Indexed OCR Text
Pages 501-520
كتاب التفسير - الزخرف .
٨٩٢- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن سعيد بن جبير في المكان
الذي نزلت فيه: ﴿واسألْ مَنْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا﴾
[الزخرف: ٤٥] بما يروى عن رسول الله ـ في ذلك
حَدَّثَنَا أحمدُ بن داودَ بن موسى، قال: حَدَّثَنَا مسدَّدٌ وسهلُ بنُ
بكّار، قالا: حَدَّثَنَا أبو عَوانة، عن أبو بِشْر، عن سعيد بن جُبَيْر:
﴿وَاسْأَلُ مَنْ أَمْ سَلْنَا قَلَكَ مِنْ رُسُّنا﴾ [الزخرف: ٤٥]، قال: لَقِيَ الرسلَ
صلى الله عليهم ليلةَ أُسرِي به(١).
وفي هذا ما قَد دَلَّ أن نزول هذه الآية كان بغير مكة وبغير
المدينة، لأن رسول الله ﴿ أُسْرِيَ به مِن مكة إلى حيثُ لا يَعْلَمُ، حتى
علمه بوروده إياه، واجتماعه فيما هناك مع الأنبياء صلواتُ الله عليه
وعليهم، الذين جُمِعُوا له فيما هناك حتى أمَّهُم على ما ذكرنا في الباب
الذي قبلَ هذا الباب، وهم الذين أُمِرَ بسؤالهم عن ما أُمِر بسؤالهم عنه،
لأنه لم يَؤُمَّهُم في غير ذلك المكان، وفي ذلك ما قد دَلَّ على صحة ما
قد رویناه عن سعيد بن جُبیر مما ذكرنا.
(١) إسناده صحيح، وهو من كلام سعيد بن جبير.
وأورده السيوطي في «الدر المنثور» ونسبه إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد
وابن جرير وابن المنذر.
- ٥٠١-
كتاب التفسير - سورة يونس .
٨٩٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ في المرادِ بقوله الله عَزَّ وجَلَّ:
﴿فإنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أنْزَلْنا إليكَ﴾
الآية [يونس: ٩٤]
٦١٧٧- حَدَّثْنَا أحمدُ بن أبي عِمْران، قال: حَدَّثَنَا الْجَرَّاح بن
مَخْلَد البصري، قال: حَدَّثَنَا عمر بن يونس، قال: حدثني عكرمةُ بن
عَمَّار، قال: حدثني أبو زُمَّيْل، قال: قال رجلٌ لابن عباس: إنه لَيَقَعُ في
نفسي ما أنْ أخِرَّ من السماء أحبُ إليَّ من أن أتكلّم به. فقال ابن
عباس: مِنَ الشكِّ يعني؟ قال: فقال: نعم. فقال: وهل يَسْلَمُ مِن ذلك
أحدٌ، وقد الله عَزَّ وجَلَّ لنبيِّهِمَ﴿: ﴿فَإنْ كُنْتَ فيْ شَكَ مِمَّا أنزلنا إليكَ﴾
[يونس: ٩٤](١).
ولا نعلمه رُوِيَ عن أحدٍ من أصحاب النبي ◌ِّ في المراد بهذه
الآية، غير هذا الحديث الذي رويناه في ذلك عن ابن عباس.
وأما التابعون فرُوِيَ عنهم في ذلك
ما قد حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حَدَّثْنًا سعيدُ بن منصور،
قال: حَدَّثْنَا هشيمٌ، عن أبي بشْرِ، عن سعيد بن جبيرٍ. ومنصورِ، عن
(١) رواه أبو داود (٥١١٠) من طريق النضر بن محمد، عن عكرمة بن عمار، به.
زاد في آخره: قال: فقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئاً، فقل: (هو الأوَّلُ والآخِرُ
والظاهرُ الباطنُ وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ﴾ [الحديد: ٣].
وأورده السيوطي في (الدر المنثور) ٣٩٠/٤ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي
حاتم وابن مردويه.
- ٥٠٢-
کتاب التفسير - سورة یونس
الحسنِ، أنهما قالا في هذه الآية: ﴿فَإِنْ كُنْتَ في شَكِ مِمَّا أُنزِنا إليكَ﴾
قالا: لم يَشُكَّ، ولم نَشُكَّ.
وحَدَّثَنَا أحمدُ بن علي بن مُصْعَب أبو العباس البغدادي، قال:
حَدَّثْنَا إبراهيم بن هاشم بن مُشْكان، قال: حَدَّثَنَا هشيم، عن أب بِشْر،
عن سعيد بن جبير، مثله.
حَدَّثَنَا أحمدُ بن داود، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن سالم، قال: أخبرنا
هشيم، قال: حَدَّثْنَا أبو بِشْر، عن سعيدٍ. ومنصورٌ، عن الحسن، مثله.
وحَدَّثَنَا أحمدُ، قال: حَدَّثْنَا مسدّد وسَهْلُ بن بَكَّار، قالا: حَدَّثْنَا
أبو عَوَانَةً، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جُبَيْرِ، مثله(١).
وأمَّا أَهْلُ اللغة، فقد رُوِيَتْ عنهم في ذلك أقوالٌ، منها: ما قال
الكِسائيُّ والفَرَّاء جميعاً: ليس قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فيْ شَكَ﴾
خبراً عن أنه في شكّ، إنما ذلك كقول الرجل لابنه: إن كنتَ ابني،
فَافْعَلْ كذا، وليس في شكِّ أنه ابنُه (٢).
(١) رواه الطبري (١٧٨٩١) من طريق سويد بن عمرو، عن أبي عوانة، به.
ولفظه عنده: ما شكَّ، وما سأله.
