Indexed OCR Text

Pages 421-440

کتاب التفسیر ۔ الکھف ٧٤
مما وافقه عليه أبو عبيد، ثم نعودُ قائلين لأبي عبيد، فنقول له: أما هذا
المقتول وإن كان قد سُمي غلاماً، فقد يجوز أن يُسمى غلاماً وهو بالغٌ،
وأما ما فيه من قوله: ((ولو أدركَ أرهقهما طغياناً وكفراً) فقد يكونُ
ذلك الإدراك: الاحتلام، وقد يجوزُ أن يكونَ خلافَه من المعرفة بالأشياء
المذمومة التي يُرْهِقُ أبويه بها الطغيان والكفر.
وفي الآية ما قد دَلَّ على أنه قد كان بالغاً، وهو قولُ الله عَزَّ
وجَلَّ حكاية عن نبيه موسى ﴿وَ في خطابه نبيه الخَضِرِ عليه السَّلامُ:
﴿أَقَلْتَ غْساً تُ كِيَّةٌ بِغَيْرِنَفْسٍ﴾، أي: أنها لو قتلت نفساً، لكانت
مستحقة لِقتلها بها، فلا يكونُ ذلك إلا وقد تقدم بلوغُها، وصارت
ذكاتُها بطهارتها، وقد شدَّ ذلك قولُ الله عَزَّ وجَلَّ في قصة مريم:
{لَهَبَلَكِ غُلامَاً مركيًا﴾ [مريم: ١٩](١)، أي: طاهراً، فوصفه أنه زكيٌّ
بغير ذنب كان منه قبلَ ذلك حتى غفره الله عَزَّ وجَلَّ له.
وفيما ذكرنا من ذلك ما يجب به فسادُ ما قاله أبو عمرو في
تفريقه بين الزكيّة والزاكية، وفي تثبيت ما قاله الكسائي: إنهما لغتان
بمعنى واحد.
والعرب قد تفعل مثل هذا فتقولُ: القاصي والقَصِيُّ، وأنشدني
بعضُ أهلِ العربية من أهل اللغة الأعراب في خِطابه لزوجته في ولدٍ
(١) قوله: ((ليهب)) بالياء، هي قراءة أبي عمرو، أي: ليهب الله لك، وقرأ الباقون:
لأهب. انظر (حجة القراءات))، ص ٤٤٠.
- ٤٢١-

کتاب التفسير - الکھف ٧٤
ولدته فأنكره:
لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ القَصِيِّ
أو تَحْلِفِي بِرَبِّكِ العَلِيِّ
أنّي أبو ذَيَالِكِ الصَّبِيِّ
يُرِيبِنِي بِالَنْظَرِ التِّركي
ومُقْلَةٍ كَمُقْلَةِ الكُرْكِيٌّ
يريد بالقصي: القاصي، ويريد بالعلي: العالي.
فقال قائل: ففيما قد ذكرتَه من هذه الأحاديث زيادةُ حرف في
الخطّ، وهل الألفُ الموجودة في ((زاكية) المفقودةُ في ((زكية)، فكيف
جاز أن يكونَ ذلك كذلك في المصاحف التي قد ذكرتها؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أن ما
ذكرناه من اختلاف في ((زاكية)) و((زكية) ليس حكاية عن القُرآن،
ولكنه حكاية عن كلام موسى ﴿ للخضر عليه السَّلامُ بما كلمه به من
ذلك، وكان لسانُ موسى# خلافَ لسان نبينا# الذي أنزل القرآن
بلسانه، وكان ما قاله رسولُ الله ﴿# في هذه الأحاديث من ((زاكية))،
ومن ((زكية) حكاية عما كان من موسى {﴿ مما خاطب به الخَضِرَ في
ذلك، والحكايات بالألسن عن الألسن التي كانت قبلَ ذلك بغير تلك
الألسن، فقد يجوز أن يُحكى بالألفاظ المختلفة.
ومن ذلك قولُه عَزَّ وحَلَّ في كتابه فيما حكاه عن نبيه زكريا ◌ِ *
- ٤٢٢-

کتاب التفسیر ۔ الکھف ٧٤
من جوابه إياه لما سأله أن يجعل له آية، فقال في موضع من كتابه: ﴿قَالَ
ےے
◌َيُكَ الأَنْكَلِّمَ النَّاسِ ثَلَه ◌َامِإلَّرَمْزاً﴾ [آل عمران: ٤١]، وقال في
موضعٍ آخر منه: ﴿قَالَ آتُكَ أَلاَ تُكَلِمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيَّالِ سَوْبًا﴾ [مريم:
١٠]، إخبار عن معنى واحد ذكره في أحد الموضعين بالليالي التي تدخل
فيها أيامُها، وفي الموضع الآخر بالأيام التي تدخل فيها لياليها.
فمثلُ ذلك حكايته عن موسى 8# في وصف الغلام المقتول
بالحالِ التي كان عنده عليها بأنه زكي في معنى ((زاكي))، وبأنه ((زاكي))
في معنى زكي، ثم المرجوع إليه بعدَ ذلك في القراءة هو الموجودُ في
المصاحف منها، ففي بعضها إثباتُ الألف، وفي بعضها سقوطُ الألف،
فدلَّ ذلك أن ذلك واسعٌ، وأن ما قُرِئَ به من تلك اللفظتين واسعٌ غيرُ
معنَفٍ من مال إلى واحدة من الكلمتين، وترك الأخرى، والله عَزَّ وجَلَّ
نسأله التوفيق.
- ٤٢٣-

