Indexed OCR Text

Pages 581-600

كتاب التفسير - الممتحنة ١٠
عليه، وهذا مما يدخلُ في بابٍ من الفقه، قد اختلف أهلُه فيه، وهو
الرجلُ يَمُرُّ بماله على عاشرِ المسلمين، فيطلبُ منه زكاته، فيقول: قد
أديتها إلى المساكين الذين يستحقُّونَ مثلَها، أو قد أديتُها إلى عاشرٍ
مررتُ به قبلَك، فكان بعضُهم يقولُ: يستحلفه على ذلك إن اتهمه
على ما قاله له، ويُخلي بينه وبين ماله، منهم: أبو حنيفة وأصحابُه
والشافعي، ومنهم من يُصدِّقه على ذلك، ولا يَسْتَحْلِفُهُ عليهم، منهم:
مالكُ والثوري، وكانا يذهبان في ذلك إلى أن هذه عبادة، المتعبِّدُون بها
مُؤْتَمَنُونَ عليها، ولا يجب استحلافُهم بالظنون بهم فيها غير الواجب
كان عليهم فيها، ويذهبونَ إلى أن الاستحلافاتِ على الأشياءِ المدعاة
إنما تجب للمدعيين بعدَ علمهم أنها قد كانت من المطلوبينَ بها، وأن
استعمالَ الظُّنون بهم غير الواجب كان عليهم فيها غير واسع لِمَنْ ظنَّ
ذلك بهم، وفي ذلك ما ينفي أن يكونَ على المدعى عليه في ذلك
بالظنون لا بالحقائق يمين. وكان هذا القولُ هو الذي يقومُ في قلوبنا
والذي نذهبُ إليه في هذا المعنى حتى وقفنا على ما في الحديث الذي
رويناه في هذا الباب مِن استحلاف رسول الله {# المهاجرات إليه على
ما كان يستحلِفُهنَّ عليه مما ذكر في الحديث الذي رويناه في ذلك
حياطةً للإسلام، فمثلُ ذلك الاستحلاف فيما اختلف فيه مما ذكرنا
يكونُ ذلك لمن تولّى الصدقات حياطةٌ للإسلام، واستيفاءً لحقوق أهله
ممن وجبت لهم عليهم. والله نسأله التوفيق.
-٥٨١-

كتاب التفسير - سورة التغابن
٩١٠ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن ابن عباس أنه لم يأخذ إلاَّ
عن رسولِ الله ﴿ في بيان مشكل قول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّ مِنْ
أزواجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوَاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]
قال الله عَّ وجَلَّ: ﴿يَاأُهَا الَّذِينَ أُوا إِنَّمِنْ أَزِواحِكُمْ وَأُوْلاَدِكُمْ
عَدُوَّالَكُمْ فَاحْذَمَرُهُمْ﴾.
٦٢٥٦م- حَدَّثْنَا أبو أمّيّة، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ أبي بُكَيْر
الكِرْمَاني، عن إسرائيلَ بنِ يونس، عن سِمَاك بن حَرْب، عن عِكْرمة،
عن ابن عباس في قول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَا أُهَا الَّذِينَ أُمَنُوا إِنَّ مِنْ أزواجِكُمْ
وَأُوْلاَ دِكُمْ عَدُوْاْلَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ قال: هؤلاء قوم من أهل مكَّة
أسلموا، فأبى أزواجُهم وأولادُهم أنْ يَدَعُوهم يهاجروا، فلما قَدِموا
المدينة، فرأوا النّاس قد تفقّهوا في الدِّين، همُّوا أن يُعاقبُوهم، فنزلت
هذه الآية: ﴿ وَنْ تَغْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُ وا فَإنَّ اللَّه ◌َغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(١) [التغابن:
١٤].
حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو عامرِ العَقَدِي، عن
إسرائيل، ثم ذکر بإسناده مثله(٢).
حَدَّثَنَا ابن أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا الفِرْيَابِي، قال: حَدَّثْنَا إسرائيل،
(١) سماك بن حرب في روايته عن عكرمة اضطراب، ورواه ابن جرير ١٢٤/٢٨،
والطيراني (١١٧٢٠) من طرق عن إسرائيل به.
(٢) هو مكرر ما قبله.
-٥٨٢-

کتاب التفسير - سورة التغابن
ثم ذكر بإسناده مثلَه(١).
قال أبو جعفر: فبانَ بهذا الحديث الوجهُ الذي أخبر الله عَزَّ وجَلَّ
في الآية التي تَلَوْنَاها بالمعنى الذي به كان من أزواجهم ومن أولادهم
عدوّاً لهم، وأن منعه إياهم كان مِن الهجرة إلى رسولِ اللهلمُ﴿ حتى
يكونوا كغيرهم مِمَّن سبقهم بالهجرة حتى نالَ بها الفِقْه في دين الله، ثم
أمرهم بالعفو والصفح عنهم والغفران لهم لما همُّوا بعقوباتهم على
ذلك، إذا كانت عقوباتٍ لا يستدركون بها شيئاً، وكان في ذلك مما قد
دَلَّ على أنه أراد من أُمَّةٍ نبيِّهِ أنْ لا يُطيعوا زوجاً ولا ولداً في صدِّ عن
طاعةِ الله، وأخبرهم أنَّ من حاول ذلك منهم عدوٌّ لهم. والله عَزَّ وجَلَّ
نسأله التوفيق.
(١) رواه الترمذي (٣٣١٧) عن محمد بن يحيى، وابن أبي حاتم كما في ((تفسير
ابن كثير)) ١٦٥/٨ من طريق محمد بن يوسف الفريابي، به، وقال الترمذي: حسن
صحيح.
- ٥٨٣-

