Indexed OCR Text

Pages 521-540

كتاب التفسير - سورة محمد --
تَوَّلُّوا مِن استبدال غيرهم بهم مِمَّن لا يكُونُونَ أمثالهم فيه.
فوجدنا أصحابَ رسُولِ اللهِ﴿ هم المخاطَّبُون بذلك إن تولَّوا،
فلم يتولّوْا بحمدِ الله ونعمته، فيستحقُّوا ذلك الوعيدَ رضوانُ الله عليهم.
ووجدنا الوعيد قد يُقصدُ به إلى من يُراد به غيره، ومن ذلك قول
الله عَزَّ وجَلَّ لنيِّهِ مَ﴿: ﴿وَقَدْ أُوحِيَ إلَيكَ وَلَى الَّذِينَ مِنْ قَلِكَ لِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَخْبَطَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِنَ﴾ [الزمر: ٦٥] وذلك مما عَلِمَ اللهُ عَزَّ
وجَلَّ أنه لا يكون منه؛ لأنه قد تولاه وأعصمه وأعَدَّ له رضوانَه وجنَّتَه،
وكان المرادُ بذلك الوعيدِ غيرَه، بمعنى أي لمّا كانت منزلته {* مِن الله
عَزَّ وجَلَّ هذه المنزلة التي ليست لغيره، وكان إن أشركَ لحقه الوعيد
أوْلَى وبِوُقُوعِهِ به أحْرَى. ومثل قول الله عَرَّ وجَلَّ له عَ﴿: ﴿وَوْتَقَوَّلَ عَلْنَا
بَعْضَ الأَقَاوِ لِأَخَذْنَا مِنْهُ بِلَِّ ثُمَّلَتَطَ مِنْهُ الْوَبِنَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٦
قال أبو جعفر: الوَتِينَ: نِيَاطُ القَلْبِ، ثم قد عَلِمَ عَزَّ وجَلَّ أن
ذلك لا يكونُ منه، فأعلمُهم عَزَّ وجَلَّ أن ذلك لو كان منه، حلَّ له
هذا الوعيد ليعلَمُوا أنه إذا كان ذلك منهم، وفيهم مَنْ هو مُوهَمٌ منه أنه
قد يجوز أنْ يكونَ ذلك منه إنْ لم يعصمه عنه ربُّه عَزَّ وجَلَّ أنهم بحلولِ
ذلك الوعيد بهم إذا كان منهم أوْلى وبوقوعه بهم أحْرَى. فمثلُ ذلك
قوله جلّ وعزّ لهم: ﴿ وَإِنْ تَولُوا يَسْتَدِلِ قَوْمًاٍ غَيْرَكُمْ﴾ وهم خِيرَتُه لنبّه
*، وقد أعَدَّ لهم ما أعدَّ لهم في الآخرة من كرامته ورضوانِهِ بما لا
يكون منهم معه في الدُّنيا التَّوَلِّي عن رسولِ اللهِل:﴿، كان ذلك الوعيدُ
لسواهم ثَمّنْ قد يجوزُ تَوَّلِيه عن رسول الله :﴿، فيكون بتولّيه عنه من
أهلِ ذلك الوعيدِ، ويكون حَرَيّاً بوقوعه به. والله تعالى نسأله التوفيق.
-٥٢١-

کتاب التفسير - سورة الفتح
٨٩٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله {# في تأويل
قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتحاً مُبِيناً﴾ [الفتح: ١]
٦١٩٣- حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، حَدَّثْنَا أبو غسان، حَدَّثْنَا زهيرُ
بنُ معاوية، حَدَّثْنَا أبو إسحاق، قال: قال البراءُ: أما نحنُ، فَنْسَمِّي التي
تُسَمُّونَ فتح مكة يَوْمَ الْحُدَيْبِيةِ بَيْعَةِ الرَّضوان(١).
(١) حديث صحيح، ورواه البخاري (٤١٥٠) عن عبيد الله بن موسى، عن
إسرائيل، عن أبي إسحاق، به.
قال الحافظ في «الفتح» ٤٤١/٧-٤٤٢: وهذا موضع وقع فيه اختلاف قديم،
والتحقيق أنه يختلف ذلك باختلاف المراد من الآيات، فقوله تعالى (إنَّا فتحنا لك
فتحاً مبيناً) والمراد بالفتح هنا الحديبية، لأنها كانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين،
لما ترتب على الصلح الذي وقع منه الأمن، ورفع الحرب، وتمكّن من يخشى الدخول
في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك كما وقع لخالد بن الوليد وعمرو بن العاص
وغيرهما، ثم تبعت الأسباب بعضها بعضاً إلى أن كمل الفتح.
وقد ذكر ابن إسحاق في «المغازي»، عن الزهري، قال: لم يكن في الإسلام فتح
قبل فتح الحديبية أعظم منه، إنما كان الكفر حيث القتال، فلما أمن الناس كلهم كلم
بعضهم بعضاً، وتفاوضوا في الحديث المنازعة، ولم يكن أحد في الإسلام يعقل شيئاً إلا
بادر إلى الدخول فيه، فلقد دخل في تلك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل
ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: ويدل عليه أنه * خرج في الحديبية في ألف وأربعمئة،
ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف، انتهى.
وهذه الآية نزلت منصرفه # من الحديبية كما في هذا الباب من حديث عمر،
وأما قوله تعالى في هذه السورة: ((وأثابهم فتحاً قريباً»، فالمراد بها فتح خيبر على
الصحيح، لأنها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين. وقد روى أحمد وأبو
:
- ٥٢٢-