کتاب التفسير - الکھف ٧٦
٨٧٦- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله﴿ فيما يُقضى
لبعض القُراء على بعضٍ ممّا یختلفون فیه في قراءتهم:
﴿من لدني﴾ من التثقيل ومن التخفيف
٦٠٩٧- حَدَّثْنَا عبدُ الملك بن مروان الرَّقّي، قال: حَدَّثَنَا الحجاجُ
بنُ محمدٍ، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن
ابنِ عباسٍ، عن أُبيِّ بنِ كعب، قال: كان رسولُ الله ﴿ إذا ذكر أحداً،
فدعا له، بَدَأ بنفسه، فقال ذَاتَ يَوْمٍ: ((رحمةُ اللهِ علينا، وعلى موسى،
لو لَبِثَ مَعَ صاحِبِه، لأَبْصَرَ العَجَبَ العُجاب، ولكنّه قال: ﴿إِنْ سَأْتُكَ
عن شيءٍ بَعْدَها، فلا تُصَاحِي، قد بَلَفْتَ مِنْ كَدِّي﴾ [الكهف: ٧٦] مُثَقَّلة(١).
٦٠٩٨- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد
الله بن نمير، قال: حَدَّثْنَا أبو داود الحَفَرِيُّ، عن يحيى بن زكريا بن أبي
زائدة، عن حمزة الزياتِ، عن أبي إسحاق، عن سعيدٍ بنٍ جُبير، عن ابن
عباس، عن أَبيِّ بنِ كَعْبٍ: أن النبيَّ /*، قرأ: ﴿إِنْ سأَتَكَ عن شيءٍ بَعْدَهَا،
فلا تُصَاحِبِي، قد بَلْتَ مِنْ لَدِّي عُذْرَا﴾ [الكهف: ٧٦] مثقلة.
٦٠٩٩- وحَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا نُعيم بنُ حَمَّادٍ،
قال: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بنُ خالد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بنِ
جُبير، عن ابنِ عباس، عن أُبيِّ بنِ كَعْبٍ، قال: سَمْعتُ رَسُولَ اللهَ﴿
(١) حديث صحيح، وانظر الباب السابق.
-٤٢٤-

کتاب التفسير - الکھف ٧٦
يقرأُ: ﴿قَد بَغْتَ مِنْ كَدِّي عُذْراً﴾ بنقل النون.
قال: وهذا مما لا نعلمُ لمن رواه فيه مخالفاً عن رسول الله :﴿ فيما
رواه عنه عليه، فأما اختلافُ القُراء في ذلك.
وكما حَدَّثَنَا ابنُ أبي عمران، قال: حَدَّثْنَا خَلَفُ بنُ هشام، قال:
الأعمشُ: (مِنْ لَدُّنّي) مشدد، حمزةُ كمثلٍ أبو عمروٍ كمثل، عاصم:
(لَدْني)، مكسورة النون، وبحزم الدَّالِ ويُشمها الضمة، وبنصب اللام
في السورة (مِنْ لَدْنِهِ) مثلها، ولنافع: (من لَدُنِي) مخففة.
وفيما أجازه لنا عليُّ بنُ عبد العزيز، عن أبي عُبيدٍ القاسمِ بنِ
سلام في كتابه في «القراءات))، قال: وقوله: ﴿قد بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِي عُذْهَا﴾
[الكهف: ٧٦]، كان نافعٌ وغيرُه من أهل المدينة يقرؤونها بفتح اللام
وتخفيف النون مع ضمِّ الدَّال: (لَدُنِي)، وكذلك قرأها عاصمٌ، إلا أنه
كان يُشِمُّ اللامَ الضمَّة، مع جزم الدال (لَدُنِي)، وأما الأعمشُ وأبو
عمرو وحمزة والكِسائي، فإنّهم كانوا يُتَقُلُونَ النونَ مع فتحِ اللامِ وضمٌّ
الدال: (لَدُنِّي).
قال أبو عُبَيْدٍ: وكذلك القراءةُ عندنا، وهي اللغةُ العَالِيَةُ، وإنَّما
تُقْلَتْ النونُ ليسلمَ سُكونها، وهي من الأصل ساكنةٌ، كقولهم في:
((هن))، و((عن)، ألا ترى أنَّ النونَ منهما ساكنةٌ في الأصل، كقولك: مِنْ
فلان، وعَنْكَ، فإذا أضفتَ إلى نفسِكَ، قلت: مِنِي، وعنّي، فزدت نوناً
ثانيةً، لِيَسْلَمَ السُّكُونُ الذي كان فيها، ولو قُلتَ: مِني وعَنِي مخففتين،
لَذَهَبَ السكونُ، وصارتِ النونُ إلى الكسر، فلهذا قالوا: مِنِّي وَعَنِّي
- ٤٢٥-

کتاب التفسیر - الکھف ٧٦
بالتشديد كذا لَدِّنِّي.
قال أبو جعفر: ومما جاء ذكرُه في القرآن في نون الجماعة في
(الدن): ﴿لْرَدْنَا أنْ سَّخِذَ لهواَلأَخَذْنَاءُ مِنْ لَّا﴾ [الأنبياء: ١٧]، ﴿أَكَمْ
نُكِّنْ بَهُمْ حَمِنْ يُحْبِ إِليهِثَمَرَاتُ كُلِّشَيءٍ مِزْقً مِنْلَدًا﴾ [القصص:
٥٧]، ﴿وحَنَّاناً مِنْ لَدَّا ومَرَكَاةَ﴾ [مريم: ١٣].
وفي إجماعهم على ما ذكرنا ما قد دَلَّ على أنَّ أولى القِراءات فيما
قد ذكرنا اختلافَهم فيه ما كان يقرؤه الأعمشُ وحمزةٌ وأبو عمروٍ على
ما ذكرناه عنهم في ذلك لا سيما قد شُدَّ ذلك ما قد رويناه عن رسولٍ
اللَّه ◌َّ فيه مما يُوافِقُ ما قرؤوه عليه. والله نسألُه التوفيق.
-٤٢٦-