كتاب التفسير - الجن ١
٩١١- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ في الشُّهُبِ التي أُرسلت على
مستمِعِي أخبارِ السماء الدنيا من الشياطين عند مَبْعَثِ رسولٍ
الله هل كان من ذلك شيء قبل مبعثه أم لا؟
٦٢٥٧- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا أبو الوليد
الطيالسي، قال: حَدَّثْنَا أبو عَوَانة، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جُبَيْر،
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ما قرأ رسولُ الله﴿ على الجنِّ
ولا رآهم، انطلق إلى سوق معُكَّاظ، وقد حِيلَ بَيْنَ الشياطين وبَيْنَ خيرٍ
السماء، وأُرْسِلَتْ عليهم الشُّهُبُ، فرجعت الشياطينُ إلى قومهم،
فقالوا: ما لَكُمْ؟ فقالوا: حِيلَ بيننا وَيْنَ خبرِ السماء، وأُرسلت علينا
الشهب، فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلاَّ شيءٌ حدّث، اثْتُوا
مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر
السماء، فانطلقُوا يضربُون مشارق الأرض ومغربها يبتغون الذي حَالَ
بينهم وبَيْنَ خبرِ السماء، فانصرف أولئك النفر، فرجعوا نحو تِهَامَةً إلى
رسول الله﴿ وهو بنخلةَ عامَداً إلى سوق عُكَاظ وهو يُصلِّي بأصحابِهِ
صلاةَ الفجر، فلمَّا سِمِعُوا القرآن، استمعوا له، وقالوا: هذا والله الذي
حالَ بِينَكُم وبين خبرِ السماءِ، فذلك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا
قَوْمَنَا ﴿أَنَّا سَمِعْنَا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فَآمنا به ولن نُشْرَ بربنا أحداً﴾
فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ على نَبِّهِ: ﴿قُلْ أُوحِ إلَيَ أَنْهُاسْتَمَعَفَرَّ﴾ [الجن: ١]
وإنما أوحي إليه قول الجن(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه الترمذي (٣٣٢٣) عن عبد بن حميد، والطبراني
-٥٨٤-

کتاب التفسیر - الجن ١
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث ما قد دَلَّ على أنَّ الشهبَ التي
كانت أُرسلت على الشياطين حينئذٍ ومنعتهم من خبر السماء مما لم
يكونوا يعرفونه قبل ذلك.
٦٢٥٨- حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا الفِرْيَابي، قال: حَدَّثْنَا
إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس رضي
الله عنهما، قال: كان الجن يصعَدُون إلى السماء يستمعونَ الوحْيَ، فإذا
سمعُوا الكلمةَ زادوا فيها تِسْعاً، وأمَّا الكلمةُ فتكون حقاً، وأمَّا ما زادوا،
فيكون باطلاً، فلما بُعِثَ رسول الله لَ﴿، مُنِعُوا مقاعدهم، فذكروا ذلك
لإبليس، ولم تكن النجومُ يُرمَى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليسُ: ما هذا
إلاَّ لأمرٍ قد حدَث في الأرض، فبعث جنودَه، فوجدوا رسول الله صل*
قائماً يصلّي بين حَبَلَيْن، قال: أراهُ قال: بأعلَى مَكّْة - شكَّ الفِرْيَابِي -
فأَتَّوْهُ فأخبروه، فقال: هذا الحَدَث الذي حدث في الأرض(١).
(١٢٤٤٩) عن محمد بن حيان كلاهما عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك، به، وقال
الترمذي: حسن صحيح.
ورواه البخاري (٧٧٣)، والبيهقي في («دلائل النبوة)) ٢٢٥/٢-٢٢٧، والطبراني
(١٢٤٤٩) من طريق مسدد، ومسلم (٤٤٩) عن شيبان بن فروخ، والبخاري
(٤٩٢١) عن موسى بن إسماعيل، وأحمد ٢٥٢/١ عن عفان، والحاكم ٥٠٣/٢ من
طريق يحيى بن حماد، وابن جرير ١٠٢/٢٩-١٠٣ عن أبي هشام المخزومي، سنتهم
عن أبي عوانة، به.
(١) رواه أحمد ٢٧٤/١ عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري،
والترمذي (٣٣٢٤) عن محمد بن يحيى، عن محمد بن يوسف، كلاهما عن إسرائيل،
به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
- ٥٨٥-