كتاب التفسير - سورة الفتح
وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثْنَا يحيى بنُ سعيدٍ، عن
قتادة، عن أنس: ﴿إِنَّ فَتَحْنَا لَكَ فَتَحاً مُبِيناً﴾، قال: الْحُدَيْبَةُ.
٦١٩٤- وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود، حَدَّثَنَا عبدُ الأعلى بنُ حَمَّاد،
حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حَدَّثْنَا سعيدٌ - يعني ابنَ أبي عروبة-، عن
قتادة: أنَّ حدَّثُهم، قال: حَدَّثْنَا أنسُ بنُ مالك أنها نَزَلَتْ على رسولٍ
اللهِّ مرجعه من الحديبية، يعني: ﴿أَنَّا فَتَخْنَلَكَ فَحاً مِنَا لَغْفِرَلَكَ الشُها
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْكَ وما تَأخَّهِ﴾، وأصحابُه يُخالِطُون الحُزْنَ والكآبة، قد حِيلَ
بينهم وبَيْنَ نُسُكِهِمْ، وَنَحَرُوا الَهَدْيَ بالْحُدَيبيةِ. فقال نبيُّ اللهِعَ﴿: (لَقَدْ
أُنْزِلَتْ عليَّ آيَةٌ هِيَ أحَبُّ إليَّ مِنِ الدُّنيا جميعً). فقرأها نِيُّ الله ◌ِ﴿،
فقال رَجُلٌ من القومِ: هنيئاً مريئاً يا رَسولَ الله، قد بَيَّنَ اللهُ لنا ما يَفْعَلُ
داود والحاكم من حديث مجمع بن حارثة، قال: شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا وجدنا
رسول الله * واقفاً عند كراع الغميم وقد جمع الناس، قرأ عليهم: ﴿إنا فتحنا لك
فتحاً مبيناً) الآية، فقال رجل: يا رسول الله أوَ فتحٌ هو؟ قال: «إي والذي نفسي
بيده إنه لفتح». ثم قسمت خيبر على أهل الحديبية.
وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي في قوله: (إنا فتحنا لك فتحاً
مبيناً)، قال: صلح الحديبية، وغفر له ما تقدم وما تأخر، وتبايعوا بيعة الرضوان،
وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المسلمون بنصر الله.
وأما قوله تعالى: ﴿فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً﴾ فالمراد الحديبية، وأما قوله
تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح)، وقوله: «لا هجرة بعد الفتح»، فالمراد به فتح
مكة باتفاق، فبهذا يرتفع الأشكال وتجتمع الأقوال بعون الله تعالى.
-٥٢٣-

كتاب التفسير - سورة الفتح
بكَ، فماذا يفعلُ بنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المؤمنينَ والمؤمناتِ جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُخَالِدِينَ فِها فيها ويُكِفِرُ عنهم سَيَاتِمْ وكَانَ ذلك
عِنْدَاللهِفَوْرَاً عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥]. فَبَّنَ اللهُ ما يَفْعَلُ بنبِّه وماذا يَفْعَلُ
بهم(١).
٦١٩٥- وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثَنَا عفانُ بنُ مُسلم،
حَدَّثْنَا همامُ بن يحيى، حَدَّثْنَا قتادةُ، عن أنسٍ، فذكر مثله(٢).
(١) حديث صحيح، ورواه أبو يعلى (٢٩٣٢) و(٣٢٠٤)، ومن طريقه الواحدي
في «أسباب النزول)) ص٢٨٦، حَدَّثْنَا عبيد الله بن عمر.
رواه الطبري في تفسيره ٦٩/٢٦ من طريق بشر، كلاهما عن يزيد بن زريع، به.
ورواه أحمد ٢١٥/٣، ومسلم (١٧٨٦)، والطيري ٢٩/٢٦، وأبو يعلى (٢٩٣٢)
و(٣٢٠٢)، وابن حبان (٣٧٠)، والبيهقي ٢٢٢/٩، والواحدي في ((أسباب النزول))
ص٢٥٦ من طرق، عن سعيد، عن قتادة، به.
ورواه أحمد ١٧٣/٣، والبخاري (٤١٧٢) و(٤٨٣٤)، وأبو يعلى (٣٢٥٣)،
والبيهقي في ((السنن)) ٢٢٢/٩، وفي ((دلائل النبوة)) ١٥٧/٤ من طرق، عن شعبة، عن
قتادة، به.
ورواه مسلم (١٧٨٦)، والطبري ٦٩/٢٦، والواحدي ص ٢٥٥ من طريق
سليمان، ورواه مسلم (١٧٨٦)، والبيهقي ٢١٧/٥، وفي ((دلائل النبوة) ١٥٧/٤ من
طريق شيبان، والترمذي (٣٢٥٩)، وعبد الرزاق في ((تفسيره) ٢٢٥/٣، وأبو يعلى
(٣٠٤٥) من طريق معمر، والبيهقي ٢١٧/٥ من طريق الحكم بن عبد الملك،
أربعتهم عن قتادة، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه البغوي في ((شرح السنة)) (٤٠١٩) من طريق الحسين
بن فضل، عن عفان، به. ورواه أحمد ٢٥٢/٣ عن عفان، به.
-٥٢٤-

