Indexed OCR Text
Pages 361-380
كتاب التفسير - سورة الأعراف ٨٦٥- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله في المراد بقول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإِذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بني آدمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِم﴾ إلى قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطِلونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] ٦٠٢٩- حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ وهب أن مالكَ بنَ أنس أخبره عن زيد بن أبي أنيسة، أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، عن مسلم بن يسار الجهني، عن عمرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه سُئِلَ عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ مرُّبِّكَ مِ بنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِ هِمْ ذُرِيَّاتِهِمْ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿غَافِلُونَ﴾، فقال عُمَرُ رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ الله﴿ يقول: ((إنَّ اللهَ خَلَقَ آدمَ، ثم مَسَحَ ظَهْرَهُ بيمينه، فَاسْتَخْرَجَ منه ذُرِّيَّةً، فقال: خَلَقْت هؤلاء للجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهلِ الجَنّةِ يَعْمَلونَ، ثم مَسَحَ ظَهْرَهُ فاستخرج منه ذريةً، فقال: خلقتُ هؤلاء لِلنَّارِ وبعملِ أهْلِ النَّارِ يَعمَلُونَ))، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله فيهم العَمَلُ؟ فقال رسول الله وَّ: ((إنَّ الله إذا خَلَقَ العبدَ للجنّة، استعملَه بعملِ أهلِ الْجَنَّةِ حتّى يَموتَ على عَمَلٍ مِن أعمالٍ أهلِ الجنّة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبدَ للنار، استعملَه بعملٍ أهلِ النّارِ حَتَّى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ النّارِ، فَيُدخِلَه به النَّانَ)(١). (١) إسناده ضعيف، ومنقطع، انظر التمهيد ٦/١. وهو في (الموطأ) ٨٩٨/٢، - ٣٦١- كتاب التفسير - سورة الأعراف قال أبو جعفر: وكان هذا الحديثُ منقطعاً، لأن مسلم بن يسار الجُهني لم يَلْقَ عمر رضي الله عنه، فنظرنا في الذي أخذه عنه، عن عمر مَنْ هُوَ؟ ٦٠٣٠ - فوجدنا أبا أُمية قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يزيد بن سِنان، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ - يعني أباه-، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار الجهني، عن نُعيم بن ربيعة الأزدي، قال مسلم: سألتُ نُعَيْمَ بنَ ربيعة عن هذه الآية: ﴿وإذ ٥ أَخَذَ رَّكَ مِنِ بِنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِ هِمْ ذُرِّبَاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فقال: كنتُ عندَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتاه رجلٌ، فسأله عنه، فقال: كنتُ عند رسول الله :﴿، فسألتُه عنها، فقالَ رسولُ اللهحص ◌ّ: ((لما خَلَقَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ آدم ... ))(١)، ثم ذكر بقية الحديث على نحو مما في ومن طريق مالك رواه أحمد ٤٤/١، وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والنسائي في ((التفسير)) (٢١٠)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٩٦)، والآجري ص ١٧٠، والطبري في ((تفسيره)) (١٥٣٥٧) وفي (تاريخه) ١٣٥/١، والحاكم ٢٧/١ و٣٢٤/٢ و٥٤٤، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص٣٢٥، والبغوي في ((شرح السنة)) (٧٧). (١) إسناده ضعيف. محمد بن يزيد بن سنان وأبوه ضعيفان، ونعيم بن ربيعة لا يعرف. ورواه محمد بن نصر فيما ذكره الحافظ في ((النكت الظراف)) ١١٣/٨ في كتاب الرد على ابن محمد بن حنفية، قال: حَدَّثْنَا الذهلي، حَدَّثَنَا محمد بن يزيد بن سنان، به. ورواه البخاري في ((تاريخه)) ٩٧/٨ عن الذهلي محمد بن يحيى، به. ورواه ابن أبي عاصم في «السنة)) (٢٠١) عن محمد بن مسلم بن وارة، حَدَّثْنَا یزید بن سنان، به. - ٣٦٢- كتاب التفسير - سورة الأعراف حدیث یونس. قال أبو جعفر: فوقفنا بذلك أنَّ الذي أخذه عنه، عن عمر رضي الله عنه: هو نُعيم بن ربيعة الأزدي، فعاد هذا الحديثُ متصلَ الإسناد، غيرَ أنا نحتاج إلى أن يكونَ الذي يصله ممن يصلُح أن يُقبل ما وصله بِهِ عن الذي قطعه، فلم يكن يزيد