Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
بين يدي ((ثَبَت)» ابن العجمي
ولفت صاحبنا النظر إلى لون من ألوان تربية والده له: أنه كان يصحبه
معه لزيارة الكبار الكملة من العلماء، فقد ذكر أول ((ثبته)) أن والده
اصطحبه وله من العمر عشر سنين مرتين لزيارة العالم الرباني أبي الحسن
عليّ الزَّيّادي يوم عيد الفطر مرة، ويوم عيد الأضحى مرة ثانية.
وأفاد ص ١٥٠ أنه حج مع أبيه صحبة شيخه يوسف ابن وفاء ثم سافر
إلى المسجد الأقصى.
أما ارتحال صاحبنا إلى الحج مرات أخرى: فذکر ص١٤٢ أنه حج مع
شيخه اللقاني، وتوفي الشيخ رحمه الله في طريق العودة من الحج سنة
١٠٤١.
وقال ص ١٥٠، ١٥٣ : إنه حج مرتین مع شيخه يوسف ابن وفا بعد
وفاة والده، وفي ثانيتهما توفي الشيخ رحمه الله عقب عودته من الحج،
سنة ١٠٥١.
وذكر رحمه الله ص١٦٤ أنه سافر إلى المسجد الأقصى عام ١٠٣٩
صحبة شيخه الشُّرُنْيُلالي الفقيه الحنفي، وشيخه الآخر يوسف ابن وفا.
ومما يتصل بأسرته العلمية: أن له أخاً اسمه محمد، ولقبه شمس
الدين، ذكره في ترجمة شيخه الشَّرُ بُلالي ص١٦٤، وأنهما قرآ عليه
الفرائض.
ولصاحبنا المترجَم ولد ذكره في ((ثبته)) هذا ص١١٣، فقد قال في
ترجمة شيخه الثاني الشَّوْبري: «سمع منه ولدي أبو العزّ محمد بحضوري
مجلس ((صحيح)) البخاري .. ، وأجازه بالكتب الستة، ولله تعالى الحمد)).

١٠٢
بین یدي «ثَبَت)) ابن العجمي
وذكر السيد عبد الحي الكتاني في ((فهرس الفهارس)) ١: ١٦٠ أبا العزّ
هذا وقال: كان ((خاتمةَ المسندين بمصر))، ونقل قول السيد مرتضى
الزَّبيدي عنه في (تاج العروس)) ١٥: ٢٣٦: «كان من أعظم مسندي مصر،
کأبیە)».
لكنْ أول كلام الزَّبيدي: «أبو العز محمد بن أحمد بن أحمد بن
عبد الرحمن القاهري، شيخ شيوخنا»، وفيه: أنه ليس في عمود نسب
الرجل مَن اسمه عبد الرحمن، فهو أبو العز محمد بن أحمد بن أحمد بن
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن محمد العجمي، جاء
هذا في أول ((الثَّبَت)) كما ستراه، والله أعلم.
ولأبي العزِّ هذا ولد اسمه أحمد، كان من شيوخ الزَّبيدي، قال السيد
الكتاني في الموضع السابق: ((وبأسانيدنا إلى السيد مرتضى عن العَشْماوي
والجوهري، والشيخ الصالح المعمَّر أحمد بن محمد أبي العز العجمي)).
ب - أما ابن العجمي من خلال ((الثُّبَت)): فيستفاد من هذا (الثَّبَت)
أشياء كثيرة، يستفيدها دارسها، كما يستفيد منها أشياءَ كثيرة الباحثُ عن
طلبته الخاصة.
أما أنا فلفت نظري منها ثلاثة أمور، اثنان منها يهمّاني في الحديث عن
طالب العلم، وواحد يهمني في دراسة العلامة (المغمور) ابن العجمي
رحمه الله تعالى، علمياً.
أما الأمران المهمان في حياة طالب العلم فهما: الصحبة، والتلقي.
صحبة الطالب لمشايخه صحبة طويلة، وتلقيه العلم منهم بالقراءة
والمباحثة.

