Indexed OCR Text

Pages 1-20

تَرِيبُ الَّوَيُّ
في شَرَحْ تَقْرِيْبِ النَّوَاوِيْ
لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ كَلِ الدِّينِ السُّيُوطيّ
٨٤٩ هـ - ٩١١ هـ
رحَمَهُ اللَّه تعَالى
٩/١٠
ومعه
خَاشِيَة
العَلَّامَةِ أَحْمَدَيْ أعْمَدَابْنِ العَقَميّ
١٠١٤ هـ - ١٠٨٦ هـ
مَقَّقَ نُصُوصَهُمَا وَقَّمَهَا وَََّرَ مُهَمَّاتِهَا
محمّد عوامة
المُجَلّدُ الثَّاني
دَارُ الدُ
دَارُ المُتَّارِ

د
一
ـبيم

تَدْرِنُِّ الرَُّوِيّ
في شَرَحْ تَقْرِيْبِ التَّاوي
٢

الطّبْعَة الأولى
١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦م
حِقُق الطّبْعْ تَحَفُوظَة لِلُمِقِّق
دَارُ المُنَفَّارِ لِلنَشِرِ وَالتَّوَيع
جدة - هاتف رئيسي 6326666 - فاكس 6320392
الإدارة 6300655 - المكتبة 6322471
ص. ب 22943 - جدة 21416
www.alminhaj.com
E-mail: info@alminhaj.com
دَار البير للنشر
المدينة المنَوَة - المَمْلِكَة العربيّة السعوديَّة
الموقع الإلكتروني :www.dar-alyusr.com للمراسلة على البريد الإلكتروني :info@dar-alyusr.com

٥
مقدمة المؤلف
بسماله الرحمن الرحيم
وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم
الحمد لله الذي جعل أسباب مَن انقطع إليه موصولةً، ورفعَ مقامَ الواقف
بيابه وآتاه مُنَاه وسُولَه، وأدرجَ في زمرة أحبابه مَن لم تكنْ نفسُهُ بزخارف
المبطلين معلولة(١).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً برداء الإخلاص
مشمولةً، وللملكوت الأعلى صاعدةً مقبولة.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، الذي بلِّغ به مِن إكمال الدين
مأمولَه، وآتاه جوامع الكَلِم، فنطق بجواهر الحِكَم، وفاحتْ من حدائق أحاديثه
في الخافقين(٢) شَذا أزهارِها المطلولة(٣)، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله
وصحبه ذوي الأصول الكريمة، والأمجاد المأثولة(٤).
[ب]
(١) في هذه الكلمات براعة استهلال أشار فيها إلى سبعة أنواع من أنواع علم
الحديث، إذا اعتبرنا كلمة (المبطلين) فيها إشارة إلى: الحديث الباطل.
(٢) [الخافقان: المشرق والمغرب، أو أُفُقاهما، لأن الليل والنهار يختلفان
فيهما، أو طرفا السماء والأرض، أو منتهاهما.].
(٣) [الشَّذا: قوة ذَكاء الرائحة.].
(٤) [أَثَل يَأْثُل أُثولاً: تأصّل، والرجلُ: كثُر ماله، وتأثّل: عَظُم، والأُثال
- كسَحَاب وغُراب -: المجد والشرف.].
=

٦
مقدمة المؤلف
أما بعد: فإن علمَ الحديث رفيعُ القدر، عظيمُ الفخر، شريفُ الذِّكْر، لا
يَعْتّني به إلا كلِّ حَبَر، ولا يُحْرمه إلا كل غَمْر (١)، ولا تَفنى محاسنُه علی ممرٌ
الدهر، وكنتُ ممن عَبَر إلى لُجَّة قاموسه(٢)، حيثُ وقفَ غيري بشاطِه، ولم
أكتفِ بوُرُود مَجارِبِه، حتى بَقَرت عن منبعه ومناشِيه(٣)، وقلتُ لمن على الراحة
عوَّل، متمثلاً بقول الأوّل(٤).
(ت)
[والأمجاد: جمع ماجد، وهو الكريم الشريف.].
(١) الغُّمْر: الرجل الذي لم يجرِّب الأمور.
(٢) اللُّجَّة: معظم الماء. والقاموس: معظم ماء البحر. فالمراد: أنه دخل بحر هذا
العلم وتعمَّق فيه جدًّا.
(٣) ((بَقَرَت)): في نسخة د: نَقَرت. والمعنى قريب.
ومناشیه: جمع منشأ، سُهِّلت الهمزة فصارت یاء.
يريد: غاص في هذا العلم حتى وصل أعماقه. وفسَّر الشيخ ابن العجمي الكلمة
الأولی فکتب رحمه الله [بقَرَہ۔ کـ : مَنَعَ ۔ شقّہ ووسّعه، وفي «المصباح)) - ب ق ر - :
وبقرت الشيء بقراً، من باب قتل، شققتُه، وبقرته: فتحته.].
(٤) في نسبة هذین البیتین إلى قائل معین اختلاف کثیر، وقد كنت سألت عنهما
الأستاذ الدكتور المحقّق خليل عساكر (المصري)، المتوفى يوم الخميس ٣ من
جمادى الآخرة من عام ١٤١٣، ودفن بالمعلاة، بمكة المكرمة، رحمه الله تعالى،
فأجابني بتاريخ ٢١ من صفر من عام ١٤١٢ جوابًا مطوَّلاً خلاصته: أنهما ينسبان إلى
معن بن أوس، وإلى امرئ القيس، وإلى المتوكل الليثي، وإلى عبد الله بن معاوية بن
جعفر بن أبي طالب.
قلت: نُسِبا إلى امرئ القيس في قصة طريفة ساقها الخطيب بطولها في ((تاريخه))
٢: ٤٧٥ في ترجمة محمد بن جعفر مع الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، انظرها
فيه مع شيء من المغايرة في مطلعهما.