وروى نحوه عبد الرزاق (١٠٢١١)، والطبري (١٧٨٩٣) و(١٧٨٩٤) عن
قتادة، قال -وذكر هذه الآية -: بلغنا أن رسول الله = قال: ((لا أشك، ولا أسأل)).
وأورد السيوطي في ((الدر المنتور) ٣٨٩/٤ عن ابن عباس - وذكر هذه الآية-
قال: لم يشكَّ رسول الله ﴾ ولم يَسأل. ونسبه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن
مردويه والضياء في ((المختارة)).
(٢) انظر ((تفسير الطبري) ٢٠٢/١٥-٢٠٣.
-٥٠٣-
كتاب التفسير - سورة يونس .
-
وكان أحسنَ من ذلك ما قد قاله غيرُهما من أهل اللَّغةِ أن المرادِ
في ذلك غيرُ البي {/*، وإن كان ظاهره القصد به إلى النبي ﴿، فإنَّ
المرادَ به غيرهُ، وهم الشاكَّونَ فيه، وكان ذلك بمعنى: فإن كنتَ في
شكِّ من غيرِكَ فيما أَنْزَلْنا إليكَ، وممن قال ذلك منهم: أبو عُبَيْدة مَعْمَر
بن المثنى، وقالوا: هذا كما قال الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُم فى
الفُلكِ﴾ [يونس: ٢٢]، يعني نوحاً، لا يَعْنِهِلَّهِ ثُم كَشَفَ عَزَّ وَجَلَّ
مُرادَه بذلك ما هو؟ بقوله: ﴿وَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيح ◌َةٍ﴾ [يونس: ٢٢]،
فأخبر عَزَّ وجَلَّ أن المرادِينَ بذلك هم غيرهُ مَ﴿ٌ وغيرُ أُمَّتِه، وكان الذي
قالوه في الُرادِينَ بقوله عَزَّ وجَلَّ عندهم: ﴿فاسأل الذين يَقْرَؤُون الكِتابَ
مِنْ قَلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] أنهم الذين آمنوا به قبلَ ذلك من أهلِ الكتاب
كعبد الله بن سَلام وأمثاله منهم.
وحَضَرني أنا في ذلك تأويلٌ قد يحتملُ أن يكونَ هو المرادَ
بالمذكورين في تلك الآيةٍ، وأن يكونوا هم الذين لَقِيَهم# في بيت
المَقْدِس من الأنبياء الذين كان أُنْزِلَ عليهم قبلَه من الكتب مما أُنزِلَ
عليهم منها مما فيه ذِكْرُه وذِكرُ أمته، ومثل هذا مما قاله ابنُ عباسٍ في
حديث أبي زُمَيْلأ الذي رويناه عنه في هذا الباب: ومَن يَسْلَمُ مِن هذا،
وقد قال الله عَزَّ وجَلَّ لنبِّه ◌ِ *، فتلا الآيةَ التي تلاها فيه، وجه ذلك
عندنا من ابن عباسٍ على مرادِه به غيره ﴿، وإن كان الخطابُ ظاهره
هو أنه المخاطَبُ به لِسَعَةِ لغة العرب، ولأنها قد تخاطب من تريدُ غيره،
والله أعلم بمراده عَزَّ وجَلَّ في ذلك، ثم بمراد ابن عباس في جوابه الذي
قد ذكرناه عنه.
-٥٠٤-
کتاب التفسير - سورة يونس
وقد رُوِيَ عن عمر بن الخطاب في ذلك مما يَدْخُلُ في هذا المعنى،
ومما يَنْفِي أن يكونَ المرادُ بذلك رسولَ اللهِ ﴿ أو أحداً من أصحابه،
وهو:
٦١٧٨ - ما قد حَدَّثْنَا فَهْدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا يوسف بن
بُهْلُول الكوفي، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بن إدريسَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ
إسحاق، قال: حَدَّثْنَا الزُّهْري، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَوْرِ،
عن ابن عباسٍ، عن عمر رضي الله عنه، في حديثِ المتظاهِرَتَينِ على
رسولِ الله 8* من أزواجه، وفي ذِكْرٍ تخيير رسول اللهمح / لأزواجه بعد
ذلك، قال: ثم جلستُ، فقلتُ: يا نبيَّ الله، أنت نِيُّ الله وصَفِيُّه وخِيَرَتُه
مِنْ خَلْقِهِ على ما أرى - يعني من خَصَفَةٍ رآه مضطجعاً عليها، ومِن
وسَادةٍ محشوَّةٍ ليفاً تحت رأسه، هكذا هو مذكورٌ في هذا الحديث -
وكسرى وقيصرُ على سُرُرِ الذهبِ وَقُرُشِ الدِّيباج والحرير، فجَلَسَ،
فقال: (يا عمرُ، لعلَّكَ شَكِّكْتَ؟)) قلت: لا، والَّذي بَعَنَكَ بالحقِّ، إني
على يقين من الله عَزَّ وجَلَّ فيكَ، إنك لنبيُّه وصَفِيُّه، ولكني عجبتُ لِما
ء
زُوِيَ عنك في الدنيا، وبُسِطَ على هؤلاء. فقال: ((إنّهم قومٌ عُجَّلَتْ لهم
طِيِّاتُهم في حَياتِهِم الدُّنيا، وأَنا أُخرَتْ لنا في آخِرَتِنا)).
وما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا عبد الله بن صالح، قال:
حدثني اللَّيث بن سعد، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، ثم ذكر
بإسناده مثله
غير أنه قال: «أَوَ فِي شكِّ أنتِ يا ابنَ الخَطَّابِ؟ أُولِئِكَ قومٌ
عُجِّلَتْ هُم طَيَِّاتُهم في الحياةِ الدُّنْيا)) فقلت: يا رسول الله، استَغْفِر
- ٥٠٥-
کتاب التفسير - سورة یونس
لي(١).