كتاب التفسير - الجن ١
قال أبو جعفر: ففي هذا أيضاً ما قد حَقّقَ ما قد ذكرنا لقول ابن
عباس فيه: ولم يكن يُرْمَى بها قبل ذلك.
فقال قائل: وأنتم تروون عن ابنِ عباس ما يُخالف ما رويتُم عنه
في هذين الحديثين مما ذكره عن رجال من الأنصار من أصحاب رسول
الله ﴾.
٦٢٥٩ - فذكر ما قد حَدَّثْنَا یونُسُ بنُ عبد الأعْلى، قال: أخبرنا
بشْر بن بَكْر، قال: أخبرني الأوْزَاعي، عن ابن شِهَاب، قال: أخبرني
علي بن حسين، أنَّ عبد الله بن عباس، قال: أخبرني رجال من
أصحاب رسول الله ﴿ من الأنصار، أنهم بَيْنَا هُمْ جلوسُ ليلةٌ مع
رسول الله :﴿ رُمِيَ بنجمٍ، فاستنارَ، فقال لهم رسول اللّه ◌ُخلّ: «ما كنتم
تقولُون في الجاهِلِيَّةِ إذا رُمِيَ بمثلِ هذا)؟ قالوا: اللهُ عَزَّ وجَلَّ ورسولُه
أعلَمُ، كنّا نقول: وُلِدَ الليلة رجلٌ عظيمٌ، ومات الليلة رجلٌ عظيم. قال
رسولُ اللّهر ◌َ: ((فإنّها لا يُرمى بها لموتِ أحدٍ ولا حياته، ولكنْ رَبُّنا
تبارك اسُه إذا قَضَى أمراً سبَّحَ حَمَلَةُ العرشِ، ثم سبَّحَ أهلُ السماء
الذين يَلُونَهُمْ حتّى يبلُغ التسبيحُ أهلَ السماء الدنيا، قال الذين يَلُونَ
حمّلَةَ العرشِ لحملة العرش: ماذا قال ربُّكم؟ ڤيُخبرونهم، فيستخبر
أهلُ السموات بعضهم بعضاً حتى يبلُغَ الخبرُ هذه السماء الدنيا،
فتخطَفُ الجِنُّ السَّمْعَ، فَيُلْقُونَهُ إلى أوليائهم ويُرْمَوْنَ به، فما جاؤوا به
على وجهه، فهو حقٌّ، ولكنهم يرقون فيه ويزيدُون)).(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٢١٨/٢: عن محمد بن مصعب، ومسلم
-٥٨٦-

كتاب التفسير - الجن ١
٦٢٦٠ - وما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وَهْب، قال:
أخبرني يونسُ بن يزيد، عن ابن شِهَاب، قال: أخبرني علي بن الحسين
أنَّ ابن عباس، قال: أخبرني رجال من أصحاب النبي ﴿ من الأنصار،
ثم ذكر مثلّه غير أنه لم یذکر: ويرمون.
٦٢٦١ - وما قد حَدَّثَنَا أحمد بن شُعَيب، قال: حَدَّثَنَا كَثِير بن
عُبيد، عن محمد بن حَرْب، عن الزُّبَيْدِي، عن الزهري، ثم ذكر بإسناده
مثلّه(١).
قال: ففي هذا الحديث إخبارُ رسول الله ﴾﴿ أنه قد كان يُرْمی بها
في الجاهلية.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنَّ الذي
كانوا يُرمون به في الجاهلية قد يَحْتمل أن يكون كان في خاص من
(٢٢٢٩) عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم، كلاهما عن الأوزاعي، به.
ورواه مسلم من طرق عن الزهري، به.
وقوله: (يرقون) قال النووي في ((شرح مسلم) ٢٢٧/١٤ قال القاضي: ضبطناه
عن شيوخنا بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف، ورواه بعضهم بفتح الياء وإسكان
الراء، قال في ((المشارق)، قال بعضهم: صوابُه بفتح الياء وإسكان الراء وفتح القاف،
قال: وكذا ذكره الخطابي، قال: ومعناه ومعنى يزيدون، يقال: رقي فلان إلى الباطل
بكسر القاف، أي رفعه، وأصله من الصعود، أي: يدعون فيها فوق ما سمعوا، قال
القاضي: وقد تصح الروايةُ الأولى على تضعيف هذا الفعل وتكثيره.
(١) إسناده صحيح، وهو في «السنن الكبرى» للنسائي كما في «التحفة»
١١/ ٠١٧٢
-٥٨٧-

كتاب التفسير - الجن ١
الأوقات، ثم كان بعدَ مبعث النبيِ﴿ٌ في الأوقات كُلّها، ويدلُّ على
ذلك قولُ الله عَزَّ وجَلَّ في إخباره عن الجنِّ بقولهم: ﴿وَنَّ ◌ِكُنََّقْعُدُمِنْهَا
مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٩] يعنون قبل أنْ يروا الشهبَ التي رأوْها بعد
مبعث النبي :﴿: ﴿فَمَنْ يَسْتَعِالآنَّيَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَدَا﴾ [الجن: ٩] أي أنّه
لا يستطيع مثلَ ما كان يستطيعُه قبل ذلك من الاستماع مع الشهب
التي حدثت مما يمنع من ذلك.
ومن ذلك قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿أَنَّا مَّا السَّمَاء الدَّمَا بِيَةِ
الكواكب .. ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُقْذَفَونَ مِنْ كُلِ جَانِبِ دُهُورَا وَهُمْ عَذَابٌ
وَصِبُّ﴾ [الصافات: ٦-٩] أي أنهم مدحورون ممنوعون من ذلك،
والواصبُ: الدائم أي أنه دائم غير منقطع. ومن ذلك قوله عَزَّ وجَلَّ:
﴿وَّدْ مَّنَا السَّمَاءِ الدَُّا بِمَصَابِحَ وَجَعَنَاهَا رُجُومَا لِلشَّيَاطِينِ وَأَغْتَدْنَاَ لَهُمْ عَذَابَ
السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وذلك كلَّه بعدَ مَبْعث النبيِ مَ﴿، وفي ذلك ما قد
دَلَّ على أن ما كان من ذلك الجنسِ قبلَ مبعثه :﴿ لم يكن يَقْطَعُهُمْ عن
المُعَاوَدَةِ لما كانوا يُرمون من أجله، وأن ما حدث من ذلك بعد مبعث
البي ﴿ فبخلاف ذلك، ويؤكد ذلك ما حكى الله عَزَّ وجَلَّ عن الجنِّ
من قوله: ﴿فَوَحَدْنَاهَا مُلْتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُاً﴾ [الجن: ٨] أي: أن الأمرَ
الذي قد حرست به ليس مما كان قبل ذلك في شيء، وأنه قد مَنَعَنَا مُما
کنا واصلینَ إليه قبل ذلك من ذلك الجنس.
فقال قائل: فقد رُوِيَ عن عائشة رضي الله عنها عن رسول
اللّهَ﴿ ما يدلُّ على خلاف هذا.
-٥٨٨-