٧
مقدمة المؤلف
يومًا على الأحساب نَكلُ
لسنا - وإنْ كنّا ذوي حَسَب ۔
تبني، ونفعلُ مِثلَ ما فعلوا
نَبْني كما كانتْ أوائلُنا
مع ما أمدَّني الله تعالى به من العلوم، كالتفسيرِ الذي به يُطَلَع على فهم الكتاب
العزيز، وعلومِهِ التي دوّنْتُها ولم أُسبَق إلى تحريرها الوجيز، والفقهِ الذي مَن جَهِله
فَأَنَّى له الرِّفعةُ والتمييز، واللغةِ التي عليها مدارُ فهم السنة والقرآن، والنحوِ الذي
يفتَضحُ فاقدُه بكثرة الزلل ولا يصلُح الحديثُ لِلَحَّان، إلى غير ذلك من علوم
المعاني والبيان، التي هي لبلاغة الكتاب والحديث تِبْیانٌ.
وقد ألَّفتُ في كل ذلك مؤلَّفات، وحرَّرتُ فيها قواعدَ ومهمَّات، ولم أكنْ
كغيري ممن يدّعي الحديثَ بغير علم، وقُصارَى أمرِه (١) كثرةُ السماع على كلِّ
شيخٍ وعجوز، غيرَ ملتفتٍ إلى معرفة ما يَحتاجُ المحدثُ إليه أن يَحُوز، ولا
مكترثٍ بالبحث عما يُمنع أو يجوز، ثم ظنَّ الانفرادَ: بجمْعِ الكتب والضَّنِّ
بها(٢) على طلابها، فهو كمثلِ الحمارِ يحملُ أسفارًا عاريًا عن الانتفاع بخطابها،
إِنْ سُئل عن مسألة في المصطلح لم يَهتدِ إلى جوابها، أو عَرَضَت له مسألة في
دينه لم يعرف خَطَأَها من صوابها، أو تلفَّظ بكلمة من الحديث لم يَأْمِنْ أن يَزِلّ
في إعرابها، فصار بذلك ضُحْكَةً للناظرين، وهُزْأَةً للساخرين(٣)، والله تعالى
(١) أي: غاية جهده. ونقل العلامة ابن العجمي عن ((القاموس)) قوله:
[و قَصْرُك أن تفعل كذا، وقُصَارُك - ويُضمّ -، وقُصَيْراك وقُصاراك - بضمهما -:
أي جهدك وغايتك.].
(٢) هكذا في النسخ ومنها ك، والضبط منها فقط، إلا هـ، وففيهما: وضَنّ
بها، ومعنى ما أثبتُّه: ثم ظنّ أن الانفراد والتميُّز عن أهل العلم يكون بأمرين: جمع
الکتب، وحبسها عن طلابها.
(٣) [ضُحْكة - بالضم -: يُضحك منه. ورجلٌ هُزْأة - بالضم - يُهْزأ منه.
=

٨
مقدمة المؤلف
حسبي وهو خير الناصرين.
هذا، وقد طالما قيَّدتُ في هذا الفن فوائدَ وزوائدَ، وعلَّقتُ فيه نوادر
وشوارد، وكان يخطر ببالي جمعُها في كتاب، ونظمُها في عِقْدٍ لينتفع بها
الطلاب، فرأيتُ كتاب ((التقريب والتيسير)) لشيخ الإسلام الحافظ وليَّ الله تعالى
أبي زكريا النَّواوي، كتابًا جَلَّ نفعه، وعَلاَ قدره، وكثُرت فوائده، وغَزُرت
للطالبين موائده، وهو مع جلالته وجلالة صاحبه وتطاول هذه الأزمان من حین
وَضْعُه، لم يَتَصَدَّ أحد إلى وَضْع شرح عليه، ولا إلى الإنابة إليه(١)، فقلت: لعل
ذلك فضل ذَخَره الله تعالى (٢) لمن يشاء من العبيد، ولا يكون في الوجود إلا ما
یرید.
فقويَ العزم على كتابة شرحٍ عليه كافلٍ بإيضاح معانيه، وتحرير ألفاظه
ومبانيه، مع ذِكْر ما بينه وبين أصلِه(٣) من التفاوت في زيادة أو نقص، أو إيراد
(ت)
وكهُمَزَة: يهزأ بالناس. ق.]. ((القاموس)) مادة: (ض ح ك، هـ ز ء).
(١) الإنابة إليه: الرجوع إليه، أي: لم يكتب أحد شرحًا على ((التقريب)) يصلح
أن یکون مرجعًا في بابه.
وقد كتب عصريُّ الشارح وقِرَتُه الإمام الحافظ السخاوي رحمهما الله تعالى
شرحًا، طبع باسم ((شرح التقريب والتيسير)) في مجلد حافل، وقال في مقدمته مثل
قول الشارح: ((لم يتقدمني له شارح))، وأرخ الفراغ من تسويده سنة ٨٩٢، ثم الفراغ
من تبييضه سنة ٨٩٤، أما السيوطي فكان فراغه من تأليفه قبل سنة ٨٩٠، كما تقدم
في الدراسة صفحة ٧.
(٢) (ذَخَره - بمعجمتين - من باب منع، ذُخراً - بالضم -: اختاره، أو اتخذه،
والذخيرة: ما ادُّخِرٍ.].
(٣) يريد به ((مقدمة ابن الصلاح))، وللشارح رحمه الله رسالة سماها ((التذنيب
في الزوائد على التقريب»، ذكرها له حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) ١: ٤٦٥، أفرد
=