١٠٣
بين يدي (ثَبَت)) ابن العجمي
وأما الأمر الثالث الذي يتعلق بدراسة الجانب العلمي عند ابن العجمي
فهو (الجانب الحديثي) في شخصيته رحمه الله.
أما الصحبة: فأول شيخ ذكره ابن العجمي: هو نور الدين علي بن
إبراهيم الحلبي، ((صاحب السيرة)) قال ص١٠٣: ((لازمته نحو عشرين
عاماً)). وقال ص ١٥٠ في ترجمة شيخه الرابع من السادة المالكية: يوسف
ابن وفا: ((لازمته مدة تزيد على العشرين عاماً، وصحبته سفراً وحضراً».
وقال ص١١٣ في ترجمة شيخه الثالث سلطان المزّاحي: ((لازمته مدة
مديدة، أكثر من أربعين سنة))، وقال ص١٢٨ في ترجمة شيخه الثالث
عشر: علي الشَّبْرامَلُسي: ((لازمته سنين تزيد على الأربعين).
ونراه يكرر قوله: لازمت فلاناً مدة مديدة، وينظر ما كتبتُه عن قول
إمام الحرمين:
وصحبةِ أستاذ وطولِ زمان
في ((معالم إرشادية لصناعة طالب العلم)) ص ١٧٠ - ١٧٩.
وأما التلقي: فيجد القارئ هذا واضحاً جداً في ترجمة أيّ شيخ،
فإنك تراه قرأ عليه كتباً كثيرة، كما تجد هذا واضحاً في تراجم شيوخه مع
شيوخهم، وفي علوم متعددة، وكثيراً ما يتكرر ذكر الكتاب الواحد في
ترجمة أكثر من شيخ، وكثيراً ما تراه يقول: قرأت عليه ما لا يحصى كثرة !.
وهاتان الظاهرتان هما أركان النبوغ في العلم، وقد ذكر الإمام ابن
العجمي في هذه (الثََّت) في ترجمة شيخه الشَّبْرامَلِّسي أنه قرأ عليه ما يَجلِ
كثرةً، ومما قرأ عليه أحدَ عشر كتاباً في اللغة والضبط فقط !! ، ومنها هذه

١٠٤
بین یدي «ثبَت)» ابن العجمي
الكتب الثلاثة: ((مطالع الأنوار)) لابن قُرْقُول، و((ترتيبه))، ومختصره
((التقريب)) كلاهما لابن خطيب الدهشة.
وما تزال ظاهرة الإكثار من التلقي والقراءة على الشيوخ متوارثةً إلى
عهد مشايخنا، كما يُرى هذا في ترجمة شيخنا العلامة الجامع مسند عصره
الشيخ محمد ياسين فاداني، التي في مقدمة ((ثبت الكزبري)) ص٩ - ١٣،
تغمده الله برحمته.
ويحسُن بطالب العلم أن يقرأ ما كتبته في ((المعالم)» أيضاً ص١٥٩ -
١٧٠ عن ضرورة تلقي العلم عن الشيوخ.
وأزيد هنا: أن هذا التلقي لم يكن كالتلقي المعهود الآن في معاهدنا
وجامعاتنا: أن الأستاذ - إنْ حضر - تكلّم بما حضره دون التزام بكتاب،
ولا تفهّم ولا تفهيم لنصوص العلماء، والطالب - إن حضر - حضر دون
كتاب ولا قراءة سابقة للدرس، ولا مذاكرة لاحقة بعده !!.
بل كان التلقي عندهم كما ذكر ابن العجمي ص١٠٦ أول ترجمة شيخه
الثاني من الشافعية: أبي عبد الله الشَّوْبري، أنه تلقى شرح ((البهجة الوردية))
لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، على شيخه شيخ الشافعية في عصره
ومصره محمد الرملي قراءة بحث وتحقيق، وذكرآخرها ص١١٠، أنه أخذ
الفقه الشافعي بحثاً وتحقيقاً مع أفاضل علماء الأزهر عن الشوبري وعليّ
الحلبي - المترجَم الأول في هذا الثبت - وغيرهما: ذكر أربعة غيرهم،
وقال: وهم كلهم أخذوا الفقه بحثاً وتحقيقاً عن جماعة، وأجلُّهم الزّادي.
ثم نقل ص١١١ عن ديباجة ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي قوله:
((أخذت الفقه قراءة وتصحيحاً وسماعاً، وشرحاً وتعليقاً عن جماعات .. )).

