Indexed OCR Text

Pages 321-340

كتاب التفسير - سورة النساء .
محمدُ بنُ شريك المكي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابنِ
عباس، قال: كان قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مكة أسلموا، وكان يستخفونَ
بالإسلامِ، فأخرجهم المشركون يَوْمَ بدرِ معهم بعض قبلَ بعض، فقال
المسلمون: قد كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفروا لهم،
فنزلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِ أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر
الآية(١).
فقال قائل: ما معنى قوله عَزَّ وجَلَّ الذي وصله بما تلوتَه علينا من
قولِه عَزَّ وجَلَّ في هذه الآية: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجال والنساء والولدان لا
يَستَطِيعونَ حِيِلةٌ وَلاَ يُهْتَدونَ سَبيلاً، فأولكَ عَسى الله أنْ يَعْفَوَعَنهم﴾ [النساء:
٩٨]، وهُمْ لم يكن لهم ذنوبٌ، فُعفَى لهم عنها، والعفو، فإنما يكون
عن مستحقي العقوباتِ بذنوبهم، وهؤلاء لا ذنوبَ لهم فيما ذكرنا به
من هذه الآية يستحقون العقوبة عليها.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أن العفو
عفوان، فعفو منهما: هو العفُو الذي ذكر، وعفوٌ منهما: هو رفعُ
العبادة فيما يرفع فيه، فيعاد لا عبادة فيه يجب بالقيام بها الثوابُ،
ويستحق بالترك لها العقاب، ومن ذلك قولُ رسول اللهمُ ﴾: «قد عفوتُ
لكم عن صَدَقَةِ الخيلِ والرقيقٍ) (٢)، ليس ذلك على أن شيئاً قد كان
(١) رواه الطبري (١٠٢٦٠)، وابن أبي حاتم فيما ذكره ابنُ كثير عن أحمد بن
منصور الرمادي، عن أبي أحمد الزبيري، بهذا الإسناد. ورواه البيهقي ١٤/٩ من
طريق سعدان بن نصر، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، به.
(٢) هو من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.
- ٣٢١-

كتاب التفسير - سورة النساء
عليهم فيه فعفا لهم عن ذلك الشيء، ولكنه على الترك لهم إياهم بلا
حقِّ عليهم فيهم، ولا عبادة تعبدُوا بها فيهم.
ومن ذلك قولُ ابنِ عباس: كان أهلُ الجاهلية يأكلون أشياء،
ويدعون أشياء تقذَّراً، فلما بعث نبيه* أحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه،
فما حرم من شيء، فهو حرام، وما أحلَّ من شيءٍ، فهو حلالٌ، وما
سکت عنه، فهو عفو. فكان معناه في قوله: وما سكت عنه فهو عفو
ليس يريد به العفوَ عن عقوباتٍ ذنوبٍ كانت منهم في ذلك، ولكنه
يُريدُ به ترك ما عُفِي لهم عنه من ذلك بلا عبادة تعبدهم بها يوجبُ
إتيانُهم بها لهم الثوابَ، ويُوجب تركهم الإتيانَ بها عليهم العقابَ.
فمثل ذلك - والله أعلم - عفُوه عَزَّ وجَلَّ المذكورُ في الآية التي
تلوناها على المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون
حِيلةٌ لا يهتدونَ سبيلاً بقوله: ﴿ فَأُوْلِكَ عَسَى الله أَنْ يَعْفُوَ عَهُمْ﴾، وقوله:
﴿عَسَىَ الله أنْ يَعْفُوَعَنْهُمْ﴾، هو على إيجابه العفَو منه لهم، إذ لم يكن لهم
في المقام الذي كانوا فيه في التحول عنه، وفي الانتقال منه إلى ضِدِّه في
الأماكنِ المحمودةِ، فرفع الله ذلك عنهم، فلم يتعبَّدْهُمْ فيها بما تعبَّدَ به
مَنْ سِواهم فيه من قوله على لسانِ رسولِهِ ﴿: «أنا بَرِئٍ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ
مَعَ مُشْرِكٍ، لا تَرَاءَى نَارَاهُم))، وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما تقدَّم منا
في كتابنا هذا. وكان ما في هذا الحديثِ في وعيدٍ غليظٍ، فرفع الله مثلَه
عن المقيمين في تلك الأمكنة بلا استطاعة منهم الهرب عنها والتحول
منها إلى الأمكنة المحمودة، ورفع عنهم التعبُّدَ في ذلك بهذا، والله أعلم
بما أراد في ذلك، وإياه نسأله التوفيق.
-٣٢٢-