كتاب التفسير - الكهف ٨٦
٨٧٧- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَن رسول الله علیه السَّلامُ
فيما تَغْرُبُ فيه الشمسُ
٦١٠٠ - حَدَّثَنَا عبدُ الملك بن مروان الرَّقيِّ، حَدَّتْنَا أبو معاويةً
الضريرُ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن أبيهِ، عن أبي ذَرْ، قال:
دخلتُ المسجد، فإذا النبيُّ :﴿ جالسٌ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ، قالَ: (يا أبا
ذر، تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هذه؟) قالَ: قُلْتُ: الله ورسولُه أعلَمُ، قال:
(فَإِنَّها تَذْهَبُ تَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ، فَيُؤْذَثُ لَهَا، وكأنّها قَدْ قِيلَ لَهَا:
اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا))، قال: ثم قرأ في قراءة عبدٍ
الله: ((ذلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا)(١).
(١) صحيح، ورواه البخاري (٣١٩٩) و(٤٨٠٢) و(٤٨٠٣) و(٧٤٢٤)
و(٧٤٣٣)، ومسلم (١٥٩)، والترمذي (٢١٨٦) و(٣٢٢٧)، والبغوي (٤٢٩٢)
من طرق عن الأعمش، به.
ورواه مسلم (١٥٩)، وأبو داود (٤٠٠٢)، وأحمد ١٤٥/٥ من طريق إبراهيم به.
قال الإمام البغوي في ((شرح السنة)) ٩٥/١٥: قال أبو سليمان الخطابي في قوله
عَزَّ وجَلَّ: ﴿والشمس تجري لمستقر لها»: إن أهل التفسير وأصحاب المعاني قالوا فيه
قولين، قال بعضهم: معناه: أي: لأجلٍ قُدِّرَ لها، يعني انقطاع مدَّة بقاء العالم، وقال
بعضهم: مستقرُّها: غايةُ ما ينتهى إليه في صعودها وارتفاعها لأطول يوم في الصيف،
ثم تأخذ حتى تنتهي إلى أقصى مشارق الشتاء لأقصر يوم في السنة.
وأما قوله عليه السَّلامُ: ((مستقرها تحت العرش))، فلا تنكر أن يكون لها استقرار
تحت العرش من حيث لا ندركه ولا نشاهده، وإنما خبر عن غيب، فلا تكذّب به،
ولا نكيفه، لأن علمنا لا يُحيط به، ويحتمل أن يكون المعنى: أنَّ علم ما سألتَ عنه
من مستقرِّها تحت العرش في كتاب كتب فيه مبادئ أمور العالم ونهاياتها، والوقت
- ٤٢٧ -

کتاب التفسیر ۔ الکھف ٨٦
ففي هذا ما يدلُّ على أن الشمسَ تغرُبُ في السَّماءِ.
وقد رُوِيَ عن رسول الله:﴿ أيضاً فيما تغرُب فيه:
٦١٠١- ما حَدَّثْنَا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة،
حَدَّثَنَا عبدُ الغفار بن داود الحَرَّاني، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بنُ سَلَمَة، عن عبد الله
بن عثمان بن خُثَيْم، عن سعيد بن جُبير، عن ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ عليه
الذي تنتهي به مدتها، فينقطع دوران الشمس، وتستقرُّ عند ذلك، فيبطل فعلها، وهو
اللوح المحفوظ.
وقال أبو سليمان: وفي هذا - يعني في الحديث الأول - إخبارٌ عن سجود الشمس
تحت العرش، فلا ينكر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها، وليس في
سجودها تحت العرش ما يعوِّقها عن الدأب في سيرها، والتصرف لما سُخّرت له. وأمَّا
قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة) فهو
نهاية مدرك البصر إياها حالة الغروب، ومصيرها تحت العرش للسجود إنما هو بعد
الغروب وليس معنى قوله: (تغرب في عين حمئة) أنها تسقط في تلك العين، فتغمرها،
وإنما هو خبر عن الغاية التي بلغها ذو القرنين في مسيرة حتى لم يجد وراءها مسلكاً،
فوجد الشمس تتدلى عند غروبها فوق هذه العين، وكذلك يتراءى غروب الشمس
لمن كان في البحر، وهو لا يرى الساحل كأنها تغيب في البحر، والله أعلم.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿الشمس والقمر بحسبان) وقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿والشمس
والقمر حسباناً) أي يجريان بحساب معلوم، وعلى منازل ومقادير لا يجاوزانها، قال
الله سبحانه وتعالى: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعُرجون القديم)، وقيل:
حُسبان جمع حساب، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وجدها تغرب في عين حمئة) أي: في
رأي العين، فمن قرأها: حامية - بلا همز- أراد: الحارة، ومن قرأ: حمئة - بلا ألف
مهموزاً- أراد: عيناً ذات حمأة، يقال: حمأتُ البئر، إذا نزعتَ منها الحمأة، وأحماتها:
إذا ألقيتَ فيها الحمأة.
-٤٢٨-

