Indexed OCR Text

Pages 301-320

كتاب التفسير - سورة النساء
فكان هذا الحديثُ عندنا. مما لم يَضْبِطْهُ شبابهُ، عن شعبة، لأن
الذي فيه: أن أصحاب رسول الله# كانوا في المنافقين فئتين، فئة
تقول: نقتلُهُم، وفئة تقول: لا تَقْتُلُهم، وإن الله نزل هذه الآية في ذلك،
وقد كان المنافقونَ في مُقَامٍ رسول الله ﴿ بالمدينة غيرَ مَتَعَرَّضينَ مِن قِبَلِ
رسول الله بقتلٍ ولا بما سواهُ.
وكان﴿ يَحمِلُهم على عَلَاَنِيتِهم، وعلى ما كانا يُظْهِرُونَ له من
أُمورِهم، وإن كان قد وَقَفَ من باطنهم على خِلاف ذلك مما أعْلَمَه الله
عَزَّ وجَلَّ منهم، وما دلَّه عليه بقولِه فيما أنْزل عليه: ﴿لِزْ لَمْ يَنْتَهِ المَنَّافِقُونَ
وَّذِينَ فِيْ قُوبِهِ مَرَضْ والمُرْحِفُونَ في المدينة اُفْرَِّكَ بهم ثمَّلَا يُحَاوِرُونَكَ
فيها إِلاَ قَليلاً﴾ [الأحزاب: ٦٠]، ولم يُغْرِهِ عَزَّ وجَلَّ بهم، ولا كان منه
* فيهم بعدَ عِلْمِه بما كان الله عَزَّ وجَلَّ أعلَمَه عنهم مما كانوا عليه من
الكُفْرِ الذي كانوا يُسِرُّونَه بقوله: ﴿إِذا جَاءَكَ المنافِقُونَ قالوا ◌َشْهَدُأَنْكَ لَرَسُولُ
اللهِ وَالهُعَلَمُ إِنَّكَ لَسُولُه واللّهُشْهَدُ إِنَّالْنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ثم
ورواه ابن أبي شيبة ٤٠٦/١٤، وأحمد ١٨٤/٥ و١٨٧ و١٨٨، والبخاري
(٤٠٥٠) و(٤٥٨٥)، ومسلم (٢٧٧٦) (٦)، ويعقوب بن سفيان في ((المعرفة
والتاريخ)) ٣٤٨/١، والترمذي (٣٠٢٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١١١٣)،
والطبري (١٠٠٤٩) و(١٠٠٥٠)، والطبراني (٤٨٠٤)، والبيهقي في ((الدلائل))
٢٢٢/٣ من طرق عن شعبة، به. وذكر غير واحد فيه: أن ذلك كان في غزوة أُحد
عندما رجع ناسٌ من المنافقين ممن خرج معه. وانظر ما بعده.
-٣٠١ -

كتاب التفسير - سورة النساء
أُتْبَعَ ذلك بقوله: ﴿هُمُ العَدُوٌّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلُمِ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
[المنافقون: ٤ ].
وبما أنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ عليهِمَ﴿ِ فيهم من قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا
تُصَلّ على أحَدٍ مِنهم ما تَ أبداً وَلاَ تُهُمْ عَلى قَبِنَّهِم ◌َكَفَرُ وا بالشِّرَسُولِ﴾
الآية [التوبة: ٨٤].
ومن إخباره بمَصِيرِهم الذي يَصِيرُونَ إليه في الآخرةِ، بقول الله عَزَّ
وجَلَّ: ﴿إِنَّ الْمنَّافِقِنَ في الدَّرْكِ الأسْفَل من النّارِ﴾ الآية [النساء: ١٤٥].
مے
وفيما ذَكَرْنا دليلٌ على بُعْد هذا الحديثِ عن المعنى الذي حَدَّثَ
به زیدُ بنُ ثابتٍ فیھم.
ثم نَظَرْنا في رواية غير شبابة إياه عن شعبة: كيف هي؟
٥٩٦٥- فوجدنا إبراهيمَ بن مَرْزُوق قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا بِشْر
بن عمر الزَّهْراني، قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن عَدِي بن ثابت، عن عبد الله
بن يزيد، عن زيد بن ثابت: أن قوماً خَرِجُوا مع رسولِ الله { 14 إلى
أُحدٍ، فَرَجَعُوا، فاختلفوا فيهم، فقالت فرقةٌ: نَقْتَلُهم، وقالت فرقةٌ: لا
نَقْتُلُهم، فَنَزَلَتْ: ﴿فِماَلَكُمْ في المنافِنَ فَيْنِ والتَّأْ كَسِهُد بما
كَبُوا﴾.
٥٩٦٦- ووَجَدْنا أحمدَ بن داود بن موسى قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثَنَا مُسَدَّد بن مُسَرْهَد، قال: حَدَّثْنَا أُمَيَّة بن خالد، قال: حَدَّثَنَا
شعبةُ، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زَيْد بن ثابت،
قال: لما غَزَا النبيُّ :﴿ أُحداً رَجَع أُناسٌ من أصحابه، فكان الناسُ فرقتين
- ٣٠٢-