١٠٥
بین یدي ((ثَبَت)» ابن العجمي
وقال في ترجمة شيخه الإمام الشَّبْرامَلُسي ص١٣١: ((لازم الملازمة
الكلية في العلوم الشرعية، ملازمةَ بحث وإتقان، وتحقيق وبيان، المدة
المديدة علماء العصر الأعلام، ومشايخ الإسلام .. )).
وهكذا، وهكذا، كابراً عن كابر، فبهذا التلقي يتم تحصيل العلم.
وهذا ما كان للعلامة المترجَم ابن العجمي رحمه الله، فقد أجازه
شيخه نور الدين الحلبي صاحب ((السيرة الحلبية))، سنة ١٠٣٣، وهو
الشيخ الأول المترجَم في ((هذه المشيخة))، ووصفه بـ ((الشاب الفاضل،
والمحصِّل الكامل))، أي: كان عمره (الزمني): ١٩ سنة، وعمره
(العلمي) منها ٦ سنوات !! ومع ذلك وصفه شيخه بـ((الشاب الفاضل
والمحصّل الكامل)) !.
أما شيخه الآخر أبو عبد الله الشَّوْبَري المتوفى سنة ١٠٦٩: فأجازه
ووصفه بأوصاف عالية جداً، لا سيما من هذا الذي كان يلقّب بالشافعي
الصغير، لكنه لم يؤرِّخ الإجازة، ووصفه أول الإجازة بـ: ((نادرة الدّهر،
وخلاصة أبناء العصر، الأخ الأعزّ الأكرم)) مع أن الشيخ ولد سنة ٩٧٧،
أي: هو أكبر من المترجم بسبع وثلاثين سنة !!.
ومما وَصَف به الشيخُ الشوبري تلميذَه ابن العجمي - والنص بتمامه
أمامك -: ((الشيخ الإمام، والعامل الكامل الهُمَام، والفاضلي العلامة،
والنحرير الحاذق الفهامة، مجمع الكمالات، ومكمِّل الجماعات)).
وهذه الألقاب العالية - وقبلها كثير وبعدها كثير - لا يكتبها شيخ
لتلميذه إلا إذا كان التلميذ قد (جاز القنطرة) بل (القناطر) كلها نبوغاً! لكن
لا تُستغرب هذه (النهاية المشرقة) لمن كانت له تلك (البداية المحرقة)،

١٠٦
بين يدي (ثَبَت)) ابن العجمي
رحمه الله وسائر علماء الإسلام.
أما الأمر الواحد الذي يهمني في دراسة الجانب العلمي عند ابن
العجمي: فهو الجانب الحديثي عنده، فأقول:
أخذ المترجَم عن جِلّة أعيان علماء عصره بالأزهر الشريف، وكانت
ما تزال تلك الأيامُ أيامَ تألَّق علمائه بالجمع بين العلوم، والتفنن فيها،
خاصة الفقه وأصوله، والعلوم العربية والعقلية.
أما الحديث الشريف: فالاعتناء بعلم (الرواية) منه قائم، يقرؤون كتبه
وأصوله المسندة، ويحرصون على (توارث) سلسلة الإجازة بها، وكذلك
قراءة شروحها، وكتابة شروح عليها، فقد كُتب من بعض شيوخ ابن
العجمي وبعض شيوخ شيوخه عدة شروح على ((الجامع الصغير))
للسيوطي رحمه الله، كشرح المتبولي، وهو من شيوخ شيوخه، وكشرح
محمد حجازي الواعظ، وهو من الطبقة العليا من شيوخه.
أما الاعتناء بعلم الحديث (دراية): فالاشتغال به ضَعُف جداً بعد
الإمامين السخاوي والسيوطي، وما هو إلا قراءة لهذا العلم من خلال كتب
أصول الفقه، وقراءة - على ندرة - لكتب المصطلح، أما علم الرجال
فعلی ندرة أشدّ.
نعم، ظهر في القرن العاشر والحادي عشر علماء لهم مشاركة في
الرواية والدراية، كالمتبولي، والمناوي، واللقاني، والبابلي،
والشَّبرامَلِّسي، ومحمد حجازي، وغيرهم، لكن الذي طُبع لمن كَتَبَ
منهم في علوم الدراية لا يدلّ على إبداع في هذا العلم، كما يدل على
تمكّنهم وإبداعهم في العلوم الأخرى، والله أعلم.