كتاب التفسير - سورة الفتح
٦١٩٦- وحَدَّثْنَا سليمانُ بنُ شعيب الكَيْسَاني، حَدَّثْنَا عبدُ
الرحمن بن زياد، حَدَّثْنَا شعبةُ، عن أبي إياس معاوية بن قرة، قال:
سمعتُ عبدَ الله بنَ مُغَفِّل، قال: رأيتُ رسولَ الله لَ﴿ يومَ الفتحِ على ناقةٍ
أو جَمَلِ وهو يسيرُ، وهو يقرأ سورة الفتح، ثم قرأ أبو إياس قراءةً لَيِّنَةٌ،
ثُم رَجَّعَ، ثم قال: لولا إنّي أَخْشى أن يَجتمِعَ النَّاسُ علينا لَقَرَأْتُ ذلك
اللَّحنَ وقد رَجَّعَ(١).
٦١٩٧ - وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا وهبُ بنُ جريرٍ،
حَدَّثْنَا شعبةُ، عن أبي إياسٍ معاوية بن قُرة، عن عبد الله بن مُغَفَّلَّ، قال:
رأيتُ رسولَ اللهِ﴿، ثم ذكرَ مثلَه.
٦١٩٨- وحَدَّثَنَا عبدُ الملك بن مروان الرَّقي، حَدَّثْنَا محمد بنُ
جعفر، عن شُعبة، ثم ذكر بإسناده مثلَه.
أَجْمَعَ النّاسُ أن الفتحَ المذكورَ في الآية التي تلوناها هو ما كَانَ
مِن أمرِ الْحُدَيْبية من الصُّلح الذي كان بَيْنَ رسولِ اللهِلَ﴿ٌ وبَيْنَ أهلِ
ورواه أحمد ١٢٢/٣، والواحدي ص٢٥٦ من طريق يزيد، ومسلم (١٧٨٦)
(٩٧)، والطبري ٦٩/٢٦ من طريق أبي داود، وأحمد ١٦٤/٦، عن بهز، ثلاثتهم عن
همام، به.
(١) رواه الطيالسي (٩١٥)، وأحمد ٨٥/٤ و٨٦، و٥٤/٥ و٥٦، والبخاري
(٤٢٨١) و(٤٨٣٥) و(٥٠٣٤) و(٥٠٤٧) و(٧٥٤٠)، وفي («خلق أفعال العباد))
(٣٦) و(٣٧)، ومسلم (٧٩٤)، وأبو داود (١٤٦٧)، والترمذي في ((الشمائل))
(٣١٢)، وابن حبان (٧٤٨)، والبيهقي ٥٣/٢، والبغوي (١٢١٥) من طرق عن
شعبة، به.
- ٥٢٥-

كتاب التفسير - سورة الفتح
مكَّة ما كان سبباً لِفتحها.
ففي هذا ما يَدُلُّ أنه قد يجوزُ أن يقالَ: إِنَّ شيئاً قد كان عندَ
قربِ كونه، كما يقالُ: قد دخلنا مَدِينَةً كذا عندَ قُرْبِهِمْ مِن دخولها،
وإن كانوا في الحقيقة ما دخلوها، ومن ذلك ما قد أطلق المسلمون على
مَنْ أطلقوا عليه من أن أحدَ ابني إبراهيم ﴿ بأنَّه الذبيحُ لا لأنه ذُبح،
ولكن لِقُربه من الذبح، دَلَّ ذلك أنَّ العربَ قد تُطْلِقُ حقيقةَ الأشياءِ التي
يكونُ بلوغُها واستيفاء أسبابها لِقربهم منها، وإن كانت بَقِيَتْ عليهم
بقيةٌ يستَرْقِبُونَها بعدَ ذلك، وبالله التوفيق.
٨٩٩- بابُ بیانِ مُشْکل ما روي عن رسول الله څ﴾ من جوابه
للذي قاله عند قوله: «لن یُنجي أحداً منكم عَمَلُه»، قالوا: ولا
أنتَ يا رسولَ الله؟ بما أجابه في ذلك
٦١٩٩- حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرني عمروُ بنُ
الحارث، والليثُ بنُ سعد، عن بُكير بنِ عبد الله بن الأشج، عن بُسر
بنِ سعيدٍ، عن أبي هُريرة، عن رسولِ اللهِ﴿ّ، قال: ((لن يُنْجِيَ أحَدَكُم
عَمَلُهُ) فقال رجلٌ: ولا أَيَّاكَ يا رَسولَ الله؟ قال: ((ولا أنا، إلاّ أن
يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ برحمةٍ مِنْهُ، وفَضْلٍ، ولكن سَدِّدُوا))(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢٨١٦) (٧١) عن يونس بن عبد الأعلى،
عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث وحده، به.
-٥٢٦-

كتاب التفسير - سورة الفتح
٦٢٠٠ - وحَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنَا شعيبُ بنُ الليث، أخبرنا
أبي، [ح] وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بن عبدِ الحكم، أخبرنا أبي،
وشعيبُ بن الليث، قالا: أخبرنا الليثُ، عن بُكير، ثم ذكر بإسناده
مثله.
وهذا عندنا - والله أعْلَمُ- كان قبلَ أن يُنْزِلَ اللهُ تعالى ما قد
ذكرنا إنزالَه عليه بالحُدَيْبَةِ مِن قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّا فَتَخْنَاَلَكَ فَتْحاً مبيناً
لِنْفِرَلَكَ اللهُمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنِكَ وما تَأَخَّرَ وَيُسْمِ نْسَهُ عَلَكَ وَهْدِيَتَ صِرَاطَاً مستقيماً
وَيَنْصُرَكَ اللَّهَ نَصْرِ ◌َ عَرِبِهَا﴾ [الفتح: ١-٣]. فيما تقدَّم منا في كِتابنا هذا،
ثم أنزلَ اللهُ عليه ما أنزله عليه مِن هذا في السورة التي أنزلها عليه،
فأعلمه بذلك حالَه التي لم يَكُنْ أعلمه إِيَّاها قَبْلَ ذلك، وأنزلَ عليه مع
ذلكَ في أصحابه - رضي الله عنهم -: ﴿لِيُدْخِلَ المؤمِنِينَ والمؤمِّاتِ جَنَّاتٍ
ورواه أحمد ٤٥١/٢، ومسلم (٢٨١٦) (٧١)، وابن حبان (٣٤٨) من طرق،
عن اللیث وحده، به.
ورواه أحمد ٢٣٥/٢ و٢٥٦ و٢٦٤ و٣١٩ و٣٢٦ و٣٤٣ و٣٨٥ و٤٥١
و ٤٦٦ و ٤٦٩ و ٤٧٣ و ٤٨٢ و ٤٨٨ و ٤٩٥ و ٥٠٣ و٥٠٩ و٥١٤ و٥١٩ ,٥٢٤
و٥٣٧ و٣٦٢/٣، والبخاري (٥٦٧٣) و(٦٤٦٣)، وفي ((الأدب المفرد)) (٤٦١)،
ومسلم (٢٨١٦) (٧٢) و(٧٣) و(٧٤) و(٧٥) و(٧٦)، وابن ماجه (٤٢٠١)،
وابن حبان (٣٥٠) و(٦٦٠)، وأبو نعيم ١٢٩/٧ و٣٧٩/٨، والبيهقي ١٨/٣
و٣٧٧، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤١٩٢) و(٤١٩٣) و(٤١٩٤) من طرق، عن
أبي هريرة.
-٥٢٧-