کتاب التفسیر - الجن ١
٦٢٦٢- فذكر ما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: أنبأنا ابن وَهْب، قال:
أخبرني محمد بن عمرو اليَافِعِي، عن ابن حُريْج، عن ابنِ شِهَاب، عن
يحيى بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﴿ قال: سأل ناسٌ
رسولَ الله ﴿ عن الكُهَّانِ، فقال: (لَيْسُوا بشيءٍ) فقالوا: يا رسولَ الله
فإنهم يخبرُونا بالشيء أحياناً، فيكون حقّاً. قال: ((تلك الكلمة من الجنّ
يحفظُهَا الجَنِّيُّ، فَيَقَرُّها في إُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فيزيدُون فيه أكثرَ
مِنْ مِنَةِ کَذبٍ)(١).
٦٢٦٣ - وما قد حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ محمد بنِ الحسن بن أبي
(١) رواه البخاري (٦٢١٣)، ومسلم (٢٢٢٨) من طريق ابن جريج به.
ورواه عبد الرزاق (٢٠٣٤٧) ومن طريقه مسلم (٢٢٢٨) (١٢٢) عن معمر،
عن الزهري، به، وهو عند البخاري (٥٧٦٢) عن على بن عبد الله، حَدَّثنا هشام بن
یوسف، أخبرنا معمر، به.
ورواه البخاري (٧٥٦١) من طريق يونس، ومسلم (٢٢٢٨) (١٢٣) من طريق
معقل بن عبيد الله، كلاهما عن الزهري، به.
وقال الخطابي فيما نقله عنه الحافظ في ((الفتح) ٢١٧/١٠: الكهنة: قوم لهم أذهان
حادة، ونفوس شريرة، وطباع نارية، فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه
الأمور، ومساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه.
وقال القرطبي: كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع والأحكام،
ويرجعون إلى أقوالهم، وقد انقطعت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقي في الوجود من
يتشبه بهم، وثبت النهي عن إتيانهم، فلا يَحِلُّ إتيانهم ولا تصديقهم. أ.هـ.
وقوله «فيقرها ... قَرَّ الدجاجة»: أي يصبها أو يلقها في أذنه بصوت. يقال قرَّ
الطائر: إذا صوَّت.
- ٥٨٩-

کتاب التفسیر - الجن ١
الحسن بن زُيَالَة المدني، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ مَعِين، قال: حَدَّثَنَا هشام
بن يوسف، عن مَعْمر، عن الزهري، ثم ذكر بإسناده مثلَه، غير أنّه لم
يَقُلْ فيه: (قَرَّ الدَّجاجَةِ)(١).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنَّ هذا مما قد
يَحْتَملِ أن يكونوا سألُوا رسولَ اللهلَ﴿، فأجابهم بما أجابهم به مما في
هذا الحديث قبل ما ذكر في حديثٍ ابن عباس عن رجال من الأنصار،
ثم كان ما في حديث ابن عباس هذا، فنسخ ذلك، فبانَ بحمدِ اللهِ
ونعمتِهِ أُنْ لا تضادّ في شيءٍ من هذه الآثار التي ذكرناها في هذا الباب،
والله عَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
(١) عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زُبالة شيخ الطحاوي ذكره ابن حبان في
«الضعفاء» ١٣٩٨/٢ وقال: يروي عن المدنيين الثقات الأشياء الموضوعات
المعضلات، كان ممن يتصور له الشيء فيعرض عليه ويخيل له، فيحدث به حتى بطل
الاحتجاج بأخباره.
- ٥٩٠-

كتاب التفسير - سورة التكوير
٩١٢- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ فيمن قرأ قوله: ﴿وما هُو علی
الغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ أو ﴿بِضَنينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]
قال أبو جعفر: قد ذكرنا مخرجَ قراءة عاصم فيما تقدَّم من كتابنا
هذا ورجوعِها إلى عليّ، وعبد الله، وزيدٍ - رضي الله عنهم- وذكرنا
في رواية أبي بكر بن عياش أخذَه إِيَّاها عنه حرفاً حرفاً، وأنّه كان يقرأُ
هذا الحرف بالضادٍ، وذكرنا قراءةَ حمزة ومخرجَها وإلى مَنْ تَرْجِعُ في
الإسنادِ الذي ذكرناها به، وأنه كان يقرأُ هذا الحرفَ كذلك، وذكرنا
قراءة نافع وأخذه إياها عن الجماعة الذين أخذها منهم، وأنَّ منهم أبا
جعفر، وأخذ أبي جعفر إيَّها عن مولى عبدِ الله بن عياش بن أبي
ربيعة، وأخذ مولاه إيَّها من أُبي وكان يقرأ هذا الحرف كذلك أيضاً.
وأما عبدُ الله بنُ كثير، فكان يقرؤه بالظاء.
كما حَدَّثَنَا ابنُ أبي عِمْران، حَدَّثْنَا خلفُ بنُ هشامٍ في القراءة
کذلك.
وقد رُوِيَ في أخذ خلفٍ قراءة عبدِ الله بن كثير في هذه الرواية
عن عُتبة بن عقيل، عن شِيلٍ المكي، عن عبد الله بنٍ كثير.
وأما أبو عمرو بن العلاء، فكان يقرؤها بالظاء.
كما حَدَّثَنَا ابنُ أبي عمران، حَدَّثْنَا خلفٌ أبو زيد، عن أبي
عمرو: أنه كان يقرؤها كذلك.
وكذلك كان عبدُ الرحمن الأعرجُ، والليثُ بنُ سعد يقرآنِها،
كما حَدَّثْنَا روحُ بنُ الفرج، قال: سمعتُ يحيى بنَ عبد الله بن بكير،
يقول: سمعتُ الليث بن سعد، يقول لِعبد الحكم بن أعين: كيف يقرأ
- ٥٩١-