وإذا كان عمرُ بن الخَطَّاب رضي الله عنه قد نَفَى عن نفسه
الشكَّ فيما نفاه عنه بحَلِفِه على ذلك لرسول الله ◌َ﴿، وبترك رسول الله
* دَفْعَه عن ذلك، كان ذلك عن رسول الله أشدَّ انتفاءً، وكان عن
أمثال عمر من أصحاب رسول الله 18 في انتفائه عنهم كانتفائه عن
عمرَ، وكان في ذلك ما قد تَحقّقْنا به على أن المرادِينَ بالشكِّ في ذلك
هم غيرُ رسول الله مَ﴿، وغيرُ عمرَ، وغيرُ من سواه من أصحابه رضوان
الله عليهم، وأنهم مَنْ سواهم مِن أهل الشكِّ فيهِمَّ، ممن إسلامُه - إن
كان له إسلامٌ- ليس كإسلامٍ أصحابه رضوان الله عليهم، أو ممن لا
يُؤْمِن به، ولم يَدْخُل في شريعته، ولم نَجِدْ في تأويل هذه الآية أحسنَ مما
ذكرناه في تأويلها مما قد احتَبَيْناه في هذا الباب، والله نسألُه التوفيق.
(١) حديث صحيح، ورواه البخاري (٢٤٦٨) عن يحيى بن بكير، عن الليث بن
سعد، به .
ورواه أحمد (٢٢١)، والبخاري (٨٩) و(٥١٩١)، ومسلم (١٤٧٩) (٣٤)،
والترمذي (٢٤٦١) و(٣٣١٨)، والبزار (٢٠٦)، والنسائي ١٣٧/٤، وأبو يعلى
(٢٢٢)، والطبري ٢٨-١٦١ - ١٦٢، وابن حبان (٤٢٦٨)، والبيهقي ٣٧/٥ من
طرق، عن الزهري، به.
-٥٠٦-
كتاب التفسير - الدخان ١٠
٨٩٤- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله {# في قولِ
الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بدُخانِ مُبينٍ﴾
٦١٧٩- حَدَّثَنَا فهد، حَدَّثْنَا عُمَرُ بنُ حفص بن غياث، حَدَّثْنَا
أبي، عن الأعمش، قال: حَدَّثَنَا مسلمٌ - وهو أبو الضحى- عن
مسروق، قال: حدثني رجلٌ في المسجد، فذكر: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخانِ
سُئِينَ﴾ [الدخان: ١٠] فقال: إذا كان يومُ القيامةِ أصاب الناسَ دخانٌ،
يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه كهيئةِ الزُّكام،
فدخلتُ على عبد الله، فذكرتُ ذلك له وهو متكئ، فجلس غضباناً،
ثم قال: يا أُها الناسُ، مَنْ عَلِمَ منكم شيئاً، فَلْيَقُلْ به، ومنْ لم يَعْلَمْ،
فليَقُلْ: الله أعْلَمُ، فإن مِن العلم إذا سُئِلَ الرجلُ عن ما لا يعلم، قال: الله
عَزَّ وجَلَّ أعلَمُ، وقد قال عَزَّ وجَلَّ لنبيهِم14َ: ﴿قُلْ ما أسْأُلُكُم عليه من
أجْر، وما أنا مِن المتَكلّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وسأُحدّثُكم عن ذلك، إن
قريشاً اسْتَعْصَت ونفرت، فدعا عليهم رسولُ الله ◌ِ﴿، فقيلَ له:
﴿اسْتَقِبْ يومَ تَأْتِي السماءُ بدخان مبين﴾ فأخذتهم سَنِةٌ عَضَّتْ(١) كلَّ شيء
حتى أكلوا الميتة والعظامَ، وحتّى كان الرجلُ يرى ما بينه وبين السماء
كهيئة الدُّخان من الجَهْدِ، فقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنّ مؤمنون﴾
[الدخان: ١٢]، ثم قرأ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذابِ قَلِيلاً إِنْكـمـ عَائِدُونَ﴾
(١) في البخاري وغيره: ((حصَّت)، أي استأصلت النبات حتى خلت الأرض منه.
-٥.٧-
كتاب التفسير - الدخان ١٠
[الدخان: ١٥]، فكشف عنهم فعادُوا في كفرهم: ﴿يومَ بْطِشُ الْبَطْشَةِ
الكُبرَ إِنَّ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] فعادوا في كُفرهم، فأخذهم الله في
يوم بدرٍ، ولو كان يوم القيمة لم يكشف عنهم (١).
٦١٨٠- حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود بن موسى، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ كثيرٍ
العبدي، حَدَّثْنَا سفيان، حَدَّثْنَا الأعمشُ، ومنصور، عن أبي الضحى،
عن مسروق قال: بينما رَجُلٌ يُحَدِّثُ في كِنْدَةً ... ثم ذكر مثلَه. غيرَ
أنه قال فيه: فدخل عليهم النبيُّ مَ﴿، فقال: «اللَّهُمَّ أعِنّي عليهم بِسَبْعٍ
كَسَبْعِ يُوسُفَ)).
فكان في هذا الحديثِ أنَّ الدخانَ المذكورَ في الآية المذكورةِ فيه،
وفي الحديث الذي قبله من الآياتِ التي قد مضت في عهدِ رسولِ الله
وقد رُويّ عن ابن مسعود من قولِه في غير هذا الحديث:
٦١٨١- كما حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سنان، حَدَّثْنَا يحيى بن سعيد
القطان، حَدَّثَنَا فِطْرُ بنُ خليفة، حدثني مسلمُ بنُ صبيح، قال: سمعتُ
مسروقاً يقول: قال عبدُ الله: خَمْسٌ قد مَضَيْنَ: الدُّخَادُ، والقَمَرُ،
والرُّومُ، والبَطْشَةُ الكُبرى، واللَّزَامُ.