كتاب التفسير - سورة الفتح
تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ﴾ الآية [الفتح: ٥].
كما قالوا له بعدَ الذي أنزل اللهُ عَزَّ وحَلَّ عليه في نفسه مما قد
تلوناه: قد بَيَّن الله تعالى لكَ في نفسك ما يفعلُ بها فما لنا؟ فأنزل الله:
﴿ِلِيُدْخِلَ المُؤْمِينَ والمؤمِنَاتِ حَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِالأَنْهِرُ﴾ [الفتح: ٥]. وذكر
في ذلك لهم الخيرَ، ولم يذكر ذلك فيما أنزله عليه فيه نفسه، فكان ذلك
- والله أعلمُ - أنه إنما خَاطَبَ به العربَ، ومِن لِسانهم الذي يُخاطبون
به: أن المخاطِبَ لهم إذا عَلِمَ أَنْهم قد عَلِمُوا ما أراده بخطابه أَيّاهم،
أغناه ذلك عن خطابه إيَّهم بما بَقِيَ من ذلك المعنى الذي خاطبهم مِن
أجله بما خاطبهم فيه، وكان أصحابُه إنما استحقوا ما أعطاهُم إِيَّاه بما في
هذه الآية بصحبتهم إِيَّاهِ ﴿ ونُصرتهم له، وإنما كان ذلك بدُعائه كان
إِيَّاهم إليه، وزيادته عليه مع فعلِه لما قد دعاهم إليه، وزيادته عليه، وإذا
كأنُوا بتقصيرهم عما هُوَ عليه من ذلك يستحِقُّونَ الجنةً كان هو مَ﴿
لمجاوزته إيّهم وزيادتِه عليهم في ذلك بالجنَّةِ أولى، وبدخولِه إِّيَّها منهم
أحرى.
-٥٢٨-

كتاب التفسير - سورة الفتح
٩٠٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ في السبب الَّذي فیهِ نَزَلَتْ
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ ایْدِیَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدیَكُمْ عَنْهُمْ بَطْنِ مَكّةً مِن
بَعْدٍ أنْ أُظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]
مما قد ظَنَّ بعضُ الناسِ أَنَّهُ قَدْ تضادَّتِ الرواياتُ فيهِ عَنْ رسولٍ
الله عليهِ السَّلامُ مِمَّا هو في الحقيقةِ بخلافٍ ذلك.
٦٢٠١- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ بَحْر بنِ مطر، حَدَّثْنَا يَزِيدُ بن هارونٌ،
أخبرنا حمادُ بنُ سَلَمَة، وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داودَ بنِ مُوسَى، عن عُبيد الله
بن محمدٍ التيميِّ، عن حمّاد بن سلمةً، عن ثابتٍ، عن أنسٍ: أن ثمانين
رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله عليه السَّلامُ وأصحابه
بالتنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم، فأخذهم رسولَ الله ﴿ٌ سَلَماً،
فأعتقهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَالَّذِي كَفَّابِدِهُمْ عَكُمْ﴾(١)
[الفتح: ٢٤] الآية.
قالَ أبو سَلَمَةَ: فَحَدَّثْتُ بهذا الحديثِ الكلِيِّ، فقال: هكذا كانَ
الحدیثُ.
٦٢٠٢- وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ أعين، حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ
أبي إسرائيلَ، أخبرنا عَبْدُ الرّزَّاق، [ح] وحَدَّثْنَا عبيدُ بنُ محمدٍ بِنِ مُوسَى
البزاز أبو القاسم - المعروف محمَّد هذا بِرِجَال- حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ صالحٍ،
حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق، ثم اجتمعا، فقال كل واحد منهما في جانب:
(١) رواه مسلم (١٨٠٨)، وأبو داود (٢٦٨٨)، والترمذي (٣٢٦٤)، وأحمد
١٢٤/٣ و٢٩٠ من طرق عن حماد بن سلمة، به.
-٥٢٩-

كتاب التفسير - سورة الفتح
أخبرنا معمر، عن الزُّهْرِيِّ، قال: وأخبرني عُرْوة، عن المِسْوَر، ومروانَ
بن الحكم(١) يصدقُّ كُلُّ وَاحدٍ منهما صَاحِبَه، قال في حديث الهُدْنَةٍ:
إِنّ سُهيلاً كان مما اشترط في الصُّلح الذي كان بَيْنَه وَبَيْنَه عام الحُدَيْبِيَةِ
لا يأتيك منا رَجُلٌ، وإن كان على دينكَ، إلا رددته إلينا، ثم رَجَع النبيُّ
﴿ إلى المدينة، فجاء أبو بصير رَجُلٌ من قريشٍ، وهو مسلم، فأرسلوا في
طلبه رجلين، فقالوا: العهدُ الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين،
فخرجا به، فلما بلغا ذَا الْحُلَيْفَةِ، نزلوا يأكلون مِن تمرهم، فقال أبو بَصِيرٍ
لأحد الرجلين: والله إني لأرى سَيْفَكَ يا فلان جيداً، فاستلْه الآخَرُ،
فقال: أجل واللهِ إنه لجيد، فقال أبو بصير: أرني أنظرْ إليه، فضربه به
حتى برد، وفر الآخر حتَّى أتى المدينة، فَدَخَلَ المسجد، فقال رسول الله
* حين رآه: (لَقَدْ رَأى هذَا ذُعْراً)، فلمَّا انتهى إليه قال: قُتِلَ واللهِ
صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير: يا نبي الله، قد والله وفى الله
ذِمَّتَكَ أَنْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي وخ ﴿َ: ((وَيْلُ امِّهِ
(١) هذه الرواية بالنسبة إلى مروان مرسلة، لأنه لا صحبة له، وأمَّا المِسْوَرُ فهي
بالنسبة إليه أيضاً مرسلة، لأنه لم يَحْضُرِ القِصَّة. ورواه البخاري (٢٧١١) في أول
الشروط من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة أنه
سمع المِسْوَر ومروانٌ يُخبران عن أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم .. فذكر
بعضَ الحديث. وقد سمع المسور ومروان من جماعة من الصحابة شهدوا هذه القصة
كعمر، وعثمان، وعلي، والمغيرة، وأم سلمة، وسهل بن حتيف وغيرهم، ووقع في
رواية البخاري (٢٧٣١) شيء يدل على أنه عن عمر، كما نبه عليه الحافظ ابن
حجر.
- ٥٣٠-