كتاب التفسير - الكهف ٨٦
السَّلامُ، أَنَّه قَرَأ ﴿يْ عَيْنِ حَنَّةٍ﴾ [الكهف: ٨٦].
وكأن هذا الحديث مما لم يرفعه أحد من حديث حماد بن سَلَمَة
غيرُ عبدِ الغفار بن داود، وهو مما يُخطئه فيه أهلُ الحديث، ويقولون:
إنّه موقوفٌ على ابنِ عباسٍ، وقد خالفه فيه أصحابُ حماد، فلم يرفعوه،
فَمِمَّنْ خَالِفَهُ فيه منهم خالدُ بن عبد الرحمن الخُرَاسانيُّ، وحجاجُ مِنْهال
الأَنْمَاطِيُّ.
٦١٠٢- كما قد حَدَّثْنَا محمد بن الحجاج بن سليمان الحَضْرَمِيُّ
أبو جعفر، حَدَّثْنَا خالد بن عبد الرحمن، حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن عبدٍ
اللهِ بن عثمان، عن سعيد بن جُبير، عن ابنِ عباس أنه كان يقرؤها
﴿في عَيْنِ حَمَّةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] يَهْمِزُها.
٦١٠٣- وكما قد حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا حجاج بن
مِنْهَال، حَدَّثْنَا حمادٌ، عن عبدِ الله بن عثمان، فذكر بإسنادِهِ مثلَه، ولم
يَرْفَعْه.
وقد رُوِيّ هذا الحديثُ عن عبد الله بن عباس، عن أُبي بن
كعب، عن رسول الله عليه السَّلامُ بموافقة هذا المعنى:
٦١٠٤- كما قد حَدَّثْنَا عليُّ بنُ مَعْبَد، حَدَّثْنَا معَلَّى بن مَنْصور،
حَدَّثَنَا محمد بن دِينارٍ - يعني الطاحي - عن سعدِ بنِ أوْسٍ، عن مِصْدَعٍ
أبي يَحْبِى، عن ابنِ عباس، قال: أقرأني أُبيِّ كما أقرأه النبي صلى الله
عليه وسلم ﴿تغْرُبُ فِيْ عَيْنِ حَمَّةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] مخففةٌ (١).
(١) إسناده ضعيف، محمد بن دينار سيئ الحفظ، وقد تغير قبل موته.
ورواه أبو داود (٣٩٨٦)، والترمذي (٢٩٣٤)، والطبري ١٠/١٥ من طريق
-٤٢٩-

کتاب التفسير - الکھف ٨٦
٦١٠٥- وكما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثْنَا أبو داود
الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا محمد بن دينار، ثم ذكر بإسناده مثلَه، ولم يَقْلْ:
*
((مخففة))(١).
٦١٠٦- وكما قد حَدَّثَنَا أبو أمية، حَدَّثَنَا قيس بن حفْص
ھ
الدرِميُّ، حَدَّثْنَا محمد بن دينار، ثم ذكر بإسناده مثلَه، ولم يَقُلْ:
((مخففة)).
ففيما روينا في حديث ابن عباس، عن أُبَيُّ هذا ما يُثْبِتُ قراءة من
قرأ هذا الحرف، كما قد ذكرناه فيه، وفي قراءةُ نافع، وأكثرِ أهل
المدينة، وقد شَدَّ ذلك:
٦١٠٧ - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يونسُ، أخبرنا سفيانُ بنُ عُبِينَةَ، عن
عمروٍ، عن عَطَاءٍ، عن ابنِ عباس، قال: خالفني عمرو بنُ العاص ونحن
عند معاوية، فقال ابنُ عباس: ﴿عَيْنِ حَنَّةٍ﴾، وقال عمرو: ﴿حَاسَِّةٍ﴾
قال: فَسَأَلْنَا كَعْباً، فقالَ: إِنَّها فِي كِتَابِ اللهِ الْمُنْزَلِ: لَتَغْرُبُ في طِينَةٍ
سَوْدَاءَ.
٦١٠٨ - حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا عمرو بنُ خالد في شاهد ((حَمَثَةٍ)،
حَدَّثَا محمدُ بنُ سَلَمَةَ، عن ابنِ إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن أبي
حاضر الحِمْيَرِيِّ، عن ابن عباسٍ، قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِية، وعندَه عبدُ
الله بنُ عمروٍ، فقال مُعَاويةُ لعبد الله: كيف تَقْرَأُ هذا الحرفَ: ﴿وَجَدَهَا
محمد بن دينار، به. وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(١) إسناده ضعيف، وهو في ((مسند الطيالسي)) (٥٣٦).
- ٤٣٠ -

كتاب التفسير - الكهف ٨٦
تَغْرُبُ فْ عَيْنِ حَمَّةٍ﴾، قال: ﴿يْ عَبْ حَامِيَةٍ﴾، فقال ابنُ عباس: فقُلْتُ
لمعاوية: أُتَسْأَلُ هذا عَنِ القرآنِ، وإنّما نَزَلَ في بيتي، قالَ: كيفَ تقرؤها
يا ابن عباسٍ؟ فقلت: ﴿وَجَدَهَا تَتْرُبُ فْ عَيْنِ حَمَّةٍ﴾.
قال أبو حاضر: فقلتُ لابن عباس: أنا أشُدُّ قولَك بقول صاحبنا
تُبَّع:
مَلِكاً تَدِينُ لَهُ الُلُوكِ وَتحشِدُ
قَدْ كَانَ ذُو القَرْنَينْ قَبْلِي مُسْلِماً
أَسْبَابَ عِلْمٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدٍ
بَلَغَ المَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي
في عَيْنْ ذِي خُلُبٍ وَتَأْطٍ حِرْمِدٍ
وأتى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها
فالخُلُب في لغتنا: الطينُ، والتأط: الحَمْأَةُ، والْحْرِمِدُ: الأسودُ.
فذكرتُ ذلك لأبي محمد بن سلامة رحمه الله، فقال لي: هذه
قوافي مختلفة، وقد رأيتُ أهلَ العلمِ بالشعر، منهم: أبو بِحَاد الحارثي
البَصْري وغيرهُ من أهل العلم بالشعر يُنشِدون الأولَ من هذه الأبيات
بغير ما ذکرت لي عن يونس، وهو:
قَدْ كَانَ ذُو القَرْنَينْ خالٍ قَدْ أَتَّى
طَرَفَ البِلاَدِ مِنَ الْمكَانِ الأُبْعَدِ
قال أبو جعفر: وهذا هو الصوابُ حتى تلتئمَ قوافي هذه الأبيات،
وتعود كلُّها إلى الحرف، ولا تختلفُ.
٦١٠٩- وحَدَّثْنَا يوسُفُ بن يزيدَ، حَدَّثَنَا نُعِيمٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ -
وهو ابنُ سليمانَ الكِلابي - عن عمرو بنٍ مَيمون، أخبرنا ابن حاضر،
أو أبو حاضر، عن ابنِ عباس، قال: قرأ معاويةٌ في الكهف ﴿وَجَدَهَا
تَغْرُّبُ فْ عَّيْنِ حَسَّةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، فقلت: إنَّا نَقْرَؤُها ﴿حمنة﴾،
-٤٣١-