٦١٨٢ - وكما حَدَّتَنَا ابنُ أبي مريم، حَدَّثَنَا الفِریابِيُّ، حَدَّثْنَا فِطْرُ
(١) إسناده صحيح، ورواه من طرق عن الأعمش، به: أحمد ٣٨٠/١-٣٨١،
والبخاري (١٠٠٧) و(١٠٢٠) و (٤٦٩٣) و (٤٧٦٧) و(٤٧٧٤) و(٤٨٠٩)
و(٤٨٢٠) و (٤٨٢١) و(٤٨٢٢) و(٤٨٢٣) و(٤٨٢٤) و (٤٨٢٥).
- ٥٠٨-
كتاب التفسير - الدخان ١٠
بنُ خليفة .. ثم ذکر پإسناده مثله.
٦١٨٣- وكما حَدَّثْنَا فهدٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ حفص، حَدَّثْنَا أبي،
حَدَّثَنَا الأعمشُ، حَدَّثْنَا مسلم، عن مسروق، قال: قال عبدُ الله ... ثم
ذكر مثله. وزاد: فسوف يكون لزاماً(١).
فقال قائل: فكيف تقبلون هذا وقد رويتُم عن رسولِ الله ﴿ ما
قد ذكرتُموه في البابِ الذي قَبْلَ هذا البابِ في حديثِ حُذيفة بنِ أسِيدٍ
مِن ما يُوجِبُ أن الدخانَ لم يكن بعدُ، وأنه كائنٌ قبلَ يومِ القيامةِ.
وما قد رُوِيَ عن أبي هريرة من ما يُحَقّقُ ذلك:
٦١٨٤- حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ غُلَيْبٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمد
المعروف بالبيطريِّ، حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ بِلالِ، حَدَّثَنَا العلاءُ بنُ عبد
الرحمن، عن أبيه، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ اللهِمَ﴾: ((بادِرُوا
بالأعْمالِ سِتاً: طُلوعَ الشَّمْسِ مِنْ مغربها، أو الدُّخانَ، أو الدَّجَّالَ،
أو الدَّابَّة، أو القيامةَ)). ولم يذكر لنا في الحديث غيرُ هذا (٢).
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٤٧٦٧) عن عمر بن حفص، به.
ورواه من طرق عن الأعمش، به: البخاري (٤٨٢٠)، ومسلم (٢٧٩٨) (٤١).
ورواه النسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ١٤٨/٧ من طريق سفيان، عن
منصور، عن مسلم، به.
(٢) رواه مسلم (٢٩٤٧)، وأحمد ٣٣٧/٢ و٣٧٢، والبغوي (٤٢٤٩) من طريق
العلاء بن عبد الرحمن، به. ولفظ مسلم: ((بادروا بالأعمال ستاً: طلوعَ الشمس من
مغربها، أو الدُّخَانَ، أو الدجّالَ، أو الدابةَ، أو خاصَّة أحدكم، أو أمر العامة).
ورواه مسلم (٢٩٤٧)، وأحمد ٣٢٣/٢ و٤٠٧ من طريق قتادة، عن الحسن، عن
-٥٠٩-
كتاب التفسير - الدخان ١٠
فكان جوابُنا له بتوفيق الله وعونه أن الدخانَ المذكورَ في أحاديث
ابن مسعود غيرُ الدخان المذكور في حديثي حذيفة وأبي هريرة، وذلك
أنَّ الله قال في كتابه في سورة الدخان: ﴿بَلْ هُمْ فيْ شَكَ يَكْعَبُونَ)
[الدخان: ٩] ثم أتبعَ ذلك قولَه تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخانِ
مُين﴾ أي: عقوبة لهم لما هُمْ عليه من الشَّكِّ واللعب، ومحالٌ أن تكونَ
هاتان العقوبتان لِغيرهم، أو يؤتى بهما بعدَ خروجهم من الدّنيا
وسلامتهم من ذلك الدخان.
فقال هذا القائلُ: قد قال الله عَزَّ وجَلَّ في هذه السورة: ﴿فَارْتَقِبْ
يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخانِ سُين﴾، والذي ذكره ابنُ مسعود في حديثه ليس هو
دخاناً حقيقياً، وإنما هو شيءٌ كانت قريشٌ تتوهَّمُه أَنَّه دخادٌ، وليس
بدخان، وفيها أن إتيانَه يكونُ مِن السماء، وليس في حديث ابن مسعود
ذلك، وإنما الذي فيه أنهم كانوا يرون من الجوع الذي حلَّ بهم
وأصابهم في الأرض أنَّ بينهم وبين السماء دخاناً.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونِه أن المذكورَ في حديثٍ
ابنِ مسعود سُمِّيَ دُخاناً على المجاز، لتوهم قريش أنه دخان في الحقيقة
من الجَهْدِ الذي بها، وإن لم يكن في الحقيقة كذلك، كمثل ما رُويّ
عن رسول الله ◌َ﴿ في قِصة الدَّجَّال: «أنه يأمُرُ السماء، فَتُمْطِرُ، ويأمرُ
الأرضَ، فتنبتُ)) في حديث النواس بن سمعان مطلقاً هكذا، وفي حديث
زياد بن رياح، عن أبي هريرة مرفوعاً.
- ٥١٠-
كتاب التفسير - الدخان ١٠
جابر بن عبد الله، عن النبي ﴿﴿ كذلك، وفيه: ((ومعه نهران أنا أعلمُ
بهما منه))، وفيه: (ويأمر السماء فتمطر فيما يرى النَّاسُ)(١).