كتاب التفسير - سورة الفتح
مسْعَرَ حَرْبٍ (١) لَوْ كَانَ لَهُ أحَدٌ))، فلما سَمِعَ ذلك منه، عرف أنه
سيرده إليهم، فخرج حتّى أتى سِيْفَ - يعني - البحرِ قال: وتفلَّت منهم
أبو حَنْدَلِ، فَلَحق بأبي بصير، فجعل لا يَخْرُجُ مِن قريش رَجُلٌ قد أسلم
إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم ◌ِصَابة، قال: فواللهِ ما سَمِعُوا
بِعِيرِ خرجت لقريش إلا الشَّام إلا اعترضوا لهم، فقتلوهم، وأخذوا
أموالَهم، فأرسلت قريشٌ إلى النبيُّ :﴿، فأنزل الله ﴿وَهُوَالَّذِي كَفَّ
أَبْدِهُمْ عَنكُمْ وَأَبِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿الحِمِيَّةَ حمية الجاهلية﴾
وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن
الرحيم، وحالوا بينه وبين البيتٍ(٢).
قال أبو جعفرٍ: وكان ما في حديث أنس: أن ثمانينَ رجلاً مِنْ
أَهْلِ مكَّةَ هَبَطُوا على رسول الله ﴿. وأصحابه من التّنعيمِ عندَ صلاةِ
الفَجْرَ لِيَقْتُلُوهُم، وأن سببَ نُزولِ هذه الآية كان في ذلك، وكان ما في
ذلك الحديث مضافاً إلى أنس لِغَيْر حكايةٍ منه عَنْ رسول اللهِ﴿ أَنَّهُ
قالَ له ذلك.
(١) قال ابن الأثير: الويل: الحزن، والهلاك، والمشقة من العذاب، وكل من وقع في
هلكه، دعا بالويل، وقد يُرِدُ بمعنى التعجب، ومنه قولُه صلَّى الله عليه وسلّم لأبي
بصير: ((ويل أمِّه مسعر حرب) تعجباً من شجاعته وجرأته وإقدامه، وقيل: (وي)
كلمة مفردة، «ولأمه» مفردة، وهى كلمة تفجع وتعجب، وحذفت الهمزة من
«أمه» تخفيفاً، وألقيت حركتها على اللام، وينصب ما بعدها على التمييز.
(٢) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٢٧٣١) و(٢٧٣٢)، وأبو داود (٢٧٦٥)،
وأحمد ٣٢٨/٤ من طريقين، عن معمر، به.
- ٥٣١-

كتاب التفسير - سورة الفتح
وكان ما في حديثِ المِسْوَرِ، ومروانَ أن نزولَها كانَ فيما كانَ
من أبي بَصيرٍ، وأبي جَنْدَلِ، وثمّن لَحقَ بهما ثَمّن أسلمَ من قُريشٍ
بسيف البحر في قطعِهم ما كانَ يَمُرٌُّ بهم مِن عِيراتٍ قريشٍ، ومَّا
سواها ثَمَّا كانَتْ ميرةً لهم، حتّى كانَ مِنْ قُريش الذين كانوا بمكّةَ
سُؤالُهم رسولَ الله عليه السَّلامُ، ومناشدتُهم إِيَّاهُ باللهِ وبالرِّحِمِ لَما
أرسل إليهم، فمن أتاه، فهو أمِنٌ، وأن إنزالَ اللهِ هذهِ الآيةَ الَّتِي تَلَوْنَا
كانَ في ذلك، وكانَ كُلُّ وجهٍ ثَمّا في هذين الحديثين مضافاً إلى رواتِه لا
إلى رسول الله (8﴾.
فبانَ بذلك أنْ لا تَضادَّ في واحدٍ مِمَّا في هذينِ الحديثينِ عَنْ
رسولِ الله عليه السَّلامُ، وأنَّ التّضادَّ الَّذي فيهما في سببِ نُزولِ هذهِ
الآيةِ كانَ ثَمّن دونَهُ عليه السَّلامُ منه.
وقد رُوِيَ عَنْ سلمةَ بنِ الأَكْوَعِ في نُزولِها أيضاً شيءٌ يَدُلُّ على
ما قالَهُ أنسرٌ، وأنّ نُزولَها كانَ فيه.
٦٢٠٣- كما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داودَ، أخبرنا أبو الوليدِ
الطيالِسيُّ، حَدَّثَا عِكرمةُ بن عَمَّار العجليُّ، عن إياسِ بنِ سلَمَةَ، عن
أبيه سلمة قال: جاء عَمِّي برجلٍ مِنْ عَبَلاتٍ(١) وبفرسِه مُحَففاً(٢) في
سبعينَ مِنَ الْمُشركينَ حتَّى وَقَفَ بهم على رسولِ الله :﴿ فقال:
(١) في ((صحاح الجوهري): العبلات من قريش، وهم أمية الصغرى، وبالنسبة
إليهم: عبلي، تَرُدُّه إلى الواحد.
(٢) (محفّفاً) حال من ((فرسه)، أي: عليه تِجفاف، وهو ثوب كالجُل يلبسه
الفرس ليقيه السلاح، وجمعه تجافيف.
- ٥٣٢-