كتاب التفسير - الكهف ٨٦
فسألَ معاويةُ عبدَ اللهِ بنَ عمروٍ عَنْها، فقالَ: كما قرأْتَها، قالَ ابنُ
عباس: فقلت: في بيتي نَزَلَ القُرآنُ، قال: فبعث معاويةُ إلى كعب
يسألُهُ، أينَ تَحدُ الشمسَ تَغْرُبُ في التوراةِ؟ قالَ: في ماءِ وطينٍ، قال:
فقُلْتُ لابنِ عباس: لو كنتُ عندَكُمْ لَرَفَدْتُكَ ما تزدادُ به بصيرةٍ في:
حَمئة، قال ابنُ عباس: وماذا هو؟ قال: قلت: نَجِدُ فيما كانَ من قول
تُبَّعِ ما ذكره في ذي القرنينِ مِنْ كَلَفِهِ بالعلمِ وإمعانِهِ إياه.
أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدٍ
بَلَغَ المَشَارِقَ وَالْمَغَارِبِ يَبْتَغِي
في عَينْ ذِي خُلُبٍ وثأطٍ حِرْمِد
فَرَأَى مَغَابَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُروِها
قال ابنُ عباس: ما الخُلُبُ؟ قالَ: قُلتُ: الطينُ في كلامهم، قال:
فما الثأطُ؟ قلتُ: الحَمْأَةُ، قال: فما الحِرْمِدُ؟ قلتُ: الأسود، فقال ابن
عباس لرجل: أكْتُبْ ما يقولُ هذا الرجلُ.
فقال قائل: حديث ابنُ عباس عن أبي هذا، يخالف(١) حديث أبي
ذَرِّ الذي رويته في أوَّلِ الباب، لأن في حديث أبي ذَرْ غروبَ الشمس
في السماء، وفي هذا غروبُها في طينة سوداء، والطينُ فإنّما يكون في
الأرضِ، لا في السماء.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله أنَّ الطين قد يكونُ في السماء
(١) ليس ثمة خلاف بين الآية وبين الحديث، لأن المراد من قوله تعالى: ((وجدها
تغرب في عين حمئة) نهاية مدرك البصر إليها حال الغروب بحسب نظر الرائي، لا
بحسب الحقيقة والواقع، كما هو معلوم لكل مم له إلمام بعلم الهيئة، وقد تقدم كلام
الإمام الخطابي في ذلك.
- ٤٣٢ -

کتاب التفسير - الکھف ٨٦
كما يكون في الأرض، وقد دَلَّ على ذلك قولُ الله تعالى مما ذكره عن
أُضْيافِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، ثَمّا كانَ جواباً منهم لإبراهيمَ من قوله:
﴿ فَا خَطْبِكُمْ أُهَا الْمُرْسَكُونَ فَنُوا إِنَّ أُمْسِنَ إلَى قَوْمٍ مُجْرِمِنَ كُرْسِلَ عَلَيهِمْ
حِجَارَةً مِنْ طِينَ﴾ [الزمر: ٣١]، فَدَلَّ ذلك على أنَّ الطين في السماء كما
هو في الأرض.
فقال هذا القائل: ففي شعر تُبّع الذي رويْتَه: ((فرأى مغيب
الشمس) فذلك مما قَدْ دَلَّ أَنْه قد رَأى مغيبَها، وأنه في الأرض لا في
السماء.
فكان جوابُنا له عن ذلك أنَّ الذي رويناه عن أبي ذّرِ هو عن
رسول الله عليه السَّلامُ، ورسولُ اللهِ﴿ هو الحُجَّةُ في اللغةِ، وفيما
سواها، ومع هذا فقد يجوزُ أن تكونَ تلك الرؤيةُ التي أرادها تُبَّع رؤيةَ
يقينٍ وعلمٍ بالقلب، لا رؤيةً عين، كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَقَدْ كْتُمْ
تَّوْنَ اْمَوتَ مِنْ قَبلِ أَنْ تَوْءُ فَقَدْ رَأْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]
فكان ذلك على رؤيةِ القلوب ويقينها، لا على رؤيةٍ الأبصارِ، فَخَرَجَ
بذلك جميعُ ما ذكرناه عن رسول الله8* في هذا الباب على الالتئامِ
بغير تضادّ فيه ولا اختلافٍ.
وقد قرأ هذا الحرفَ - أعني ﴿حمْةَ﴾- غيرُ ابنِ عباسٍ بخلاف ما
قرأه ابنُ عباس، وهو (حامية﴾، منهم: ابنُ مسعود:
كما حَدَّثَنَا أحمد بن أبي عمران، حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ هشامٍ، حَدَّثْنَا
الخَفَّفُ، عن هارونَ، عن عاصم، عن زِرّ، عن ابن مسعود أنّه كانَ
-٤٣٣ -