فَدَلَّ ذلك أن المذكورَ في حديث النواس إنما هو من سِحْرِ
الدَّجَّال، لا مِن حقيقة له. وسنذكر هذا في ما بعد من كتابنا هذا في ما
رُوِيَ فِي الدَّخَّالِ عن رسولِ اللهِلُّ إن شاء الله، فيحتمل ذلك ما
كانت قريشٌ تراه من ما تراه دخاناً جاز أن يُقالَ: إنه دخانٌ على
المجاز، وإن كان في الحقيقة بخلاف ذلك.
وأمَّا قولُ الله جَلَّ وعَزَّ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانِ سُين﴾، فهو ما رُوِيَ
فيه عن ابن مسعود من ما قد ذُكِرَ في أحاديثه التي رويناها عنه، وَوُجِّهَ
بأنَّ من الإضافة إلى السماء إنما كانت -والله أعلمُ- لأن الأشياء التي
تَحُلُّ بالناس مِن ربهم عَزَّ وجَلَّ تُضاف إلى السماء، من ذلك قولُه
تعالى: ﴿يُدَِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرضِ﴾ [السجدة: ٥]، فأخبر جَلَّ
وعَزَّ أن الأمورَ التي تكونُ في الأرض مدبرةً من السماء إليها، فمثلُ
ذلك ما كان من تدبيره جل وعزَّ في السبب الذي عاقب به قريشاً
لِكفرها وعتوها، عاقبها به حتّى رأت من تلك العقوبة دخاناً، وليس في
الحقيقة كذلك، فأما ما في حديثي حُذيفة وأبي هريرة من ذكر
الدخان، فهو على دُخان حقيقي من ما يكون بقرب القيامة، ونسألُ
الله خيرَ عواقبه في الدنيا والآخرة، وإياه نسأله التوفيق.
(١) حديث التواس رواه مسلم (٢٩٣٧)، وحديث جابر رواه أحمد ٣٦٧/٣-
٣٦٨.
- ٥١١ -
كتاب التفسير - سورة الأحقاف.
٨٩٥- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في مردِ الله
بقوله: ﴿وشَهِدَ شَاهِدٌ مِن بَني إسرَئِیلَ عَلَی مِثلِهِ فَآمَنَ
وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠]، هل: هو عبدُ اللهِ بنُ سلام،
أومَنْ سِواه
٦١٨٥- حَدَّثْنَا يونس، ويزيدُ بن سِنان، والربيعُ الجيزي، وصالحٌ
بنُ عبدِ الرحمن، وعمرو بنُ الحارث، وإبراهيمُ بنُ أبي داود، وفهدٌ،
ومالكٌ بنُ عبد الله بن سيف التَّجبي أبو سعد قالُوا: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ
يوسف، قال: سَمِعْتُ مالكاً يُحدِّثُ، عن أبي النّضْرِ، عن عامرِ بنِ
سعدٍ، عن سعد قال: ما سمعتُ النبيَّ عليه السَّلامُ يقول لأحدٍ يمشي على
الأرض: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إلاّ لِعَبْدِ الله بنٍ سلام، وفيه نَزَّلَتْ هذه الآية
﴿وَهَدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْمَيْلَ عَلَى مِثْلِهِ فَامَنَ وَاسْتَكْبُرْتُمْ﴾ [الأحقاف:
١
١٠) (١).
فَأَنْكَرَ مُنكرٌ أن يكونَ عبدُ الله بنُ سلام هو المرادَ بهذه الآية،
وذكر أنَّ المراد بها سِواه، وأنها في سورةٍ مكية، وأنَّ إسلامَ عبدِ الله،
فإنما كان بالمدينة، وذكر في ذلك:
ما قد حَدَّثَنَا ابنُ أبي مريمَ، حَدَّثَنَا الفِريبابي، حَدَّثَنَا قيسُ بنُ
الربيع، عن عاصم، عن الشَّعْبِيِّ في قوله تعالى ﴿وَشَهِدَ شَاهِدُ مِنْ بَنِي إسرَائِيلَ
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٣٨١٢) من طريق عبد الله بن يوسف، به.
ورواه مسلم (٢٤٨٣) من طريق إسحاق بن عيسى، عن الإمام مالك، به.
-٥١٢-
كتاب التفسير - سورة الأحقاف
عَلَى مِثْلِهِ فَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ قال: ليس عبد الله بنَ سلام، آيةٌ مكية،
وإنما أسلَم عبدُ اله بن سلام قبلَ وفاة النبيِّ عليه السَّلامُ بعامين، وما
أُنْزِلَ فيه شيءٌ من القرآن، وإنّما أُنزِلَتْ هذه الآية في رجلٍ من بني
إسرائيل آمَن به قومُهُ، واسْتكبرتُم أنْ تُؤمنوا(١).
وقد وافق الشَّعِيَّ - في نفي هذه الآية أنْ تكونَ أُنْزِلَتْ في ابنٍ
سلام، وفي نفي آيةٍ أخرى قد قال بعضُ الناس: إنها أُنْزِلَتْ فيه أيضاً،
وهي قولهُ: ﴿قُلْ كَفَى بِالهِشَهِيدًابَيْنِي وَبَنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلِمُ الكِتَابِ﴾
[الرعد: ٤٣]- سعيدُ بنُ جبير.