كتاب التفسير - سورة الفتح
((عُوهُمْ تَكُونَ لَنَا الَيَدُ والْفَخَارُ)(١)، فعفا عنهم رسولُ اللهِمَ﴿، فأنزل
الله: ﴿وَهُوَّذِي كَفَّأَبِّهُمْ عَنْكُمْ وَيَدَيَكُمْ عَهُمْ﴾(٢) الآية
[الفتح: ٢٤].
قال أبو جعفر: ثم تأمَّلْنَا نحنُ ما قالوه في ذلك، فوَجَدْنا في الآيةِ
التي تَلَوْنَا ما يَدُلُّ على ما قالَهُ أنسٌ في السببِ الَّذِي فيهِ أُنْزِلَت لا على
ما قالَ مروانُ، والمِسْوَرُ في ذلك، لأنَّ فيها ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّأَيدَهُمْ
عَنْكُمْ وَيَدَيَكُمْ عَنْهُمْ يَطْنِ مَكَّةً مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَحِكُمْ عَلَهُمْ﴾
الآية [الفتح: ٢٤]، وكانَ التنعيمُ مِنْ مَكَّةَ، وكان سِيفُ البحر ليسَ من
بطن مَكَّةَ، وكانَ الَّذِي كانَ في ذلك في حديث أنسِ: الظَّفَرُ بالقومِ
الذينَ حَاوَّلُوا ما حاولُوا مِنْ رسولِ الله عليه السَّلامُ، ومِنْ أصحابِهِ، ولا
ظَفَرَ في حديثِ المِسْوَرِ، ومروانَ.
(١) في ((المسند) و(صحيح مسلم)): ((دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه))، البدء:
الابتداء، وأمَّا ثناه، فمعناه عودة ثانية. قال في ((النهاية)): أي: أوله وآخره، والتّنَى:
الأمر يُعاد مرتين.
(٢) رواه مسلم (١٨٠٧)، وأحمد ٤٩/٤ من طرق عن عكرمة، به.
- ٥٣٣-

كتاب التفسير - الحجرات ٢
٩٠١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله /2 في السبب
الذي أُنزلت فيه الآيتانِ اللتانِ أَوَّلَ سُورةِ الحُجُرَاتِ ﴿يَأْيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِمُوا﴾ .. الآية، و﴿يَأْيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا
أُصْوَاتِكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ .. الآية
٦٢٠٤- حَدَّثَنَا بَكْارُ بنُ قُتَيبة، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلَ بنُ إسماعيلَ، حَدَّثَنَا
نافعُ بنُ عُمرَ الجُمَحِي، حَدَّثَنَا ابنُ أبي مُلَيْكَةً، عن ابنِ الزُّبير قال: قَدِمَ
الأقرعُ بنُ حابس على رسول الله عليه السَّلامُ، فقال أبو بكر: يا
رسولَ الله، استعمِلْهُ على قومِهِ، وقال عُمَرُ: لا تستعمِلْهُ يا رسولَ اللهِ،
فتكلَّما في ذلك حتى ارتَفَعَتْ أصواتُهُما، فقال أبو بكرٍ لِعُمَرَ: ما أردتَ
إلى خِلافي؟ قال: ما أردتُ خلافَك، قال: فنزلت ﴿لاَ تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُم
فَوْقَ صَرَّتِ الَِّ﴾ [الحجرات: ٢].
قال: فكان عمرُ بعدَ ذلك إذَا تَكَلَّمَ لم يُسْمِعِ النِيَّ عليه السَّلامُ
حتى يستفهمَه، قال: وما ذكر أباه ولا جَدَّه يعني أبا بكر والزبير رضي
الله عنهما (١).
٦٢٠٥- حَدَّثْنَا يوسفُ بن يزيد، حَدَّثْنَا يعقوبُ بنُ أبي عبادٍ
المكي، حَدَّثْنَا نافع بنُ عمر، عن ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قال: كاد الخَيِّرَان أن
(١) رواه الترمذي (٣٢٦٦) من طريق مُوَمَّل، به. وقال: ((حديث حسن غريب)).
وانظر ما بعده.
- ٥٣٤-

كتاب التفسير - الحجرات ٢
يَهْلِكَا: أبو بكرٍ وعُمَرُ، رَفَعَا أصْواتَهما عندَ رَسُولِ اللهِ:﴿ِ حِينَ قَدِمَ
عليهِ رَكْبٌ مِن بني تَمِيمٍ، أشارَ أحدُهما بالأقرعِ بنِ حابسٍ أخي بن
مُجَاشِعٍ، وأشارَ الآخرُ برجُلٍ آخرَ لا أحفظُ اسمَهُ، قالَ أبو بكر لِعُمَرَ:
ما أردتَ إلَّ خِلاَفي! فقال: ما أردتُ خِلاَفَكَ، فَارَتَفَعَتْ أَصْوَاتُهما في
ذلك، فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالى ﴿فَأُهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى آخر
الآية(١).
حَدَّثْنَا يوسفُ، حَدَّثْنَا يعقوبُ، حَدَّثْنَا نافعٌ، قال: قال ابنُ أبي
مُلَيْكَةَ: فقال ابنُ الزبير: فما كان عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللهِلَ﴿ّ بعدَ هذه
الآية حتى يستفهمَهُ. قال ابن أبي مُلَيْكَةَ: ولم يذكُرْ ذلك عن أبيه أبي
بكر.
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أنَّ الآيةَ التي أُنْزِلَتْ في المعنى
الذي كان مِن أبي بكرٍ وعُمَرَ المذكور في هذا الحديث هي ﴿لاَتَرْفَعُوا
أضْوَاتِكُمْ فَوْقَ صَوْتِ الَِّ وَلاَ تَجَهَرُوالَهُ بِالقَولِ﴾ [الحجرات: ٢]، وقد
(١) أخرجه البخاري (٤٨٤٥) من طريق بسرة بن صفوان بن جميل اللخمي، عن
نافع بن عمر، به.
قال الحافظ: هذا السياق صورته الإرسال، لكن ظهر في آخره أن ابن أبي مليكة
حمله عن عبد الله بن الزبير، وسيأتي في الباب الذي بعده [عند البخاري (٤٨٤٧)]
التصريح بذلك، ولفظه عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبرهم، فذكره
بکماله.
- ٥٣٥-