كتاب التفسير - سورة التكوير
صاحبُك - يعني نافعاً- هذا الحرفَ: ﴿وما هو على الغَيْبِ بِضَينَ﴾؟ قال ابن
مے
يُكير: وكان الليثُ يقرؤها (بظنين).
وكما حَدَّثَنَا روحُ بنُ الفرج، حدثني ابنُ بكيرِ، حدثني عبدُ الله
بن لهيعة: أنه سَمِعَ الأعرجَ يقرؤها (بظنين) بالظاءِ.
وأما ما رُوِيَ عن أصحاب رسول الله ﴿ في ذلك مما قد حَدَّثْنَا
يونس، أخبرنا سفيانُ، عن عمرو، عن عطاء، عن ابنِ عباس: أنه كان
يقرؤها: (بظنين).
٦٢٦٤- وما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي عمران، حَدَّثْنَا حلفٌ، حَدَّثَنَا
هُشَيمٌ، عن أبي المعلّى، عن سعيد بن جبير، عن ابنِ عباس: أنه قرأها
کذلك.
غير أن مجاهداً قد روى عن ابنِ عباس أنه كان يقرؤها بالضادِ.
٦٢٦٤م- كما حَدَّثْنَا ابنُ أبي عمران، حَدَّثَنَا خلفٌ، حَدَّثَنَا
هُشَيْمٌ، وخالد - يعني ابنَ عبد الله-، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباس:
(بضنين) بالضاد.
وكما حَدَّثْنَا ابنُ أبي عمران، حَدَّثَنَا خلفٌ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عن
مغيرة، عن مجاهدٍ مثلَه.
ثم نظرنا في الأوْلَى من هاتين القِراءتين بما جاءت به الآثار الدالةُ
على ذلك، فكان الذين قرؤوها (بالضاد) معناه يكون بخيلاً بالغيب،
والذين قرؤوها (بالظاء) نَفَوْا عنه أن يكونَ متهماً في ذلك.
ووجدناه * قد كان غيرَ متهم عند قومه حتّى كانوا يُسمونه
الأمينَ لِصدقٍ لهجته، ولأمانته التي كان عليها.
-٥٩٢-

کتاب التفسير - سورة التکویر
٦٢٦٥- كما حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا سعيدُ بن سُليمان
الواسطيُّ، حَدَّثَنَا عِبَّادُ بنُ عوامٍ، عن هلال بن خَبَّاب، حدثني مجاهدٌ،
حَدَّثَنَا مولاي عبد الله بن السائب، قال: كنتُ فيمن بنى البيتَ،
فأخذتُ حجراً، فكنتُ أعْبُدُه، فإن كان ليكون في البيتِ الشيء،
فأبعث به فيصبّ عليه. ولقد كان يُؤتى باللَّنِ الطيب فأبعث به فيُصبُّ
عليه، وإنَّ قريشاً اختلفوا وتشاجروا في الحجر أين يَضَعُونَه حتى كاد
يكون بَينَهُم قِتالٌ بالسيوف، فقال: انظُرُوا أوَّلَ رجلٍ يدخلُ مِن باب
المسجد، فدخل رسولُ الله :﴿، فقالوا: هذا أمينٌ، وكانوا يسمونه في
الجاهلية (أميناً)، فقالوا: هذا محمد، فجاء، وأخَذَ ثوباً وبَسَطَهُ، ووَضَعَ
الحجرَ فيه، فقال لِهذا البطن، ولهذا البطن، ولهذا البطن: «ليأخذ كُلُّ
واحدٍ منكم بناحيةِ الثَّوْبِ) ففعلوا، فأخذه رسولُ اللهِعَم﴾، فوضعه في
مکانه(١).
وكذلك كان أبو سفيانُ بنُ حرب على ما كان في قلبه عليه {﴿
يومئذ في جوابه قيصَر لما سألَه: هل تتهمونه بالكَذِبِ قبل أن يقول ما
قال -يعني النبوة-؟.
٦٢٦٦- كما حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا عبد العزيز بن عبد
الله الأويسي، حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالح بنِ كَيْسَانَ، عن ابنٍ
(١) إسناده لا بأس به إلا أنه يحتمل أن يكون راويه (السائب أبي عبد الله) بدلاً
من (عبد الله بن السائب)، وانظر المسند ٤٢٥/٣، والبداية والنهاية ٢٨١/١، ورواه
الحاكم ٤٥٨/١، وأبو نعيم في «الدلائل» (١١٣) من طريق سعيد بن سليمان، به.
- ٥٩٣-

كتاب التفسير - سورة التكوير
شهاب، أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتبة:
أن ابنَ عباس أخبره قال: أنبأنا أبو سفيان بنُ حرب بنٍ أُمَيَّة: أنه
كان بالشامٍ في رجال مِن قريش قدمها تِجَارًاً في المُدَّةِ التي كانت بينَ
رسول الله ﴿ وَبَيْنَ قريشٍ، قال أبو سفيان: فوجدنا رسولَ قيصر
ببعضِ الشام، فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إيلياء، فدخلنا عليه،
فإذا هو جالسٌ في مجلس مُلكه وعليه تاجٌ وحولَه عُظماؤه، فقال
لِترجمانه، سَلَهُمْ، أَيُّهم أقربُ نسباً إلى هذا الرجل الذي يَزْعُمُ أَنَّه ني؟
فقال أبو سفيان: أنا أقربُهم إليه نسباً، قال: ما قرابةُ ما بينك وبينَه؟
قلت: هُوَ ابنُ عمي، وليس في الركب يومئذ رَجُلٌ من بني عبدٍ مناف
غيري، فقال قيصرُ: ادْنُوه مِن، ثم أمر بأصحابي، فحُعِلُوا خَلْفَ
ظهري، ثم قال لترجُمانه: قل لأصحابه: إني سائلٌ هذا الرجلَ عن هذا
الرجلِ الذي يزعم أنّه نبيٌّ، فإن كذب، فكذبوه. قال أبو سفيان: واللهِ
لولا الحياءُ من أن يأتِرَ أصحابي عني الكذب، لحدثتُ عنه حين سألني،
ولكني استحييتُ أَن يَأْثِرُوا عَنِّي الكذبَ فصدقتُه عنه. فكان مما سأله
عنه: هل أنْتُمْ تَتْهِمُونَه بالكذبِ قبل أن يَقُولَ ما قال؟ قلت: لا(١).
(١) رواه البخاري (٥١) و(٢٦٨١) و(٢٩٤١) من طريق إبراهيم بن حمزة،
ومسلم (١٧٧٣) (٧٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٠٦١) من طريق يعقوب،
كلاهما عن إبراهيم بن سعد، به.
ورواه عبد الرزاق (٩٧٢٤)، ومن طريقه أحمد (٢٣٧٢)، والبخاري (٤٥٥٣)،
ومسلم (١٧٧٣)، وابن حبان (٦٥٥٥)، واللالكائي في («أصول الاعتقاد)) (١٤٥٧)،
والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٣٨٠/٤-٣٨١ عن معمر، عن الزهري، به.
- ٥٩٤-

كتاب التفسير - سورة التكوير
ففي هذا من قول أبي سفيان ما فيه من أن النبيَّ ﴿ كان عندهم
مِن الصدق في الرُّبة التي كان منه فيها، وقد سَمِعَ ذلك مِن قوله مَنْ
کان معه مِن قریش، فلم يُخالفه أحد منهم في ذلك.
وكذلك كان مِن عمرو بن العاص، ومن عبدِ الله بن أبي ربيعة
عند النجاشي على ما كان في قلوبهما يومئذٍ على رسولِ الله من18 وعلى
ما قدما له على النجاشي فيما يُحاولان به ما کانا يُحاولاته في رسول
الله /﴿ وقومه الذين كانوا اتبعوه.
٦٢٦٧- كما حَدَّثَنَا الربيعُ المرادِيُّ، حَدَّثْنَا أُسدُ بن موسى،
حَدَّثَنَا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة. وكما حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان،
حَدَّثَنَا يوسف بن بهلول، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ إدريس، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ
إسحاق، أخبرني الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام، عن أم سلمة زوج النبيِّ /#: في قصة خروجهم إلى النجاشيِّ: أن
قريشاً بَعَثَتْ إلى النجاشيِّ عمرو بنَ العاصِ، وعبدَ الله بن أبي ربيعة،
وكان أتقى الرجلين فينا عبد الله بن أبي ربيعة، وأن عمراً، قال: لا بالله
لأُجِيبَتْه بما أُبِيدُ به خَضْرَاءَهم، لأُخْبِرَنْه أنهم يزعمونَ أن إلهكَ الذي
ورواه البخاري (٧) و(٢٩٧٨) و(٣١٧٤) و(٥٩٨٠) و(٦٢٦٠) و(٧١٩٦)،
والترمذي (٢٧١٧)، وابن منده في (الإيمان)) (١٤٣)، والبيهقي في «الدلائل))
٣٨١/٤-٣٨٣ من طرق، عن الزهري، به.
ورواه أحمد (٢٣٧٩) و(٢٣٧١)، والبخاري (٢٩٣٦) و(٢٩٤٠)، والبيهقي في
(دلائل النبوة) ٣٧٧/٤ - ٣٨٠ من طريقين، عن الزهري، به، دون ذكر أبي سفيان.
-٥٩٥-