كتاب التفسير - سورة النساء
منهم من يقول: نَقْتُلُهْم، ومنهم من يقولُ: لا نَفْعَلُ، فأنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ
فيهم: ﴿والله أمْ كَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾.
فكان في هذا الحديث ما قد دَلَّنا على المعنى الذي مِن أجْلِه كان
أصحابُ رسول الله:﴿ فيهم فئتين: فئة تقول: نَقْتُلُهم، وفئة: لا
نَقْتُلُهم، وأن ذلك كان لِتَرْكِهِم رسولَ اللهِمُ﴿ّ بعدَ خُروجه معه إلى
قتال أعدائِه بأُحدٍ، ورجوعهم إلى ما سواها، فحَلَّ بذلك قَتْلُهُم،
وصاروا به حَرْباً للهِ ولرسولِهِ وللمؤمنين.
ثم طَلَبْنا أن نَعْلَمَ الموضعَ الذي كانوا رَجَعُوا إليه، أيُّ المواضعِ
هو؟
٥٩٦٧- فوَجَدْنا أحمدَ بن داود قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا سليمانُ
بن حَرْب، قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن عَدِيٍّ بن ثابت، عن عبد الله بن
يزيد، عن زَيْد بن ثابت، قال: رَجَعَ عن النبيِّ ◌َ﴿ُ ناسٌ يومَ أُحدٍ، فقال
بعضُ الناس: نَقْتُلُهم، وقال بعضُهم: لا نَقْتَلُهُم، فأنْزَلَ الله: ﴿فَمَاَلَكُمْ
في المنَافِينَ فَيْنِ﴾.
قال زيدُ بن ثابت: وقال النبيُّ:﴿ِ: (إنّها لَتَنْفِي الرجلَ، كما تَنْفِي
النارُ الفضةَ)(١).
وكان قولُه ﴿ في هذا الحديث: ((إنّها تَنْفِي الرجلَ كما تنفي
(١) إسناده صحيح. ورواه عبد بن حميد (٢٤٢)، والبخاري (١٨٨٤)، ويعقوب
بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) ٣٤٨/١، والطبراني (٤٨٠٤)، والبيهقي في
((الدلائل)) ٢٢٢/٣ من طريق سليمان بن حرب، بهذا الإسناد.
-٣٠٣ -

كتاب التفسير - سورة النساء
النارُ الفضةَ)): يعني المدينةَ، فعَقَلْنا بذلك أن رُجُوعَهم كان إلى غيرها لا
إِلَيْها، ووَجَدْنا القرآنَ قد دَلَّ على ذلك بقولِ الله عَزَّ وجَلَّ بِعَقِبِ هذه
الآية: ﴿فلا تتخذوا منهم أولياء حَتّى بُهَاجِرُوا فى سبيل الله﴾ [النساء: ٨٩]،
والمهاجرُ فإنما كان إلى المدينةِ، لا من المدينةِ إلى ما سواها.
ثم نَظَرْنا: هل رُوِيَ شيءٌ يَدُلُّ على الموضع الذي كانوا رَجَعُوا
إلیه؟ فلم نجد في ذلك غيرَ
٥٩٦٨- ما قد حَدَّثْنَاهُ ابنُ أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا الْفِرْيابي، قال:
حَدَّثْنَا ورقاءُ، عن ابن أبي نَحِيحٍ، ولم يَتَحَاوَزْه به - وقد كان أبو شريح
محمد بن زكريا حَدَّثْنَا، قال: قال لنا الفريابيُّ: كلُّ ما حدَّثْتُكُم به عن
ورقاء، فهو عن ابن أبي نَحِيح، عن مجاهدٍ -: ﴿فمالكم في المنافِقِينَ
فِتَّينَ﴾، ثمّ خَرَجوا من مكة حتى جاؤوا المدينةَ يَزْعُمون أنّهم
مُهاجِرونَ، ثم ارْتَدُّوا بعدَ ذلك، فاستَأْذُنُوا النبيَّ ◌َ﴿ إلى مكة ليأخذوا
بضائعَ لهم يُتْجِرُون فيها، فاختَلَفَ فيهم المؤمنون، فقائل يقول: هم
منافقون، وقائلٌ يقول: هم مؤمنونَ، فَبَّنَ الله عَزَّ وجَلَّ نِفاقَهم، وأمَر
بقتالهم(١).
فهذا الذي وَقَفْنا عليه من تأويل هذه الآية، والله نسأله التوفيق.
(١) إسناده ضعيف لضعف شيخ الطحاوي.
ورواه الطبري (١٠٠٥٢) عن محمد بن عمرو بن عباد، عن أبي عاصم الضحاك
بن مخلد، عن عيسى بن ميمون الجُرَشي، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد. وهذا
إسناد قوي. ورواه بنحوه الطبري أيضاً (١٠٠٥٣) عن المثنى، عن أبي حذيفة، عن
شبل بن عبادّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
-٣٠٤ -