بن سنان هذا مما يَحُلُّ في هذا المحل، ولا ممن يَصْلُحُ لنا قبولَ زيادته في الحديث على مالك بن أنس لجلالة مقدار مالك فيه، ولِتقصير يزيد هذا عنه في ذلك، فالتمسناه من رواية غيره ممن يَصْلُحُ لنا قبولُ زيادته على مالكٍ فیه ٦٠٣١- فوجدنا أحمد بنَ شعيب، قد حَدَّثَنَا، قال: أخبرني محمد بنُ وهب بن أبي كريمة الجزري أبو المعافى، قال: حَدَّثَنَا محمد بنُ سلمة الحراني، قال: حدثني أبو عبد الرحيم - وهو خالدُ بنُ أبي يزيد-، قال: حدثني زيدٌ - يعني ابنَ أبي أنيسة-، عن عبد الحميد بنِ عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار الجهني، عن نعيم بنِ ربيعة، قال: كنتُ عندَ عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه، فجاءه رجل، سأله عن هذه الآية: ﴿وإذْ أَخَذَ مَتُكَ مِ بِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِ هِمْ ذُرِكَلِمِ﴾، ثم ذكر مثلَ حديث أبي أُمية، عن محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن زيد سواء (١). ورواه أبو داود (٤٧٠٤)، وابن جرير (١٥٣٥٨) عن محمد بن المصفى، حَدَّثْنَا بقية، حدثني عمر بن جعثم القرشي، حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، عن عمر. (١) إسناده ضعيف لجهالة مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة. -٣٦٣- کتاب التفسير - سورة الأعراف قال أبو جعفر: فكان هذا مما يصلح لنا قبول زيادةٍ مَنْ رواه عن مالك على ما رواه مالك عليه، لأن أبا عبد الرحيم مقبولُ الرواية، ثبتٌ عند أهلِ الحديث، فجاز لنا بذلك إدخالُ هذا الحديثِ في الأحاديث المتصلة الأسانيدِ. ثم رجعنا إلى طلبٍ ما فيه من المراد بالآية المذكورة فيه فوجدنا فيه إعلامَ رسولِ الله ﴿ إِيَّانا ما كان مِن الله عَزَّ وجَلَّ مِن استخراجهِ ذريةَ آدَمَنَ﴿ مِنْ ظهره، وكان المذكورُ في هذه الآية بني آدم لا آدمَ نفسَه، فاستخرجَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مِن ظهره ذُريته، ثم كان منه فيهم ما ذَكَرَ في هذا الحديث، ثم أعلمنا رسولُ الله ◌َّ عن اللهِ عَزَّ وجَلَّ أَنَّه قال للذين استخرجهم منه أولاً: خَلفْتُ هؤلاء للجنةِ، وبعمل أهل الجنة يعملون، وأنه قال للذين استخرجهم من بعدهم مِن ظهره: خلقتُ هؤلاء للنار، وبعملِ أهل النَّار يعلمون. فعلمنا بذلك أن علمَ الله عَزَّ وجَلَّ قد تقدَّم في بني آدم مِن أهل السعادة ومن أهل الشقاء بما يكونُ منم مما يَسْعَدُونَ به، ومما يَشْقَوْنَ به، وأنهم يكونون إذا صاروا إلى الدنيا على ما تَقَدَّمَ في علمه أنهم يكونون عليه فيها، وأنه يَسْتَعْمِلُ سُعَداءِهم بعمل أهل الجنة حتى يُدْخِلَهُمُ الجنة ثواباً لهم على أعمالهم، وأنه يَسْتَعمِلُ الأشقياء منهم بأعمال أهلِ النار حتى يُدخِلَّهُم النارَ عقوبةٌ لهم على أعمالهم. ثم نظرنا هل رُوِيَ عن رسولِ الله # في المراد بهذه الآية شيء غير المذكور في حديث عُمَّرَ رضي الله عنه الذي رویناه ٦٠٣٢- فوجدنا أبا أمية قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثنَا الحسين بن -٣٦٤- كتاب التفسير - سورة الأعراف محمد المرُّوذي، قال: حَدَّثْنَا جريرُ بنُ حازم، عن كلثوم بن جبرِ، عن سعيد بن جبير، عن ابنِ عباس، عن النبيِّمَ﴿، قال: ((أَخَذَ الله عَزَّ وجَلَّ الميثاقَ مِنْ ظُهر آدمَ بِنَعْمَانَ -يعني عرفة-، فأخرج من صُلبه كُلَّ ذَرَّةٍ ذرأها، فنثرهم بَيْنَ يديه كالَّذرِّ، ثم كلمهم قِبَلاً، فقال: ﴿أَسْتُ بِرِكُمْ قَالُوابَلَى شَهِدْنا أني ◌َقُولُوَوْمَالقِيَامَةِبَّ كََّ عَنْ هذا غَافِيَأوَقُولُوا إِنَّا أشْرَكَآباؤنا مِنْ قَبْلُ وكُنَّا ذُرِبَةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهِ كْا بِمَا فَعَلَ المُطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣](١). قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث من استخراج الله عَزَّ وجَلَّ ذرية آدم * من صُلبه مثلُ الذي في الحديث الأوَّلِ وزيادة على ما في الحديث الأول وهو كلامُه إِيَّاهم قِبَلاً: ألستُ بربكم؟ قالوا: بلى شَهِدْنا، ثم ذكر بقية ما في الآية التي تلونا، وكان ذلك غيرَ مُستَنْكَرٍ في لطيفِ قُدرة الله عَزَّ وجَلَّ. وقد تأوَّل آخرون هذه الآيةً ممن لم يَقِفُوا على ما رُوِيَ عن رسولِ الله ﴿ في المرادِ بها، أن اللّهَ عَزَّ وجَلَّ ألهم ذريةَ آدم ◌َ﴿ في خلقِه إيَّهم المعرفة به التي هي موجودةٌ فيهم جميعهم أن لهم خالقاً سِواهم (١) رواه أحمد ٢٧٢/١، والطبري في ((تفسره)) (١٥٣٣٨)، وفي ((تاريخه)) ١٣٤/١، وابن أبي عاصم في ((السنة (٢٠٢)، والنسائي في التفسير (٢١١) من (الكبرى)، ((والبيهقي في الأسماء والصفات) ص٣٢٦-٣٢٧ من طريق حسين بن محمد، وصححه الحاكم ٣٢٥/٢، ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في ((المجتمع)) ٢٥/٧ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. - ٣٦٥- كتاب التفسير - سورة الأعراف وأنهم عاجزون عن خلقِ أمثالِهم، وأن الخالقَ لهم هو بخلافهم، لأنه القادرُ على أن خلقهم، ولأنهم عاجزون عن مثلٍ ذلك فيما سواهم حتى لا يستطيعون مع ذلك أن يقولون خلافَه، وكان ذلك شهادةٌ منهم على أنفسهم للهِ عَزَّ وجَلَّ أَنَّه ربّهم وحجةٌ عليهم أن قالوا عندَ أخذه إِيَّاهم يومَ القيامة بعذابِ الأشقياءِ منهم على أعمالهم التي كانوا عَمِلُوها في الدنيا: إنَّا كنَّا عن هذا غافلين، أي: عما يُعاقِبُنا على ما عَمِلْنا أو على أن لم نُقِرَّ لك بالبربوبية. وإذا كان عَّ وحَلَّ في الدنيا قد بعث إليهم رسلَه، وأنزل عليهم كُتُبَه، وبَّن لهم فيها ما تَعَّدَهُم به، وما أمرهم به، وما أراده منهم، وما نهاههم عنه، وحذّرهم من العقوبة عليه إن عملوه. وهذا تأويلٌ لو لم نكن سمعناه من رسول الله :9 بما في الحديثين الأولين لاستحسنّاه من متأوِّليه إذا كانوا تأوَّلوا الآية على ما هي محتملةٌ له، ولكن لما [بَّنَ] رسولُ اللهِ :﴿ مرادَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ الذي أراده بها كان ذلك هو الحجةَ الذي لا يجوزُ القولُ بخلافه، ولا التأويلُ على ما سواه، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق. -٣٦٦- كتاب التفسير - سورة الأنفال ٨٦٦- بابُ بیانِ مُشْكِل ما اختُلِفَ فيه عن عثمانَ ابنِ عفّان وعبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما في ((الأنفال)) و((براءة)) وهلْ هما سُورتانِ أو سورةٌ واحدةٌ ٦٠٣٣- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ حُمْرَانَ، قال: حَدَّثَنَا عوفٌ، عن يزيدَ الفارسيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قلتُ لعثمانَ بنِ عفانَ: ما حَمَلَكُمْ على أن عَمَدْتُم إلى الأنفالِ)) وهي من المَثَانِي، وإلى (براءة)) وهي من المِئِين، فَقَرِنْتُم بينهما، ولم تكتُوا بينما سطراً (بسم الله الرحمن الرحيم)، ووضعتوها في السَّبِعِ الطّوال، فما حملكُم على ذلكَ؟ قال: فقال عثمانُ: كان رسولُ اللهُمُ﴿ يأُتي عليه الزمانُ وهو ينزِلُ عليه من السورِ ذواتِ العددِ، فكانَ إذا نزلَ عليه الشيءُ دخلَ بعضُ مَنْ يكتبُ له، فيقولُ: ((ضعُوا هذا في السورةِ التي يُذْكَرُ فيها كذا وكذا)»، وإذا نزلتُ عليه الآياتُ، قال: ((ضعُوا هذه الآياتِ فِي السُّورةِ التي يُذْكَرُ فيها كذا وكذا)»، وإذا نزلتْ عليه الآيةُ، قالَ: ((ضعُوا هذه الآيةَ في السُّورةِ التي يُذْكَرُ فيها كذا و كذا)، وكانتِ (الأنفالُ) مِنْ أوائلِ ما أُنزِلَ بالمدينةِ، وكانت (براءةُ) من آخرٍ القرآن -قال أبو جعفر: يعني نزولاً- وكانت قصَّتُها شبيهةٌ بقصتِها، فَظَنْتُ أَنَّها منها، وتُوفّيَ رسولُ اللهِوَه ولم يُبَيِّنْ لنا أنَّها منها، مِنْ أَجلِ ذلكَ قَرِنتُ بينَهما، ولم أكُتُبْ بينهما سطراً (بسم الله الرحمن الرحيمِ)، ووضعتهما في السَّبَعِ الطوالِ (١). (١) إسناده ضعيف. يزيد الفارسي قد اختلفوا فيه: هل هو يزيد بن هرمز أم -٣٦٧ - كتاب التفسير - سورة الأنفال · قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ ظَنَّ عثمانُ رضي الله عنه أنّهما سورةٌ واحدةٌ وتحقيقُ ابنِ عباسٍ أنّهما سورتان، وإذا كانَ تحزيبُ القرآنِ على ما في حديثِ أوسِ بنِ حذيفةَ الَّذي ذكرناهُ في البابِ الذي قبلَ هذا الباب، وَجَبَ أن تكونًا سورتينِ كما قالَ ابنُ عباسٍ، وتَبَايُنُهُما في الوقَتَينِ الَّذينِ كانَ نزلُهما فيهما يدلُّ أَنَّهم سورتانِ لا سورةٌ واحدةٌ، وذلك أنَّ (الأنفالَ)) نَزَلَتْ في بَدْرٍ. ٦٠٣٤ - كما حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ البغداديُّ، قال: حَدَّثْنَا هارونُ بنُ عبدِ الله الحَمَّالُ، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ سُليمانَ الواسطيُّ، قال: حَدَّثْنَا هُشَيْمُ، عن أبي بِشْرِ، عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قلتُ: سورةُ الأنفالِ؟ قال: نزلتْ في بدرٍ. قلتُ: فالحشرُ؟ قالَ: نَزَلَتْ فِي بَنِي الْنّضِيرِ(١). غيره؟ وهو في عداد المجهولین، وقد انفرد به. ورواه أبو داود (٧٨٦) و(٧٨٧)، والترمذي (٣٠٨٦)، وأحمد ٥٧/١، والنسائي في «فضائل القرآن» (٣٢) من طرق عن عوف الأعرابي، به. ورواه الحاكم ٣٣٠/٢ وصححه ووافقه الذهبي! قال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث عوف بن أبي جميلة، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس. وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على «المسند» (٣٩٩). (١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٤٦٤٥) و(٤٨٨٢) عن محمد بن عبد الرحیم، عن سعيد بن سليمان، به. ورواه مسلم (٣٠٣١) من طريق عبد الله بن مطيع، عن هشيم، به. -٣٦٨- كتاب التفسير - سورة الأنفال قال أبو جعفرٍ: وبدرٌ إنّما كانت في سنةٍ أربعٍ(١)، و(براءةُ) فآخرُ سورةٍ نزلتْ. ٦٠٣٥- كما حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثَنَا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، قال: حَدَّثْنَا شُعبةُ، قال: حَدَّثْنَا أبو إسحاق، قال: سمعتُ البَرَاء يقولُ: آخرُ آيةٍ نزلتْ: (يَسْتَفْتَوَنَكَ قُلِ اللّه ◌ُفْتِكُمْ في الكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وآخرُ سورةٍ نزلتْ (براءة))(٢). قال أبو جعفر: ففي ذلكَ تحقيقُ البراءِ أنَّ (براءةَ) سورةٌ كاملةٌ بائنةٌ مِنَ (الأنفال))، وهذا ما يُعلمُ أنّه -رضي الله عنهُ- لم يقلْ ذلكَ ورواه البخاري (٤٠٢٩) و(٤٨٨٣) من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، به. (١) هذا وهم من الإمام الطحاوي رحمه الله، فقد اتفق أهل العلم بالسير أن وقعة بدر كانت سنة اثنتين من الهجرة. انظرر («تاريخ الطبري)) ٤١٨، و(جوامع السيرة) ص ١٠٧، و(«تاريخ خليفة بن خياط)) ص٥٧، و(طبقات ابن سعد) ١٩/٢. و(عيون الأثر) ٢٤١/١، و((سيرة ابن هشام)) ٣٢٠/٢، و(«البداية والنهاية)) ٢٦٦/٣. (٢) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٤٦٥٤) عن أبي الوليد الطيالسي، به. ورواه البخاري (٤٦٠٥)، ومسلم (١٦١٨) (١١)، وأبو داود (٢٨٨٨)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة) ٥٢/٢ من طرق عن شعبة، به. ورواه أحمد ٢٩٨/٤، ومسلم (١٦١٨) (١٠) و(١٢)، والبيهقي ٢٢٤/٦ من طرق عن أبي إسحاق، به. ورواه مسلم (١٦١٨) (١٣)، والترمذي (٣٠٤١) من طريق مالك بن مغول، عن أبي السفر، عن البراء. -٣٦٩- كتاب التفسير - سورة الأنفال راياً، إذا كانَ مثلُ لا يقالُ بالرَّأي، وأَنَّه إنَّما قالَه توقِيفاً، لأنَّ مثلَّه لا يُؤخذُ إلاّ بالتوقيف. وقد رُوِيَ عن عبدِ الله بن عباسٍ ما يدخُلُ في هذا المعنى الذي جَرَى فيه اختلافُ الَّذِي ذكرنَا بينَه وبينَ عثمانَ رضي الله عنهما: ٦٠٣٦ - ما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سنانِ الشِّيْزَرِيِّ، قال: حَدَّثْنَا عيسى بنُ سُليمانَ، قال: حَدَّثْنَا مُبَشِّرُ بنُ عبدِ اللهِ، عن سالمِ الأفطسِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان جبريلُ إذا نَزَلَ على رسولِ اللهِ:﴿ ببسم الله الرحمن الرحيمٍ، عَلِمَ أنَّ السورةَ قدِ انْقَضَتْ (١). ٦٠٣٧- وما قد حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو، عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ -يغير ذكرٍ منهُ إِيَّاهُ: عن ابنِ عباسٍ - قال: كانَ البِيُّ ◌َِّ لا يَعْلَمُ فَصْلَ السورةِ حتى تَنْزِلَ عليه ((بسم الله الرحمن الرحيمِ))(٢). قال أبو جعفر: فأخبرَ ابنَ عباسٍ في هذا الحديثِ أنَّ رسولَ اللَّه ◌َ﴿ّ (١) رواه أبو داود (٧٨٨)، واليزار (٢١٧٨)، والحاكم ٢٣١/١، والواحدي في (أسباب النزول) ص ١٠، والبيهقي ٤٢/٢ من طرق عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. (٢) رجاله ثقات، ورواه أبو داود في ((السنن)) (٧٨٨)، وفي (المراسيل)) (٣٦)، ومن طريقه البيهقي ٤٢/٢ عن أحمد بن محمد المروزي، وابن السرح، عن سفيان، به، وقال أبو داود: قد أسند الحديث وهذا أصح، يعني المرسل. ورواه البزار (٢١٨٧) عن أحمد بن عبدة، عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد - أشك في حديث ابن عبدة قال: عن ابن عباس، أو قال: عن سعيد، ولم يقلْ: عن ابن عباس- قال: كان النبي ... - ٣٧٠ - كتاب التفسير - سورة الأنفال كانَ يأتيهِ من اللّهِ عَزَّ وجَلَّ ما يعلَمُ بِهِ آخرَ السورةِ، وفي ذلكَ ما قد دَلَّ على أنَّ الحقيقةَ فيما اخْتَلَفَ عثمانُ وهو رضي الله عنهما فيه مما ذكرنَا اختلافَهُما فيه، كانت الحقيقةُ فيه ما قالَهُ هُوَ فِيهِ، لَمَا قد وَقَفَ على ذلك ثمّا قد رويناهُ عنهُ ثَمّا لم يُوقَفْ عليه عثمانُ. وقد رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﴿ أيضاً ما يدُلُّ على ذلكَ. ٦٠٣٨- وهو ما قد حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمانَ الْمُرادِيُّ قال: حَدَّثَنَا أُسَدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ محمدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن عمرِو بنِ أبي عَمْرٍو، عن حبيبِ بنِ هند الأسلميِّ، عن عُروةَ بنِ الزبير، عن عائشةَ زوج النبيِّ:﴿ عن رسولِ اللهِ﴿ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ السَّبْعَ، فَهُوَ حَيْرٌ)) يعني بلك السَّبعَ الطَّوَلَ من القرآنِ. ٦٠٣٩- حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ إبراهيمَ الأزرقُ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ جعفر، عن عمروٍ، عن حبيبٍ بنِ هند الأسلميِّ، عن عُروةَ بنِ الزبير، عن عائشةَ أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((مَنْ أَخَذَ السَّبْعَ فهو حَبٌْ)). أَفَلا تَرَى أَنَّا قد أحطْنَا عِلْماً أنَّ براءةً قد دَخَلَتْ في ذلكَ دونَ ((الأنفال)) أو دخلَ ((الأنفالُ) في ذلك دونَ ((براءةَ)، وفي ذلكَ ما قد دَلَّ سسے أنهما سُورَتان لا سورةٌ واحدةٌ. وقد رُوِيَ عنِ وَاثِلَةَ بنِ الأُسْفَعِ عن رسولِ اللهِ لَ﴿ّ مما يَدْخُلُ في هذا المعنى أيضاً: ٦٠٤٠- ما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سنان، قال: حَدَّثْنَا أبو داودَ الطيالسيُّ، قال: حَدَّثَنَا عمرانُ القَطَّانُ، عن قتادةً، عن أبي المَلِيحِ - ٣٧١- كتاب التفسير - سورة الأنفال الهُذَلِيٍّ، عن واثلةَ بن الأسقع، أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ قالَ: «أُعطِيتُ مكان التوراةِ السِّبْعَ، وأُعطيتُ مكانَ الزَّبُورِ الِئِين، وأُعطيتُ مكانَ الإنجيلِ الَثَانِيَ، وَفُضِّلْتُ بِالمُفَصَّلِ)(١). قال أبو جعفرٍ: أَفَلا تَرَى أنَّ(الأنفالَ) مِنَ المثانِي، وأنَّ (براءةَ) من المِئِين، وأنَّ في ذلك ما قد دَلَّ أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما غيرُ صاحِبَتِها، وأنَّ رسولَ اللهِمَ﴿ أُعطِيَ كلَّ واحدةٍ منهما مكانَ ما أُعطِيَ الأُخْرَى مكانه فيما ذُكِرَ في هذا الحديثِ، وفي ذلكَ ما قدْ دَلَّ على أنهما سورتان لا سورةٌ واحدةٌ. وفي التَّحْزِيب الذي ذكرناهُ في البابِ الذي قبل هذا البابِ ما قد حقَّقَ ذلك أيضاً، فإن يكن التحزيبُ كانَ من رسولِ اللهِ﴾، فهو الحُجَّةُ التي لا يجوزُ خلافُها، وإن يكنْ كانَ من أصحابهِ رضوان الله عليهم، فهم المقتدُونَ به، المتّبِعُونَ لآثارِهِ الذينَ لا يَخرُجُونَ عن ما كانَ عليهِ، فَعُلِمَ أنَّ ذلكَ ما كانَ في الْتَّحزيبِ، فقد ثبتَ به أن ((براءةَ) و((الأنفال) سورتان لا سورةٌ واحدةٌ. وقد ذهب آخرون إلى أنَّ تركَهُمْ - كانَ - اكتتابَ ((بسم الله الرَّحمن الرحيمِ) بينَ (الأنفالِ)) و(براءةَ) لغيرِ المعنَى الذِي في حديثٍ يزيدَ الفارسيِّ، عن عثمانَ. وأَنِقُوا أن يكونَ مثلُ هذا يذهبُ عن عُثمانَ رضي الله عنهُ لعنايَتِهِ كانَ بالقرآن قديماً وحديثاً إلى أن توفّاهُ الله رضي الله عنه على ذلكَ، ويذكرونَ أنَّ(بسم الله الرحمن الرحيم) إنّما كانَ (١) حديث حسن، وهو في «مسند الطيالسي)) (١٠١٢). ووراه من طريق الطيالسي: أحمد ١٠٧/٤، والطبري في ((تفسيره)) (١٢٦)، ورواه أحمد ١٠٧/٤، والطبراني في ٢٢/ ١٨٥) و(١٨٦) من طرق عن عمران القطان، به. -٣٧٢- کتاب التفسير - سورة الأنفال تركُهم لِكِتابَتِهَا بينَ (الأنفال) وبينَ (براءةَ) لأنَّ «بسم الله الرحمنِ الرحيمِ)) حروفُ رحمةٍ، وسورةُ (براءة)) ليستْ من هذا المعنى الذي من جنسِ ما يرادُ بِهِ الرحمةُ، وإنَّما هي نقضُ عهودٍ ونِذاراتٌ ووعيداتٌ وتخويفاتّ، وإبانةُ نفاقٍ ثَمّن نافَقَ الله ورسوله، فاستحقَّ به ما استَحَقَّ من العذابِ والتخليدِ في النارِ، فلم يَرَوْا مع ذلكَ أن يكتبوا في أوَّلها سطراً (بسمِ الله الرحمنِ الرحيم) إذ كانَ ما بعدَهُ أكتره لا رحمة فيهِ، وإنّما هو أضدَادٌ لها، وهذا مذهبُ من يتكلمُ في هذه المعاني على غيرِ جهةِ الآثارِ، والله أعلمُ بحقيقةِ الأمرِ كانَ في ذلكَ، وإياهُ أسالُه التوفيقَ. وقد دخلَ على أهلِ هذه المقالةِ في مقالِتهم هذهِ أنَّ في كتابِ الله عَزَّ وَلَّ سورتينٍ من سُوَرِ العذابِ قد كُتِبَ في كلِّ واحدةٍ منهما سطر (بسمِ الله الرحمنِ الرّحِيمِ) ﴿وَيَلَّلِكُلِ هُمَرْوَلُمَرَةِ﴾ [الهمزة: ١]، و﴿َّتْ يَدَا أَبِي ◌َهَبٍ﴾ [المسد: ١] فكانَ في ذلك ما قد دَلَّ أن سورةً العذابِ قد يُكتبُ قبلَها «بسمِ الله الرحمن الرحيمِ)» كما يُكتبُ قبلَ سورة الرحمةِ. وكمانَ آخرونَ يقولُون: إنما تُرِكَ اكْتَابُ «بسمِ الله الرحمنِ الرحيم)) قبلَ سورةِ (براءةَ) إعظاماً لبسم الله الرحمن الرحيمٍ من خطابٍ المشركينَ بها. فَفَسَدَ هذا القولُ أيضاً بما في كتابِ الله عَزَّ وجَلَّ وبِمَا فِي سُنّةِ رسول الله ﴿ مِمَّا يَدْفَعُهُ فأمَّا مَا فِي كَتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ مَّا يدفَعُهُ، فكتابُ سليمانَ إلى صاحبَهِ سبأٍ الكتاب الذي أعلمت صاحبةُ سبأ قومَها أَنَّه من سُليمان وأَنَّه (بسم الله الرحمن الرحيم))، وهي وهُمْ مشركون، قد دَلَّ على ذلك الهُدْهُدِ لسُليمان ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ -٣٧٣- كتاب التفسير - سورة الأنفال الشَّمْسِ مِنْ دُونِ الله ونَلَهُمُ الشَّيطانُ أَعْمَهُمْ فَصَدُهُمْ عَنِ السَّيْلِ فَهُمْله يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤]. وأمَّا ما في سنَّةِ رسول الله ◌ِ لَ. ٦٠٤١- فما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حَدَّثْنَا أبو اليَمان، قال: أخبرنا شعيبُ بنُ أبي حمزةَ، عن الزُّهريَّ، قال: حدَّثْنِي عبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: حدَّثْنِي أبو سُفيانَ من فيهِ إليَّ أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا لهم بكتاب رسولِ اللهِ ﴿ فقرأهُ، فإذا فيهِ: (بسمِ الله الرحمن الرحيم من محمدٍ رسولِ الله إلى هِرَقْلَ عَظِيمَ الرُّومِ .. السلامُ على مَنِ اَتْبَعَ الهُدَى .. )) ثم ذكر بقيَّةَ الحديثِ(١). وفيما ذكرنا إباحةٌ ابتداء خِطابِ المشركينَ بيسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ. وَلَمَّا انْتَفَى هذانِ القولانِ الآخران، ولم يَكُنْ في هذا البابِ سِواهُما وسِوى القولِ الأوَّل، ثبتَ القولُ الأوَّلُ، والله نسألُهُ التوفيقَ. (١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٧) و(٧١٩٦)، وابن منده في ((الإيمان) (١٤٣) من طريق أبي اليمان، به. ورواه عبد الرزاق (٩٧٢٤)، ومن طريقه رواه أحمد ٢٦٣/١، والبخاري (٤٥٥٣)، ومسلم (١٧٧٣)، وابن حبان (٦٥٥٥)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٣٨٠/٤-٣٨١، عن معمر، عن الزهري، به. ورواه البخاري (٧) و(٥١) و(٢٦٨١) و(٢٩٤١) و(٢٩٧٨) و(٣١٧٤) و(٥٩٨٠) و(٦٢٦٠) و(٧١٩٦)، ومسلم (١٧٧٣)، والنسائي في ((الكبرى)» (٨٤)، كما في ((التحفة) ١٥٩/٤، والترمذي (٢٧١٧)، وابن منده في ((الإيمان)) (١٤٣)، والبيهقي في ((الدلائل) ٣٨١/٤-٣٨٣ من طرق عن الزهري، به. - ٣٧٤- كتاب التفسير - سورة الأنفال ٨٦٧- بابُ بيانِ مُشْكِلِ السَّبَبِ الذي نَزَلَتْ فيه: ﴿ وإذْ یَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أو يَقْتُلُوكَ أُوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٠] ٦٠٤٢- حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان بنِ صالحٍ، حَدَّثَنَا المحفوظُ بنُ أبي توبة، حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق، أخبرنا معْمَرٌ، عن عثمان الجزريّ - قال أبو جعفر: هذا كان يُعرَفُ بالمُشاهِدِ قد ذكره أحمدُ ويحيى، وذكرا أنّه لم يُحَدِّثْ عنه إلا مَعْمَرٌ، وذكره البخاريُّ أيضاً في كتابه، فلم يَذْكُرْ فيه إلَّا خيراً - أن مِقسماً مولى ابن عباس أخبره، عن ابن عبّاسٍ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَنْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُوالُشْتَوكَ أو يَقْتُلُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] قال: تَشَاوَرَتْ قُريشرٌ ليلةٌ بمكة: إذا أصْبَحَ، فاثبتوه بالوَثاق - يريدون النِّ ◌َ﴿-، وقال بعضُهم: بل اقتُلوه، وقال بعضُهم: بل أخْرِجُه، فاطْلَعَ الله نبيّه عليه السَّلامُ على ذلك، فباتَ عليٌّ - رَضِيَ الله