كما أخبرنا أحمد بنُ داود بنِ موسى، حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أبو
عَوانة، عن أبي بشرِ قال: سألتُ سعيدَ بنَ جُبَيْر عن قولِ الله تعالى:
﴿وَمَنْ عِندَهَ عِلِمُ الكِتَابِ﴾، قلتُ: هو ابنُ سلام؟ قال: كيف يكونُ
عبدَ اللهِ بن سلام وهذه السورة مكيةٌ، قال: وكان سعيدٌ يقرأ: ﴿ومِنْ
عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتَابِ﴾
وكأنُوا يَشُدُّونَ ذلك بما يرويه عن ابن عباس:
٦١٨٦- كما حَدَّثَنَا أحمد بن أبي عمران، حَدَّثْنَا خلفُ بنُ
هشام البَزَّارِ، حَدَّثْنَا الخَفَّافُ، عن هارونَ النَّحْوي، عن جعفرِ بنِ أبي
وحشية، عن ابنِ جُبير، عن ابنِ عباس أنّه كان يقرأ: ((ومِنِ عِندِهِ)
(١) ابن أبي مريم: قال ابن عدي: قيس بن الربيع: صدوق إلا أنه تغير لما كَبِرَ،
فأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به. وانظر تفسير الآية في تفسير الطبري.
-٥١٣-
كتاب التفسير - سورة الأحقاف
بكسرها، ويقول: مِن عِنْدِ الله عِلْمُ الكِتاب.
فتأمَّلنا هذا الْبَابَ هل خالف فيه الشعبيُّ، وسعيدُ بنُ جبير أحداً
من أمثالهما؟
فحدثنا ابنُ أبي مريمَ، حَدَّثْنَا الفِرِيابي، حَدَّثْنَا وَرْقَاءُ، عن ابنٍ أُبي
نَحيح، عن مجاهد، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال: هو عبدُ الله بنُ
سلام.
وكما حَدَّثْنَا يزيدُ بن سِنان، حَدَّثْنَا أزهرُ بنُ سعدٍ السمان، حَدَّثَنَا
ابنُ عَوْنٍ، عن الشَّعْبي في هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدُ مِنْ بَنِي إسرَائِيلَ عَلَى
مِثْلِهِ﴾ قال: يقولون: ابنُ سلام، وكيفَ يكونُ ابنَ سلام وهذه الآية
مکیةٌ؟
قال ابنُ عون: فنبئت أنَّ محمداً - يعني ابن سيرين- قال: صَدَقَ
هي مكية . -قال أبو جعفر: يعني السورة التي فيها تلك الآية، وهي
سورةُ الأحقاف- ولكنها قد كانت تَنْزِلُ الآيَةُ، فَيُؤْمَرُ بها أَنْ تُوضَعَ في
مكان كذا وكذا.
قال أبو جعفر: يعني أنه قد كانت الآيةُ تَنْزِلُ بالمدينة، فَيُؤْمَرُ
بوضعها في سورة قد كانت نَزَّلَتْ بمكة.
ثم رجعنا إلى حديثٍ مالك الذي رَويناه في أوائلِ الباب،
فكشفناه لِنقفَ على حقيقتِه.
٦١٨٧- فوجدنا ابنَ أبي داودَ، وفَهْداً، وعبد الرحمن بن عمرو
بن صفوانَ النّصْري الدمشقي قد حدثونا، قالوا: حَدَّْنَا أبو مُسْهر عبدُ
- ٥١٤-
كتاب التفسير - سورة الأحقاف.
الأعلى بنُ مُسْهِرِ الغَسَّاني، حَدَّتْنَا مالكٌ، عن أبي النّضْرِ، عن عامرِ بنِ
سعد، عن سعد قال: ما سمعتُ النَّبِيَّ عليه السَّلامُ يقول لأحدٍ يمشي
على الأرض: إنَّهُ مِنْ أهْلِ الجَنّةِ، إلّ عَبْدَ اللهِ بنَ سَلامِ(١). ولم يذكر فيه
نُزُلَ تلك الآية فيه.
فوقَعَ في قلوبنا مِن ذلك شيءٍ، فكشفنا عنه أيضاً حتى وَقَفْنَا على
الحقيقة فيه بمَنِّ اللهِ وعَوْنِهِ.
٦١٨٧م- فوجدنا يونسَ قد حَدَّثْنَا، حَدَّثْنَا يحيى بن عبد الله بن
بُكَيْرِ، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ وهبٍ، عن مالك فذكر بإسناده مثلَهُ، قال فيه
قال: قال مالك: وفيه نزلت ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى ◌ِثْلِهِ فَامَلَ
وَأَسْتَككبُرْتُمْ﴾.
٦١٨٨ - ووجدنا أحمدَ بنَ عبد الرحمن بن وهب قد حَدَّثْنَا قال:
حَدَّثَنَا عمي ... ثم ذكر بإسناده مثله، وبما أضافه إلى مالك فيه مثلَه.
فوقَفْنا بذلك على أنَّ ذِكْرَ نزول هذه الآية في هذا الحديث، ليسَ
مِنْ كلام النبي عليه السَّلامُ، ولا مِن كلام سعد، وإنّما هُو مِن كلام
مالك، فخرج بذلك أنْ يكونَ فيه حُجَّةٌ على الشَّعْبي، وسعيد بن جُبَير
في إثبات نزول هذه الآية أنَّه كان في عبدِ الله بنِ سلام.
ثم تأمَّلْنا ما قد رُوِيّ في نزولها سوى هذا الحديث.
فوجدنا بَكَّارَ بنَ قُتيبةَ قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثَنَا سليمان بن داود
(١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢٤٨٣)، والنسائي في ((فضائل الصحابة))
(١٤٨)؛ وعلقه البخاري في كتاب ((الأدب)) ٤٧٨/١٠ ((فتح)) من طريق مالك، به.