كتاب التفسير - سورة النساء
٨٥٦- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في السبب
الذي نزلتْ فيه: ﴿غَيْرُ أُولِي الصَّرَرِ﴾ بعد أن نزلَ قبلَها: ﴿لا
يَستوي القاعدونَ مِنَ المؤمِنِينَ ... والمُجاهِدونَ في سِیل
اللهِ بأموالِهِم وأنفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩٥]
٥٩٦٩- حَدَّثْنَا عليُّ بنُ عبد الرحمن بنِ محمد بنِ المغيرةٍ، قال:
حَدَّثْنَا يحيى بنُ معين، قال: حَدَّثْنَا حجاجٌ، عن ابنِ حُريج، قال:
أخبرني عبد الكريم أنَّ مِقْسماً مولى عبدِ الله بنِ الحارث يُحَدِّثُ، عن
ابن عباس أنه سَمِعَهُ يقول: لا يَستوي القاعدُون من الؤمنين عن بدرٍ
والخارجونَ إلى بدرِ، قال: لما نزلَ غزو بَدْرٍ، قال(١) عبدُ بنُ جحش
الأسديُّ أبو أحمد وابنُ أمِّ مكتومٍ: إِنَّا أعمَيَانَ يا رسولَ الله، فهل لنا من
رُخصةٍ؟ فنزلت: ﴿لَا يَستوي القاعدونَ مِنَ المُؤْمِينَ غَيْرٌ أُولِ الصَّرَرِ .. ﴾(٢).
(١) وقع في رواية الترمذي والبيهقي: ((عبد الله بن جحش))، وجزم الحافظ في
(الإصابة) ٣/٤ بأن اسمه ((عبد) بغير إضافة، وقال في ((الفتح)) ٢٦٢/٨: فإن عبد الله
أخوه، وأما هو، فاسمه عبد بغير إضافة، وهو مشهور بكتينه.
(٢) إسناده صحيح. ورواه الترمذي (٣٠٣٢)، والبيهقي ٤٧/٩ من طريق الحسن
بن محمد الزعفراني، عن الحجاج بن محمد، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث
حسن غريب. أ.هـ. والزيادة التي وردت فيه عندهما: قال الحافظ في ((الفتح)
٢٦٢/٨: إنها مدرجة في الخبر من كلام ابن جريج.
وقد رواه الطبري في ((جامع البيان)) (١٠٢٤٢) من طريق الحجاج نحوه.
ورواه البخاري (٣٩٥٤)، و(٤٥٩٥) من طريق هشام، وعبد الرزاق كما في
(تفسير ابن كثير)) ٥٣٣/١، ومن طريقه البخاري (٤٥٩٥)، والطبري (١٠٢٤١)
عن ابن جريج مختصراً.
- ٣٠٥ -