٩
مقدمة المؤلف
أو اعتراض، مع الجواب عنه إن كان، مُضِيفًا إليه زوائدَ عليَّة، وفوائدَ جليَّة، لا
تُوجد مجموعةً في غیره، ولا سار أحدٌ قبله کَسَیْرِه.
فشرعتُ في ذلك مستعينًا بالله تعالى، ومتوكِّلاً عليه، وحبذا ذاك اتِّكالاً،
وسمیته :
تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي(١)
وجعلتُه شرحًا لهذا الكتاب خصوصًا (٢)، ثم لمختصَر ابنِ الصلاح ولسائر
كُتُب الفن عمومًا، واللهَ أسألُ أن يجعله خالصاً لوجهه، فهو بإجابة السائل
أخرى، وينفعَ به مؤلِّفه وقارئه في الدنيا والأخرى.
وهذه مقدمة فيها فوائد :
الأولى : في حدٍّ علم الحديث وما يتبعه
قال ابن الأَكْفاني(٣) في كتاب ((إرشاد القاصد)) الذي تكلّم فيه على أنواع
فيها زوائد النووي على ابن الصلاح رحمهما الله تعالى.
(١) ينظر صفحة ٧ من الدراسة.
(٢) (ذَكَر في ديباجة ((شرح ألفيته)) أن شرحه على ((التقريب)) لم يؤلّف في الفن
أجمعُ منه.].
((ذَكر)) أي: الشارح الإمام السيوطي رحمه الله، و((في ديباجة شرح ألفيته)) أي:
شرح السيوطي على ((ألفية العراقي)) الذي طبع حديثًا، والنصُّ فيه ص ٩٢، وعبارة
العلامة ابن العجمي توهم عَوْد الضمير على ((ألفية)) الشارح، وشرحُه لها هو الذي
سماه ((البحر الذي زَخَر في شرح ألفية الأثر)).
٠
(٣) [بالفتح، القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد الأَكْفاني، توفي سنة
٤٠٥ ].
قوله ((بالفتح)): أي: فتح الهمزة.
=

١٠
مقدمة المؤلف
العلوم(١): ((علمُ الحديث الخاص بالرواية: علمٌ يشتملُ على نقل أقوال النبي
[ب] -
ثم إن الذين يُعرَفون بابن الأكفاني ثلاثة من العلماء - فيما أعلم ..
أولهم: هذا، المتوفّى سنة ٤٠٥، له ترجمة في ((سير أعلام النبلاء)» ١٧: ١٥١.
وثانيهم: أبو محمد هبة الله بن أحمد الأكفاني، توفي سنة ٥٢٤، وهو من
الحفاظ، له ترجمة في ((السِّير)) ١٩: ٥٧٦، وغيره، وهو صاحب «ذیلُ ذیلِ تاریخ
مولد العلماء ووفیاتهم»، وهو مطبوع.
وكلا الرجلين غير مراد الشارح، إنما مراده شمس الدين أبو عبد الله محمد بن
إبراهيم بن ساعد الأنصاري السِّنْجاري ابن الأكفاني، المتوفّى سنة ٧٤٩ - لا: سنة
٧٩٤ -، المترجَم في ((الدررِ الكامنةِ)) ٣: ٢٧٩ لابن حجر، وغيرِه، وهو صاحب
((إرشاد القاصد)) الذي صرَّح الشارح بالنقل عنه، أما الأولان المذكوران: فلا،
وعجيبٌ من ابن العجمي قولُه هذا.
(١) ((إرشاد القاصد)) فيه تعريف بستين علمًا من العلوم الشرعية والعربية والعقلية
ونحوها، وكلامه فيها كلام دارس ممارس لها، وذكر حاجي خليفة حين كلامه عليه
١: ٦٦ أنه: مأخذُ طاشْكُبري زاده في ((مفتاح السعادة))، وأنه ذكر أثناء كلامه على
العلم أشهر ما صُنِّف فيه، فبلغ عدد ما ذكره من الكتب أربع مئة كتاب، وهي حسب
فهرسِهِ المطبوع آخرَه ٣٤٨ کتاب.
وذكر عند كلامه على علم التفسير أن له مؤلّفًا فيه سماه: «نَغْب الطائر من البحر
الزاخر)) تكلَّم فيه من جملة ما تكلّم على الحروف المفردة أوائل السور. وانظر المقدمة
التي كتبتُها لكتابه ((إرشاد القاصد)).
وأَقصِد من هذا البيان أن أقول: إن للرجل مشاركة في العلوم الشرعية، فلكلامه
هذا اعتماد واعتبار، ويزيد ذلك: أن تقسيمه هذا لعلم الحديث إلى رواية ودراية قد
اعتمده إمامان من أئمة هذا الفن: البرهان البقاعي في ((النكت الوفية)) ١ : ٦٣، وتبعه
الشارح الجلال السيوطي هنا، وفي ((البحر الذي زخر)) ١: ٢٢٩.