عنه- على فراش النِّ :﴿ تلكَ الليلةَ حتّى لَحِقَ بالغَارِ، وباتَ المشركونَ يَحْرُسونَ علّاً يَحْسَبُونَ أَنَّهِ النِيُّ:﴿، فلمَّا أصبحَ، ثَاروا إليه، فلما رَأوْا عليّاً، رَدَّ اللهُ تعالى مَكْرَهُم، فقالوا: أين صاحِبُكَ هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصُّوا أثره، فلما بَلَغُوا الْجَبَلَ، اختلط عليهم، فَصَعِدُوا الْجَبَلَ، فمرُّوا بالغارِ، فَرَأَوْا على بابِهِ نَسْجَ العَنْكُبُوتِ. فقالوا: لو دَخَلَ هاهُنا لم يَكُنْ نَسْجُ العنكبوتِ عليه، فمكث ثلاثاً (١). (١) إسناده ضعيف. عمثان الجزري -ويقال له عثمان المشاهد-، قال أحمد: روی أحاديث منا کیر، زعموا أنه ذهب کتابه. - ٣٧٥- كتاب التفسير - سورة الأنفال فدلَّ ما في هذا الحديثِ على السَّبب الذي كانَ فيه نزولُ هذه الاية وقد ذكرنا فيما تقدَّمَ منا في كتابنا هذا حديث أبي بلجٍ، عن عمرو بن ميمون، عن ابنِ عباسٍ في نوم علي - رضي الله عنه- على فراشِ النبيِّ عليه السَّلامُ لابساً إِيَّاه لباسه بُردة، فذلك الحديثُ شدَّ ما في هذا الحديث. وهو في «مصنف عبد الرزاق» (٩٧٤٣) ضمن حديث مطول. ورواه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ١٩١/١٣ من طريق محفوظ بن أبي توبة، به. ورواه أحمد (٣٢٥١)، والطبراني (١٢١٥٥) من طريق علي ابن المديني، كلاهما (أحمد، وابن المدیني) عن عبد الرزاق، به. ورواه أبو نعيم في ((دلائل النبوة)) (١٥٤) مطولاً من طريق مجاهد وأبي صالح، عن ابن عباس، وأورده السيوطي في («الدر المنثور)) ٥٠/٤، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشیخ، وابن مردويه. - ٣٧٦ - كتاب التفسير - سورة الأنفال ٨٦٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله في السبب الذي فيه نزلت: ﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِیما أخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] ٦٠٤٣ - حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، وإبراهيمُ بنُ مرزوق، قالا: حَدَّثْنَا عُمَرُ بنُ يونس، قال: حَدَّثْنَا عِكرمة بنُ عمارٍ، قال: حَدَّثْنَا أُبو زُمَيْلٍ سِمَاكٌ الحنفيُّ، قال: قال ابنُ عباس: لما أسرواً الأُسارى، يعني في يوم بدرٍ، قال رسولُ الله :﴿: «يا أبا بكر وعمرُ ما ترون في هؤلاء الأُسارىّ؟) قال أبو بكر: يا رسول الله هُمْ بنو العَمِّ والعشيرة، أرى أن تَأْخُذَ منهم فِديةً، فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى اللهُ عَزَّ وجَلَّ أن يَهْدِيَهم إلى الإسلام. قال رسولُ اللهِ﴿: ((ما ترى يا ابنَ الخطاب؟)) قال: فقال عمر: واللهِ ما أرى الذي رأى أبو بكر يا نبيَّ الله، ولكن أرى أن تُمَكّنا منهم، فنضربَ أعناقَهُم، وتُمكِّنَ عليّاً من عَقِيل، فيضرب عنقه، وتمكّنّي من فلان -نسيبٍ لعمرَ-، فأضربَ عنقه، فإن هؤلاء أئمةُ الكفر وصنانديدُها وقادتُها، فَهَويَ رسولُ اللهِمِ﴿ ما قاله أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، فلما كان من الغد جئتُ فإذا رسولُ اللهَ مَ ﴿و وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلتُ: يا رسولَ الله، أخبرني من أيِّ شيءٍ تبكي أنتَ وصاحبُك، فَإِن وَجَدْتُ بكاء بكيتُ لِبكائكما، فقال رسولٌ اللّهِ ﴿: «أبكي للذي عَرَضَ عليَّ أصحابُكَ مِنَ الفِداءِ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُكم أدنى مِن هذه الشجرة: (شَجَرَةٍ قريبةٍ من رسول الله ﴿ّ) فأنزل الله عَزَّ وحَلَّ: ﴿مَا كَانَسِ أنْ تَكُونَ(١) له أسْرَ حَتَّى يُحِنَ (١) (تكون) بالتاء الفوقية، وهي قراءة أبي عمرو بن العلاء، أراد: جماعة أسرى، - ٣٧٧- كتاب التفسير - سورة الأنفال في الأرْض تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنيا، واللّهُرِيدُ الآخِرَةَ، والله عَزِينَ حَكيد. لولا كِتَابٌ مِنَ اللهِسَبَقَ كَمَسَّكُمْ فِمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِمْ فَكُلُوا مِنَّا غَنِسْتُمْ حَلالاً طَيّباً﴾ [الأنفال: ٦٧ -٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم (١). فقال قائل: ليس فيما رويتم عن ابنِ عباس في هذا الحديث أنهم أخذوا شيئاً، وإنما فيه مشورة أبي بكر على رسول الله:﴿ أن يأخُذَ منهم الغداء لا غير. فكان جوابُنا له في ذلك أن هذا الحديثَ كما ذكر، غير أنه قد خالفَ ابنَ عباس فيه أبو هريرة، فأخبر أن المسلمين قد كانوا