كتاب التفسير - الكهف ٨٦
يقرأُ ﴿حامية﴾ يقول: حَارَّة.
ومنهم ابنُ الزبير:
٦١١٠- كما قد حَدَّثْنَا أحمد، حَدَّثْنَا خَلَفٌ، حَدَّثْنَا عُبِيدُ بنُ
عقيل، عن شِبْلٍ، عن محمدٍ بن عبد الرحمن بن مُحَيْصِنٍ، عن أبيهٍ، عن
ابنِ الزُّبِيرِ ﴿حامية﴾ بألفٍ كَمِثْل(١).
وفي الفصلِ الأوَّلِ عن الذي كان مع ابنِ عباس عند معاويةً من
عمرو، ومن ابنه عبد الله هذه القراءة أيضاً، ولا نَعْلَمُ عن أحدٍ مِن
أصحاب رسول الله ﴿ سوى ابنِ عباس موافقةَ ابنِ عباس في ﴿ُحمَّةٍ﴾،
والأكثر منهم على ﴿حامية﴾، وقد روينا من ذلك ما رويناه وتركنا ما
سواه ممّا لا يتصل أسانيدُه.
وكانَ ◌َمّنْ قَرَأ هذا الحرف أيضاً عاصمٌ، وسليمانُ الأعمشُ،
وحمزةُ، وذكر لنا علىُّ بنُ عبد العزيز، عن أبي عُبَيْدٍ أَنَّهُ كانَ يذهَبُ إِلى
ذلك، ويختارُه لكثرةِ عَدَدِ القراء، ولأنَّ عاصماً لِقراءته من صحةٍ
المَخْرَجِ ما ليسَ لقراءة غيره.
سمعتُ أحمد بنَ أبي عمران يقول: سمعت يحيى بن أكثمَ يَقُول: إنْ
كانتِ القراءةُ تُؤْخذُ بصحة المخرج، فما نعلم لقراءةٍ من صحةِ المخرج
ما صَحَّ لقراءةِ عاصمٍ، لأنَّه يقولُ: قرأتُ القرآنَ على أبي عبدِ الرحمنِ،
(١) محمد بن عبد الرحمن -ويقال: عمر بن عبد الرحمن- بن محيصن السَّهمي
مولاهم المكي قارئ أهل مكة مع ابن كثير وحميد الأعرج قال الإمام الذهبي في
((التذهيب): ثقة في الحديث مقل، ضعيف في القراءة، له في روايته أشياء شاذة.
-٤٣٤-

كتاب التفسير - الكهف ٨٦
وقرأ أبو عبد الرحمن على علي، وقرأ عليٍّ على النبيِّ عليه السَّلامُ، قال:
وكنت أنصرفُ من عند أبي عبد الرحمن فأمُرُّ بزِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، فأقرأ
عليه كما قرأتُ على أبي عبد الرحمن، فلا يغير عليَّ شيئاً، قال: وقرأ
زِرِّ على ابنٍ مسعود، وقرأ ابنُ مسعود على رسولِ الله عليه السَّلامُ.
قال أبو جعفر: وصَدَقَ، وقد كُنَّا أَخَذْنَا قراءةَ عاصِمٍ حرفاً حرفاً،
عن روح بنِ الفرج، وحَدَّثْنَا أَنَّه أخذها عن يحيى بنِ سليمانَ الجُعْفيِّ،
وأنّه قال لهم، حَدَّثْنَا أبو بكر بن عياش، قال: قرأتُ على عاصِمٍ، قال
أبو بكر، فقلت لعاصم: على مَنْ قرأتَ؟ فقال: على السُّلَمِي، وقرأ على
عليّ، وقرأ عليٍّ على النبيِّ عليه السَّلامُ. قال عاصم: وكنتُ أجعلُ
طريقي على زِرُ، فأقرأ عليه، وقرأ زِرٌّ على ابن مسعودٍ، وقرأ على النبيِّ
عليه السَّلامُ.
ولقد حدثني إبراهيمُ بن أحمد بن مروانَ الواسِطي، حَدَّثْنَا محمدٌ
بن خالد بن عبد الله الواسطي، قال: سمعت حفصَ بنَ سليمانَ الكوفيّ،
عن عاصم، قال: قال أبو عبد الرحمن: قرأتُ على عليّ، فأكثرتُ
وأمسكتُ عليه، فأكثرتُ، وأقرأتُ الحسنَ والحُسينَ حتى ختما القرآنَ،
ولقيتُ زيدَ بنَ ثابت بحروف القرآن، فما خالفَ عليّاً في حرفٍ. فلو
أضافَ مضيفٌ قراءةً عاصمٍ كلَّها إلى النبيِّ عليه السَّلامُ لما كانَ معنفاً.
وثّا يُقَوِّي ذلك:
ما حَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، حَدَّثْنَا
شريكُ بن عبد الله، وأبو مُعَاويةً، ووكيعٌ، عَنِ الأعمشِ، عن أبي
ظَبْيان، قال: قلتُ لابن عباس: على القراءة الأولى تَقْرَأُ قراءةَ ابنِ
- ٤٣٥ -