١١
مقدمة المؤلف
صلی الله عليه وسلم وأفعاله(١)،
(ت)
(١) [وكذا تقريرُهُ وهَمُّه، فإنه همَّ بقلب الرداء في الاستسقاء، فَقُل عليه،
وأُجيب : بأن الهمَّ داخل في الفعل، وأنه فعل القلب. وكذلك صفته، كحديث أبي
الطُّفَيَل : كان أبيضَ مقصَّدًا.].
هذا الكلام مستفاد من ((البحر الذي زَخَر)) للشارح ١: ٢٩٩ - ٣٠٠، وقد قال
رحمه الله في آخره: ((وقد عُلِم مما ذكرته تَرادُف (الحديث) و(المرفوع)). ولذا
أدخلتُ في كلامي الآتي كلامَ بعضهم على الحديث المرفوع.
وأقول: أما حديثُ همَّه صلى الله عليه وسلم بقلب الرداء: فرواه أبو داود
(١١٥٧)، وأحمد ٤: ٤١ - ولفظُه أتمّ - بإسناد حسن، لا ((صحيح))، كما جاء في
التعليق على ((مشكاة المصابيح)) (١٥٠٣)، ففيه عبد العزيز الدَّرَاوَرْدي، وهو
صدوق، وکان یحدِّث من كتب غيره فيخطئء.
وحديث أبي الطَّفَيل: رواه مسلم في الفضائل ٤: ١٨٢٠ (٩٩) بلفظ: ((كان أبيضَ
مَلِيحًا مُقَصَّدًا)) صلى الله عليه وسلم. والمقصَّد: المعتدِل الذي نُحِي فيه إلى القصد
والاعتدال في الأمور كلُّها، فهو صلى الله عليه وسلم ليس بنحيف ولا جسيم، ولا
طويل ولا قصير.
وتقريره صلى الله عليه وسلم وهَمُّه داخلان في مسمى الحديث، صرَّح بذلك
عدد من الأئمة المتقدمين على الشارح، والمتأخرين عنه، ومنهم من لم يصرِّح لكنه
لم يَنْفِ، ومنهم من جاء بعبارة موجزة شاملة.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله في ((الاقتراح)) ص٢١٠ في تعريف الحديث
المرفوع: ((هو ما ذُكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فُنُسِب إليه قولٌ أو فعل أو
تقریر)).
وقال الطيبي رحمه الله في ((الخلاصة)) ص٤٦: ((ما أضيف إلى النبي صلى الله
عليه وسلم خاصة من قول أو فعل أو تقرير)).
وعبارةُ ابن الصلاح في تعريف الحديث المرفوع ص ٥٠، والنووي في ((الإرشاد))
=

١٢
مقدمة المؤلف
[ب]
ص٧٥، و((التقريب)) فيما يأتي ٣: ٩٥ شاملة لهذه الأقسام الثلاثة، حيث قالا: ((هو ما
أُضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة)). والتقرير: فيه إضافة أمر إليه
صلی الله عليه وسلم.
ولفظ ابن حجر مثل عبارة ابن الصلاح والنووي في وَجازتها - مع زيادة كلمة لها
أثرها في الدلالة والحكم، وسيأتي التنبيه إليها ص ١٩ - قال في ((الفتح)) ١ : ١٩٣ في شرح
الباب ٣٣ من كتاب العلم: ((المراد بالحديث في عرف الشرع: ما يضاف إلى النبي صلى
الله عليه وسلم))، وسيأتي هذا بعد قليل ص٣٥ - ٣٦ في كلام الشارح، نقلاً عن ((الفتح)).
وتبعه الشارح على هذه الزيادة، فقال في ((البحر الذي زَخَر)) ١: ٢٩٧: ((خُصَّ
في عرف الشرع بما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو تقريراً))،
وانظر ما يأتي ص ٣٥ وما بعدها.
وقد أشرتُ أول كلامي إلى أن بعضهم لم يصرِّح بالتقرير والهمِّ على أنهما من
مشمولات الحديث، لكنهم لم يَنْفُوا ذلك، منهم: صدر الشريعة المحبوبي من
أصوليي الحنفية، في كتابه ((التنقيح)) ٢: ٤٢٨، والتاج السبكي من الشافعية في ((جمع
الجوامع)) بحاشية العطار ٢: ١٢٨، فزاد الشارحان عليهما ذكر التقرير.
جاء ذلك في كلام السعد التفتازاني في ((التلويح على التوضيح))، والجلال
المحلِّي على ((جمع الجوامع))، ولفظ المحلِي: ((ومنها: تقريره، لأنه كفٌّ عن
الإنكار، والكفُّ فعلٌ، كما تقدم)) أي: عنده ١: ٢٨٠ بحاشية العطار.
فإن قلتَ: إنك تقول: لم ينفوا ذلك، وتريد بذلك أن تشير إلى أنهم مقرُّون
راضون بهذه الزيادة.
فأقول: نعم، ذلك أن التاج السبكي لم يصرِّح بها في ((جمع الجوامع)) كما تقدم
قبل أسطر، وصرَّح بها في ((الإبهاج في شرح المنهاج)) ٢: ٢٦٣، واللفظ الذي نقلتُه
عن المحلِّي هو لفظُه، اقتبسه منه.
وزاد العطار في ((حاشيته)) على شرح المحلّي فقال: ((ومنها - أي: من السنَّة -:
=