كتاب التفسير - سورة النساء
٥٩٧٠- حَدَّثْنَا إبراهيم بن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ
عبد الله الأُويسي، قال: حدَّثني إبراهيمُ بن سعد، قال: حدثني صالح بن
كيسان، عن ابنِ شهابٍ، عن سهل بن سعد السَّاعِدي أنه قال: رأيتُ
مروانَ بنَ الحكم جالساً في المسجد، فاقبلتُ حتى جَلَسْتُ إلى جَنْبِهِ،
فأخبرنا أن زيدَ بنَ ثابت أخبره أن رسول الله : ﴿ أملى عليه: ﴿لا يستوي
القاعدونَ مِنَ المؤمِنِينَ ... والمجاهدونَ في سبيل الله﴾ قال: فجاءهُ ابنُ أمِّ
مكتومٍ وهو يُمليها عليَّ، قال: يا رسولَ الله، والله لو استَطِيعُ الجهادَ
تجاهدتُ - وكان رجلاً أعمى- فأنزل الله على رسولهِ، وفخِذُهُ على
فَخِذِي فَتَقُلَتْ حتى خِفْتُ أن تَرُضَّ فخذِي ثم سُرِّيَ عنه فأنزلَ الله:
﴿غيرُ أَوِي الصََّرَ﴾(١)
وأورده السيوطي في ((الدرِّ المنثور)) ٦٤١/٢ بالرواية المطولة.
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٢٨٣٢) ومن طريقه البغوي في («معالم
التنزيل)) ٤٦٧/١ عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، بهذا الإسناد.
ورواه البخاري (٤٥٩٢) عن إسماعيل بن أبي أويس، والترمذي (٣٠٣٣)،
والنسائي ٩/٦- ١٠، وابن سعد ٢١١/٤-٢١٢ وابن الجارود في (المنتقى)) (١٠٣٤)
من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، كلاهما عن إبراهيم بن سعد، به.
ورواه ابن سعد ٢١٢/٤، والنسائي ٥٩/٦، والطبري (١٠٢٣٩)، والطبراني في
((الكبير)) (٤٨١٤) و(٤٨١٥) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، والواحدي في
((أسباب النزول) ص١١٧-١١٨ من طريق ابن إسحاق، كلاهما عن الزهري، به.
وأورده السيوطي في («الدرِّ المنثور)) ٦٣٩/٢، وزاد نسبته إلى عبد بنِ حُميد، وأبي
داود، وابن المنذر، وأبي نعيم في ((الدلائل)).
-٣٠٦-

كتاب التفسير - سورة النساء
٥٩٧١ - حَدَّثْنَا محمد بنُ علي بنِ داود البغداديُّ، قال: حَدَّثْنَا
إبراهيم بن حمزة الزُّبيريُّ، قال: حَدَّثْنَا إبراهيم بن سعد ... ثم ذكرَ
بإسناده مثله.
٥٩٧٢- حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قال: حَدَّثَنَا عبد الله
بنُ وهب، قال: وأخبرني عبدُ الرحمن بن أبي الزِّنَادِ، عن أبيه، عن
خارجة بنِ زيدٍ بنِ ثابتٍ، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ ﴿ أن السكينةَ
غَشَتْ رسولَ اللهلَ﴿، قال زيدٌ - وأنا إلى جنبه -: فوقعتْ فَخِذُ رسولٍ
الله ◌َ﴿، ثم سُرِّي عنه، فقال لي: ((اكتُبْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من
المُؤْمِنَ . . .. والمجَاهِدونَ في سَبيلِ الله بأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِم﴾ الآيةَ كُلُّها)، قال
زيدٌ: فكتبتُ ذلك في كَتِفٍ، فقام ابنُ أمِّ مكتومٍ - وكان رجلاً أعمى
حين سَمِعَ تفضيلَهُ المجاهِدين على القاعِدين - فقال: يا رسولَ اللهُ كَيْفَ
بِمَنْ لا يَستطيعُ الجهادَ مِن المؤمنين؟ قال خارجةُ: قال زيدٌ: فما قضّى
ابنُ أمِّ مكتومَ كلامَه، أو قال: فما هو إلاّ أن قضى كلامَه، فغَشِيتْ
رسولَ الله ﴿ السكينةُ، فوقعت فَخِذُه على فخذي، فوجدت مِنْ ثقلها
المرّة الثانية مثلَ ما وجدتُ منها في المرّة الأولى، ثم سُرِّي عن رسول الله
﴿، فقال: (اقْرَأْ) فقرأْتُ: ﴿لَا يَستَوِي القَاعِدُونَ من المؤمنينَ والمُجَاهِدِونَ﴾
ثقال رسول اللّ ه: ﴿غيرُ أُولِىِ الصَّرَ﴾ فألحقتُها، فكأنّي أنظر إلى
ملحقِها عند صدْعٍ من الكَتِفِ (١).
(١) رواه أحمد ١٩٠/٥-١٩١، وسعيد بن منصور (٢٣١٤)، وابن سعد
-٣٠٧ -