كتاب التفسير - سورة المائدة
٨٥٨- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله# في سورة
المائدة هل هي آخر سورة أنزلت أم ؟
٥٩٨٧- حَدَّثْنَا يونس، قال: أنبأنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدثني
معاويةُ بنُ صالحٍ، عن أبي الزاهرية، عن حُبَيْر بن نُفَيْر، قال: حجَجْتُ،
فدخلتُ على عائشة رضي الله عنها، فقالت لي: يا جُبَيْر هل تقرأ
المائدة؟ فقلتُ: نعم. فقالت: أمَا إِنَّها آخرُ سورة نزلت، فما وجدتهم
فيها من حَلال فاستحلُّوه، وما وَجَدْتُم فيها من حرامٍ، فحرِّمُوه(١).
٥٩٨٨- حَدَّثَنَا فهد، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن صالح، قال:
حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، ثم ذكر بإسناده مثلَه.
فكان في هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنَّ المائدة آخرُ
سورة نزلت.
وقد رُوِيَّ عن البراء بن عازب خلاف ذلك
٥٩٨٩- كما قد حَدَّثْنَا فهد، قال: حَدَّثَنَا أبو الوليد الطيالسيُّ،
(١) رواه أبو جعفر النحاس في (الناسخ والمنسوخ) ص ١٤١، والحاكم ٣١١/٢
من طريق عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد.
رواه أحمد ١٨٨/٦، والنسائي في ((الكبرى) كما في ((التحفة)) ٣٨٨/١١ عن عبد
الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، به.
وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣/٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
وروى الترمذي (٣٠٦٣)، والحاكم ٣١١/٢ من طريقين عن عبد الله بن وهب،
عن حيي، عن أبي عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: آخر
سورة أنزلت المائدة. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
-٣٢٣-

كتاب التفسير - سورة المائدة
قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، قال: حَدَّثْنَا أبو إسحاق، قال: سمعتُ البراء بن
عازب يقول: آخر آية نزلت: ﴿ يَسْتَفْتُوَ قُلِ اللَّه ◌ُفْتِكُمْ يَ الكَلَاَلَةِ﴾،
وآخر سورة نزلت براءة(١).
٥٩٩٠- حَدَّثَنَا الحسن بن غُلَيبٍ، قال: حَدَّثْنَا أُبو الأخْوص، عن
أبي إسحاقن عن البراء بن عازب، قال: أخرُ سورةٍ نزلت كاملةً سورةُ
براءة، وآخِرُ آيةٍ نزلت خاتمةُ النّساءِ.
فتأملنا ما رُوِيَ عن عائشة وما رُوِيَ عن البراء من هذا اختلاف
في آخر سورةٍ نزلت ما هي، فكان ما رويناه في ذلك عن عائشة رضي
الله عنها أشبه عندنا - والله أعلمُ - بالحقِّ لأنَّ رسول اللهلَُّ بعث عليّاً
رضي الله عنه بسورة براءة في الحجة التي حجَّها أبو بكرٍ رضي الله
عنه بالناسِ قبل حجَّة الوداعن فقرأها على الناسِ حتى ختمها،
وسيجيء مما رُوِيَ في ذلك فيما بعدُ من كتابنا هذا في موضع هو أوْلى
(١) صحيح. ورواه البخاري (٤٦٥٤) عن أبي الوليد، بهذا الإسناد. ورواه
مسلم (١٦١٨) (١١) عن محمد بن المثنى وابن بشار، كلاهما عن محمد بن جعفر،
عن شعبة، به. ورواه أيضاً عن ابن أبي خالد، وزكريا، وعمار بن رُزيق، ثلاثتهم عن
أبي إسحاق، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٥٤٠/١٠ عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، به.
ورواه النسائي في (الكبرى) كما في ((التحفة)) ٥٢/٢، وعنه أبو جعفر النحاس
ص١٩٤ عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، به.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ١١٩/٤، وزاد نسبته إلى ابن الضريس، وابن
المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
- ٣٢٤-

كتاب التفسير - سورة المائدة
به من هذا الموضع إنْ شاء الله. فكانت سورة المائدة قد أُنزلَ منها بعد
ذلك في حجَّة الوداع ما قد رُوِيَ عن عُمر وعلي وابن عباس رضي
الله عنهم في ذلك
٥٩٩١- ما قد حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بن عبد
الله بن نُمَيْرِ، قال: حَدَّثْنَا عَبدُ الله بنُ إدريس، عن أبيه، عن قَيْس بن
مسلم، عن طارق بنِ شِهَاب، قال: قال يهودي لعُمر رضي الله عنه لو
عَلَيْنَا نزلت هذه الآية: ﴿اليوم أكْثَلْتُ لَكُمْ دِنَكُمْ﴾ الآية [المائدة:
٣]، لاتخذناه عِيداً، فقال عمر: إني لأعلمُ أوَّلَ يومٍ نَزَلَتْ على رسول
الله :﴿، نزلت على رسول الله مَ ل ليلة جمعة ونحن مع رسول الله ﴾
بعرفات(١).
٥٩٩٢- وما قد حَدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حَدَّثَنَا الفريابيُّ،
قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب أن ناساً
من اليهودِ قالوا: لو أُنزِلَتْ هذه الآية فينا، لأَنّخذنا ذلك اليوم عيداً،
فقال عمر: أيُّ آية؟ قالوا: ﴿اليوم أكْمُلْتُ لَكُمْ دِنَكُمْ وَأَتْعَمْتُ
عليكُمْ نِعْمَي﴾ فقال عمر رضي الله عنه: إني لأعلمُ أيّ مكانٍ
(١) إسناده صحيح. ورواه مسلم (٣٠١٧) (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي
كريب، وابن حبان (١٨٥)، والنسائي ٢٥١/٥ عن إسحاق بن إبراهيم، والطبري
(١١٠٩٤) و(١١٠٩٥) عن محمد بن بشار وأبي كريب وابن وكيع، والآجري في
(الشريعة) ص ١٠٥ عن عثمان بن أبي شيبة وأحمد بن عبد الجبار، والبيهقي ١١٨/٥
من طريق أحمد بن عبد الجبار، سبعتهم عن عبد الله بن إدريس، بهذا الإسناد.
- ٣٢٥ -