كتاب التفسير - الحجرات ٢
رُوِيَ أَنَّ الآية التي أُنْزِلَتْ في ذلك هي قولُه: ﴿يَاأُهَا الَّذِينَ آَمُوالَا تُقَدِمُوا بَيْنَ
يَدَ اللّهِ وَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] .. الآية.
٦٢٠٦- كما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بن مَخْلَد الأصْبَهاني أبو
الحسين، حَدَّثْنَا إسحاقُ بن أبي إسرائيلَ، حدثني هشامُ بنُ يوسُفَ، في
تفسير ابن جريج: ﴿لَاَ تُقَدِمُوا بَ يَدَيِ الَّهِوَرَسُولِهِ﴾، أخبرني ابنُ أبي مليكة
أنَّ عبدَ اللهِ بنَ الزبير أخبرَهُمْ أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِن بني تَمِيمٍ على النبيِّ عليه
السَّلامُ، فقال أبو بكر: أمِّرِ القَعْقَاعَ بنَ مَعْبَد بنِ زُرارة، وقال عُمَرُ: بل
أمِّرِ الأقرعَ بنَ حابسٍ، فقال أبو بكر: ما أرَدْتَ إلاَّ خِلافي! فقالَ عُمر:
ما أردتُ خلافَك، فتماريا حتى ارتفعتْ أصْوَاتُهما فَنَزَلَتْ في ذلك
﴿ي ◌ُّ الَّذِينَ آَمُوا لَ تُقَدِمُوا ◌َنْ يَدَيِ اللهِوَسُولِهِ﴾(١).
فكان ما في الحديثينِ الأوَّلَينْ أشبهُ بأنْ تكونَ الآيةُ المذكورة فيهما
هي التي أُنْزِلَت فيما كانَ من أبي بكر وعُمَرَ في المعنى المذكور فيهما،
والله أعلم.
وقد شَدَّ ذلك ما قد رُوِيَ ثَمّا كان عندَ نزولِها مِن ثابتِ بنِ قَيْسٍ
بنِ شَمَّاسٍ الأنصاريّ:
٦٢٠٧- حَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا موسى بنُ إسماعيلَ أبو سَلَمَة
(١) رواه البخاري (٤٣٦٧) من طريق هشام بن يوسف، و(٤٨٤٧)، والنسائي
٢٢٦/٨ من طريق حجاج بن محمد، كلاهما عن ابن جريج، به.
-٥٣٦-

كتاب التفسير - الحجرات ٢
الِنْقَرِي، حَدَّثَنَا سليمانُ، يعني ابنَ المغيرة، حَدَّثْنَا ثابتٌ، عن أنس قال:
لما نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿َُّهَا الَّذِينَ آَمُوا لَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتِكُمْ فَوْقَ صَوْتِ الَِّيِّ﴾
[الحجرات: ٢] قال: وكانَ ثابتُ بنُ قيسٍ رَفيِعَ الصوتِ، فلمَّا نزَلتْ
هذه الآية، جَلَسَ في بيته، وقال: أنا الذي كنتُ أَرْفَعُ صوتي فوقَ
صوتٍ البي، وأجهَرُ له بالقولِ، حَبَطَ عَمَلِي، وأنا مِن أهل النار، فَفَقْدَهُ
النبيُّ عليه السَّلامُ، فأتاه رجلٌ من أصحابه، فقال: إنَّ رسولَ الله ◌ِخطّ
فَقَدَكَ، فقال: أُنزلتْ فِيَّ هذه الآية، أنا الذي كنتُ أَرْفَعُ صوتي فَوْقَ
صوتِ النِّ ◌َ﴿، وأجْهَرُ لَهُ بالقولِ، فَحَبِطَ عملي، وأنا مِن أهلِ النار،
فأتى به الرجلُ فقال: إنّه يقول: كذا وكذا، فقال رسولُ اللهِ عَ﴿: (بَالْ
هُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنّةِ)، قال أنَسرٌ: فكنا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنا، ونَحْنُ
نَعْلَمُ أَنَّهُ مِن اهلِ الجنةِ، فلمَّا كانَ يومُ اليمامةِ كان في بعضِنا بعضُ
الانكشاف فأقبلَ، وقد تكفّن، وتَحَنِّطَ فقال: بِئْسَ ما عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ،
فقاتَلَهُم حتى قُتِلَ رحمه الله (١).
فأما نزولُ الآية الأخرى التي تَلَوْنَاهَا في هذا الباب، فكان فيما
رُوِيَ عن عائشة في معنى سوى ذلك المعنى الذي نَزَلَتْ فيه الآيةُ
(١) رواه مسلم (١١٩)، وأحمد ١٣٧/٣، والنسائي في «فضائل الصحابة))
(١٢٣) من طرق عن ثابت، به.
ورواه البخاري (٣٦١٣) و(٤٨٤٦) من طريق موسى بن أنس، عن أنس، به.
وله طرق أخرى عند الطبراني (١٣٠٩) و(١٣١٠) و(١٣١١) و(١٣١٢)
و(١٣١٣) و(١٣١٤) و(١٣١٥) و(١٣١٦) و(١٣٢٠).
-٥٣٧-