- ٥١٥-
كتاب التفسير - سورة الأحقاف
صاحبُ الطَّيالسةِ، حَدَّثْنَا شُعيب بنُ صفوان، حَدَّثَنَا عبدُ الملك بنُ
عُمير، أنَّ الحجاجَ بن يُوسف قال لمحمد بن يوسف بن عبد الله بن
سلام: لِلَّهِ أبوكَ، تَعْلَمُ حديثاً حدَّثْه آبُوكَ عَبْدَ الملك بنَ مَرْوانَ أميرَ
المؤمنينَ؟ قال: أيَّ حديثٍ يَرْحَمُكَ الله؟ فَرُبَّ حديثٍ حَدَّث به، قال:
حديثَ المصريين لما حاصروا عثمانَ رضي الله عنه، قال: قد علمتُ
ذلك الحديثَ، فحدَّثْه به، فكانَ فيه أنهم قالوا لعبدِ الله بن سلام لما
حَذَّرَهُمْ مِنْ قتل عثمان: كَذَبَ اليهودِيُّ، كَذَبَ الْيَهُودِيُّ، فقال:
كذبتُم واللهِ وأثِمْتُمْ ما أنا بيهوديٍّ، وإنّي لأَحَدُ المؤمنين يَعْلَمُ ذلك الله
ورسولُهُ والمؤمنونَ، وقد أنزل الله في كتابه ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهيدً بَينِي
وَبَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلمُ الكِتَّابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، والآية الأُخرى:
﴿قُلْ أَرَأْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَكَفَرْ تَسمِ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسَائِيلَ
عَلَى مِثْلِهِ فَمَنَ وَاسْتَكْبُرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠].
فكان ما في هذا الحديث من إخبارِ ابنِ سلام بنزول هاتين الآيتين
فيه أولى، وكان بما نزل فيه أعلمَ، ولم نَجِدْ أحداً من القراء الذين
أُضيفتِ القراءةُ إليهم من الآية التيّ تَلَوْنا، وهو قولُه: ﴿وَمَن عِندَهُ عِلمُ
الكِتَابِ﴾ إلا كذلك، ولم نَجِدْ أحداً قرأها بالكسرِ إلاَ ابنَ عباس،
وابنَ جبیر.
وقد حَدَّثَنَا ابنُ أبي عمرانَ، حَدَّثْنَا خلف قال: قرأ الأعمشُ ﴿وَمَنْ
عِنْدَةَ﴾ نصب، وعاصِمٌ، وحمزةُ كَمِثْلٍ، ونافعٌ كَمِثْلٍ، وابنُ كثيرٍ كمثل،
-٥١٦-
كتاب التفسير - سورة الأحقاف
وأبو عمرو كمِثْلٍ.
وقد ذكرنا فيما تقدم مِنّا في كتابنا مخرَج قراءة عاصم، ورجوعَها
إلى علي، وإلى ابن مسعود، وإلی زیدٍ بن ثابت.
وقراءةُ نافع، فقد كانت مأخوذةٌ عن جماعة، منهم أبو جعفر يزيدُ
بنُ القَعْقَاعِ، وكان أخْذُ أبي جعفر إيَّاها من مولاه عَبْدِ الله بنِ عياش،
وكان أخْذُ عبدِ الله بنِ عياش إِيَّها من أُبَيِّ بن كَعْبٍ، كذلك حدثني
رَوْحُ بنُ الفرج، عن أحمدَ بنٍ صالح أَنَّهُ سَمِعَهُ يقول ذلك.
وقراءةُ حمزة، فمأخوذةٌ فيما حدثني ابنُ أبي عمران مَّا سَمِعَه من
خلفٍ البزار، أنَّه قرأ القرآن على سليم بن عيسى عشرَ مرَّات، وأنَّ
سليماً حدَّثَهُ أَنَّهُ قرأه على حمزةَ، وأنَّ حمزة ذكر أنَّه قرأ القرآن على
رجلين: وهما الأعمشُ، ومحمدُ بنُ عبد الرحمن بن أبي ليلى، فما كان
مِن قراءة ابنِ أبي ليلى، فعلى حرفٍ عليّ، وما كان مِن قراءة الأعمشِ،
فعلى حرفِ ابنِ مسعود.
ومما أخذْنَاه مِن قراءة حمزة عن غير ابنِ أبي عمران أنَّ ابن أبي
ليلى قرأ القرآن على أخيه عيسى بنِ عبد الرحمن، وأنَّ أخاه قرأ على
أبيه، وأنَّ أباه قرأه على عليّ، وأن الأعمش قرأه على يحيى بن وَتَّاب،
وأنْ يحيى قرأه على عُبيد بن نُضَيْلَةَ، وأنَّ عُبيداً قرأه على علقمةَ بنِ
قيس النّخَعي، وأنَّ علقمةَ قرأه على ابنِ مسعود رضيَ الله عنه.
-٥١٧-
كتاب التفسير - سورة محمد
٨٩٦- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # ممَّا نحيط
علماً أنهم لم يقولوه إلاَّ بتوقيفه ﴿ إيَّاهم عليه في معنى قول
الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]
٦١٨٩- حَدَّثْنَا جعفر بن محمد بن الحسن الفِرْيَابي، قال: حَدَّثْنَا
سعيد بن يعقوب الطَّالقاني، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المبارك، عن بُكير بنِ
معروف، عن مُقاتل بنِ حَيَّان، عن نافع، عن ابن عُمر، قال: كنا
معاشر أصحاب النبي ﴿ نَرَى أنه ليس من حسناتنا إلى مقبولاً حتى
نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾
[محمد: ٣٣]، فتأملنا ما هذا الذي يُبْطِلُ أعمالنا، فقلنا: الكبائرُ
الُوجباتُ والفواحشُ حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللّهَلاَ يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذِلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فلما نزلت، كفَفْنَا عن القول، وكُنَّا نخافُ
على مَن أصابَ الكبائِرَ، ونرجُوا لِمن لم يُصِبْها.