كتاب التفسير - سورة المائدة
نزلت، نزلت ورسولُ الله :﴿ واقفٌ بعرفة (١).
٥٩٩٣- حَدَّثَنَا أحمد بنُ خالد بن يزيد الفارسي، قال: حَدَّثْنَا
يحيى بنُ عبدِ الحميد الحِمَّانِي، قال: حَدَّثْنَا قَيْسُ بنُ الربيع، عن إسماعيل
بن سلمان، عن أبي عُمر البَزَّار، عن ابنِ الخَنَفِيَّةِ، عن علي رضي الله
عنه، قال: نزلت على رسول الله:﴿ وهو قائمٌ عشيَّةً عرفةَ: ﴿اليوم
أكْتُلْتَ لَكُمْ دِنَككُمْ ... ).
٥٩٩٤- وما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَا حَبَّان
بنُ هِلاَل، قال: حَدَّثْنَا حَمَّاد بن سَلمة، قال: أنبأنا عمَّارٌ -قال أبو
جعفر: وهو ابنُ أبي عَمَّر مولى بني هاشم- قال: كنا عندَ ابنِ عباس،
فقرأ هذه الآية: ﴿اليوم أكْمُلْتُ لَكُمْ دِنَكُمْ وَأَتْعَمْتُ عليْكُمْ
نِسِي﴾ فقال رجلٌ من اليهود: لو أنزلت هذه الآية علينا، لاتخذْنَا يومَها
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٤٤٠٧) عن محمد بن يوسف الفريابي،
بهذا الإسناد.
ورواه البخاري (٤٦٠٦)، ومسلم (٣٠١٧)، والطبري (١١٠٩٤) من طريق
سفيان الثوري، بهذا الإسناد.
ورواه الحميدي (٣١)، والبخاري (٧٣٦٨)، والترمذي (٣٠٤٣)، والآجري
ص ١٠٥ من طريق مسعر، وأحمد ٢٨/١، والبخاري (٤٥)، ومسلم (٣٠١٧) (٥)،
والنسائي ١١٤/٨، والطبري (١١٠٩٦)، والبيهقي ١١٨/٥ من طريق أبي العميس
عتبة بن عبد الله المسعودي، كلاهما (مسعر وأبو العميس) عن قيس بن مسلم، به.
ورواه ابنُ مردويه فيما قاله ابن كثير ٢٥/٣ عن أحمد بن كامل، عن موسى بن
هارون، عن يحيى الحماني، بهذا الإسناد.
-٣٢٦-

كتاب التفسير - سورة المائدة
عيداً. قال: فإنها أُنزلت في عيدين اثنين في يومٍ عَرَفَة ويومٍ جُمُعَةٍ(١).
٥٩٩٥- وما قد حَدَّثَنَا عليُّ بنُ شَيْبَة، قال: حَدَّثْنَا رَوْح بن
عُبادة.
وما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ حُزَيْمة، قال: حَدَّثْنَا حَجَّاج بن مِنْهال، قالا:
حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه(٢).
فكان فيما روينا ما قد حَقّقَ أنَّ نزولَ بعضِ المائدةِ كان والنبيَ
واقفٌ بعرفة في حجَّةِ الوداع، فدلَّ ذلك على ما قالته عائشة رضي الله
عنها، وانتفى ما قاله البراءُ فيه. والله نسألُه التوفيق.
٨٥٩- بابُ بیانِ مُشْکل ما رُوي عن عبد الله بن عباس في
السبب الذي أُنزلت فيه: ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُمْ بِينَهم﴾، إلى
قوله: ﴿وإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بِينَهُمْ بِالقِسْطِ﴾
٥٩٩٦- حَدَّثَنَا فهدٌ، حَدَّثْنَا عبدُ الله بن محمد النّقيليُّ، حَدَّثْنَا
محمدُ بنُ سلمة، عن محمد بنِ إسحاق، عن داود بن الحُصَيْنِ، عن
(١) إسناده قوي. ورواه الطيالسي (٣٥٣) عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد.
ورواه الترمذي (٣٠٤٤) عن يزيد بن هارون، وابن جرير (١١٠٩٧) عن وكيع،
و(١١٠٩٨) عن قبيصة، والطبراني (١٢٨٣٥) عن سليمان بن حرب، ثلاثتهم عن
حماد بن سلمة، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس.
(٢) هو مكرر ما قبله. ورواه اليهقي في ((دلائل النبوة)) ٤٤٦/٥ من طريق
إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن الحجاج بن منهال، بهذا الإسناد.
-٣٢٧-