أخذوا شيئاً من الغنائم قبلَ إنزالِ الله عَزَّ وجَلَّ هذه الآية. ٦٠٤٤- كما حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ الربيع، قال: حَدَّثْنَا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: لما كان يومُ بَدْرٍ تَعَثَّلَ الناسُ من مے المسلمين، فأصابوا مِن الغنائم، فقال رسولُ اللهِمَ﴿: «لم تَحِلَّ الغنائِمُ فجرى مجرى قوله: (كذبت قومُ نوح المرسلين»، وقرأ الباقون: (يكون) بالياء التحتية، أراد جمع أسرى. ((حجة القراءات)) ص٣١٣. (١) رواه أحمد ٣٠/١-٣١ و٣٢-٣٣، ومسلم (١٧٦٣)، والطبري في ((تفسيره)) (١٦٢٩٤)، وفي ((تاريخه) ٢٩٤/٢، والواحدي في ((أسباب النزول)) ص ١٦١ من طرق عن عكرمة بن عمار، به. ونقله ابنُ كثير في ((تفسيره)) ٥٥٨/٣-٥٥٩ طبعة الشعب عن («المسند»، وقال: ورواه مسلم وأبو داود (٢٦٩٠)، والترمذي (٣٠٨١)، وابن جرير، وابن مردويه من طرق، عن عكرمة بن عمار، به. -٣٧٨- كتاب التفسير - سورة الأنفال لِقومٍ سُودِ الروؤس قبلكُمْ، كان النبي -يعني من كان قبله- إذا غَنِمَ هو وأصحابُه، جمعوا غنائِمَهُم، فَتَنْزِلُ نارٌ من السماءِ تَأكُلُها، فأنزل الله: ﴿َلَ كِتَابْ مِنَ اللهِسَبَقَسَنَّكُمْ فِما أخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِرُ، فَكُلُوا مِنَا غَنْتُمْ حَاطَ)(١). ٦٠٤٥- وكما حَدَّثَنَا الحسينُ بنُ نصر، قال: حَدَّثْنَا الفِریابِيُّ، قال: حَدَّثْنَا قيسُ بنُ الربيع، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسولِ الله وَ﴿ مثلَه. ٦٠٤٦- وكما حَدَّثَنَا إبراهيم بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفة، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن ذكوان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: لَمْ تَحِلَّ الغَنِيمَةُ لأحَدٍ أسودِ الرأسِ قبلَنا، كانتِ الغنيمةً و تَنْزِلُ النَّارُ فتأكلها، فنزلت: ﴿لَوْلاَ كِتَابُّ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، قال: سبق في الكتاب السابق. فكان في هذا الحديث أن الوعيدَ الذي كان مِن الله عَزَّ وجَلَّ في هذه الآية هو لأخذهم ما أخذوا من الغنائم قَبْلَ أن تَحِلَّ لهم، لا ما سوى ذلك مما ذُكِرَ في حديث ابنِ عباس، وهذا عندنا أشبهُ بالآية، لأن (١) إسناده صحيح، ورواه الطيالسي (٢٤٢٩) عن أبي الأحوص سلام بن سليم، به. ورواه أحمد ٢٥٢/٢، وسعيدُ بنُ منصور في ((سننه)) (٢٩٠٦)، وأبو بكر بن أبي شيبة ٣٨٧/١٤- ٣٨٨، والترمذي (٣٠٨٥)، والنسائي في ((التفسير)) (٢٢٩)، وابن حبان (٤٨٠٦)، وابن الجارود (١٠٧١)، والطبري في (تفسيره)) (١٦٣٠١) و(١٦٣٠٢) من طرق عن الأعمش، به. - ٣٧٩- كتاب التفسير - سورة الأنفال الذي فيها هو قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿َلَمَنَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فأثبت أخذاً متقدِّماً، فعليه كان الوعيد، لا على ما سواه مما في حديثٍ ابنِ عباس الذي روينا. وفي هذا معنى يجب على أهلِ العلم الوقوفُ عليه والعملُ به، والحذر من الله في التقدم لأمره، لأن هذا الذي كان إنما كان من أهلٍ بدرٍ، أو ممن كان منهم، وهُمُ الذين قال لهم النبيُّنَ﴾: «ما يُدْرِيكَ أن يكونَ الله عَّ وجَلَّ اطّلَعَ على أهلٍ بدرٍ، فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)(١)، فإذا جاز مع هذه الرتبة أن يلحقهم الوعيدُ، كان لمن سواهم ممن هو دُونَ رُتبتهم أُلْحَقّ. وما ما قاله أهلُ العلمِ في المراد بقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِسَبَقَ كَمَّكُمْ فِما أخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فإنهم قد اختلفوا في ذلك السابق ما هو؟ فَرُوِي فيه عن عبد الله بنِ عباس ٦٠٤٧ - ما قد حَدَّثْنَا إِبراهيمُ بن أبي داود، وعلي بنُ عبد الرحمن جميعاً، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ سالم، قال: حدثني عليّ بن أبي طلحة، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿َوَلاَ كِتَابَ مِنَ اللهِسَبَقَ كَسَّكُمْ فِمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِمٌ﴾. قال سبقت لهم من الله عَزَّ وجَلَّ الرحمةُ قبل أن يعملوا بالمعصية. قال أبو جعفر: فهذا وجه مما قد قيل في ذلك، وقد قِيل فيه وجه (١) متفق عليه من حديث عليّ رضي الله عنه. رواه البخاري (٣٠٨١) و(٣٩٨٣) و(٦٢٥٩)، ومسلم (٢٤٩٤). - ٣٨٠ -