کتاب التفسیر - الکھف ٨٦
مسعود؟، [قال: بل قراءةُ ابن مسعود هي الآخرة]، إنَّ جبريل عليه
السَّلامُ كانَ يَعْرِضُ على نِيِّ اللهِ:﴿ القرآنَ في كُلِّ رمضانَ، فلما كانَ
العامُ الذي قُبِضَ فيها عَرَضَه مرتين، فَشَهِدَ عبد الله ما نُسِخَ مِنْهُ وما
بُدِّلَ.
٦١١١ - وما حَدَّثْنَا فَهْدٌ، حَدَّثْنَا أبو غَسَّانَ، حَدَّثْنَا إسرائيلُ بنُ
يونُسَ، عن إبراهيمَ بنِ مُهَاجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباس، أَنَّهُ قال
لأصحابه: أيَّ القراءتين تّرَوْنَ آخِرًا؟ قالوا: قراءة زيدٍ، قالَ: إنَّ رسول
الله ﴿ كان يَعْرِضُ القرآنَ على جبريلَ في كُلِّ سنةٍ، فَلَمَّا كانتِ السنةُ
التي قُبِضَ فيها عَرَضَهُ عليه مرتينٍ، فَشَهِدَه ابنُ مسعودٍ، فكانتْ قراءةُ
عبدِ اللهِ آخِراً.
قال أبو جعفر: والاختلافُ في هاتين القراءتينِ في هذا الحرفِ من
أَيْسَرِ الاختلافِ، لأَنَّا إذا صححنا ما رُوِيَ في العينِ التي تَغْرُبُ فيها
الشمسُ، استحق بذلك الحمأ والحرارةُ جميعاً، فكانتا مِنْ صفاتِها،
وكانَ مَنْ قرأ ﴿حَامِيَةٍ﴾، وصفَها بإحدى صفاتها، ومن قرأ ﴿حَمَّةِ﴾
وَصَفها بصفتها الأخرى، وذلك واسع غيرُ ضَيِّق على أحدٍ ممن روى
قراءة من هاتين القراءتين.
- ٤٣٦-

كتاب التفسير - سورة الأنبياء
٨٧٨- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله في المرادِ
بقولِ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّكُمْ وما تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ
جَهِنَّمَ .. ) الآية [الأنبياء: ٩٨]
٦١١٢- حَدَّثْنَا أبو أُميَّة، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، حَدَّثَنَا أبو
كُدَيْنَةَ، عن عطاء بن السائب، عن سعيدٍ بن جبير، عن ابنِ عباس،
قال: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿إِنْكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
جَهَّمَ .. ) الآية قال المشركون: فإنَّ عيسىِمَ﴿ يُعْبَدُ وعُزَيْرٌلَ﴾.
والشمسُ والقمرُ. فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتَ لَهُمْ مِنَّ الْحُسْنِى أُوْكَ﴾
[الأنبياء: ١٠١] عيسى وعُزِيرٌ صلواتُ اللهِ عليهما.
٦١١٣- حَدَّثْنَا عُبِيدُ بنُ رجال، حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ علي الحُلْوَانِيُّ،
حَدَّثْنَا يحيى بن آدم، حَدَّثْنَا أبو بكرٍ بن عياشٍ، عن، عاصٍ، عن أبي
رزَين، عن أبي يحيى، عن ابن عباسٍ، قال: آيَةٌ في كتابِ اللهِ لا يسألُنِى
الناسُ عنها، ولا أدْرِي !! أعَرَفُوها فلا يسألُوني عنها؟ أم جَهُلُوها فلا
يَسألُوني عنها؟ قيل: وما هي؟ قال: آيةٌ لَّا نزلتْ: ﴿إِنْكُمُ ومَا تَعْبُدونَ
مِنْ دُونِاللهِ حَصَبُ جَّمَ أَنْتُمْلَها وَارِدونَ﴾ شَقَّ ذلك على أهلٍ مكةً،
وقالوا: شَتَّمَ محمدٌ آلهتنا، فقامَ ابنُ الزِّبَعْرَى، فقال: ما شَأُنُكُم؟ قالوا:
شَّمَ محمدٌ آلهَتَنَا. قال: وما قال؟ قالوا: قال: ﴿إِنْكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أْتُمْلَهَا وَارِدُونَ﴾ قال: ادْعُوه لي فدُعِيَ محمدٌلَ﴿، فقال
ابن الزِّبَعْرَى: يا محمّدٌ، هذا شيءٌ لآلهِتنا خاصَّة أمْ لكل مَنْ عُبِدَ مِنْ
-٤٣٧-

كتاب التفسير - سورة الأنبياء
دون الله؟ قال: ((بل لكلِّ مَنْ عُبدَ من دون الله عَزَّ وجَلَّ) قال: فقال:
خصمناه وربِّ هذه البنَّةِ، يا محمدُ ألستَ تزعمُ أنَّ عيسى عبدٌ صالحٌ،
وعزيراً عبدٌ صالحٌ، والملائكة عبادٌ صالحون؟ قال: بلى. قال: فهذه
النصارى يعبدون عيسى، وهذه اليهودُ تعبدُ عزيراً، وهذه بنُو مَلِيحِ تعبدُ
الملائكةَ، قال: فضحَّ أهلُ مكّة، فنزلت: ﴿إِنَّالذينِ سَبَقَتْ لَهُمْ منَّا الْحُسْنِى﴾
عيسى، وعزيرٌ، والملائكةُ، ﴿أُوْلِكَ عَنْهَا مُعَدُونَ﴾، قال: ونزلت: ﴿وَلَمَّا
ضُرِبَ ابْنُ مَرْبَهَ مَثَلاَ إذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]، وهو
الصحيح.
٦١١٤ - حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سنان الشّيزريُّ، حَدَّثَنَا هشامُ بنُ
عمارِ، حَدَّتْنَا الوليدُ بن مسلمٍ، حَدَّثْنَا شيبانُ، عن عاصمٍ بن أبي
النِّجودِ، عن أبي رَزين، عن أبي يحيى مولى ابنِ عفراءِ الأنصاري، عن
ابن عباس، أن النبي﴿ قال لقريشٍ: ((يا معشر قريشٍ لا خيرَ مع أحد
يُعَدُ من دُونِ الله عَزَّ وَجَلَّ). قالت: ألست تزعُمُ أَنَّ عيسى # كان
نبياً، وكان عبداً صالحاً، فإن كنتَ صادقاً، فإنه كآلهتهم، فأنزلَ الله عَزَّ
وجَلَّ: ﴿وَلَا ضُرِيَابنُ مُرِهَ مَثَلَإِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ يعني: يَضِحُّونَ.
﴿وَإِنَّهُ لَعَلَمْ لِلسَّاعةِ﴾ [الزخرف: ٦١]، [قال: هو] خروج عيسى ابن
مريم ﴿، قبلَ يومِ القيامةِ. هكذا قال: لَعَلَمٌ، بالفتحِ.
قال أبو جعفر: وأبو يحيى هذا، فروى عنه المكُون والكوفُّون
جميعاً.
-٤٣٨-