كتاب التفسير - سورة المائدة
عِكرمة، عن ابنِ عباس، قال: لما نزلَتْ هذه الايةُ: ﴿فإنْ جَاؤُوكَ
فَاحْكُمْ بِينَهم أوْ أغْرِضْ عَنْهُم وإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بِينَهُمْ بالْقِسْطِإِنَّ
اللّهيُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٩]، قال: كان إذا قَتَلَ بنو النضيرِ مِن بني
قُرِيظة قتيلاً، أدَّوْا نَصفَ الدِّيةِ، وإذا قَتَلَ بُو قُريطة مِن بني النّضير قَتِيلاً،
أُدَّوا الدِّيَةَ إليهم، قال: فسوَّى رسول اللهلَ﴿هُ بينهم في الدِّيَةِ (١).
٥٩٩٧- وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود بنِ موسى، حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن
بنُ صالح الأسديُّ، حَدَّثْنَا يونسُ بنُ بُكير، عن محمد بن إسحاق، عن
داود بنِ الحُصين، عن عِكرمةً، عن ابنِ عباس، قال: إنَّ الآياتِ في
المائدة: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْحِكُمْ بِينَهُمْ بالْقِسْطِ إِنَّاللَّه ◌ُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ إنما
نزلت في الدِّية بين بني قريظة وبني النضير، وذلك أنَّ قتلى بني النضير -
وكان لهم شَرَفٌ - يُودَوْنَ الدِّيَةَ كاملة، وإن قُرِيظة كانوا يُودَوْنَ نَصِفَ
الدِّية، فتحاكموا في ذلك إلى رسولِ الله ﴿، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ ذلك
فيهم فحملهم رسولُ الله :﴿ على الحق، فجعل الدية سواء، والله أعلم
أيُّ في ذلك كان(٢).
(١) حديث حسن، ابن إسحاق، صرح بالتحديث في رواية النسائي ١٩/٨
فانتفت شبهةُ تدليسه. ورواه أبو داود (٣٥٩١) عن عبد الله بن محمد النفيلي، به.
ورواه أحمد (٣٤٣٤) عن محمد بن سلمة، به.
ورواه النسائي ١٩/٨ من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، به.
(٢) في («سيرة ابن هشام) ٢١٥/٢، بين أن قوله: ((والله أعلم أيُّ في ذلك كان))
-٣٢٨ -

كتاب التفسير - سورة المائدة
قال أبو جعفر: يعني ردَّه مَنْ كان يأخذُ الديةَ كاملةٌ مِن الفريقين
إلى نصفِ الدية التي كان يأخذُها الفريقُ الآخر، أو من رده من كان
يأخذ نصفَ الديةِ إلى جميع الدية التي كان يأخذها الفريقُ الآخرُ.
فقال قائل: فقد رويتم عن ابنِ عباس من غيرِ هذا الوجهِ أن نزولَ
هذا المعنى في خلافِ ما ذكر نزولَه فيه في هذا الحديثِ:
٥٩٩٨- وذكر ما قد حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس،
حَدَّثَنَا يوسفُ القطان، حَدَّثْنَا عُبيدُ الله - يعني ابنَ موسى-، عن علي
بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت قريظةً
والنّضيرُ، وكانت النضير أشرفَ مِن بني قريظة، وكان إذا قَتَلَ الرجلُ
من بني قريظة رجلاً مِن بني النضير، قُتِلَ به وإذا قَتَلَ رجلٌ من بني
التضير رجلاً من بني قُريطة، أدَّوْا مئة وَسْقِ تمرٍ، فلما بُعِثَ النبيُّ : ﴿ قتل
رجلٌ من بني قريظة رجلاً من بني النضير، فقالوا: ادفُعوه إلينا نَقْتُلْهُ،
فقالوا: بيننا وبينكم النبيُّ ◌َ﴿، فأتوه، فنزلت: ﴿وإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ
بينَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، والقسطُ: النفسُ بالنفسِ، ثم نزلت: ﴿أَفَحُكْمَ
الجَاهِلَةِ يّغُونَ)(١).
من كلام ابن إسحاق. ورواه الطبراني (١١٥٧٣) عن أحمد بن داود، بهذا الإسناد.
ورواه ابن جرير الطبري (١١٩٧٤) من طريقين عن يونس بن بكير، عن ابن
إسحاق، به. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٨٣/٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر،
وأبي الشيه، وابن مردويه.
(١) رواه أبو داود (٤٤٩٤)، وابن الجارود (٧٧٢)، والطبري (١١٩٧٥)،
-٣٢٩-

كتاب التفسير - سورة المائدة
٥٩٩٩- وما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، أخبرنا القاسمُ بنُ
زكريا، حَدَّثْنَا عُبيدُ الله بنُ موسى، أخبرنا عليٌّ بن صالح، ثم ذكر هذا
الحديثَ بإسناده ومتنه(١).
قال: ففي هذا الحديث أن نزول هذا المعنى كان في القِصاص لا
في الدِّية، وهذا اختلافٌ شديدٌ.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنه قد يحتمِلُ أن يكونَ القومُ اختصموا
إلى رسول الله :﴿ في هذين المنعيين جميعاً مِن دِياتٍ قتلاهم المقتولين
القتل الذي لا يُوجِبُ القَوَدَ، ومن القصاص بقتلاهم القتلَ الذي يُوجب
القَوَدَ، فأنزل الله هذه الآية في السببين جميعاً، فسوى بينَهم في الدِّياتِ،
وسوَّى بينهم في تكافؤ الأنفس، ووجوب القصاص فيها.
وقد قال قائل: إنَّ دياتِ المعاهَدِينَ أربعةُ آلاف درهمٍ، واحتجّ
لذلك:
٦٠٠٠- بما قد حَدَّثْنَا يونس، حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ عيينة، عن
والدار قطني ١٩٨/٣، والحاكم ٣٦٦/٤-٣٦٧، والبيهقي ٢٤/٨ من طرق عن عبيد
الله بن موسى، بهذا الإسناد، وصححه ابن حبان (٥٠٥٧).
وأورده السيوطي في («الدر المنثور)) ٨٣/٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن
المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه.
الوسق: حمل يعير وهو ستون صاعاً بصاع النبي فلا.
(١) هو مكرر ما قبله، وهو عند النسائي ١٨/٨.
- ٣٣٠ -