١٠٧
بين يدي ((ثَبَت)» ابن العجمي
والإسلام يحتاج إلى هؤلاء العاملين في خدمته جميعاً، ولا يجوز
الغضّ من مقام أحدهم أبداً، تغمدهم الله برضوانه، وجزاهم عن الإسلام
والمسلمین کل خير.
وأنا لا أعدم أخاً كريماً أزهرياً يستدرك عليّ هذا الكلام من خلال
كتب الأثبات المتأخرة، مثل ((ثبت)) الأمير وغيره، وما يدفعه إلى هذا إلا
الغَيْرة على معقل من معاقل الإسلام، في بلد ما ارتفع شأنه إلا به! وهي
غيرة مشكورة، لكن تنبغي أن تكون غيرةً مؤيّدة بالدليل.
وإن الحجر الأساس للدلالة على أن هذا العالم محدّث (دراية) أن تكون
له كتابات يظهر منها هذا النفَس العلمي الناقد المحرِّر، أما حملُه للإجازات
والروايات، وقراءتُه لكتبِ السنة (المتون)، وشروحها، أو دخولُ بعضهم
مجالَ تأليف شرح على بعضها: فهذا أمر غير الذي أتحدّث عنه.
ذكر المترجَم رحمه الله في هذه (الثبت) أربعة وثلاثين شيخاً كلهم من
عِلْية شيوخ مصر، من علماء المذاهب الأربعة، ذكر من الشافعية أولاً
(٢٢)، ثم من المالكية (٥)، ثم من الحنفية (٦)، ثم من الحنابلة (١)، ثم
ألحق بهم سبعة، ذَكَرهم ذِكْراً وقال: لم أُكثر من الأخذ عنهم، ولا ريب
أن له شيوخاً آخرين، فقد جاء على صفحة العنوان: «هذا الجزء فيه جمعٌ
من مشاهير مشايخ كاتب هذه الحروف أحمد ابن العجمي، جعل الله ذلك
خالصاً لوجهه الكريم. آمين. أمين))، ويبدو من أوصافه العلمية لمن ذكرهم
أنه تخيّر أشهرهم وأجلَّهم، والله أعلم.
ومن الظاهر على ابن العجمي رحمه الله من خلال ((ثَبَته)) أنه لم يرحل

١٠٨
بین یدي «ثبت)» ابن العجمي
عن القاهرة، ولو إلى بلدان مصرية أخرى، والله أعلم.
أما الظاهرة العامة على شيوخه رحمهم الله جميعاً: فاهتمامهم بقراءة
كتب التفسير وتدريسها، والفقه، وأصوله، والسيرة النبوية، وعلوم
و
العربية، وقراءةُ وإقراء مشاهير كتب السنة النبوية (المتون والرواية)، أما
كتب (الدراية، وعلوم الحديث): فليس لها ذاك الظهور في مقروءاته على
شيوخه، ولا في قراءاتهم على شيوخهم.
وقد ذكر أنه قرأ كتباً حديثية على شيوخه، إلا أنه لم يصف أحداً منهم
بـ (المحدث) إلا شيخَه الثامن من الشافعية: محمد حجازي الواعظ، وصفه
بذلك ضمن ترجمة شيخه الرابع من المالكية: يوسف بن عطاء بن وفا، وإلا
شيخَه العاشرَ منهم أيضاً: الشمس البابلي، والثالث عشر: الشبرامَلُسي، وإلا
شيخه الأول من المالكية: اللقاني، وصفه بإمام المحدثين، وشيخه الثاني
منهم أيضاً علياً الأجهوري، وصفه بشيخ الفقهاء والمحدثين.
أما بعض ما في هذا ((الثبت)) مما يتعلق بقراءة الشيوخ لعلوم الحديث
أو إقرائه، أو التأليف فيه: فخمسة أمور.
أولها: ذكر في ترجمة شيخه العاشر من الشافعية الشمس البابلي: أنه
اتصل سنده بجملة من الكتب المشهورة، وذكر منها: ((علوم الحديث لابن
الصلاح، وفروعه: كالألفية، والتحفة))، لكنه لم يُبيّن كيف كان اتصاله
بها: إجازة، أو قراءة سرد، أو قراءة بحث وتحقيق.
ثانيها: أن ابن العجمي قرأ ((جملة من مصطلح الحديث)) على شيخه
محمد حجازي الواعظ، ويبدو أن قراءته عليه كانت مبكرة، فقد تقدم أنه