کتاب التفسير - سورة الأنبياء
٦١١٥- حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داودَ، حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ محمدٍ بن
عَرْعَرَةَ، حَدَّثْنَا يزيد بنُ أبي حكيم، حَدَّثَنَا الحكمُ بنُ أَبَان، عن عِكْرِمَةَ،
عن ابن عباس، قال: جاء عبدُ الله بن الزِّبَعْرى إلى النبيِّ:﴿، فقال: يا
محمدُ، تَزْعُمُ أَنَّ الله أنزلَ عليك هذه الآية: ﴿إِنْكُمْ وما تَعُدُونَ مِنْ دُونِ
اللّهِ حَصَبُ جَّمَ أَنتُمْلَهَا وَرِدُونَ﴾، فقد عُبِدَتْ الشمسُ، والقمرُ،
والملائكةُ، وعزيرٌ، وعيسى، صلواتُ الله عليهم، أوَ كُلُّ هؤلاء في النارِ
مع آلهتنا؟! فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَقَتْ لَهُمْ مِنَّ الْحُسْنِى أُوْلِكَ عَنَّهَا
مُبْعَدُونَ﴾، ونزلت: ﴿وَلَا ضُرِبَابْنُ صَرِوَ مَلَإذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُونَ﴾.
قال أبو جعفر: فقال قائلٌ: ففي هذه الآثارِ أنَّ المشركين عند
نزولِ الآية الأولى من هاتين الآيتين اللتينِ في هذا الحديثِ ضحُوا مِنْ
ذلك، وقالوا للمسلمين مُحتجِّين عليهم: فإنَّ عيسى يُعبدُ، وعُزير يُعبد،
ومَنْ ذكروا معهما في هذا الحديثِ وهم - مع شركهم - أهلُ فصاحةٍ
ليس ثمّن يجري على ألسنتِهم اللَّحنُ في كلامِهم، و((مَا): فإنَّما تُقال لغير
بني آدم، ويُقال مكانَها لبني آدم: ((مَنْ) كما قال عَزَّ وحَلَّ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ
مِنْهُمْ إِلِّنْ دُوِهِ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ مَلْقَ آَنَّمَاً﴾ [الفرقان:
٦٨] في أمثال ذلك مما يريدُ به بني آدم، وقال في سوى بني آدم: ﴿وَمَا
أكَلَ السَّلاَ مَاذَكَُّمْ وَمَا ذُبِحَ على النّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] لغير بني آدم.
وفيما رَويتموه وأَضَفْتُموه إلى رسول الله :﴿ ما قَدْ ذَكَرْ تُموه في هذا
الحديثِ مِنْ هذا الجنسِ، وفي إحدى الآيتين الَّلتين تَلَوْتُموها فيه:
- ٤٣٩ -

کتاب التفسير - سورة الأنبياء
﴿َّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِاللّهِ حَصَبُ جَّهُ أَنتُمْلَها وَرِدُونَ﴾ أُرِيدَ بِهِ بَنُو
آدمَ.
فكانَ جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّ ((مَنْ))
و((مَا) في الأكثر من كلام العرب يخرجان على ما ذكر، وقد تستعملُ
العربُ أيضاً في كلامها في بني آدم ((مَا)) كما تستعملُ (مَنْ))، وإنْ كان
ذلك ثمّا لا تستعملُه فيهم كثيراً كما تستعمل فيهم (مَنْ). ومِنْ ذلك
قولُ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿المُحْصَنَاتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}
[النساء: ٢٤]، مكان إلَّ مَنْ مَلَكت أيمانكم، وقولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَّحَ للَّهِ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [الحديد: ١]، و﴿يُسَبِحُلُهُمَا فِيْ السَّمواتِ ومَا فِي
الأرْض﴾ [الجمعة: ١]، وقولُه عَزَّ وحَلَّ: ﴿وَوَالِدِ ومَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]
يعني آدم ﴿ وما وَلَد. وفيما ذكرنا مِنْ هذا دليلٌ على ما وصفْنًا. وفيما
رويناهُ في هذه الآثارِ ما قد دَلَّ على أنَّ القولَ في القراءةِ المختلفِ فيها
من قولِ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِذَا قومُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ بالكسر، ويصُدُّون
بالضَّمِّ، هو كما قرأ مَنْ قرأها بالكسر؛ لأنَّ من قرأها بالضمِّ أراد
الصُّدُود، ومَنْ قرأها بالكسر أراد الضَّحِيحَ، وإنَّما كان نزولُها عند
ضَحِيحٍ المشركين كما نزلت هذه الآية الأولى من الآيتين المذكورتين في
هذا الحديثِ. وهذه القراءةُ في المعنى أصحُّ أيضاً عند أهل اللغة؛ لأنّها
لو كانت على الصُّدودِ لكانت: إذا قومُك عنه يَصُدُّون، كمثل ما قال
الله عَزَّ وحَلَّ: ﴿إِنَّالَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّه﴾ [الحج: ٢٥]،
- ٤٤٠-