Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ مقدمة المؤلف [ش] ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله)). وروى ابن حبان، وأبو داود، والنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا(١): [ب] (١) ((الإحسان)) (١، ٢)، و((سنن)) أبي داود (٤٨٠٧)، والنسائي (١٠٣٢٨)، وهو عند ابن ماجه (١٨٩٤)، وأبي عوانة في أول ((مستخرجه)) كما في («إتحاف المهرة)) (٢٠٤٠٤)، ونسبه السبكي في أول ((الطبقات)) ١: ٩ إلى ((المستدرك))، وأنه صححه، ولم أره فيه، ولم أر من نسبه إليه غير السبكي، وانظر ٣: ٤٠٢. وقد أشار أبو داود والنسائي إلى الاختلاف في وصله وإرساله، وظاهر صنيعهما ترجيح أنه من مراسيل الزهري - ومراسيله ضعيفة - وبه صرَّح الدارقطني في أول ((سننه)) (١)، و((العلل)) ٨ (١٣٩١). والذي رواه عن الزهري موصولاً هو قرة بن عبد الرحمن المَعَافري، وهو متكلَّم فیه، وروی له مسلم في المتابعات، وفي ((التقریب)) (٥٥٤١): ((صدوق له مناکیر))، وذكره ابن حبان في ((ثقاته)) ٧: ٣٤٢، وخرَّج حديثه هذا في ((صحيحه)) كما تقدم، وقوَّاه التاج السبكي في ((طبقاته)) ١: ٩ - ١٠، وأجاب عن تضعيف ابن معين وأحمد وغيرهما له، ثم ذكر له صفحة ١٣ متابعَيْن على روايته عن الزهري موصولاً، هما: الأوزاعي، وتقدم ص٩٠، ويونس الأيلي، وضعَّف متابعته الخليليُّ في ((الإرشاد)) ١: ٤٤٨، وابن حجر في ((نتائج الأفكار)) ٣: ٢٨٢. وصرَّح السبكي ص٩ بصحة الحديث، وأن ابن الصلاح حسَّنه أيضًا في ((مشكلات الوسيط)) ٤:١ - ٥. وصرَّح النووي بتحسينه أول ((شرح مسلم)) ١: ٤٣، وفي موضعين من كتاب ((الأذكار)): أول کتاب حمد الله تعالی ص١٠٣، وأول کتاب أذكار النكاح ص٢٤٩، وكذلك في مادة (ح م د) من ((تهذيب الأسماء واللغات)) ص٧٠ من قسم اللغات، وفي شرحه لخطبة ((المهذب)) ١: ٧٣، ولفظه: ((والمشهور رواية أبي هريرة، وحديثه هذا حديث حسن .. ، وروي موصولاً ومرسلاً، ورواية الموصول إسنادها جيد)). = ١٠٢ مقدمة المؤلف [ب] ونحوه الموضع الأول من ((الأذكار)). وسيأتي إن شاء الله تعالى ٣: ٧٧ - ٧٨ أن الجيد أعلى من الحسن. واقتصر ابن حجر في ((الفتح)) ١: ٨ (١)، ٨: ٢٢٠ (٤٥٥٣) على قوله: ((في إسناده مقال))، ثم إنه جزم بحسنه في ((نتائج الأفكار)) ٢٧٧:٣، وسبقه شيخ شيوخه: العلائي في ((إثارة الفوائد المجموعة)) ٥٤:١، قال: هذا حديث حسن غريب. ويضاف إليهم آخرون، نقل كلامهم أو أشار إليه العلامة السيد محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى في جزئه: ((الأقاويل المفصَّلة لبيان حال حديث الابتداء بالبسملة)) ص٧ - ٢٣، وخَلَص إلى القول ص٢٣: ((وحاصل هذا أنه بالنظر لطريق قرَّةً بانفرادها: حسنٌ، وبالنظر لما احتفَّ به من المتابعات والشواهد: صحيح، وهذا هو ما تُشَدُّ عليه الأيدي في هذه الرواية)). ولينظر الجزء المذكور، ففيه فوائد كثيرة متنوعة. ولا بد من التنبيه إلى أمرين، ولو كان كتاب السيد الكتاني متداولاً لاكتفيت بالإحالة علیه. أولهما: أن عليًّا القاريَّ رحمه الله نسب في ((المرقاة)) ٦: ٢١٧ إلى ابن حبان أنه روى حديث البدء بالبسملة من طريقين !! ونحوه للزَّبيدي في ((شرح الإحياء)) ٣: ٢، وهذا سهو، فإن ابن حبان روی حدیث البدء بالحمدلة، كما تراه أعلاه. ثانيهما: أن لفظ النووي في الموضع الأول من ((الأذكار)) يوهم تحسينه لروايتَيْ الحديث: البسملة والحمدلة، لكن كلامه في ((تهذيب الأسماء واللغات)) واضح جدَّ الوضوح في تحسين حديث الحمدلة فقط، ونحوه كلامه في ((شرح مسلم))، و((المجموع)). فعزو تحسين حديث البسملة إلى النووي غير سديد أبدًا، وكذلك شأن عزو ذلك إلى ابن الصلاح والسبكي، فهم إنما حسَّنوا حديث الحمدلة. أما عزو ذلك إلى السيوطي: فنعم، كما تقدم نَقْله ص ٩٠ عنه من كتابه ((الدر المنثور)) ١ : ١٠. = ١٠٣ مقدمة المؤلف الفتّاحِ [ش] ((كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع)). وروى أحمد، والنسائي(١)، من حديث الأسود بن سَريع مرفوعًا: ((إن ربَّك يحبُّ الحمد)). (الفتَّاحِ) صيغة مبالغة من الفتح، بمعنى القضاء(٢). قال تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بيننا وبينَ قومِنا بالحقِّ وأنتَ خيرُ الفاتحين﴾ [الأعراف: ٨٩]. [ب] هذا، ويرى النوويُّ والسبكيُّ أن لا تعارض بين الإرسال والوصل، فلينظر کلامهما. والله أعلم. (١) أحمد في ((المسند)) ٣: ٤٣٥ - مرتين - و٤: ٢٤، والنسائي (٧٧٤٥)، ورواه الحاكم أيضًا (٦٥٧٥) وصححه، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٨: ١١٨، ١٠: ٩٥: ((رواه أحمد والطبراني بنحوه - ١ (٨١٩) فما بعده - بأسانيد، ورجال أحدها عند أحمد رجال الصحيح))، وكأنه يريد الرواية الأولى من ٣: ٤٣٥، ولا شيء في أسانيده إلا الاختلاف في سماع الحسن البصري من الأسود بن سريع، على أن له شاهدًا في الصحيحين من حديث ابن مسعود: عند البخاري (٥٢٢٠، ٧٤٠٣)، ومسلم ٤: ٢١١٣ (٣٢) وما بعده. (٢) هذا أحد معنيين قالهما الفخر الرازي رحمه الله في ((لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات)) ص٢٣٦ - ٢٣٧، وهو الذي ذكره البخاري أول تفسير سورة الأعراف: ((الفتاح: القاضي. افتح بيننا: اقضٍ بيننا)). ثانيهما: ((أنه الذي يفتح أبواب الخير على عباده، ويسهِّل عليهم ما كان صعبًا، ثم تارة يكون هذا الفتح في أمور الدين، وهو العلم، وأخرى في أمور الدنيا، فيغني فقيرًا، وينصر مظلومًا، ويزيل كربة))، وانظره، وهذا المعنى الثاني هو الشائع المشهور لهذا الاسم الكريم. ١٠٤ مقدمة المؤلف المثَّانِ، ذي الطَّوْل والفضلِ والإحسانٍ، الذي منَّ علينا بالإيمان، وفضَّل دينَنا على سائر الأديان، ومَحَا بحبيبه وخليله، عبده ورسوله محمد عبادةَ الأوثان، . [ش] (المنَّانِ) صيغة مبالغة من المنِّ، بمعنى الكثيرِ الإنعام، وسيأتي في النوع الخامس والأربعين في أثرٍ مُسَلْسَل عن عليّ: أنه الذي يبدأُ بالنَّوَال قبلَ السؤال. (ذي الطَّوْل) كما وصف تعالی بذلك نفسه في كتابه(١)، وفسَّره ابن عباس - فيما أخرجه ابن أبي حاتم (٢) - بذي السَّعَةِ والغِنى. (والفضلِ والإحسانِ، الذي منَّ علينا بالإيمان) بأنْ هدانا إليه ووفّقنا له. (وفضَّل دينَنا) وهو الإسلام (على سائر الأديان) كما ورد بذلك الأحاديثُ المشهورةُ. (ومَحَا بحبيبه وخليله، عبده ورسوله محمد) وَّر (عبادة الأوثان) أي: الأصنام التي كانت عليها كفار الجاهلية في زمن الفترة بعد عيسى عليه السلام(٣). (١) في الآية الثالثة أول سورة غافر. وقول ابن عباس المذكور أسنده إليه الطبري أيضًا ٢٤: ٤١، وأسند نحوه عن مجاهد وقتادة، وجعل القرطبي ١٥: ٢٩١ قول ابن عباس لمجاهد، وقول قتادة (ذي النعم): لابن عباس. (٢) وهو في ((الأسماء والصفات)) للبيهقي، وهو فيه ص ٤٣. (٣) تشترك الأوثان والأصنام - من حيث المعنى - في أنها كل ما يُعبد من دون الله تعالى، وتفترق أن الأوثان تتخذ من الحجارة، والأصنام تتخذ من الذهب أو الفضة، وما شابهها من المعادن. ينظر ((المصباح المنير))، و((مفردات الراغب))، و((نهاية)) ابن الأثير في المادتين. ١٠٥ مقدمة المؤلف [ش] وقد ذكر المصنف هنا أربعَ صفاتٍ من أشرفِ أوصافه صلى الله عليه وسلم: فالحبيب: ورد في حديثِ الترمذي وغيره(١)، عن ابن عباس مرفوعًا: ((أَلاَ [ب] - (١) ((سنن)) الترمذي (٣٦١٦) وقال: حديث غريب، و((سنن)) الدارمي (٤٧)، وفي إسناديهما: زمعة بن صالح، وهو ضعيف. وورد في غيره وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالحبيب، مما يثبت - بمجموعه ــ هذا الوصفُ له. من ذلك: ما جاء في أواخر حديث أبي هريرة الطويل في الإسراء والمعراج، الذي رواه البزار - ((كشف الأستار)) ١ (٥٥) -، وابن جرير في ((تفسيره)) ٦:١٥ - ١١، والبيهقي في ((الدلائل)) ٢: ٣٩٧ - ٤٠٣. وفي رواية البزار: الشكّ في التابعي، وفي رواية ابن جرير: الشك في الصحابي، ولا شك في رواية البيهقي. وقد أشار القاضي عياض في ((الشفا)) ١: ٢٨١ إلى هذه الرواية وذكر محلَّ الشاهد منها، وهو قول الله تعالى له: ((قد اتخذتك خليلاً، وهو مكتوب في التوراة: محمد حبيب الرحمن))، ولفظ الطبري: ((محمد حبيب الله))، وفي إسناده أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، والربيع: صدوق، كما تجده فيما علَّقتُه على ترجمته في ((الكاشف)) (١٥٢٤)، أما أبو جعفر: فسيء الحفظ. ومما يجدر التنبيه إليه: أن الصالحي رحمه الله أشار في ((سيرته)) ١ : ٥٥١ إلى هذا الحديث بقوله: ((وقد ثبت في حديث أبي هريرة .. ))، فالله أعلم. وثمة تنبيه آخر أهم، هو أن کون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حبيبَ الله ولا فخر: ثابت بغير هذه الروايات، وأوضحها - أو من أوضحها - حديثُ الشفاعة برواياته، الدالَّ على عظم شرف مقامه عند ربه سبحانه، وهو بالتالي دال على عظم = ١٠٦ مقدمة المؤلف [ش] وأنا حبيبُ الله ولا فخر)). و[الخليل](١): روى أحمد وغيره من حديث ابن مسعود، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((إني أبرأُ إلى كلِّ خليل من خُلَّته، ولو كنت متَّخِذًا خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكر خليلاً، وإن صاحبكم خليلُ الله)). وقد اختُلِفَ في تفسير الخُلَّة واشتقاقها (٢)، فقيل: الخليل المنقطعُ إلى الله بلا مِرّيّة، وقيل: المختصُّ به، وقيل: الصفيُّ الذي يُوالي فيه ويُعَادي فيه، وقيل: المحتاجُ إلیه. وأصلُ المحبة: الميلُ، وهي في حق الله تعالى: تمكينُه لعبده من السعادة، (ت) محبة الله تعالى له، صلوات الله وسلاماته عليه. وانظر استدلال البيهقي على هذا من القرآن الكريم، وسيأتي كلامه في الصفحة التالية تعليقاً. (١) زيادة مني للإيضاح. والحديث رواه أحمد ١: ٣٧٧، كما قال، وهو أيضًا في ((صحيح)) مسلم ٤: ١٨٥٦ (٧)، والترمذي (٣٦٥٦)، وابن ماجه (٩٣). وطَرَف منه أخرجه البخاري (٣٦٥٤) من رواية أبي سعيد الخدري، وسيأتي بعضها قريبًا. وإذا كان الحديث في ((صحيح)) البخاري فلا يصح الاقتصار على عزوه إلى مسلم، وإذا كان في ((صحيح)) مسلم فلا يصح الاقتصار على عزوه إلى أحمد أو أبي داود - مثلاً -، كما وقع هذا من الشارح هنا، وتَبِعه عليه تلميذه الصالحي في ((سيرته الشامية)) ١ : ٥٦٠. (٢) انظر ((الشفا)) ١: ٢٨٢، ٢٨٤، وهو عمدة ما في ((فتح الباري)) ٦: ٣٨٩ الباب ٨ من أحاديث الأنبياء، و٧: ٢٣ (٣٦٥٦). ١٠٧ مقدمة المؤلف [ش] والعصمةُ، وتهيئةُ أسباب القُرب، وإفاضة الرحمة عليه، وكشفُ الحُجُب عن قلبه. والأكثر: على أن درجة المحبة أرفع(١)، وقيل: بالعكس(٢)، لأنه صلى الله عليه وسلم نَفَى ثبوت الخُلَّة لغير ربه (٣)، وأثبتَ المحبة لفاطمةَ، وابنَيْها، (١) وكذلك قال الشارح في ((الرياض الأنيقة)) ص ١٤٠، وأصل الكلام للقاضي عياض رحمه الله في كتابه الأصيل المبارك ((الشفا)) ١: ٢٧٩ - ٢٨٩، ويصحَّح منه ما في كتاب ((الرياض الأنيقة)) من تحريف وسَقَط. وقال البيهقي رحمه الله في ((شعب الإيمان)) (١٤١١): ((وأما اتخاذ الله تعالى إبراهيم خليلاً فإنه إنما اتخذه خليلاً على مَن كان في عصره مِن أعداء الله عز وجل، لا على غيره من النبيين، وهو أنه هداه إلى معرفته، ووفّقه لتوحيده، حين كان الكفر طبَّق الأرض، ولم يكن في الدنيا نَسَمة تعرف الله، وتعترف به: غيرُه، واتخذه خليلاً: بأنْ جعله أهلاً لهدايته أولاً، ثم أَمَرَه ونهاه، فظهرتْ منه الطاعة ثانيًا، ثم بأن ابتلاه فوجد منه الصبر ثالثًا، فكان يومئذ خليله، وأهلُ الأرض كلهم أعداؤه، لأنه كان المطيعَ، والناسُ غيرَه عصاةٌ. «وقد اتخذ الله محمدًا صلی الله عليه وسلم حبيبًا، بدلالة الكتاب، وهو قوله عز وجل: ﴿قُلْ إن كنتم تحبُّون الله فاتَّبعوني يحببكم الله﴾ آل عمران: ٣١. فإذا كان اتِباعه يفيد للمتَّبع محبةَ الله عز وجل، فالمتَبَع بها: يكون أولى، ودرجةُ المحبة فوق درجة الخُلَّة)». (٢) مال إليه الشامي في ((سيرته)) ١: ٥٦٢، والزركشي في ((شرح البردة)) له، كما هو مقتضى ما نقله الشامي، وانظر كلام ابن حجر الآتي قريبًا. (٣) وذلك في رواية البخاري المشار إليها قبل قليل، من حديث أبي سعيد = ١٠٨ مقدمة المؤلف [ش] وأسامةَ وغيرِهم (١). وقيل: هما سواء(٢). (س) الخدري، ولفظها: ((ولو كنت متخذًا خليلاً غيرَ ربي لاتَّخذت أبا بكر، ولكنْ أُخُوَّةُ الإسلام ومودته». (١) الأحاديث في حبّه صلى الله عليه وسلم للمذكورين - ولغيرهم من الصحابة - متواترة تواتراً معنويًّا وتواتراً لفظيًّا، وغيرهم كثير، لا سيما مشاهير الصحابة، كالخلفاء الراشدين الأربعة ونحوهم، وهذا لا يُعكِّر على ما نحن فيه، إذْ ما نحن فيه هو: اتخاذ الله تعالى عبدًا من عباده، واصطفاؤه له، لا اتخاذُ العبد عبدًا آخر واصطفاؤه له. (٢) وهو أول الأقوال عند القاضي عياض في ((الشفا)) ١: ٢٨٤، ولفظه: ((واختلف العلماءُ وأربابُ القلوب أيُّهما أرفع: درجةُ الخُلَّة، أو درجةُ المحبة؟ فجعلهما بعضهم سواءً، فلا يكون الحبيبُ إلا خليلاً، ولا الخليل إلا حبيبًا، لكنه خصَّ إبراهيم بالخُلَّة، ومحمدًا بالمحبة .. وبعضهم قال: درجة الخُلَّة أرفع .. ، وأكثرهم جعل المحبةَ أرفعَ من الخلة، لأن درجة الحبيبِ نبيِّنا أرفع من درجة الخليل إبراهيم)» صلی الله علیهما وسلم. وقال الحافظ في ((الفتح)) ٧: ٢٣ (٣٦٥٦) بعد أن ذكر القول الثاني: ((ولا يعكر على هذا اتصافُ إبراهيم عليه السلام بالخلَّة، ومحمدٍ صلى الله عليه وسلم بالمحبة، فتكون المحبةُ أرفع من الخلّة، لأنه یجاب عن ذلك بأن محمدًا صلی الله عليه وسلم قد ثبت له الأمران معًا، فيكون رجحانه من الجهتين)). وفي حديث أبي هريرة الطويل في الإسراء والمعراج - المشار إليه قبل قليل ص ١٠٥ - قول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ((قد اتخذتك حبيبًا وخليلاً))، هذا لفظ ابن جرير، والأمر كما قال ابن حجر: ثبت له الأمران معًا. لكن من المستبعد أن يكون أمران في مرتبة واحدة، كأن تقول: المحبة والخلة = ١٠٩ مقدمة المؤلف [ش] والعبد: من أشرف صفات المخلوق(١)، أسند القُشَيريُّ في . - [ب] في مرتبة واحدة، فلا بدَّ من تفاضل بينهما، وحينئذٍ نصير إلى القول بترجيح المحبة، أو بأنه صلى الله عليه وسلم جُمع له المقامان: مقام الخُلَّة أولاً، ثم مقام المحبة، للاتفاق على أن نبينا أفضل من كل نبي ورسول، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. والله أعلم. (١) [قال شيخنا الغنيمي: ظاهر هذا الكلام أن صفة العبودية أشرف من صفة الرسالة والنبوة، وبه صرح بعضهم، ومعنى ذلك - والله أعلم -: أن عبودية النبي صلى الله عليه وسلم أشرفُ وأتمّ من صفة رسالته أو نبوته، وليس المعنى : أن عبودية غير النبي أفضل من النبوة أو الرسالة كما قد يقع في الوهم، أو المعنى : أن ماهيةَ العبودية من حيثُ هي بقطع النظر عن الأفراد : أفضلُ من ماهية سائر الصفات حتى النبوة والرسالة، فليتأمل فيه. انتهى.]. الغُنيمي: هو أبو العباس أحمد بن محمد بن علي الغُنَيمي الأنصاري الخزرجي، من نسل سيدنا سعد بن عبادة رضي الله عنه، (٩٦٤ - ١٠٤٤) رحمه الله، ترجمه العلامة ابن العجمي في ((ثَبَته)) صفحة ١٦٤ - ١٦٥، والمحبي في ((خلاصة الأثر)) ١: ٣١٢، وذكر له مؤلفات عديدة، وفيها حواشٍ كثيرة. وأما (الظاهر) الذي أورده في أول كلامه: فيمكن أن يجاب عنه بأن العبودية أشرف وصف للمؤمن، من بين الأوصاف التي يكون للعبد فيها كسب وتحصيل، أما (النبوة والرسالة) فهي محض هبة إلهية دون أي تحصيل من العبد: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الأنعام: ١٢٤، وقد اشتهر قول الإمام اللقاني في ((جوهرته)): ولو رَقَى في الخير أعلى عقبةٌ ولم تكن نبوة مكتسبة ونحوه جواب آخر: أن العبودية أشرف وصف يقرن بالنبوة والرسالة، يشير إليه = ١١٠ مقدمة المؤلف [ش] ((رسالته))(١) عن الدقاق قال: ليس شيء أشرفَ من العبودية، ولا اسمٌ أتمّ للمؤمن منها، ولذلك قال في صفته صلى الله عليه وسلم ليلةَ المِعراج - وكان أشرفَ أوقاته -: ﴿سُبْحانَ الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء: ١] ﴿فَأَوْحَى إلى عبده﴾ [النجم: ١٠]. ولو كان اسمٌ أجلَّ من العبودية لَسمَّاه به. وأسند عنه أيضًا (٢) قال: العبوديةُ أتمُّ من العبادة، فأولاً عبادة، وهي [ب] حديث أبي هريرة الآتي: ((ملِكًا نبيًّا، أو عبدًا رسولاً»، فأيُّ وصف مقرون بالنبوة والرسالة أشرف؟ جوابه: وصف العبودية. والله أعلم. وخلاصة الجوابين: أن وصف العبودية أشرف الأوصاف بعد ثبوت النبوة والرسالة. والله أعلم. وعلى هذا: فـ(الظاهر) الذي أُورد أول الكلام: غيرُ مراد ولا وارد. والله أعلم. (١) المطبوعة مع شرحها وحاشيتها للعروسي ٣: ١١٣. وقول الشارح هنا وفي النقل التالي: ((أسند القشيري)): فيه تجوّز، ولفظ القشيري: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق. والدَّقاق: هو أبو علي الحسن بن علي الدقاق المتوفّى سنة ٤٠٥، أجلُّ شيوخ أبي القاسم القُشَيري في التصوف، وكان القشيري صهره على ابنته المسندة فاطمة، له ترجمة في (تبيين كذب المفتري)) ص٢٢٦، و((طبقات السبكي)) ٤: ٣٢٩. ومن كلامه رحمه الله - القول المشهور، وليس بحديث نبويّ -: الساكت عن الحق شيطان أخرس. حكاه عنه القشيري في ((رسالته)) أول باب الصمت ١٧٩:٢ بلفظ: من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس. (٢) ١٠٨:٣، والعبادة: القيام بالأحكام الشرعية. والعبودية: اقترانها بالتذلل لله تعالى، والبراءة من الحول والقوة إلى حول الله وقوّته. والعبودة: أن يكون مع العبادة = ١١١ مقدمة المؤلف [ش] للعوام، ثم عبودية، وهي للخَوَاصِّ، ثم عبودة، وهي لخواصِّ الخواص. وفي ((المسند)) وغيره(١) من حديث أبي هريرة: أن مَلَكًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن الله أرسلني إليك، أَفَمَلِكًا نبيًّا يجعلُك، أو عبدًا رسولاً؟ فقال جبريل: تواضَعْ لربك يا محمد، قال: بل عبدًا رسولاً)). والأشهر في معنی الرسول: أنه إنسان أُوحي إليه بشرع وأُمِر بتبليغه، فإن لم يؤمَر فنبيٌّ فقط، وممن جزم به الحَلِيميُ (٢)، وقيل: وكان معه كتاب، أو نسخٌ لبعض شرع مَن قبله، فإن لم يكن فنبيٌّ فقط وإن أُمر بالتبليغ. فالنبيُّ أعمُّ، عليهما(٣)، وقيل: هما بمعنىَ، وهو الأَوْلى(٤). (ت) - والعبودية: تفويض الأمور إلى الله، والتوكل عليه، والرضا بقضائه وقدره، إنْ أُعْطي شكر، وإن مُنع رضي. تنظر ((حاشية)) العروسي. (١) ((المسند)) ٢: ٢٣١، والبزار - ((كشف الأستار)) (٢٤٦٢) -، وأبو يعلى (٦١٠٥)، ومن طريقه ابن حبان (٦٣٦٥)، وهو حديث صحيح. (٢) في ((المنهاج)) ١: ٢٣٩. (٣) ((عليهما)): أي: بناء عليهما. وضمير التثنية: للتعريفين. (٤) من ب، و، وفي غيرهما: الأول، وهذا (القيل) حكاه في ((المسايرة)) وشرحها لابن أبي شريف ٢: ٨٣ عن المحققين، لكن قال ابن أبي شريف: هذا («يقتضي اتحاد عدد الأنبياء والرسل، ولا يخفى مخالفة ذلك للوارد في حديث أبي ذر الذي قدَّمناه))، قدمه رحمه الله هناك ٧٩:٢، وقدم معه حديث أبي أمامة. وحديث أبي ذر: رواه أحمد وغيره، ١٧٨:٥، وحديث أبي أمامة: عنده أيضًا ٢٦٥:٥ - ٢٦٦، وعند غيره، وهما بإسناد ضعيف. = ١١٢ مقدمة المؤلف [ب] وكتب العلامة ابن العجمي رحمه الله بإزاء هذا الكلام ما نصه: [فائدة: ذكر النسفي أن النبوة والرسالة باقيتان بعد الموت حقيقةً، كما يبقى وصف الإيمان للمؤمن بعد موته، لأن المتصف بالنبوة والرسالة والإيمان: الروح، وهي باقية لا تتغير بموت البدن. وما ذكره النسفي من بقاء النبوة والرسالة بعد موت الأنبياء حقيقةً هو مذهب أبي الحسن الأشعري وعامة أصحابه، لا لِمَا قاله النسفي، بل لأن الأنبياء أحياء في قبورهم، كما وردت به الأخبار. انتهى من ((الاصطفا)). قال شيخنا الشَّوْبَري: ولِمَا قاله النسفي وجه دقيق، مُغْنٍ عما أشار إليه بالتحقيق، ثم رأيت للزَّمْلَكاني في ((تحقيق الأَولى))، وللكمالَيْن في ((المسايرة)) و((شرحها)) تحقيق ذلك بأبلغ بيان. فليراجع.]. ((الاصطفا)): أحد كتابين: إما أنه ((الاصطفا في مناقب المصطفى صلى الله عليه وسلم)) لعبد المجيد بن نصوح الرومي الحنفي الصوفي المتوفّى سنة ٩٩٦، ذكره إسماعيل باشا البغدادي في ((ذيل كشف الظنون)) ١: ٩٠، وإما أنه قصيدة العلامة زين الدين عبد الباسط ابن بدر الدين محمد البُلْقيني له ((قصيدة ميمية طنانة بديعة لم يَنْسُج على منوالها ناسج، وشرحها شرحًا مبدعًا كثير الفوائد فردًا في بابه سماها (الاصطفاء)) وشرحها بـ((الوفاء في شرح الاصطفاء)).)) كما قال الصالحي رحمه الله في ((سيرته)) ١: ٤٩١، وكأن هذا أقرب. والله أعلم. وقد أطلق الصالحي ١: ٥٥٠ ((الاصطفاء)) على الشرح. والبلقيني هذا: ترجمه السخاوي في ((الضوء اللامع)) ٤: ٢٨، وأنه ولد سنة ٨٧٠، وأشار إلى منظومته هذه، ولم يؤرخ وفاته، لكونه تأخر بعده. وأما الشَّوْبَري: فهو شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشافعي، (٩٧٧ - ١٠٦٦) رحمه الله، ترجمه العلامة ابن العجمي في (ثَبَته)) صفحة ١١٢ - ١١٨، وكذلك ترجمه المحبي في ((خلاصة الأثر)) ٣: ٣٨٥، ولعل كلامه هذا في ((حاشيته على المواهب اللدنية)) للقسطلاني. = ١١٣ مقدمة المؤلف [ش] ثم، الأكثر(١) على أنه صلى الله عليه وسلم مرسَل إلى الإنس والجن دون الملائكة، صرَّح بذلك الحَلِيميُّ، والبيهقيُّ في ((شُعَب الإيمان))، والرازيُّ، [ب] - والزَّمْلَكاني: هو الإمام كمال الدين محمد بن علي الشافعي، المتوفى سنة ٧٢٧، عن ستين سنة، رحمه الله تعالى، له ترجمة عالية جدًّا عند التاج السبكي ٩: ١٩٠ - ٢٠٦، واسم كتابه هذا بتمامه: ((تحقيق الأَوْلى في الكلام على الرفيق الأعلى)). انظر ترجمته المشار إليها ٩: ١٩١ مع التعليق عليه. و((الكمالين)) هما: كمال الدين ابن الهمام، وتلميذه كمال الدين ابن أبي شريف المقدسي، و((المسايرة)) لابن الهُمام، وشرحها ((المسامرة)) لتلميذه المذكور. انظر منه ٢: ٢٣٢ - ٢٣٥. أما أصل المسألة: فهي بقاء وصف النبوة والرسالة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لجميع الأنبياء والمرسلين، بعد لحوقهم بالرفيق الأعلى، ذلك أنهم عليهم الصلاة والسلام أحياءٌ في قبورهم، كما دلَّت على ذلك الأخبار، هذه عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري وأصحابه عمومًا من بعده، ونَسَب إليه الكراميةُ المبتدعةُ من باب الإلزام الفاسد خلافَ هذا القول، ووَشَوْا إلى سلطان زمانهم بذلك، وكانت فتنة عمياء، ينظر لبيانها ((تبيين كذب المفتري)) لابن عساكر ص ١٠٠ - ١٠٨، ١١٠ - ١١٢، و((طبقات السبكي)) ٣: ٤٠٦ - ٤١٣ و٤: ١٣١، وأظن أن الإمام البيهقي ألف جزء ((حياة الأنبياء في قبورهم)) من أجل إطفاء هذه الفتنة، كما كتب من أجلها ((الرسالة الأشعرية)) التي ضمَّنها ابن عساكر في كتابه المذكور، الموضع الأول. (١) ((الأكثر)): من أ، د، هـ، ز، ط، وهو الذي يتناسب مع كلامه الأخير، وفي ب، ج، و، ح، ي، ك: ((الإجماع))، وهو لا يتناسب مع كلامه الأخير الذي ألحقه الشارح في وقت متأخر، کما سأنبه إليه بعد تعلیقتین. ١١٤ مقدمة المؤلف [ش] والنسفيُ(١) في تفسيرهما، ونَقَله المتأخرون، منهم الحافظ أبو الفضل العراقي في (نْكَته على ابن الصلاح))، والشيخ جلال الدين المحلّيُّ في ((شرح جمع الجوامع)) (٢). [ب] - (١) النسفي: المراد هنا غير النسفي الإمام المشهور بتفسيره، ويمتنه في الفقه الحنفي ((كنز الدقائق))، وبمتنه الآخر في الأصول ((المنار))، هذا المشهور لقبه: حافظ الدين، وكنيته: أبو البركات، وكانت وفاته سنة ٧١٠. أما النسفي المراد هنا فهو: برهان الدين أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد النسفي (٦٠٠ - ٦٨٧) ترجمه الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) ٥١٧:١٥، ٦٠٠، وذكر من مؤلفاته تلخيصه لتفسير الفخر الرازي، وذكره حاجي خليفة وسماه ((الواضح)). وكل من ذكر هذا القول للنسفي، ذكره بلقبه: البرهان النسفي، حتى الشارح في كتابيه ((تزيين الأرائك))، و((الحبائك))، وقبله شيخه المحلّي في ((جمع الجوامع))، وكذا البقاعي في ((نظم الدرر)) ٦٩:٧ آخر الصفحة، ثم قال أول الصفحة ٧٢: ((وأما النسفي فمختصِر له))، ثم قال ٣٣٢:١٣ بعدما نقل كلامًا للفخر الرازي: ((وأما البرهان النسفي، فمن الرازي أخذ، وعبر بعبارته))، فإطلاق الشارح هنا العزو إلى النسفي موهم. (٢) الحليمي في ((المنهاج)) ١: ٣١٩، ٢: ١٣١، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٦٨)، والفخر الرازي أول تفسير سورة الفرقان ٢٤: ٤٥، و((تفسير)) البرهان النسفي غير مطبوع، والعراقي في ((النكت على ابن الصلاح)) ٨٧١:٢، والمَحَلِّ على ((جمع الجوامع)) ٢: ٤٧٣ بحاشية العطار، و٢: ٤١٦ بحاشية البَنَّاني. وأما الفخر الرازي: فقد عزا الشارح هذا القول إليه على أنه في ((تفسيره))، وهو موهم أيضًا، والذي فيه قوله في بيان معنى ﴿اٌلْعَلَمِينَ﴾: ((العالَم: كل ما سوى الله = ١١٥ مقدمة المؤلف [ش] واختار البارِزي والسُّبْكي أنه مرسَل إلى الملائكة أيضًا، وهو اختياري، وقد أَلَّفتُ فيه كتابًا(١). [ب] تعالى، ويتناول جميع المكلّفين من الجن والإنس والملائكة، ولكنا أجمعنا أنه عليه السلام لم يكن رسولاً إلى الملائكة»، وللبرهان البقاعي كلام طويل في المسألة عامة، وحول كلام الرازي هذا خاصة، ومما قاله في تفسيره ((نظم الدرر)) ٧: ٧١، و١٣ : ٣٣٢: إن الذي في أكثر النسخ من تفسير الرازي: لكنا بيَّنّا أنه عليه السلام لم يكن رسولاً إلى الملائكة، بدل: لكنا أجمعنا، ومناقشات أخرى، ويتعيَّن الرجوع إلى كلامه، كما يتعين الرجوع إلى مناقشة لفظية دقيقة لقول الرازي ((أجمعنا)) - إن صحت- من الإمام ابن حجر المكي في مقدمة ((شرحه على الأربعين النووية)) ص ٧٧. وقد نصر البقاعي جدًّا عموم رسالته صلى الله عليه وسلم للإنس والجن والملائكة، ولو جُمع بينه وبين كلام الشارح في رسالته ((تزيين الأرائك» لجاء غاية. نعم، ادعى الرازي الإجماع على ذلك في كتاب آخر له، هو ((أسرار التنزيل))، حكى ذلك عنه الحافظ في مقدمة ((الإصابة)) تحت: الفصل الأول في تعريف الصحابي، وقال: ((نوزع في هذا النقل، بل رجّح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلاً إليهم، واحتج بأشياء يطول شرحها))، ونقل هذا عن ابن حجر: تلميذه البرهانُ البقاعيُّ ٧: ٧٢ من ((نظم الدرر))، وانظر تعليقه عليه لزامًا. (١) هذه الفِقْرة زيادة من أ، د، هـ، و، ز، ي، وهي زيادة متأخرة ألحقها الشارح، كما هو واضح من كلامه أول رسالته ((تزيين الأرائك» المطبوعة ضمن ((الحاوي)) له ٢: ٢٥١ - ٢٦٣، وانظره