١٠٩
بين يدي (ثَبَت)) ابن العجمي
طلب العلم سنة ١٠٢٧، وكانت وفاة الشيخ الواعظ سنة ١٠٣٥.
ثالثها: أن ابن العجمي قرأ لصاحبه وشيخه عبد القادر البغدادي - وهو
شيخه السادس الحنفي - ((شرح النخبة)).
رابعها وخامسها: أن كلاً من شيخيه عليّ الأجهوري المالكي،
ومحمد السَّري الدوري (الدروري) عمل حاشية على ((شرح النخبة)).
أما شيوخ شيوخه: فذكر في ترجمة الأول شيخه علي بن إبراهيم
الحلبي أن شيخه الشنشوري له ((المختصر في مصطلح أهل الأثر)) ثم
شرحه في ((خلاصة الفِكَر))، ونحو ذلك.
فهذا مدخل على الجانب الحديثي عند العلامة ابن العجمي.
جـ - أما ابن العجمي من خلال حواشيه على ((التدريب)):
فإن الحديث عنها سیکون من جانبين: عام، وخاص.
أما الحديث العام عن (الحاشية): فيكون من منظور علمي، ومنظور
فنيّ.
أما المنظور العلمي : فهي حاشية تمثّل الواقع العلمي لكاتبها العلامة
المتفنّن أحمد ابن العجمي رحمه الله تعالى: أنه علامة جامع لكثير من
المعقول والمنقول، وجاءت حواشيه وفوائده كذلك، جامعة لعدّة علوم،
مجموعةً من كتب كثيرة مختلفة الأبواب والعلوم، وظهر ابن العجمي فيها
العالمَ المجلِّي في علم الأصول والعربية.
لكنها تختلف في علم واحد عن واقعه وواقع عصره، فقد رأينا أن
الجانب الحديثي في زمنه و(ثَبَته) مغمور، لكنه جاء في هذه الحواشي

١١٠
بين يدي ((ثَبَت)) ابن العجمي
ظاهراً، إذ نَقَل فوائد جمّة عن عدد من مصادر علوم الحديث الأصلية
بالنسبة للسيوطي، وزيادة، كما تخيَّ نقولاً مهمة من المسائل الحديثية التي
في کتب أصول الفقه.
أما المنظور الفني : فواضح جداً أن الشيخ ابن العجمي كان يقرأ هذا
الكتاب لتلامذته، وكان يعلّق على حواشي الكتاب ما يحتاجه الشيخ، وما
يحتاجه الطالب.
فالشيخ يحتاج إلى نقول طويلة في البيت قبل مجيئه إلى الدرس،
فينقل على حواشي كتابه ما يجّي المسألة علمياً للطلبة.
والطالب يحتاج إلى توضيح ما لا يحتاجه الشيخ، فيبسِّط له الشيخ ما
يُخرجه عن دائرة العلم المقرَّر في الكتاب، فيخرج - مثلاً - عن دائرة
(علوم الحديث) إلى النحو والصرف، والضبط اللغوي، وعلم الأصول،
ويكون الشيخ ما بين متابع لصاحب الكتاب ومخالف، وقد تتكرر الفائدة
لكن بين الطرفين بُعد، فيكرر الشيخ التعليق والإفادة، ولو قُدِّر للشيخ
إعادةُ النظر فيما كتب، وجعلُ هذه الحواشي في كتاب مستقلٌ: لنقّح
وحذف، لكن جاءت هذه (الحواشي) خالية من الصنعة والتكلف، وسائغة
بنفسها.
أما الحديث الخاص عن الحاشية : فإنها حاشية غنيّة بمصادرها ذات
الثقافات المتعددة، وكيف لا تكون كذلك وصاحبها رحمه الله يعيش في
القاهرة، وفيها الأزهر المعمور، وفيها من الخزائن والمكتبات الوقفية
العامة، والخزائن الخاصة ما يُدهش، ولا يفوقها ويزيد عليها إلا عاصمة
الخلافة الإسلامية آنذاك: إسطنبول.