١٣
مقدمة المؤلف
وروايتها(١)، وضبطها، وتحرير ألفاظها(٢).
إشاراته، كإشارته لكعب بن مالك أن يَضَعَ الشَّطْر من دَيْنِه على ابن أبي حَدْرَه)).
والحديث رواه البخاري في مواضع أولها ١: ٥٥١ (٤٥٧)، ومسلم في المساقاة ٣:
١١٩٢ (٢٠).
قلت: وتتبُّع ذلك من سنته وسيرته صلى الله عليه وسلم يطول، ولذلك كان
تعريف الحافظ السخاوي أَوْفَى ما قيل، ولفظه في ((فتح المغيث)) ١: ١٤: ((الحديث
لغة: ضد القديم، واصطلاحاً: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً له، أو
فعلاً، أو تقريرًا، أو صفة، حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام)).
وقد نبّه الحافظ في ((الفتح)) ١٣: ٢٥٢ - ٢٥٣ (٧٢٧٧) إلى لزوم إدخال (الصفة)
في أقسام الحديث المرفوع، فقال: صفاته وَّيِ ((أحدُ أقسام المرفوع، وقلَّ من نبّه على
ذلك، وهو كالمتفَق عليه، لتخريج المصنِّفِين المقتصِرِين على الأحاديثِ المرفوعة
الأحاديثَ الواردةَ في شمائله صلى الله عليه وسلم، فإن أكثرها يتعلَّق بصفة خَلْقه
وذاته، کوجهه وشعره، وكذا بصفة خُلُقه، کحلمه وصفحه» صلی الله عليه وسلم.
(١) هكذا نَقَل البقاعي، وتبعه الشارح، ويأتي قريباً جداً أن لفظ ابن الأكفاني:
((بالسماع المتصل))، وكأن البقاعي آثر هذه الكلمة لكونها اصطلاحية أكثر.
(٢) وتحريرُ الألفاظ غيرُ الضبط، فالضبطُ يتعلَّق بالجانب الصَّرْفي والنَّحْوي
للكلمة، أما تحريرُ الألفاظ فللتقيُّد بنقل اللفظ النبوي الذي نَقَله الرواة واحدًا عن
واحد، ولئلا يكون الناقل للحديث الشريف كالذين يَسْتَسهلون من خطباء زماننا نسبةً
أيّ قول، وإدخالَ أيّ كلمة على الحديث الشريف، ويظنُّون أن ذلك سائغ لهم
بخَتْمهم خُطبتَهم: أو كما قال عليه الصلاة والسلام! فليحذر المتساهلون من ذلك.
وأما استعمال هذه الكلمة (أو كما قال) من قِبَل بعض الصحابة رضي الله عنهم:
فكان ذلك منهم بعد التحرِّي الشديد، والخوف المُفْزع، من نسبة كلمة أو لفظة إلى
جناب النبي صلى الله عليه وسلم وهم غير واثقين منها، فأين هذا من ذاك؟! وانظر
لزامًا أخبارهم في ذلك - رضي الله عنهم - في ((مصنف)) ابن أبي شيبة (٢٦٧٤٦ -
=

١٤
مقدمة المؤلف
((وعلمُ الحديثِ الخاص بالدراية: علمٌ يُعْرَف منه حقيقةُ الرواية،
وشروطُها، وأنواعُها، وأحكامُها(١)، وحالُ الرواةِ، وشروطُهم(٢)، وأصنافُ
المرويات، وما يتعلَّق بها)). انتهى(٣).
٢٦٧٥٣)، وغيرِه.
(١) هكذا جاء نَقْل البقاعي، وتبعه الشارح، والناظر في كلام ابن الأكفاني الآتي
قريباً جداً يرى أن للرواية أنواعًا وأحكامًا، وزاد البقاعي هنا ((حقيقة الرواية
وشروطها)). ولا ريب في حسن ذلك وفائدته.
(٢) كذلك اقتصر ابن الأكفاني على ((شروط الرواة))، وزاد البقاعي معرفة ((حال
الرواة)) كما ترى، وهي زيادة مهمة.
(٣) زاد البقاعي هذا (الجانب) المهم من جوانب علم الحديث دراية، وهو
معرفة اصطلاح أصحاب التصانيف الحديثية، وذلك لمعرفة طريقة (التعامل) معها
والاستفادة منها. وقد رأيت من يصدِّر نفسه في العلم وهو يجهل بعض هذا، وانظر ما
يأتي قريبًا ص٢٣.
ثم إن كلمة ((انتهى)) بعد هذه الجملة ثابتة في نسخنا الخطية كلها، وفي كلام
البقاعي، ولما سقطتْ من مطبوعات ((التدريب)) السابقة ظُنَّ أن الكلام الآتي: فحقيقة
الرواية ... ، هو من تمام كلام ابن الأكفاني، وأنه ليس بمحدِّث، فلا يعتدُّ به !.
في حين أن الكلام الآتي هو من كلام البقاعي، وهو محدِّث حافظ كبير، وناقد
فيه بصير، وقد رضيه منه الحافظ السيوطي، فنقله وتابعه عليه، ولم يختصر منه شيئًا
إلا شرحه لشروط الرواة في التحمُّل والأداء، لأنها ستأتي أول النوع الرابع والعشرين
إن شاء الله تعالی.
ثم، إن في كلام ابن الأكفاني المنقول اختصاراً مُخِلاً، نشأ عنه اعتراض بعض
أهل العلم عليه، أنقله بتمامه، قال ابن الأكفاني رحمه الله ص١٠٢ :
((علم رواية الحديث: علم بنقل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله،
بالسماع المتصل، وضبطها، وتحريرها».
=