خاصة ٢: ٢٥٣، وعلى حاشية ب كلام نحو هذا بقلم صاحب النسخة علي الأنصاري. والبارِزي: شرف الدين هبة الله بن عبد الرحيم (٦٤٥ - ٧٣٨)، كما صرَّح به الشارح في ((الحبائك)) له، ترجمه الذهبي في ((معجمه الكبير)) ٢: ٣٥٦ (٩٤١) = ١١٦ مقدمة المؤلف [ش] وأما الكلام في شرح اسمه (محمد) فقد بَسَطْناه في ((شرح الأسماء النبوية))(١). ووصفه بشيخ العلماء، بقية الأعلام، وفي ((معجمه المختصّ)) ص٢٩١ (٣٧١) ووصفه بالإمام شيخ الإسلام، عديم النظير، له خبرة تامة بمتون الأحاديث، وأنه ((صنَّف مجلدًا في شرف النبي صلى الله عليه وسلم))، ولعله اختار هذا القول في هذا الكتاب؟ فيكون عصريَّ الإمام تقي الدين السُّبكي (٦٨٣ - ٧٥٦) الذي اختار هذا القول أيضًا، أو من طبقة شيوخه. والكتاب الذي ألَّفه الشارح في المسألة هو «تزيين الأرائك بإرساله صلى الله عليه وسلم إلى الملائك)) رسالةٌ طُبعت بمصر مستقلة، وضمن ((الحاوي))، وذكرها في کتابه الآخر «الحبائك بأخبار الملائك» ص٢٥٦. ومما نقله: كلامُ ابن حجر في مقدمة ((الإصابة))، ويكاد يكون فيه ميلٌ إلى هذا القول، لكنْ كلامه في ((الفتح)) ٧: ٤ أول كتاب فضائل الصحابة يكاد يكون فيه ميل إلى خلافه، وهو صريح في نقض دعوى الإجماع التي قالها الرازي، وكذلك قال في (الإصابة)) آخر ترجمة زَوْبعة الجني. (١) للشارح رحمه الله تعالى كتاب أسماه ((الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة)) صلى الله عليه وسلم، وقد طُبع، وينظر منه ص٤٢ للأمر الذي أحال عليه هنا. وله أيضًا كتاب آخر هو أصل هذا الكتاب أسماه: ((المرقاة العلية في شرح الأسماء النبوية))، أشار إليه وذكر الكلمة الأولى مِن اسمه في آخر حاشيته («تنوير الحوالك)»، وأشار إليه في ص١٢ من أول كتابه السابق. كما ذكر في ((تنوير الحوالك)) أنه اختصر ((الرياض الأنيقة)) في كتاب سماه ((الوسيلة)). وله اختصار آخر سماه «البهجة السَّنية في الأسماء النبوية))، منه نسخة في مكتبة شيخ = ١١٧ مقدمة المؤلف وخصَّه بالمعجزة والسُّنَن المستمرَّة على تَعَاقُب الأزمان، صلى الله عليه وسلَّم وعلى سائر النبيين، وآلِ كلِّ، ما اختَلَفَ المَلَوَانِ، [ش] (وخصَّه بالمعجزة) المستمِرَّة، أي: القرآن، (والسُّنَن المستمرَّة على تَعَاقُب الأزمان). في الصحيحين(١) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من الأنبياء من نبيّ إلا قد أُعطِيَ من الآيات ما مِثلُه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتِيتُ وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكونَ أكثرَهم تابعًا يوم القيامة)). أي: اختُصِصْتُ من بينهم بالقرآن المعجِز للبشر، المستمرِّ إعجازُه إلى يوم القيامة، بخلاف سائر المعجزات فإنها انقضتْ في وقتها. (صلى الله عليه وسلَّم (٢) وعلى سائر النبيين، وآلِ كلِّ ما اختَلَفَ المَلَوَانِ(٣)): أي: الليلُ والنهار، قاله في ((الصحاح)). يقال: لا أفعلُه ما اختلف [ب] الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، فهذه أربعة كتب له في هذا الباب. وللعلماء كتب أخرى في جمع أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وفي شرحها، ذكر بعضها الصالحي في ((سيرته)) ١ : ٤٩١. (١) البخاري في «صحيحه)) (٤٩٨١)، ومسلم ١: ١٣٤ (١٥٢). (٢) ((وسلَّم)): من نسختي المتن، وليست في نسخ الشرح، وقد نبَّه السخاوي رحمه الله في ((فتح المغيث)) ١: ١٠ - ١١، و((شرح التقريب ص٣١ إلى عدم ثبوتها في كثير من نسخ ((التقريب)). (٣) [وإنما قيل لهما المَلَوان: لأنهما مملوءان بالحوادث. كذا قال الصفار. وأنتَ خبير بأن المَلَوَيْنِ واويٌّ. والمملوء بسكون الميم. دَمامِيني. وفي التعاريف: المَلَوان: الليل والنهار، وحقيقة ذلك تكرارهما وامتدادهما.]