١١١
بین یدي («ثَبَت)» ابن العجمي
ومع كثرة ما طبع في هذين القرنين الماضيين فإن عدداً من مصادره لم
یطبع بعد.
وهذه النقول: منها ما يكون نقلُه عنها مباشرة، ومنها ما النقل عنها غير
مباشر، ومنها ما هو متوفّر في غيرها من المطبوعات، ومنها غير المتوفر.
وأحياناً يكون النقل عن مطبوع، لكن يكون لنقله مزية، كما نَقَل عن
((خط الذهبي في ((طبقات القراء)) له، أنه كان يرسم حرف اللام هكذا (ا)،
ويكتب وسطه اسم الحرف بحروفه الثلاثة: لام، كما تجده في ٢: ١٥٥،
تمييزاً له عن حرف الكاف الذي يُكتب في وسطه همزة: ك، فأفادنا بهذا
النقل فائدة أصلية، هي: كيف كان الإمام الذهبي يكتب اللام، وأفادنا
فائدة عَرَضية أن نسخة الإمام الذهبي من هذا الكتاب بخطه ما تزال
محفوظة حتى منتصف - أو أواخر - القرن الحادي عشر، فيغلب على
الظن أنها موجودة حتى الآن.
ومثلُ ذلك: نقله في أكثر من موضع عن نسخة الذهبي بخطه من
((مختصره لتاريخ ابن عساكر))، فأفادنا الدقة، وأفادنا أن النسخة محفوظة.
كما أفادنا بنقوله المتكررة في نوع الحديث الموضوع عن العلامة
الصالحي صاحب ((السيرة الشامية)) رحمه الله تعالى: أن كتابه ((الفوائد
المجموعة في الأحاديث الموضوعة)) محفوظ موجود في تلك الفترة
الزمنية، والله أعلم.
ويَنقل عن ((مختصر تاريخ ابن خلكان))، ولم يسمِّ صاحبه.
ومن فوائد نقوله العلمية: ما نقله عن آخر ((المغني)) للذهبي، كذا قال،
وصوابه: أنه في آخر ((ديوان الضعفاء والمتروكين))، وانظر ما علقته علیه آخر

١١٢
بین یدي «ثَبَت» ابن العجمي
نوع الحديث الحسن ٣: ٧٨، وهي فائدة بالغة الأهمية عندي في بابها.
وأما القيمة العلمية العامة للحواشي: فهي جيدة جداً، تفتح آفاق
طالب علم الحديث، وتأخذ بيده إلى التفتُّن والمشاركة في العلوم
الأخرى، وكذلك حالها حديثياً، ولا سيما ما كان نقله لها من غير مظانّها
في كتب علوم الحديث.
ومن طُرفها ومحاسنها نقله ٣: ٢٩٦ في نوع الحديث المنكر عن
((شفاء السقام)) للتقي السبكي رحمه الله قوله في التفرقة بين حكم المحدثين
على الحديث بالنكارة، فقد يكون عاماً على كل طرقه، وقد يكون خاصاً
على طريق معيّن، أما إطلاق الفقهاء الحكم على حدیث بالوضع - مثلاً -
فإنه حكم على المتن عامة وعلى كل طرقه.
وهذه تفرقة مهمة، وتنبيه طريف، وأؤكد على لفت النظر إلى أنهما
قد يتفقان في حال حكم المحدث على جميع طرق الحديث، أما إذا كان
حكمه خاصاً فلا، وهذه مهمة الباحث الناقل أن يدقق الفهم لكلام الإمام
المحدث ولمراده.
هذا، وينبغي التنبيه إلى أمرين، أحدهما يتعلق بالحواشي، والثاني
يتعلق بـ ((الثبت)).
أما ما يتعلق بالحواشي: فإنه قد ظهرت في بعض نقوله رحمه الله
الجبلّة البشرية، وهي تعليقات لا تتجاوز عدّ أصابع اليد الواحدة، من
أهمها قول الإمام السيوطي رحمه الله في ((التدريب)) ٣: ٤٠٢: إن أحسن
مثال للحديث المضطرب هو ((حديث البسملة السابق))، یرید: حديث أنس
رضي الله عنه في عدم الجهر بالبسملة أول القراءة، معتمداً على أن ابن

١١٣
بین یدي «ثبَت» ابن العجمي
عبد البر أعلّه بالاضطراب، فَوَهل ذهن ابن العجمي وظنّه يريد حديث
٩
البِداءة بالبسملة والحمدلة أول كل أمر ذي بال، فعلّق بنقل كلام التاج
السبکي فیھما! وهذا ذهول عجيب.
ومن غرائب نقوله ما جاء فيه ٤: ١٢ عن البرماوي، عن الزركشي أن
الإمام أحمد روى في ((المسند)) عن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه
وسلم قوله: ((اشكر ترزق، ولا تكفر فتعذّب))، وهذا عزو وتخريج لا وجه
له من الصحة !! وهو من الإمام الزركشي غريب جداً، والمؤاخذة فيه على
ابن العجمي نقلُه له دون مراجعة وبحث منه، ثقةً بإمامة الزركشي، ثم
البرماوي، رحمهم الله تعالى جميعاً، لكن المؤاخذة الخاصة به هنا أنه نقل
عن ((لسان الميزان)) قوله: ((الإدريسي كذاب))، وبيَّنتُ هناك عدم صحته.
وقريب من هذه المؤاخذة: عزوُه فيه ٥: ٣٤٠ حديث ((إني فرطكم
على الحوض)) إلى ابن ماجه، ونقلُه ذلك عنه بواسطة ((تحفة الأشراف))
للمزي، وهذا غريب: أن يعزو حديثاً في أحد الكتب الأصول، بواسطة
دون مراجعة مباشرة !.
لكن من غرائب نقوله التي استبدّ بها ولم ينقلها بواسطة كنقله عن
البرماوي، عن الزركشي، عن ((المسند)): نقله ٣: ٢٥٢ عن البلقيني أنه
قال عن تدليس الإسناد: هو كفر ظاهر !! وهذا ما لم يقله أحد، لا البلقيني
ولا غيره !! ولا بدّ من مراجعة النقول من مصادرها لتنكشف الأوهام،
ومع ذلك: فكفى المرءَ نبلاً أن تعدّ هفواته !.
أما ما يتعلق بـ ((الثبت)): ففيه بعض كلمات تروق لأهل عصر ومصرٍ،
ولا تروق لغيرهم: ((وللناس فيما يعشقون مذاهب)).

١١٤
بین یدي «ثبت)» ابن العجمي
ونسأل الله عز وجل التوفيق والسداد، إنه سميع مجيب.
أما مخطوطة ((الثبت)): فهي من مخطوطات مكتبة شيخ الإسلام
عارف حكمت رحمه الله، بالمدينة المنورة، وهي في أربع وثلاثين لوحة،
وصفحة واحدة، في كل صفحة تسعة عشر سطراً، من الأسطر القصيرة،
بالحرف الكبير، وعلى صفحة العنوان ما نصه:
((وجدت على الأصل المنسوخ منه ما صورته:
هذا الجزء فيه جمع من مشاهير مشايخ كاتب هذه الحروف أحمد بن
العجمي، جعل الله ذلك خالصاً لوجهه الكريم. آمين آمين)).
ثم كُتِب: ((الحمد لله وحده. أخذت عن شيخنا العلامة الإمام الهمام
إبراهيم بن حسن الكُوراني المدني، وأجازني بجميع مروياته ومؤلفاته،
وجميع أسانيده المحرَّرة في كتاب مشيخته ورواياته، ومن جملة مشايخه
الذين روى عنهم وأجازوه: العلامة الشيخ أحمد بن أحمد العجمي،
صاحب هذا (الثبت)) المزبور.
((وكذا روى عن الشيخ أحمد المزبور شيخنا ومولانا وسيدنا الشيخ
إبراهيم بن عبد العزيز الجِيْنيني ثم الدمشقي، وقد أجازنا بسائر أسانيده
ورواياته عن مشايخه الكرام، ومنهم الشيخ أحمد المزبور. حرره الفقير
محمد ابن الدَّكْدَكَجي الحنفي الدمشقي، لطف الله به والمسلمين. آمين.
وكذلك روى عن الشيخ أحمد المذكور: العلامة المتقن المفنَّن،
الشيخ محمد بن محمد بن سليمان المغربي(١)، كما ذكر روايته عنه في
(١) هو العلامة المشهور بالرُّوداني، وهكذا جاء - كما تراه ص ٩٤ -: محمد بن
=