١٥
مقدمة المؤلف
(س)
ثم قال ص١٠٧: ((علم دراية الحديث: علم يُتُعرَّف منه: أنواع الرواية،
وأحكامها، وشروط الرواة، وأصناف المرويات، واستخراج معانيها)).
وقد نقل البقاعي هذين التعريفين في كتابه ((النكت الوفية)) ١: ٦٣، وشرح
فِقَراته فِقْرةً فقرة، وزاد من عنده كُلَيمات مفيدة.
لكنه نَقَص من آخر التعريف الثاني كلمتين مهمتين جدًّا، هما قول ابن الأكفاني
بعدَ ((وأصناف المرويات)): ((واستخراجُ معانيها))، فهذا هو علم الفقه الذي هو استنباط
الأحكام الشرعية من دلائلها، وهي هنا السنة، ويؤكد ذلك قولُ ابن الأكفاني في تمام
كلامه وبيانه ما يحتاج إليه الفقيه: ((ويَحتاج إلى ما يحتاج إليه علم التفسير: اللغة
والنحو والتصريف، والمعاني والبيان والبديع، والأصول، ويحتاج إلى تاريخ النَّقَلة)).
وسقوطُ هذه الجملة من نقل البقاعي، ومتابعةُ الشارح له على ذلك هنا وفي
((البحر الذي زخر)) ١: ٢٢٩: جعلتِ التعريف في محل الانتقاد للتقسيم كله، وأَلَّف
في ذلك شيخنا العلامة السيد عبد الله الصديق الغُماري (١٣٢٨ - ١٤١٣) رحمه الله
تعالى جزءًا سماه ((توجيه العناية لتعريف علم الحديث رواية ودراية» طبعه بمصر عام
١٤١١، نقل في أوله ما جاء هنا في ((التدريب)) وانتقده، وظاهر كلامه انتقاد التعاريف
الأخرى، لابن جماعة، والقاضي زكريا الأنصاري، وغيرهم.
وكنت سعيت في طبع ((إرشاد القاصد)) لتحرير هذا الأمر والوقوف على جليَّته،
فكان ذلك والحمد لله، وطبع الكتاب سنة ١٤١٤، وقدَّمت له مقدمة، قلت فيها
بعدما ذکرت جزء شيخنا هذا:
((وخلاصة ما فيه: التأكيد على تمييز الرواية عن الدراية، لكن على أن الدراية هي
فقه الحديث، وأن علوم الحديث وما يتبعها هي كلها من علم الرواية، واستدل -
شيخنا - على ذلك بأن الخطيب البغدادي سمى كتابه في علوم الحديث: ((الكفاية في
علم الرواية))، وكذلك ابن الجزري سمى منظومته أيضًا: ((الهداية في علم الرواية)).
وأقول: أمّا إنهما عِلمان: رواية ودراية: فنعم، وأما إن الفقه من الدراية - كما
=

١٦
مقدمة المؤلف
[ب]
فعل المؤلف -: فنعم، وأما حصر الدراية في الفقه - كما فعل شيخنا -: ففيه نظر، إذ
لا وجه لذلك، ولم أقف علی سابق له، وکونُ طاشکېري زاده قال ذلك: یقال فیه ما
قاله شيخنا نفسه في المؤلف ابن الأکفاني: ليس من ذوي الاختصاص بالحديث، بل
إن طاشکېري زاده أولی به من ابن الأکفاني.
والرواية - في اللغة -: التحمُّل والنقل، قال في ((المصباح المنير)): ((يقال: رويتُ
الحديث، إذا حملتَه ونقلتَه)).
والدراية - في اللغة -: إدراك المعرفة بنوع من التلطّف والتحيُّل، أي: لا تُطلق
الدراية على معرفة الواضحات. وكما أن الفقه فيه ما هو واضح أخذُه من دليله، وفيه
ما هو غير ذلك، فكذلك علوم الحديث، فالعلةُ وما يندرج تحتها من الشذوذ
والاضطراب والإدراج، ودخائلُ الجرح والتعديل، ومصطلحاتُه الخفية، وما إلى
ذلك: يعتبر من الدراية بهذا المعنى، على أن الإمام الحاكم قد أدخل في ((معرفة علوم
الحديث)) نوعًا سماه ((فقه الحديث)) وأعقبه بـ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) ثم: سُنن
يعارضها مثلُها، ثم: أخبارٌ لا معارض لها، ثم: زيادة ألفاظ فقهية في أحاديث يَتفرد
فيها بالزيادة راو واحد .. وهكذا.
وأما استدلاله رحمه الله تعالى بأن الخطيب سمى كتابه «الكفاية في علم الرواية)
فيقال فيه: لو أن الخطيب سماه: الكفاية من علم الرواية: لكان أوضح في مراد
شيخنا، أما وقد سماه ((الكفاية في علم الرواية)) فيكون للنظر فيه مجال، وكأني أفهم
من عنوانه وتسميته: أن هذا الكتاب يعتبره مؤلّفه مدخلاً كافيًا لمن أراد الاشتغال بعلم
رواية الحديث، إذ فيه بيان مصطلحات القوم: يبيِّن لمن تصدَّر لكتابة الحديث عن
الشيوخ مثلاً: أن المراد بالمرفوع كذا، وبالموقوف كذا، وإذا رأيتَ في سندٍ ما عنعنة
فحكمها كذا، وإذا عرضتْ لك الرواية بالمعنى فحكمها وشروطها كذا، وأن الرواة
الذين تكتب أحاديثهم فيهم المجروح والمعدَّل، وألفاظ التعديل كذا، والتجريح كذا،
وإذا اختلفت عليك أسانيد الحديث الواحد: فإن كان الاختلاف من راو واحد: فکذا،
=