کتاب التفسير - سورة التكوير
تَعْبُدُ عبدٌ فقال عبد الله: لا تفعل، فإنَّ لهم أرحاماً؛ وإنْ كانوا قد
خالفونا. فقال: أحْلِفُ باللهِ لأَفْعَلَنَّ، فرجع إليه بَعْدَ يومٍ قد كان دخل
عليه فيه. فقال: أُّها الملِكُ، إنهم يقولون في عيسى عليه السَّلامُ قولاً
عظيماً، فابْعَثْ إليهم، فَسَلْهُم عنه، فَأرْسَلَ إلينا. فقال: ماذا تقولون في
عيسى؟ قالوا: نقولُ ما قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وما قال لنا نبينا﴿: هُوَ عَبْدُ
الله وروحُه ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: فدلَّى يَدَهُ، فأخذ
عُودًاً من الأرضِ، فقال: ما عدا عيسى صلوات الله عليه، ما قُلْتُمْ
فیه(١).
وفي هذا الحديث أن المتكلم له بهذا الكلام جعفرُ بنُ أبي طالب
رَضي الله عنه، وأنه قال في أوَّلِ ما كَلَّمَهُ: كُنَّا مع قومنا في أمرِ جاهليةٍ
نَعْبُدُ الأصنامَ، فبعث الله إلينا رجلاً نَعْرِفُ نسبَه وصدقه ووفاءه، ثم
ذكر بقيةَ الحديثِ.
ولم يدفع عمرو ولا عَبْدُ الله بنُ أبي ربيعة، ولو كانا يستطيعان
دفعَ ذلك، لفعلاه، ولكنهما تركا ذلك لِعلمهما أن الحجةً كانت تقومُ
عليهما لجعفر بما قاله مِن ذلك، فتركا خلافَه لذلك.
(١) رواه ابن هشام في ((السيرة)) ٣٥٧/١، وأحمد ٢٠١/١، ٢٩٠/٥-٢٩١،
وأبو نعيم في ((دلائل النبوة)) (١٩٤)، وفي (الحلية)) ١١٥/١، والبيهقي في «دلائل
النبوة)) ٣٠١/٢، وفي («السنن الكبرى) ٩/٩ من طرق، عن ابن إسحاق، به.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٤/٦-٢٧، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال
الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع.
-٥٩٦-

كتاب التفسير - سورة التکویر
وفي هذا أيضاً، وفيما ذكرناه قبلَه ما قد دَلَّ أنه عليه السَّلامُ لم
يكن ظنيناً عندَ قومه، وأنه كان عندهم مِن أهل الصدق والأمانةِ، وفي
ذلك ما قد دَلَّ أن الذي وصفه اللهُ عَزَّ وجَلَّ في الآية التي تلونا لم يَكُنْ
# عندهم في خلافه، وكان الذي وصفه به دفعاً عنه أنه يَكْتُمُ شيئاً مما
أُنزِلَ عليه مما عسى أن يكونوا كانوا يَظُنُّونَه لما فيه مِن الرأفة والرفقِ
لهم، فأنْزَلَ الله تعالى ما يَنْفي ذلك عنه، وأنْزَلَ الله تعالى عليه مع ذلك
أيضاً: ﴿فَاصْدَغُ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عن المُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤].
وأنزل عليه أيضاً: ﴿يَا أَّها الرَّسُول ◌َلْ مَا أَنْزِلَإلَيكَ مِنْ رِّكَ﴾ [المائدة:
٦٧] وأَتْبَعَ ذلك بما أنزل عليه: ﴿وإنْ لمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رَسَلاتِهِ﴾(١)
[المائدة: ٦٧] وهو ﴿ أفعلُ الناسِ لما يأمُرُهُ رَبّه عَزَّ وحَلَّ وأشدُّهُم
تمسكاً به.
ولهذا رُوِيَ عن عائشة رضي الله عنها
٦٢٦٨ - ما قد حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني عمرو
بنُ الحارث: أن عبدَ ربِّه بن سعيد، أخبره أن داودَ بنَ أبي هُنْدٍ، حدَّثه
عن عامر الشعبيِّ، عن مسروق بن الأجدعِ: أنه سَمِعَ عائشة رضي الله
عنها تقولُ: أعظم الفِرْيَة على اللهِ عَزَّ وجَلَّ مَنْ قال ثلاثةَ: مَنْ قال إنَّ
محمداً رأى ربَّه، وإن محمداً كَثَمَ شيئاً من الوحي، وإن محمداً يَعْلَمُ ما في
غد. قلتُ: يا أمَّ المؤمنينَ، وما رآه؟ قالت: لا، إنما ذلك جبريلُ رآه
(١) (رسالاته) على الجمع: هي قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر، وقرأ الباقون:
(رسالته). انظر (حجة القراءات)) ص ٢٣٢، و((زاد المسير)) ٣٩٧/٢.
-٥٩٧-

کتاب التفسير - سورة التكوير
مَرَّتَيْنِ: مرةٌ فِي صُورته بالأُفُقِ الأعلى، ومَرَّةً ساداً آفاق السَّماءِ(١).
٦٢٦٩- وما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المِنهال،
حَدَّثَنَا يزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن داودَ بن أبي هِنْدٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروق،
عن عائشةً، مثلَه(٢).
(١) حديث صحيح، ورواه أبو عوانة ١٥٥/١، وابن خزيمة في ((التوحيد) رقم
(٣٢٦)، وابن حبان (٦٠) من طريق يونس بن عبد الأعلى، به.
ورواه مسلم (١٧٧)، والطبري في (تفسيره)) ٥١/٢٧، وابن خزيمة في ((التوحيد))
(٣٢٣)، وابن منده في (الإيمان)) (٧٦٥)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص٤٣٥،
من طريق إسماعيل بن إبراهيم، ومسلم (١٧٧) (٢٨٨)، والنسائي في (الكبرى)
(١١٤٠٨)، وأبو عوانة ١٥٤/١، والطبري ٥٠/٢٧ من طريق عبد الوهاب،
والطبري ٥٠/٢٧، وأبو عوانة ١٥٣/١، وابن منده (٧٦٣) من طريق يزيد بن
هارون، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٤٠٩٨)، والطبري ٥٠/٢٧ من طريق عبد
الأعلى وابن أبي عدي، والترمذي (٣٠٦٨) من طريق إسحاق بن يوسف، وإسحاق
بن راهويه في «مسنده» (١٤٣٩) من طريق حماد بن سلمة، وابن منده (٧٦٤) من
طريق وهيب بن خالد، وأبو يعلى (٤٩٠٠) من طريق حفص، كلهم عن داود بن
أبي هند، به. ورواه أحمد ٤٩/٦ و٥٠، والبخاري (٤٦١٢) و(٤٨٥٥) و(٧٣٨٠)
و(٧٥٣١)، ومسلم (١٧٧) (٢٨٩)، وإسحاق (١٤٢١) و(١٤٢٢)، وأبو يعلى
(٤٩٠١)، وأبو عوانة ١٥٤/١، وابن منده (٧٦٧) و(٧٦٨) من طريق إسماعيل بن
أبي خالد، والبخاري (٣٢٣٥)، ومسلم (١٧٧) (٢٩٠)، وأبو عوانة ١٥٥/١ من
طريق ابن الأشوع، والترمذي (٣٢٧٨) من طريق مجالد، ثلاثتهم عن الشعبي، به.
ورواه ابن خزيمة في («التوحيد)» (٣٢٧) من طريق إبراهيم، عن مسروق، عن
عائشة. ورواه البخاري (٣٢٣٤) من طريق ابن عون، عن القاسم، عن عائشة.
(٢) رواه النسائي في «الكبرى» (١١٥٣٢)، وابن منده (٧٦٦) من طريق يزيد
بن زريع، به.
-٥٩٨-