. ١١٨ مقدمة المؤلف وما تكررتْ حِكَمُه وذِكْرُه وتعاقب الجديدان. [ش] المَلَوَان، الواحد: مَلاَ (١)، بالقصر. (وما تكررتْ حِكَمُهُ وذِكْرُهُ وتَعَاقَبَ الجديدان) أي: الليلُ والنهارُ أيضًا. قال ابن دُرَيد (٢): على جديدٍ أَدْنَيَاهُ للِلَى إن الجدیدیْنِ إذا ما استَوليا وقيل: هما الغداةُ والعَشِيِّ(٣). وأدخل المصنف في الصلاة سائرَ النبيين، لحديث: ((صلُّوا على أنبياء الله [ب] - - (١) ((الواحد مَلاَ)): [كـ: عَصىً]. نصَّ على مفرده وواحده هذا: الجوهريُّ في ((صحاحه))، فيستدرك به على قول المُحِبي رحمه الله في ((جَنَى الجنتين)) ص١٠٨ : ((من المثنى الذي لا يُفرد واحده)). وزاد المحبي أن الملوين هما الليل والنهار، وكذا ((طرفاهما))، وهو في ((لسان العرب)) ١٥: ٢٩١. ثم إن الشيخ ابن العجمي رحمه الله کتب وضبط: عَصیّ، کما تراه، فإن كان أراد (العصا) الخشبية التي يُتوكأ عليها فكان ينبغي له أن يكتبها بالألف الممدودة، أو لعله أراد ما قاله الجوهري: ((العَصَى - مقصور - مصدر قولك: عَصِيَ بالسيف، يَعْصَى: إذا ضرب به)). والله أعلم. (٢) في ((مقصورته)) الشهيرة، وهذا هو البيت السابع والعشرون منها. وسُمِّي الليل والنهار جديدين: لأنهما لا يَبليان أبدًا على كثرة تكرُِّهما. وأفاد المحبي ص٣٣: ((أنهما من الاثنين اللذين لا يفردان). (٣) لم أَرَ النصَّ على هذا في ((لسان العرب))، ولا (تاج العروس))، نعم ذكره المحبي في ((جَنَى الجنتين)) ص٣٣، نعم، ذكر الإمام الخليل بن أحمد رحمه الله في (العين)) ١: ٢٩٣، ٨: ٢٨ أن الغداة والعشيّ يطلق عليهما: العصران، والأبردان. ١١٩ مقدمة المؤلف [ش] ورسله فإنهم بُعِثوا كما بُعِثْتُ))، أخرجه الخطيب وغيره(١). وآلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عند الشافعي: أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطّلب، لحديث مسلم (٢) في الصدقة: ((إنها لا تَحِلَّ لمحمد ولا لآل محمد)). وقال في حديث رواه الطبراني(٣): ((إن لكم في خُمُسِ الخُمُسِ ما يَكْفيكم. [ب] - (١) ((الخطيب)): من أ، هـ، ز، ط، وهو في ((تاريخ بغداد)) ٨: ٣٧٧ عن أنس مرفوعًا، وجهَّل أحد رواته. وفي ب، ج، د، و، ح، ي، ك: ((أخرجه الطبراني)). وقد عزاه إلى الطبراني أيضًا: السخاوي في ((القول البديع)) ص١٣٥ من حديث ابن عباس، وأن في إسناده موسى بن عُبيدة الرََّذي، وهو ضعيف، ولم أره في الطبراني - وعزاه إليه القسطلاني في ((مسالك الحنفا)) ٥٤٠ وذكر سنده فليراجع -، وذكر السخاوي عدةَ أحاديثَ في الباب، تقوِّي بعضها بعضًا. ومن أحاديث الباب: حديث أبي هريرة، رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٣٠)، وفيه الربذي، وشيخه محمد بن ثابت: يُجهل، وراويه عن الربذي عند البيهقي: وكيع، وهو إمام، ورواه القاضي إسماعيل في ((فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)) (٤٥) من طريق عمر بن هارون، وهو واهٍ، عن الربذي، به، فيضاف إلى تخريج السخاوي له ص١٣٤. (٢) في ((صحيحه)) ٢: ٧٥٤ (١٦٨). (٣) في ((المعجم الكبير)) ١١ (١١٥٤٣). وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣: ٩١: ((فیه حسین بن قيس، الملقب بـ: حنش، وفیه کلام کثیر، وقد وثقه أبو مِحْصَن)). قلت: لفظ أبي محصن فيه: شيخُ صِدْقٍ، كما في التهذيبين، ولا يُلتفت إلى هذا أمامَ جرح الأئمة له الجرحَ الشديد. واسم أبي محصن: حصين بن نمير الخزاعي، أحد = ١٢٠ مقدمة المؤلف [ش] أو: يُغْنیکم)). وقد قَسَم صلى الله عليه وسلم الخُمُس على بني هاشم والمطلب تاركًا أَخَوَيْهم بني نوفل وعبد شمس مع سؤالهم له، كما رواه البخاري(١). وآلُ إبراهيم: إسماعيلُ وإسحاق وأولادهما، ويُقاس بذلك آل الباقين. وتعبيرُ المصنف عن السنة بالحِكَم، أخذًا من تفسير الحِكمة في قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمهم الكتابَ والحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلَى في بيوتِكنَّ من آيات الله والحِكْمة﴾ [الأحزاب: ٣٤]: بالسنة، قال ذلك قتادة والحسن وغيرهما(٢). [ت) الرواة عن حنش. (١) في ((صحیحه)) (٣١٤٠، ٣٥٠٢، ٤٢٢٩). (٢) أصل التلاوة في الآية الأولى: ويُعلِّمهم، بالواو قبلها. وحذْفُها وحذفُ الفاء - مثلاً - في مثل هذه المناسبات جائز، فَعَله الإمام الشافعي رضي الله عنه في كتابه ((الرسالة)) (٦٤٣، ٩٧٤، ٩٧٥)، ونصَّ على جوازه الإمام النووي في ((شرح مسلم)) ٩:٣، واستدل له بوروده في عدد من الأحاديث، فانظرها. ويزاد عليها حديثٌ لابن عباس في ((المسند)) ٤: ١٣١ (٢٤٠٧)، ونبَّه الأستاذ أحمد شاکر رحمه الله علی الجواز عند كلامه علیه. وقول قتادة في تفسير الحكمة بالسنة: أسنده إليه ابن جرير في تفسير سورة الأحزاب ٩:٢٢، والجمعة ٢٨: ٩٤، ونحوه عند عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٢: ١١٦. وأما قول الحسن: فرواه ابن أبي حاتم في تفسير سورة البقرة ١: ٣٩٠، وآل عمران ٢: ٦٤٩، بإسناد واحد فيه أبو بكر الهُذَلي، وهو متروك، كما في ((التقريب)) =