كتاب التفسير - سورة النساء
٥٩٧٣ - حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا يعقوبُ بنُ
إسحاق الحَضرِميُّ، ورَوْحِ بنُ عبادة القيسيُّ، قالا: حَدَّثَنَا شعبة، عن
أبي إسحاق، عن البَرَاءِ بنِ عازبٍ، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لا يستوي
القاعِدُونَ من المُؤْمِنِينَ﴾ جاء ابنُ أمِّ مكتوم إلى رسول اللهلا فشكى
ضَرَارَته، فنزلت: ﴿غيرٌ أُوْلِىِ الصَّرَرَ﴾(١).
٥٩٧٤- حَدَّثْنَا الحسن بن غُلَيب، قال: حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ عَدِي،
قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن زكريا بنِ أبي زائدةً، عن أبي
إسحاق، عن البَرَاء بن عازب، قال: لما نزلت: ﴿لَا يَستوي القاعِدُونَ من
المُؤْمِنَ .... والمُجَاهِدونَ يْ سَبيلِ اللهِ﴾ فقال ابنُ أُمِّ مكتوم: يا رسولَ الله
فما تأمرُني فإني لا أُستَطيعُ الجهادَ؟ فأنزلَ الله مكانَه: ﴿غِرُ أُولِى
الضَّرَ﴾.
٢١١/٤، وأبو داود (٢٥٠٧)، والطبراني (٤٨٥١) و(٤٨٥٢)، والحاكم ٨١/٢ -
٨٢، والبيهقي ٢٣/٩-٢٤ من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، بهذا الإسناد.
(١) إسنادُه صحيحٌ. ورواه الطيالسي (٧٠٥)، وابن سعد ٢١٠/٤، وأحمد
٢٨٢/٤، و٢٨٤، و٢٩٩، و٣٠٠، والبخاري (٢٨٣١) و(٤٥٩٣)، ومسلم
(١٨٩٨)، والدارمي ٢٠٩/٢، والطبري (١٠٢٣٧)، وأبو يعلى (١٧٢٥)، وابن
حبان (٤٢)، والواحدي في (أسباب النزول)) ص ١١٨، والبيهقي ٢٣/٩ من طرق
عن شعبة، بهذا الإسناد.
ورواه علي بن الجعد (٢٦٠٥)، هو أحمد ٣٠١/٤، والواحدي ص ١١٨، هوابن
حبان (٤١) من طرق عن أبي إسحاق، به. وانظر الأحاديث الآتية.
-٣٠٨ -

كتاب التفسير - سورة النساء
٥٩٧٥- حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال:
حَدَّثْنَا الفريابيُّ، قال: حَدَّثْنَا إسرائيلُ، قال: حَدَّثْنَا أبو إسحاق، عن
البَرَاءِ بنِ عازب، قال: لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من المُؤْمِنِينَ ....
والمُجَاهِدُونَ فيْ سَبِيلِ اللهِ﴾ دعا رسولُ الله رجلاً، فجاء ومعه اللوحُ
والدواةُ، أو الكتِفُ، فقال: اكْتُبْ: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ من المُؤْمِنِينَ ....
والْمُجَاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ﴾ - وخلفَ ظهر رسولِ اللهِلَ ﴿ ابنُ أُمِّ مكتوم
الأعمى - فقال: يا رسولَ الله أنا ضريرُ البصرِ، قال: فنزلَت مكانَها:
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِن الْمُؤْمِنَ غِيرٌ أُولِي الصَّهَرِ والمَامِدِونَ- في سَبيلِاللهِ﴾(١).
٥٩٧٦- وحَدَّثَنَا ابنُ أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا الفِرِيَابِيُّ، قال:
حَدَّثْنَا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب في قوله عز وجل:
﴿لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ من المُؤْمِنَ غِيرٌ أُولِيِ الضَّرَى﴾ قال: ابنُ أُمِّ مكتوم(٢).
حَدَّثَنَا إبراهيم بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا أبو الوليد الطيالسيُّ
ومسلم بنُ إبراهيم الأزديّ، قالا: حَدَّثْنَا أبو عقيل، قال: حَدَّثَنَا أبو
(١) شيخ الطحاوي ضعيف جداً في روايته عن الفريابي، لكن الحديث رواه
البخاري (٤٥٩٤)، عن الفريابي، به.
ورواه أيضاً البخاري (٤٥٩٠)، وابن حبَّان (٤٠) من طريق عُبيد الله بن موسى،
عن إسرائيل، به.
(٢) إسناده كسابقه. ورواه أحمد ٢٩٠/٤ و٢٩٩، والترمذي (٣٠٣١)،
والطبري في ((جامع البيان)) (١٠٢٣٥) من طريق وكيع، عن سفيان الثوري، بهذا
الإسناد.
-٣٠٩-