١١٥
بین یدي ((ثبت)) ابن العجمي
أواخر ((ثَبَته)) عند ذكره سلسلة الفقه على مذهب الإمام الشافعي، وقد
أخذ عن الشيخ محمد بن سليمان المذكور والدي الشيخ محمد ابن
الدَّكْدَكَجي المذكور أعلاه، وأجازه بجميع ما تضمنه (ثَبَته)) المشهور،
إجازة عامة في أوائل ربيع الثاني سنة ١٠٩٤. وكتبه إبراهيم بن محمد
الدکدکجي غفر الله له)).
وأما اتصالي بهذا ((الثبت)): فأرويه عن شيخنا العلامة المتفنِّن
الجامع الشيخ محمد ياسين فاداني (١٣٣٥ - آخر ١٤١٠) رحمه الله،
عن عبد الرحمن بن أحمد الحلبي المكي، وغيره، عن الوجيه
الكزبري، عن خليل بن عبد السلام الكاملي، عن أبيه عبد السلام بن
محمد الكاملي، عن البرهان إبراهيم بن حسن الكوراني، عن الإمام ابن
العجمي صاحب هذا الثبت)).
وهذا إسناد عالٍ، إذ بيني وبين ابن العجمي ستة وسائط، وبيني
وبينه في الزمن الآن: خمسون عاماً وثلاث ومئة عام! ونسأل الله المغفرة
والرضا، وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله
وأصحابه أجمعين.
و کتبه
المدينة المنورة
١٤٣٦/١/١٠
محمد عوامة
محمد بن سليمان، ومحمد بن سليمان، وكذلك كان يكتب هو رحمه الله! بتكرار
(محمد)، وبغير تكرار!، ومن جملة ذلك: ما تراه في مخطوطة الأزهرية، ومخطوطة
تشستربتي لـ((صلة الخلف)) للروداني نفسه، مع النموذج الذي صوّره الأستاذ الزركلي
رحمه الله في ((الأعلام)) ٦: ١٥٢.

صور مخطوطة ثبت ابن العجمي

١١٩
صور مخطوطة ثبت ابن العجمي
تنت ١
م
أوراسك
ـط
١٩
صورة الورقة الأولى من غلاف مخطوطة ثبت ابن العجمي

١٢٠
صور مخطوطة ثبت ابن العجمي
وجدت على الأصل المنسوخ منه ماصورتهده ..!
الجزء فيه جمع من مشاهير مشاريع كاتبه
هذه الحروف احدين الجميع حل
امرذلك خالصا لوجهه
الكريمامين
المحمد بلدى
احين
اخذ تُعرّهنا العلام الامام العلى إبراهيم حسن
الكورانى المدن وإجازة بجميع مرويات دولفات
ومع اسانيه الحرة فى الكتاب منمنخنة
وروليات ومنجلة مشايخ الذي رورضم
فىالجازى العام الح الحين احمد العجمى
صاحب هذا البيت المزين
وإجازه بجميع ما تضمن ثبته المشهور إجارة عامه فى اوايل ربه الثانى
وكذلك روى عن الشيخ احمد المذكور العلام المنتمن المعنى الشيخ محمد بن محمد بن مـ
كاذكررواية عنه فى أواخر ئبة عند ذكره سلسلة الفقه على من هد الإمام الشا فعى
وقدأخذ عن النخ محمد سليمان المذكور والدى الشيخ محمدامى الذكر في المذكوراعلاه
وكز مكروب غى اليواحد المربي شيخنا
(مولا، ولميد، الحارالحزبعبد العزيز
الجينيزي ثم الدمشقى وقدإجازة
بس راساني وروا مه
من شايخ الكرام دمهم
الجاحد الزبن
ومع الشعر محمد الدكر فى عز.
والملى
الدفقى أطفى الدبه
مربيمات العربى
صورة الورقة الثانية من غلاف مخطوطة ثبت ابن العجمي