كتاب التفسير - سورة المائدة
صدقة، عن سعيد بن المسيِّب، قال: قضى عثمانُ في دِية المعاهَدِ بأربعة
آلافٍ درهم(١).
قال أبو جعفر: وصدقةُ هذا: هو صدقةُ بنُ يسار، ويقال: إن أصلَه
مِن خراسان فسكن المدينة، وقطنها، وأخذ الناسُ عنه. فممن أخذ عنه
مالكُ بنُ انس غيره.
فكان من الحجة على هذا القائل في هذا المعنى لمخالفته فيه ما قد
رُوِيَ عن عثمان في ديات المُعَاهَدِينَ مما يخالِفُ مالك
٦٠٠١- كما حَدَّثَنَا أحمد بنُ داود بن موسى، حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ
إبراهيم العَثْرِي، ويعقوبُ بن حميد، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الرزاق، عن
مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه: أن مسلماً قتل كافراً من أهل
العَهْدِ، فقضى عليه عثمانُ بن عفان بدية المسلم(٢).
وقد دَلَّ على أن ما في هذا الحديث عن عثمان أولى ت مما في
الحديث الأول عنه، إذ ما في الحديث الأول إنما هو عن سعيدٍ، عن
عثمان، وقد رُويَ عن سعيدٍ من قوله في هذا المعنى
ما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود، حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ هود الواسطيُّ،
(١) إسناده قوي. ورواه الشافعي ١٠٦/٢، وابن أبي شيبة ٢٨٩/٩، والبهقي
١٠٠/٨ عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٠٢٢٤) و(١٨٤٩٢)، ومن طريقه
البيهقي ٣٣/٨.
-٣٣١-

كتاب التفسير - سورة المائدة
حَدَّثْنَا محمدُ بنُ يزيد، عن سفيانَ بن الحسين، عن الزهري، عن سعيد
بن المسيّب، قال: دِيهُ كلِّ مُعَاهَدٍ في عهد ألفُ دينارٍ(١).
ثم قد وافق سعيد بن المسيب على هذا القولِ غَيْرُ واحدٍ من
التابعين
كما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ إسماعيل بن أبي
سمينة، حَدَّثْنَا أبو أسامة، عن أبي عميس، عن حماد، عن إبراهيم، عن
علقمة، قال: دِيةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ مِثلُ ديةِ المسلم(٢).
وكما حَدَّثْنَا أحمد، حَدَّثْنَا أبو الربيع الزهراني، حَدَّثْنَا منصور بن
أبي الأسود، عن مُطَرِّفٍ، عن الشعبي، قال: دِيَةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ
سواء(٣) ھکذا في کتابي.
وكما حَدَّثْنَا أحمد، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حَدَّثْنَا
إسماعيل ابنُ عُلية، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهد وعطاء، قالا: دِيةٌ
المسلِمِ والنّصرانيِّ سواءٌ(٤).
(١) رواه الشافعي ١٠٦/٢ عن محمد بن الحسن، عن محمد بن يزيد، به.
ورواه أبو داود في («المراسيل)) (٢٦٤) من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، به.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢٨٦/٩ عن أبي أسامة، بهذا الإسناد. ورواه عبد الرزاق
(١٠٢٢٥) و(١٠٢٢٦) و(١٨٤٩٩) و (١٨٥٠٠) عن معمر والثوري، عن منصور،
عن إبراهيم، قال: دية اليهودي والنصراني والمجوسي مثل دية المسلم.
(٣) رواه عبد الرزاق (١٠٢٢٧) و(١٨٥٠١) عن الثوري، عن قيس بن مسلم،
عن الشعبي.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢٨٦/٩ عن إسماعيل ابن علية، بهذا الإسناد.
- ٣٣٢-