كتاب التفسير - الحجرات ٢
الأخرى.
٦٢٠٨- كما حَدَّثْنَا سُليمانُ بن شُعيب الكَيْسَاني، حدَّثَّني أبي
في إملاء أبي يُوسُفَ عليهم، عن يحيى بنِ الحارث التَّيْمِي، عن حِبَال بنِ
رُفَيْدَةً، عن مَسروقِ بنِ الأجدع قال: كُنَّا عندَ عائشة أمِّ المؤمنين يَوْمَ
عَرَفَةَ، والناسُ يَسْأُلُونَ يَرَوْنَ أَنَّه يَوْمُ النحر، فقالت الجاريةٍ لها: أخْرجي
لَسْروقٍ سَوِيقاً وحَلِّيهِ، فَلَوْلاَ أَنّي صائمةٌ لَذُقْتُهُ، فقالَ لها: أصُمْتِ هذا
اليومَ، وهو يُشَكُّ فيه؟! فقالت: نَزَّلَتْ هذه الآيةُ في مثل هذا اليومَ ﴿يَا
أُها الَّذِينَآُواْلاَ تُقَدِمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِوَسُولِ﴾ كان قومٌ يتقدّمُونَ رسولَ الله
﴿ في الصَّومِ، وفيما أشبهه، فَنُهوا عن ذلك(١).
٦٢٠٨م- وكما حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ بكر بن عبد الرحمن أبو علي
المُرُّوذيّ، حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ منصور السَّلُولي، أخبرنا جعفرٌ الأحمرُ، عن
يحيى الجابر، عن حِبال بنِ رُفِيْدَةٍ، عن مسروق أنَّ رجلاً صام يوم
الشَّكِّ، فقالت له عائشةُ: لا تَفْعَلْ، فإنّهم كانُوا يَروْنَ أنَّ هذه الآية
نَزَّلَتْ فِيهِ ﴿إِلاَ تَقْدِمُوا بَيْنَ يَدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
فَدَلَّ ما ذكرنا عند تصحيح ما روينا أنّ كُلَّ واحدة من الآيتين
اللتين تلونا كان نزولُها في معنىّ غيرِ المعنَى الذي كان فيه نزولُ الآية
الأخری منهما.
(١) إسناده ضعيف.
-٥٣٨-

كتاب التفسير - الحجرات ٢
وفي حديث ابن الزبير معنى يجب أن يُوقف عليه، وهو ما في
حديث بَكَّارِ بنِ قُتيبة الذي روينا منْ قول أبي بكر لعمرَ: ما أردتَ إلى
خِلافي؟ ومن قول عمر عند ذلك: ما أردت خلافَك، وما في حديث
يوسف بن يزيد، ومحمد الأصْبَهَاني مكان ذلك، فقال أبو بكر لعُمَرَ:
ما أردتَ إلاَّ خِلاَفي، وقولُ عمر له عند ذلك: ما أردتُ خِلافَك،
فالذي في حديث بَكَّارِ أوْلى عندَنا، وأَشْبَهُ بهما، لأنَّ ذلك سؤالٌ من
أبي بكرٍ لِعُمَرَ: ما الَّذي أرادَ به خلافَه، والذي في حديثي يوسف،
ومحمد: ما اردتَ إلاَّ خِلافي، هو على سبيلِ الخصومة، والنكير من أبي
بكر لعُمَرَ ما كان منه في ذلك، وقد برَّأهما الله تعالى من الاختلاق
الذي يُوقِعُ بينهما الاختلافَ في هذا وما أشبهه، وطهَّر قلوبَهُما، وجعل
كُلَّ واحد منهما ولّاً لصاحبه في الديا والآخرة، ولأَنَّهُ لا يُخالف
باطنُها ظاهرَها.
وقد رُوِيَّ عن مُجاهدٍ في تأويلِ قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرُواَلَهُ
بالقول﴾ [الحجرات: ٢].
ما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، حَدَّتْنَا الفِرِيابي، حَدَّثَنَا ورقاءُ، عن
ابن أبي نَحِيحِ، عن مُجاهد في قوله: ﴿وَلاَ تَجْهَرُ وَلَهُ بِالقُولِ كَجَهْرِ
بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، قال: لا تُنادوا نداءً، لا تقولُوا: يا محمدُ، ولكنْ
قولُوا قولاً لَيّناً: يا رسولَ اللهِ.
وروي عنه أيضاً في تأويل قولهِ تعالى: ﴿لاَ تَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيَ اللهِ
-٥٣٩ -

كتاب التفسير - الحجرات ٢
وَرَسُولِهِ﴾:
ما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريمَ أيضاً قال: حَدَّثَنَا الفِريابي، حَدَّثْنَا
ورقاءُ عن ابن أبي نَحِيحِ، عن مُجاهدٍ ﴿لاَ تَقَدِمُوا بَيْنَ يَدَي اللّهِ وَمَرَسُولِهِ﴾
قال: لا تَفْتَتُوا عَلَى رسولِ الله ﴿ حَتّى يفيضَه اللهُ عَلَى لِسَانِهِ.
وروي عن الحسنِ البَصْري في ذلك:
ما حَدَّثَنَا أحمدُ بن داود، حَدَّثَنَا عبيدُ الله بن محمد الَّيْمِي،
وموسى بنُ إسماعيلَ، وسهلُ بنُ بَكَّار، عن حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن حُميدٍ،
عن الحَسَنِ ﴿لَ تَقَدِمُوا بَ يَدَِ اللّهِوَسُولِ﴾ قال: لا تَذْبَحُوا حَتَّى يَذْبَحَ
البيُّ ﴾.
قال: وقال الكُلْبِيُّ(١): لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ النِيِّ لْ﴿ بقولِ ولا
عمل.
فالذي رويناه في هذا الباب عن الحسنِ، وعن مُجاهدٍ، فيه توكيدٌ
لِما ذكرْنَا لَمَا يُوافقه، والله نسألُهُ التوفيقَ.
(١) هو محمد بن السائب الكلبي أبو النضر الكوفي المفسر النسّابة الأخباري،
اتفقوا على ضعفه.
- ٥٤٠-