١٧
مقدمة المؤلف
(ت)
وإن كان من أکثر: فكذا .. وهكذا.
فالمشتغل بعلم رواية الحديث لا يحتاج إلى مرشد له فيه أزيدَ من هذا الكتاب،
ففيه ((الكفاية))، وكذلك يقال في تسمية ابن الجزري كتابه («الهداية في علم الرواية))،
ونحو هذا المعنى في تسمية النووي كتابه «إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير
الخلائق)) وهو مختصره الأول لمقدمة ابن الصلاح.
ثم إني نظرت مقدمة ((الكفاية)) لأستشفَّ منها ما يؤيد فهمي لاسم كتابه،
فوجدته صريحًا في ذلك، قال رحمه الله ص٣: ((وقد استفرَغَتْ طائفة من أهل زماننا
وُسْعَها في كَتْبِ الأحاديث والمثابرة على جمعها، من غير أن يسلكوا مسلك
المتقدمين، وينظروا نظر السلف الماضين في حال الراوي والمروي، وتمييز سبيل
المرذول والمَرْضِي، واستنباط ما في السنن من الأحكام، بل قَنِعوا من الحديث
باسمه، واقتصروا على كَتْبه في الصحف ورسمه، فهم أغمار وحَمَلة أسفار .. يقطعون
أوقاتهم بالسير في البلاد، طلبًا لما علا من الإسناد .. يحملون عمن لا تثبت عدالته ..
ويحتجون بمن لا يُحسن قراءة صحيفته، ولا يقوم بشيء من شرائط الرواية .. )) وهكذا
إلى آخر كلامه الذي بيَّن فيه حق الرواية، وأهلية الراوي، والمروي له، فتأكَّد عندي
صحة ما قدّمته من تفسير اسم كتابه. والله أعلم بالصواب.
وصنيع الخطيب هذا له نظير من واقع العلماء المعاصرين له فمن بعدهم.
فمن أجل تحقيق هذا المعنى كتب الإمام ابن عبد البر - المتوفّى سنة ٤٦٣، سنة
وفاة الخطيب - مقدمته النفيسة لكتابه ((التمهيد))، وكذلك عمل البيهقي (ت٤٥٨)
((المدخل إلى علم السنن))، يشبه ((الكفاية)) إلى حدّ كبير، وطبع خطأً باسم: المدخل
إلى السنن الكبرى، ومن قبله شيخه الحاكم عملَ ((مدخلاً)) لكتابه ((المستدرك)»،
و((مدخلاً)) آخر لـ((الإكليل)) وهو الذي طبع بحلب أول ما طُبع.
وتبع ابنَ عبد البر شراحٌ كُثُر، منهم: ابن الأثير في مقدمة ((جامع الأصول))، وهي
مقدمة حديثية حافلة، والنووي في مقدمة شرح البخاري، ومقدمة شرح مسلم، وهو
=

١٨
مقدمة المؤلف
فحقيقةُ الرواية: نقلُ السنةِ ونحوِها(١)،
[ب] -
في هذا الشرح الثاني أوسع، ومنهم: الطيبي في شرحه على ((المشكاة))، ومنهم:
القسطلاني في شرحه ((إرشاد الساري))، ومنهم، ومنهم، إلى منتصف القرن الماضي،
كان منهم شيخنا العلامة المحدث الفقيه الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي المتوفى سنة
١٤٠٢ بالمدينة المنورة رحمه الله تعالى، لاحظ هذا المعنى فكتب مقدمته لشرحه
الحافل النفيس ((أوجز المسالك إلى موطأ مالك)) وكان ذلك سنة ١٣٤٥.
وفي سنة ١٣٥٦ طُبع بمصر شرح الكرماني على صحيح البخاري، ولما لم
يكتب شارحه مقدمة اصطلاحية وضع المشرفون على طبعه في مقدمته ((التقريب))
للإمام النووي.
بل سبقهم إلى هذا العمل علماء الهند، فكانوا يطبعون مختصر السيد الشريف
الجرجاني لخلاصة الطّيبي في مقدمة ((سنن)) الترمذي، ولا أدري إذا فعلوا ذلك في
كتابٍ غيره، كلّ هذا لتحقيق هذا المعنى. والله أعلم.
(١) إذا أُطلقت (السنة) أريد بها الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه
وسلم، وإذا قيِّدت فعلى ما قُيِّدت به. وقولُه ((ونحوِها)): يريد الحديثَ الموقوفَ على
الصحابي، والحديثَ المقطوعَ المضاف إلى التابعي فمن دونه.
فالسنة: أخصُّ من الحديث، لأنها إذا أُطلقتْ أريد بها الحديث المرفوع فقط،
والحديثُ إذا أُطلق: أريد به الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع. ولهذا كانت كتب
(السنن) قاصرةً على الأحاديث المرفوعة، وما رُوي فيها من غير ذلك، فهو - على
نُدرته - خارج عن شرطها.
أما الطحاوي فقال في ((شرح معاني الآثار)) ٨٠:١ - ٨١: ((السنة قد تكون منه
صلى الله عليه وسلم، وقد تكون من خُلفائه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)) .. )).
ونحوه قال الإمام ابن عبد البر في ((التقصِّي)) ص ١٤١ (٤٤٩): ((واعلم أن
الصحابي إذا أَطلَق اسم (السنة) فالمراد به سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك إذا
=

١٩
مقدمة المؤلف
[ب]
أطلقها غيره، ما لم تُضَف إلى صاحبها، كقولهم: سنة العُمَرين، وما أشبه ذلك)).
ومن وجهة نظر أصحاب القول الأول - السنة أخصُّ من الحديث -: أن العلماء
قَصَروا السنة على الأحاديث المرفوعة التي يُحتج بها، وهذا لا يكون إلا من المرفوع
قولاً أو فعلاً أو تقريرًا، أما ما كان من (الشمائل الخَلْقية): فهو حديث لكنه ليس بسنة.
وسينقل الشارح صفحة ٣٥ - ٣٦ قول الحافظ ابن حجر في ((شرحه على
البخاري)): ((الحديث في عرف الشرع ما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم))،
والشمائل الخَلْقية مما يضاف إليه، لكنها لا تفيد حكمًا شرعيًّا، أما الشمائل الخُلُقية:
فلا ريب في حجيتها.
وتعبير الحافظ ((الحديث في عرف الشرع .. )): فيه مهمة، كأنه يريد تمييزه عن
الحديث في عرف أهل الاصطلاح، فهو يخصُّ الحديث المحتَجَّ به شرعًا بالمرفوع،
ويكون في مقابِله الحديث اصطلاحًا: كلّ ما يسمى حديثًا، مرفوعًا أو موقوفًا أو
مقطوعًا.
ومن ألَّف في (السنن) قَصَرها على المرفوع، ملاحظًا هذا (العرف الشرعي).
والله أعلم.
وخلاصة ذلك: أن من لاحظ شمول الحديث لإطلاقاته الثلاثة، وأن السنة
كذلك: فهما مترادفان، وهذا قولٌ قِیل.
ومن لاحظ أن السنة ما يحتجُّ به، وأن الحديث مرادف للخبر، فيشمل
الإطلاقات الثلاثة، فهو عنده أعمُّ من السنة.
ومن لاحظ أن الحدیث شامل لكل ما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
وأن السنة لما يُحتجُّ به من شؤونه صلى الله عليه وسلم: فالحديث أعمُّ أيضًا.
ولا بدَّ من ملاحظة قول السخاوي في ((فتح المغيث)) ١: ١٤ - ١٥: ((الحديث
أعمّ من السنة، وكثيراً ما يقع في كلام أهل الحديث ومنهم الناظم - يريد الحافظ
العراقي - ما يدلُّ لترادفهما، ويُعنى بالسنة حينئذ: العِلْمية، بخلافها في التغايُر،
=

٢٠
مقدمة المؤلف
فالعَمَلية))، وينظر كلامه ١: ٢١، كما يُنظر في هذه النتيجة.
كما لا بدّ من التنبيه إلى ما في قول العيني في ((البناية)) ٤٦٣:١ أول باب المسح
على الخفين: ((السنة تشمل القوليّ والفعلي، والحديث لا يتناول إلا القول)) فإنه
تعريف غريب، وكأنه لاحظ المعنى اللغوي لـ (السنة) فإنها: الطريقة، وطريقة الرجل
تعرف من هديه العام: من أقواله وأفعاله، والمعنى اللغوي لـ (الحديث): ما يُذكر وما
یتحدَّث به. والله أعلم.
كما أنه لا بدَّ من التنبُّه والحذر من تداخل مصطلحات فنون أخرى هنا،
كمصطلحات الفقهاء والأصوليين، أو أن يتأثر التعريف بوجهة مذهبية، كمذهب
الصحابي مثلاً، يُدخِله من يحتج به، أو يَستأنس به في مشمولات (السنة).
ومن المفيد أيضًا: التنبيه إلى ما اشتهر أن السنة قد تطلق ويراد بها ما يقابل
البدعة، والحديث عن هذا المعنى واسع، لكن أريد التنبيه إلى كلمة تتعلق به.
رَوَى ابنُ أبي حاتم في ((تقدمة الجرح والتعديل)) ص١١٨ بإسناده إلى
عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: ((الناس على وجوه، فمنهم من هو إمام في السنة إمام
في الحديث، ومنهم من هو إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، ومنهم من هو
إمام في الحديث وليس بإمام في السنة. فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث:
فسفيان الثوري)). فهذا هو الأول.
والثاني: الأوزاعي، كما جاء في ((التقدمة)) ص٢٠٣ من وجه ثالث: ((كان
الأوزاعي إمامًا في السنة)».
والثالث: شعبة بن الحجاج، کما جاء مسمَّی بالإسناد نفسه عند ابن أبي حاتم
أيضًا ٢: ١٩ قال: ((وشعبة بن الحجاج إمام في الحديث وليس بإمام في السنة)). ورواه
من وجه آخر في ((التقدمة)) أيضًا ص١١.
على أن أبا نعيم أسند في ((الحلية)) ٦: ٣٣٢ إلى ابن مهدي نفسه قوله: ((سفيان
الثوري إمام في الحديث وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة وليس بإمام
=