كتاب التفسير - سورة المائدة
وكان في حديث ابن عباس الذي بدأنا بروايتنا إيَّاه في هذا البابِ
ما قد دَلَّ على نفي حديثٍ سعيدٍ، عن عثمان في دية المعاهَدِ أنها أربعة
آلاف، لأن في ذلك الحديث أنَّ رسولَ اللهِ﴿ٌ حَمَلَهُم على الحقِّ،
فجعل الديةَ سواء، فدلَّ على أنّه قد رَدَّ الديةَ لهم جميعاً إلى الدِّيةِ كاملةٌ،
أو ردَّ الدية كاملةٌ إلى نصفِ الدِّية، ففي ذلك نفيُ الأربعةِ آلاف أن
تكون ديةً للمعاهِدِ.
ثم رجعنا إلى كشفِ المعنى في هذا الاختلافِ، فوجدنا الله تعالى
قد قال في كتابه: ﴿ وَمَنْ قَلَ مُؤْناً خَطً فَخْرِهُرَبَةِمُؤْمَةٍ وَدَّةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهِ
إلى أنْ يَصَّذَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿وإنْ كانَ مِنْ قَوْم
يَكُم وبينَهُمِ مِثَاقَ فَدِيَةٌ مُسَلََّةٌ إلى أهْلِهِ وَتَحْرِبِسُرَّةِمُؤْمِنَةٍ﴾، فكان الله
جَلَّ جَلاله فيما تلونا من قتل المؤمن خطأً الدية التي ذكرها في هذه
الآية، وتحرير الرقبة التي ذكرها فيها، ثم جعل فيمن كان بَيْنَا وبَيْنَهم
ميثاقٌ الديةَ والكفارة أيضاً، فسوى بينهما في الكفارة الواجبة فيها،
فكان معقولاً بذلك أن يستويا جميعاً في الدِّية إذا كان الخطابُ بالواجبِ
في المسلمِ المقتولِ خطأ، وفي ذي الميثاقِ المقتولِ خطأ سواءً، ولم نجد عن
رسول الله ﴿ٌ في هذا الباب شيئاً أحسنَ مِن حديث رُوِيَ عن عمرو
بن شعيب فيه عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو.
٦٠٠٣- كما حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا أبو عمر الحوضيُّ،
حَدَّثْنَا محمدُ بنُ راشدٍ، عن سليمانَ بنِ موسى، عن عمرو بن شعيب،
-٣٣٣-

كتاب التفسير - سورة المائدة
عن أبيه، عن جدِّه أن النبيَّمَ﴿، قال: ((عَقْلُ أهْلِ الكِتَابِ على النّصْفِ
مِنْ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ والنّصارى)(١).
فإن كان هذا الحديث ثابتاً، فإن رسولَ الله ﴿ هو المبينُ عن الله
تعالى الدية التي ذكرها في ذي الميثاق ما هي، وإن كان بخلافٍ ذلك
كان ظاهرُ القرآن يدل على تساوي المسلمين وذوي العهود في الدیات،
ومِن القائلين بالتساوي في ذلك أبو حنيفة وأصحابُه، ومن القائلين بأن
الواجبَ فيهم نصفُ الدية مالك وأصحابُه، ومن القائلين في دِياتهم أنها
أربعةُ آلاف الشافعي، غير أنه قد رُوِيَ عن الزهري في ذلك:
(١) رواه مطولاً ومختصراً الطيالسي (٢٢٦٨)، وأحمد ١٨٣/٢ و٢٢٤، وابن
ماجه (٢٦٤٤)، والنسائي ٤٥/٨، والبيهقي ١٠١/٨ من طرق عن محمد بن راشد،
بهذا الإسناد.
ورواه كذلك عبد الرزاق (١٨٤٧٥)، وابن أبي شيبة ٢٨٧/٩-٢٨٨، وأحمد
١٠٨/٢، وأبو داود (٤٥٤٢) و(٤٥٨٣)، والترمذي (١٤١٣)، والنسائي ٤٥/٨،
والبيهقي ١٠١/٨ من طرق عن عمرو بن شعيب، به.
قال الترمذي: حديث عبد الله بن عمرو في هذا الباب حديث حسن، واختلف
أهلُ العلم في دية اليهودي والنصراني، فذهب بعض أهل العلم إلى ما رُوِيَ عن النبي
*، وقال عمر بن عبد العزيز: دية اليهودي والنصراني دية المسلم، وبهذا يقول أحمد
بن حتيل، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف
درهم، ودية المجوسي ثمان مئة درهم، وبهذا يقول مالك والشافعي وإسحاق، وقال
بعضُ أهلِ العلم: دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم، وهو قول سفيان الثوري
وأهل الكوفة.
- ٣٣٤-

كتاب التفسير - سورة المائدة
ما قد حَدَّثَنَا محمد بن النعمان السقطي، حَدَّثْنَا الأُويسي، حَدَّثَنَا
إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابن شهاب، قال: كان أبو بكر وعُمَرُ وعثمان
يجلعونَ دِية اليهود والنصارى إذا كانوا معاهَدين مِثْلَ ديةِ المسلم(١).
ففي هذا أيضاً ما قد وكِّدَ ما ذهب إليه الذين سَوَّوْا بَيْنَ الديات
في المسلمين والمعاهدين، وبالله التوفيق.
(١) رجاله ثقات، إلا أنه مرسل. ورواه الدارقطني ١٢٩/٣ -١٣٠ من طريق
زحمويه، عن إبراهيم بن سعد، بهذا الإسناد.
ورواه بأطول مما هنا عبد الزراق (١٨٤٩١) عن معمر، والبيهقي ١٠٢/٨ من
طريق ابن جريج، كلاهما عن الزهري. وقال البيهقي: فقد رده الشافعي بكونه
مرسلاً، وبأن الزهري قبيح المرسل، وأنا روينا عن عمر وعثمان رضي الله عنهما ما
هو أصح منه، والله أعلم.
- ٣٣٥-

