٤٦) بإسناد صحيح، وأبي سعيد الخدري (٩٩٥٠) وهو في
الصحيحين، وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (٩٩٥٣)، وهو ثابت بشواهده،
وحديث عليّ (٩٩٥٤، ٩٩٥٥)، وهو صحیح صالح للاحتجاج.
وبهذا التخريج يتبيّن أن الحديثين صالحان للاحتجاج بذاتهما، وغير صالحين
=

١٦٠
الأول : الصحيح
[ش]
وقال أبو الحسن ابن الحصَّار(١) في ((تقريب المدارك على موطأ مالك)): قد
يَعلم الفقيه صحةَ الحديثِ إذا لم يكنْ في سنده كذابٌ بموافقةٍ آيةٍ من كتاب الله،
أو بعضِ أصولِ الشريعة، فيحمِلُه ذلك على قبولِه والعملِ به(٢).
[ب] -
للاستشهاد بهما في مثل هذه المناسبة. والله أعلم.
(١) هو علي بن محمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الأندلسي، ويعرف بابن
الحَصّار، المتوفّى بالمدينة المنورة سنة ٦١١. وضبطه تلميذه الحافظ المنذري
رحمهما الله تعالى في ((التكملة)) (١٣٥٩) بالصاد المهملة، كما أثبتُّه، فيصحح حيث
يقع في بعض الكتب: ابن الحضار، بالضاد المعجمة.
وحلاّه الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) ١٣: ٣١٩ بقوله: ((كان إماماً فاضلاً، كثير
التصانيف، بارعاً في أصول الفقه))، ونقل عن ابن مَسْدِي قوله: ((وقفت له علی کتاب
سماه: ((تقريب المدارك في رفع الموقوف، ووصل المقطوع من حديث مالك)) اختصر
فيه بعض معاني کتاب «التمهيد)) لابن عبد البر)).
وقد اختصر الشارح من كلام ابن الحصار فِقْرة نقلها الزركشي ١٠٧:٢ - ١٠٨
(١٩) أنقلها لفائدتها، قال: ((إن للمحدثين أغراضًا في طريقتهم احتاطوا فيها وبالغوا
في الاحتياط، ولا يلزم الفقهاءَ اتِّباعهم على ذلك، كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه قد
روي موقوفًا أو مرسلاً، وكطعنهم في الراوي إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه، أو
لمخالفةِ مَن هو أعدل منه وأحفظ)). ثم قال ما نقله الشارح هنا بتصرف: قد يَعلم
الفقيه .. ، ولهذا الكلام صلة بكلامه الذي نقلته عنه آخر ص١٤٢.
(٢) قلت: سبق ابنَ الحصار إلى هذا المعنى وزيادة الخطيبُ في ((الكفاية)) ص١٧
فقال: ((وقد يُستدل على صحة الخبر بأن يكون خبراً عن أمر اقتضاه نصّ القرآن، أو
السنة المتواترة، أو أجمعت الأمة على تصديقه، أو تلقتْه الكافة بالقبول وعملت
=