كتاب التفسير - سورة النساء
نَضْرة، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قوله عَزَّ وحَلَّ: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ من
المُؤْمِنَ غِيرٌ أُولِي الصََّرِ﴾ الآية. قال ابنُ عباسٍ: أقوامٌ حَبْسَتْهُم أمراضٌ
وأوجاعٌ وكان أولئكَ أُولي الضَّرر، وكان القاعدُ المريضُ أعذرَ من
القاعد الصحيح(١).
٥٩٧٧ - حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حَدَّثَنَا يعقوبُ بنُ
إسحاق الحضرميُّ، عن أبي عقيل، عن أبي نضرة، قال: سألتَ ابنَ
عباس عن قوله الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من المُؤْمِنِينَ غِيرُ أُولِى
الصَّرَرِ﴾ قال: كان قومٌ يَعرِضُ لهم أوجاعٌ وأمراضٌ (٢).
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: أفيكون ما في حديث أبي نضرة
هذا عن ابن عبّاسِ مخالفاً لِما في حديث مِقْسَم، عن ابنِ عباسٍ الذي قد
رويته في هذا البابِ، لأنَّ في ذلك أنَّه نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ من
المُؤْمِنَ ... والمجَاهِدِونَ فْ سَبيلِ اللهِ) ثم أنزل الله بعدَها: ﴿غيرُ أُولِى
الصَّرَى﴾. وفي حديث أبي نضرة ذكر ذلك كُلَّه نَسَقاً، فظاهرُه يوجب
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٧٧٥) من طريق ياسين بن حماد المخزومي،
وأبي الوليد الطيالسي، قالا: حَدَّثَنَا أبو عَقيل الدورقي، بهذا الإسناد.
وذكره الهيثمي في («المجمع» ٩/٧، وقال: رواه الطبراني من طريقين، ورجال
أحدهما ثقات.
(٢) رواه البيهقي ٢٤/٩ من طريق محمد بن يعقوب، عن إبراهيم بن مرزوق،
بهذا الإسناد.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٦٤٢/٢، وزاد نسبته لعبد بن حميد.
-٣١٠ -

كتاب التفسير - سورة النساء
أن نزولَها كلِّھا کان معاً.
قيلَ له: ما بينهما اختلافٌ، لأنَّ حديث مِقسم إنّما فيه إخبارُ ابن
عباس عن سبب نزولها على رسول الله﴿ كيف كانَ، وحديثُ أبي
نضرة إنما فيه عن ابن عباس الإخبارُ بتأويلها الذي استقرَّ عليه أمرُها،
وكان ذلك منه بعدَ رسول الله﴿، فكلُّ واحدٍ منه ومن حديثِ مِقسم
في معنى غيرِ المعنى الذي فيه صاحبُه، وإنْ كان ما استقرَّت عليه الآية
فيهما جميعاً مؤتلفاً غيرَ مختلف.
٥٩٧٨- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، وعلي بنُ عبدِ الرحمن، جميعاً
قالا: حَدَّثْنَا عفَّان بن مسلم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحد بن زياد، قال:
حدثني عاصم بن كُلِيبٍ، قال: حدثني أبي، عن الفَلْتَانِ بنِ عماصم
الجَرْمي أنه قال: كنّا قعوداً مع النبيِّ :﴿﴿ فَأُنْزِلَ عليه - وكان إذا أُنزل
عليه دامَ بصرُه مفتوحةٌ عيناهُ وفَرَّغَ سمعَه وبَصَرَه لِما جَاءه من الله عَزَّ
وجَلَّ -فلما فرغَ، قال الكاتب ((اكتُبْ: ﴿لا يَستَوي القاعِدُونَ مِن المُؤْمِنِينَ
والمجامِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِفَضَّلَ الله المجاهِدِ ينَ بأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ على الفَاعِدِينَ
درجةٌ﴾ فقام الأعمَى فقال: يا رسولَ الله ما ذَنْبنا؟ فأنزل الله عليه، قلنا
للأعمى: إِنَّ رسول الله﴿ أُنزلَ عليه. قال: فبقي قائماً يقول: أَتُوبُ
إلى رسول الله(١)﴿، فقال الكاتب: (كُتُب: ﴿غَيرُ أُوِي الصَّرَرِ))(٢).
(١) في الطبراني: ((أتوب إلى الله)، وعند أبي يعلى، وابن حبّان: أعوذ بغضب
رسول الله.
- ٣١١-