كتاب التفسير - سورة المائدة ٦٠
٨٦٠- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في القردة
والخنازيرٍ أهي مما مُسِخَ من الأمم أم لا؟
٦٠٠٤- حَدَّثَنَا بكارُ بنُ قُتيبة، قال: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيل،
قال: حَدَّثْنَا سفيانُ الثوري، عن علقمةَ بنِ مَرْتَدٍ، عن المغيرة بنِ عبد الله
الْيَشْكُرِيِّ، عن المعرورِ بنِ سُوَيْدٍ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ رضي الله
عنه، قال: سُئِلَ النبيُّل:﴿ عن القِرَدَةِ والخنازيرِ أهي مما مُسِخَ؟ فقال: (إنَّ
الله عَزَّ وجَلَّ لم يُهْلِكْ قوماً أو يَمْسَخْ قوماً، فيجعلَ لهم نسلاً ولا
عاقبةً، وأن القردةَ والخنازيرَ خُلِقُوا قَبْلَ ذلك))(١).
٦٠٠٥- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، وأحمدُ بنُ داود، قالا: حَدَّثَنَا
محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، ثم ذكر بإسناده مثلَه.
٦٠٠٦- حَدَّثْنَا روحُ بنُ الفرج، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ عدي،
قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرحيم بن سليمان الرازيُّ، عن مِسعر بن كِدام، عن
علقمة بنِ مَرْتَدٍ، عن المغيرة الأشكري-قال روح: هكذا قال يوسف-،
عن المعرورِ، عن عبدِ الله قال: قال رسولُ اللهِ ﴾: ((إِنَّ الله لم يُهْلِكْ
قَوماً، فَيَجْعَلَ لهم نسلاً ولا عَقِباً)(٢).
(١) حديث صحيح. مؤمَّل بن إسماعيل - وإن كان سيئ الحفظ - قد توبع.
ورواه بأطول مما هنا أحمد ٤١٣/١ و٤٣٣ و٤٦٦، ومسلم (٢٦٦٣) (٣٣) من
طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار) ١٩٩/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه الحميدي (١٢٥)، وأحمد ٣٩٠/١ و٤٣٣ و٤٤٥، ومسلم (٢٦٦٣)،
-٣٣٦ -

كتاب التفسير - سورة المائدة ٦٠
حَدَّثَنَا يزيد، قال: حَدَّثَنَا أبو داود الطيالسي، قال: حَدَّثْنَا
المسعوديُّ، عن علقمة بن مَرْتَدٍ، عن المُسْتَوْرِدِ بنِ الأحنف، عن ابنٍ
مسعودٍ أنه سُئِلَ عن القردة والخنازير، أهي من نسل القردة والخنازير
التي مُسِخَّتْ، أم من نَسْلِ قردةٍ وخنازيرَ كانت في الأرض قبل ذلك؟
فقال عبد الله: إنَّ الله لم يمسخ أمة قطُّ، فيجعلُ لها عُقْبَةً، ولكن هذه من
نسلٍ قردةٍ وخنازيرَ كانت في الأرضِ قبل ذلك. ولم يذكر يزيدُ في
حديثه هذا عن رسول الله ﴿ٌ.
٦٠٠٧- حَدَّثْنَا يزيدُ، قال: حَدَّثْنَا حَبَّثُ بنُ هلال، وشيبانُ بنُ
فَرُّوخ، قالا: حَدَّثْنَا داود بن أبي الفرات، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ زيدٍ
العبدُّ، عن أبي الأعين، عن أبي الأحوض الجشمي، عن ابنِ مسعودٍ،
قال: سألنا رسولَ الله ﴿ عن القِرَدَةِ والخنازير أهُنَّ من نسلِ اليهود؟
فقال: ((إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ لم يلعن قوماً قطَّ فمسخهم، فكان لهم نَسْلٌ،
ولكن هذا خلق كان، فلما غَضِبَ الله على اليهودِ مسخهم،
فجعلهم مثله)(١).
فقال قوم: في كتاب الله ما يَدْفَعُ هذه الآثار التي رويتموها في هذا
الباب في نفي من أهلكه أو مسخه أن لا يكون له نسلٌ ولا عَقِبٌ،
وهو قولُه: عَزَّ وحَلَّ: ﴿وَجَعَلَ مِنهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَتََِّ﴾ [المائدة: ٦٠]
وأبو يعلى (٥٣١٣) من طرق عن مسعر بن كدام، بهذا الإسناد.
(١) رواه الطيالسي (٣٠٧)، وأحمد ٣٩٥/١ و٣٩٦-٣٩٧ و٤٢١، وأبوي على
(٥٣١٤) من طرق عن داود بن أبي الفرات، بهذا الإسناد.
-٣٣٧ -