قال أبو جعفر: فدلَّ ما في هذا الحديث أن الذي كانوا عليه في
البدء قبل نزول هذه الآية، أنَّ من كانت منه الكبائر لم تُقْبَل منه
الحسناتُ بعد ذلك، حتى أنزلَ اللهُ هذه الآية المتُلُوَّة في هذا الحديث،
فَعَلِمُوا بها أنه عَزَّ وحَلَّ لا يغفر أنْ يُشْرَكَ به، ويغفرُ ما دُون ذلك لمن
يشاءُ، فعقلوا بذلك أنه عَزَّ وجَلَّ قد يَغْفِرُ لأَهلِ الكبائرِ إذا كانوا معها
لا يُشركُون به شيئاً، والله نسأله التوفيق.
-٥١٨-
كتاب التفسير - سورة محمد
٨٩٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله /# في
المُرَادِينَ بقول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإِنْ تَتَولِّوْا يَسْتَبْدِلِ قَوْمٍ
غَيْرَكُمْ، ثمَّ لا يكونوا أمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]
٦١٩٠- حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بنُ
وهبٍ، قال: حَدَّثْنَا مسلم بنُ خالدٍ، عن العلاء بنِ عبد الرحمن، عن
أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسولَ الله 8# تلا هذه الآية:
﴿وَإِنْ تُولُوا يَسْتْدِلِ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، ثُمَّلا يكونوا أمْثَالَكُمْ﴾، قالوا: يا
رسولَ الله مَنْ هؤلاءِ الذين إِنْ تَوَّيْنا استُبْدِلُوا بنا ولا يكونوا أمثالنا؟
فضرب على فَخِذٍ سَلْمَان، وقال: «هذا وقومه، ولو كان الدِّينُ عند
الثُّرَّيَّا لتناوَلَهُ رجالٌ مِنَ الفُرْسِ)(١).
٦١٩١- حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ منصور،
(١) إسناده فيه ضعف لكنه صحيح، فالحديث رواه البخاري (٤٨٩٨) وغيره من
طريق آخر عن أبي هريرة. وذكر فيه أن ذلك كان عند نزول قوله تعالى: ﴿وآخرين
منهم لما يلحقوا بهم). قال الحافظ في (الفتح) ٥١١/٨: ويحتمل أن يكون ذلك
صدر عند نزول كل من الآيتين، وقد روى مسلم (٢٥٤٦) الحديث مجرداً عن
السبب من رواية يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة رفعه: ((لو كان الدين عند الثريا،
لذهب رجال من أبناء فارس حتى يتناولوه».
رواه الطبري ٦٦/٢٦، وابن حبان (٧١٢٣)، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان»
٣/١ من طرق عن ابن وهب، به.
ورواه الترمذي (٣٢٦٠) و(٣٢٦١)، والطبري ٦٦/٢٦، وأبو نعيم في «تاريخ
أصبهان» ٣/١ و٤، والبيهقى في «دلائل النبوة» ٣٣٤/٦ من طرق عن العلاء، به.
قال الترمذي هذا حديث غريب في إسناده مقال.
-٥١٩-
کتاب التفسير - سورة محمد
قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيز بنُ محمد الدَّرَاوَرْدي، قال: حَدَّثَنَا العلاءُ بنُ عبد
الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: لما نَزَلَتْ ﴿وَآنْ
تَتَوَلْ يَسْتَبْدِلِ قَوْمَا غَيْرَكُمْ﴾ قالوا: مَنْ هُم يا رسولَ الله؟ قال: وسَلمان
إلى جَنْهِ قال: (هُم الفُرْسُ، هذا وقومُهُ).
٦١٩٢- حَدَّثْنَا فهد بن سُليمان، قال: حَدَّثَنَا علي بنُ مَعْبَدٍ،
وحَدَّثْنَا يوسف بنُ يزيد، قال: حَدَّثْنَا حَجَّاج بن إبراهيم، ثم اجتمعا،
فقال كُلُّ واحد منهما: حَدَّثْنَا إسماعيل بن جعفر، قال: حَدَّثْني عبد الله
بن جعفر بن نَجيْح، عن العلاء بنِ عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي
◌ُریرة، قال: قال ناسٌ من أصحاب رسول الله چ/# في حديث فهد: یا
رسولَ اللهُ: مَنْ هؤلاء الذين ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في القرآن إنْ تَوَلَّيْنَا
اسْتُبْدِلوا ثمَّ لا يكونُوا أمثالَنَا؟ قال: وكان سَلْمانُ إلى جُنْب رسولِ الله
* فضربَ رسولُ اللهِ﴿ فَخِذَ سَلْمان وقال: «هذا وقومُهُ، والذي
نفسِي بِيَدِهِ لَوْ كَان الإِيْمَانُ بالثُّرِّيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِس)).
قال أبو جعفر: والذي حَمَلَنا على أنْ أَتَيْنَا بهذا الحديث الثاني
وإنْ كان فاسدَ الإسنادِ بعبدِ الله بن جعفر الذي رواه إسماعيل بنُ جعفر
عنه، وهو أبو علي بن المّدِيني لإجماع أهل الحديث على ترك روايته
خوفَ أن يُخروجه رجلٌ من هذا الإسناد، فيعودُ الحديثُ إلى إسماعيل
بن جعفر عن العلاء، لأنه أحدُ الرواة عنه، ومع إسماعيل من الجلالة
والتقدم في العلم والتثبت في الرواية ما معه من ذلك، فيعُدُّنا مَنْ وقف
على ذلك تاركين لحديثٍ في هذا الباب لا يَحْسُن من مِثلنا تركُه عنه،
فذكرناه في هذا الباب لذلك.
ثم تأمَّلنا معنى ما فيه، فوجدناه وعيداً شَدِيداً للمذكورين فيه إنْ
- ٥٢٠-