كتاب التفسير - سورة التكوير
وقال بعضُ أهلِ العلم في تأويل قولِه عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَا هُوَ على الغيبِ
بِضَيْنِ﴾ [التكوير: ٢٤]: أن كُلَّ عالم بعلمٍ لا يُحِبُّ أن يُعَلِّمَ كُلَّ علمه
غيرَه، فأخبرهم اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ أنه ﴿ فيما عَلَّمَهُ إِيَّاه بخلافٍ ذلك، وفي
ذلك ما قد دَلَّ أنَّ معه في علمه غيره من الفضل في ذلك ما يتجاوزُ به
ما عَلِمه كُلُّ العلماء.
وكان أبو عبيد القاسم بن سلام يقول: الاختيارُ عندي لِقراءة
هذا الحرفِ بالظاء، قال: والضادُ والظاء لا يختلِفُ خَطَّهُما إلا بزيادة
رفع رأس أحدِهما على رأس الأُخرى، فهذا قد يتشابه في خطْ
المصاحف ويَتَدَانی.
قال أبو جعفر: ونُجيبُه عن ذلك بأن نقولَ: فقد أنكرتَ على أبي
عمرٍو في قراءته: ﴿إِنَّ هذيِنِ لسَاحِرَان﴾، وحاجحته في ذلك بأنَّ الألفَ
ثابتة في السَّادِ في ذلك الحرفِ، وقد يجوزُ أن يقطع الألف ويُضم إلى
الحرف الذي هو منه فيصير هذين، فكان الذي يلزمُك في خلافٍ
السَّوادِ في ذلك الحرفِ هو مثلَ الذي ألزمته أبا عمرو في خلافه السواد
في ذلك الحرفِ، وما رأينا مصحفاً قَطُّ إلا والذي فيه (بضنين) الضاد،
لا (بظنين) بالظاء، وفيما ذكرناه في هذا الباب كفايةٌ لما يقرأ هذا
الحرف به وهو (بضنين)، وبالله التوفيق.
-٥٩٩-

كتاب التفسير - سورة التكاثر
٩١٣ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ في تأویلٍ
قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]
٦٢٧٠- حَدَّثْنَا أحمد بنُ داودَ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أبي سَمينة،
أخبرنا سفيانُ، عن عَمرو بنِ دينارٍ، عن يحيى بنِ عبدِ الرحمن، عن عبدٍ
اللهِ بنِ الزبير، عن الزبيرِ، لَمَّا نزلت ﴿ثُمَّلْتُسْأُنََّوْمِذٍ عَنِ الَِّمِ﴾
[التكاثر: ٨] قُلنا: يا رسولَ الله، وأيُّ نعيم، وإنّما هُمّا الأسْوَدَان! قال
رسول الله ﴿: ((إنَّهِ سَيَكُوث)(١).
فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه قولَ أصحابِ رسولِ الله مخط#
لِرسول الله ﴿ عند نزول هذه الآية عليه: أيُّ نعيمٍ؟ أي: ما هُمْ فيهِ
وإنما هما الأسودان، وجواب رَسُولِ الله :* إياهم عندَ ذلك: ((إنّه
سَيَكُونُ) أي: سيكونُ لكم عَيْشٌ سِوى الأسودين، فتُسألون عنه.
فعقلنا بذلك أنَّ الذي يُسألون عنه هو الفضلُ عن الأسودين مما
يتجاوزُ ما تَقُومُ أنفسُهم به، وأنهم غَيْرُ مسؤولينَ عما لا تقُومُ أنفسُهم
إلا به.
ووجدنا ما قد دَلَّ على ذلك مروياً عنه عليه السَّلامُ في غير هذا
الحدیث:
٦٢٧١ - كما حَدَّثْنَا ابنُ مرزوق، وابنُ أبي داود قالا: حَدَّثْنَا أُبو
(١) رواه أحمد ١٦٤/١، والترمذي (٣٣٥٦)، وابن ماجه (٤١٥٨)، وابن أبي
حاتم كما في تفسير ابن كثير ٤٩٧/٨ من طريق سفيان بن عيينة، عن محمد بن عمرو
بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن، به. وقال الترمذي: حسن.
- ٦٠٠-