كتاب التفسير - سورة المائدة ٦٠
يريدُ من جعلها منهم، فذكر عَزَّ وجَلَّ أنه جعلهما مِن القوم الذين
سَخِطَ عليهم ولعنهم، وذكر ذلك بالمعرفة لا بالنكرة، فكان ذلك على
القردة والخنازير الموجودة المعقولة، لا على من سواها من قردةٍ
وخنازير، ولو كان ذلك على قردة وخنازير سوى القردة والخنازير
الموجودة المعقولة، لكان: وجعل بينهم قردة وخنازير، على النكرة لا
على المعرفة.
فكان جوابنا لهم في ذلك - بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه- أنّه قد
يجوز أن يكونَ القردة والخنازير قد كانت قبل ذلك مخلوقة على ما هي
عليه كسائر الأشياء المخلوقة على ما هي عليه لا ممسوخة من خلقٍ
كانت عليه إلى قردة وخنازير، وكانت مما تَنَاسَلُ، ومما يُعْقِبُ كسائر
المخلوقين سواها، ثم كان من الله جعله القردة والخنازير من سخط
عليه من عبادهِ الذين خرجوا عن أمره، واعْتَدَوْا عن عبادتهم التي
تعبَّدهم بها إلى ما سِواها، فمسخهم قردةٌ وخنازيرَ لا تناسُلَ لها، ولا
أعقابَ لها، فكانت في الدنيا ما شاء الله عَزَّ وجَلَّ كونها فيها، ثم أفناها
بلا أعقاب خلفتها، وبقيت القردةُ والخنازير التي كانت قبل ذلك، ولم
يلحقها مسخ حَوَّها عما خُلِقَتْ عليه إلى ما هي عليه، فكان منها
التناسلُ في حياتها، والأعقاب بعد موتها، فيان بحمدِ الله ونعمته
احتمالُ ما حملنا قولَ رسولِ اللهِ:﴿ فيما لا يُخالِفُ ما في كتاب الله عَزَّ
وجَلَّ مما يُوهِمُ هؤلاء الجاهلين أنه يُخَالِفُهُ. والله عَزَّ وجَلَّ نسأله
التوفيقَ.
-٣٣٨-

كتاب التفسير - المائدة ٦٠
٨٦١ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في خشيته
أن تكونَ الفأرة من المسوخ وهل كان بعد ذلك ما رفَعَ تلك
الخشية، وبانَ له به # أنها ليست من المسوخ
٦٠٠٨- حَدَّثَنَا أبو أمية، قال: حَدَّثْنَا قبيصةُ، قال: حَدَّثْنَا
سفيان، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله ﴿: ((إنَّ أُمَّةً مِنْ بني إسرائيل فُقِدت، فلا يُدْرِى
ما صنعت، فأخشى أن تكون الفأر، وذلك أنها إذا وجدت ألبان
الغنم تشربها، وإذا وجدت ألبان الإبل لم تشربها)(١).
٦٠٠٩- حَدَّثْنَا ابن أبي داود، قال: حَدَّثَنَا المقدمي، قال: حَدَّثَنَا
عمر بن علي، عن موسى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه
أن النبي# رأى فأرة فقال: «خبُّ ولا أعلم شيئاً خبَّ إلا من
اليهود)».
قال أبو جعفر: فكان فيما روينا في الباب الذي قبل هذا الباب
عن رسول الله :﴿ من قوله: ((إن الله لم يهلك قوماً فيجعل لهم نسلاً
ولا عقباً) ما قد دَلَّ أن مال قاله رسول الله :﴿ في الفأر وفي الفأرة على
ما في الحديثين اللذين رويناهما في هذا الباب كان قبله أن يعلمه الله ما
أعلمه من أنه لا يجعل لمن أهلكه نسلاً ولا عقبا فذهب بذلك ما كان
(١) رواه أحمد ٢٣٤/٢، والبخاري (٣٣٠٥)، ومسلم (٢٩٩٧)، وأبو يعلى
(٦٠٣١)، وابن حبان (٦٢٥٨)، والبغوي (٣٢٧١)، من طرق عن خالد الحذاء، به.
-٣٣٩ -

كتاب التفسير - سورة المائدة
يخشاه وحدث بما في هذا الباب عنه من لم يعلم ما كان منه بعد ذلك
مما قد ذكرناه في هذا الباب الذي قبل هذا الباب وثبت بذلك لما كان
الفأر من ذوي التناسل ومن ذوي الأعقاب أنها من الجنس الذي قد
تقدم خلق الله عَزَّ وجَلَّ إياه مسخه من مسخه ممن لعنه من عباده إلى ما
مسخه إليه وبالله عَزَّ وحَلَّ التوفيق.
٨٦٢- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله :﴿ّ في المُرادِ
بقولِ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا
يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]
٦٠١٠- حَدَّثْنَا عليُّ بنُ شيبةَ، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارونَ،
قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازم، عن أبي
بكر الصديق رضيَ الله عنهُ، قال: إنَّكُمْ لَتَقْرؤُون هذه الآية: ﴿يا أَّها الّذِينَ
آمَنُوا عَلَيْكُمْ أْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ صَلَ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإني
سَمِعْتُ رسولَ الله ◌ِ﴿ يقول: ((إنَّ الناسَ إذا رأوا الظَّالِمَ، فلم يأخُذوا
علي يَدَيْهِ يُوشِكُ أن يَعُمَّهُم الله بعقابٍ))(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٧/١، والمروزي في ((مسند أبي بكر)) (٨٨)،
والترمذي (٢١٦٨) من طرق عن يزيد بن هارون، به.
ورواه أبو يعلى (١٢٨) و(١٣٠) و(١٣١) و(١٣٢)، وابن حبان (٣٠٤)
و(٣٠٥)، والبغوي (٤١٥٣) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، به.
-٣٤٠-