كتاب التفسير - سورة النساء
فقال قائلٌ: كيف تقبلون هذه الأخبارَ، وتُثْبتونَ بها أن نزولَ هذه
الآية كان في البدءِ ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مَن المُؤْمِينَ والمجاهِدُونَ فيْ سَبيلِ اللهِ﴾
وفي ذلك تفضيلُ المجاهدين في سبيل الله على القاعِدين بعذرٍ وبغير
عذرٍ، والقاعدون بعذر لم يقعدوا اختيارٌ لِتَرْك الجهاد، وإنما قعدوا عجزاً
عن الجهادِ، فكيف يجوز أن يستَوِيَ في ذلك فضلُ المجاهدين على
القاعدين المعذورينَ، ويكونون في ذلِكَ مع العُذْرِ الذي معهم كمن
سِواهم من القاعدين، ممن لا عُذْرَ معهم، وكيف يجوزُ أن يكونَ ذوو
الضَّرَر من أصحابِ رسول الله :﴿ وهم في الفِقْه على ما هم عليه منه،
والقُرآنُ أيضاً نزلَ بلغتهم يَظُنُّونَ بالله عَزَّ وجَلَّ أَنْه سوَّى في ذلك بينهم
مع العذر الذي معهم، وبين غيرهم من القاعدين عن الجهاد مِمَّن لا
عُذْرَ معه، وقد سمِعُوا الله عَزَّ وجَلَّ يقول: ﴿لاَيُكَلَفُ اللَّهَفْساً إِلَأَمَا
أَّاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، ولم يُؤْتِهم الله القوةَ على الجهادِ، وسمعُوه يقول:
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) ١٨/(٨٥٦) عن أحمد بن القاسم بن مساور
الجوهري، عن عفان، بهذا الإسناد.
ورواه أبو يعلى (١٨٥٣)، والطبراني ١٨/(٨٥٦)، وابن حبان (٤٧١٢)، والبزار
(٢٢٠٣) من طرق عن عبد الواحد بن زياد، به.
وقال البزار: حديث الفلتان یروی بإسناد أحسن من هذا.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٨٠/٥ و٩/٧، وقال: رواه أبو يعلى والطبراني
والبزار، ورجال أبي يعلى ثقات.
وأورده السيوطي في («الدر المنثور)) ٦٤١/٢-٦٤٢، وزاد نسبته لعبد بن حميد.
- ٣١٢ -

كتاب التفسير - سورة النساء
﴿لَيْكَلْفُ الشّنَفْساً إِلاَّ وَسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأعْظَمَ أن تكونَ هذه
الأخبارُ على ما قد ذكر فيها، وقال: مُحَالٌ أن يكون كان نزولُ هذه
الآية إلاَّ كما يقرؤها: ﴿لَ يُسَوِيِ الفَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ غَيرُ أُولِي الصََّرِ
والمُجَاهِدُونَ فيْ سَبِيلِ اللهِ بأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّ هذه
الآثار التي رويناها آثارٌ صِحاحٌ ثابتةٌ لا يدفع العلماءُ صِحَتها، ولا
يطعُنُون في أسانيدِها، ولا يختلفونَ أن الآيةَ المذكورةَ فيها كان بدْءُ
نزولها: ﴿لَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَوالمجاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِأَنْوالِهِمْ
وأَنْفُسِهِمْ﴾ وأن ابنَ أُمِّ مكتوم وأبا أحمد بن جَحْش لما ذَكَرًا لرسولِ الله
◌َ عَجْزَهُما عن الجهادِ بالضُّرِّ الذي بهما أنزل الله: ﴿غَيرُ أُولِي الصََّرِ﴾
فصارت الآية: ﴿لَأَ يُستَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِيْنَ غَيرُ أُولِ الصَّرَرِ والمجاهِدُونَ
في سَبِيلِ اللهِ﴾، ولم يكن ذلك عندنا - والله أعلمُ- على أن الله عَزَّ وجَلَّ
أرادَهما وأمثالَهما بهذه الآية، مع عجزهما عن المعنى الذي فيها نَّا
يُفضَّلُ به المجاهدُون على القاعِدين غير أولي الضَّرر، ولكنها ذهبَ ذلك
عنهما، حتى كان منهما من القول ما ذكر عنهما في هذه الآثار
لرسول الله ﴿، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ عند ذلك على رسولِه: ﴿غَيْرُ أُولِي
الضَّرَر﴾ إعلامًاً منه إياهما أنه لم يُرِدْهما ولا أمثالَهما بذلك التفضيلِ
الذي فضَّل به المجاهدين على القاعدين، فكيفَ يجوزُ أن يكونَ الأمرُ
بخلاف ذلك وقد سمعوا الله عَزَّ وجَلَّ يقول: ﴿ليسَ على الأغْمِى حَيَجْ ولا
-٣١٣-

كتاب التفسير - سورة النساء
محم
على الأغْرَجَ حَجْ ولا على المريض حَيٌَ﴾ [النور: ٦١] يعني في تخلّفهم عن
الجهاد مع رسول الله ﴿ ..
فإن قال قائلٌ: أفيجوزُ أن يذهبَ عنهما مثلُ هذا من مرادِ الله عَزَّ
وجَلَّ بهذه الآية؟
قيل له: وما تنكر من هذا وقد كان رسولُ الله ﴿ لما أنزل عليه
في الصيام: ﴿وَكَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبيضُ مِن الْخَيْطِ
الأسودِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وتلاها عليهم، حملوها على ما قد ذكره سهلٌ
بن سعد السَّاعديُّ، من حملهم إِيَّاها عليه حتى أنزل الله عَزَّ وجَلَّ على
رسوله ﴿ ما أعلمَهم به أن مُرادَه جل وعز غيرُ ما ظَنُّوه به جَلَّ وعزَّ.
٥٩٧٩- كما قد حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا المقدَّمي،
قال: حَدَّثْنَا الفُضيلُ بن سليمان النُّميري، عن أبي حازم، عن سهل بن
سعد السَّاعدي، قال: لما نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَهُوا حَتَّى سَيَّنَلَكُمُ
الخَيْطُ الأبيضُ من الْخَطِالأسودِ﴾ جَعل الرجلُ يأخذُ خيطاً أبيضَ وخيطاً
أسودَ، فيجعلُهما تحت وسادة، فينظر متى يتبيّنُهما، فيترك الطعام. قال:
فَبّين الله ذلك ونزلت: ﴿من الفجر﴾(١).
(١) حديث صحيح. وهذا إسناد ليس بالقوي.
ورواه البخاري (١٩١٧) و(٤٥١١)، ومسلم (١٠٩١)، والنسائي في ((التفسير))
كما في ((التحفة)) ١٢١/٤، والطبري (٢٩٩٠)، والطبراني (٥٧٩١)، والبيهقي
٢١٥/٤، والبغوي في («معالم التنزيل)) ١٥٨/١ من طريق سعيد بن أبي مريم، عن أبي
- ٣١٤-

كتاب التفسير - سورة النساء
فكان في هذا الحديث تبيانُ الله أنَّ الذي أرادَ بالخيط الأبيض
والخيط الأسود غيرَ الذي ظنَّوا أنه أراده بهما.
وكذلك عَدِي بنُ حاتم الطّائي فيما رُوِيَ عنه في هذا المعنى.
٥٩٨٠- كما حَدَّثْنَا محمد بن خزيمة، قال: حَدَّثْنَا حجاج بن
المنهال، قال: حَدَّثْنَا هُشيم، قال: حَدَّثَنَا حُصين بن عبد الرحمن، عن
الشعبي، عن عدي بن حاتم
٥٩٨١- وكما حَدَّثْنَا أحمد بن داود بن موسى، قال: حَدَّثْنَا
إسماعيلُ بن سالم، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌّ ومُحَالِدٌ، عن
الشعبي، قال: أخبرنا عديُّ بنُ حاتم، قال: لما نزلت هذه الآية:
﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَّنَلَكُمُ الْخَطُ الأبيضُ مِن الْخَطِالأسودِ﴾ عَمَدْتُ
إلى عَقالين أحدُهما أسود، فجلعتُ أنظرُ إليهما، فلا يتبيِّن لي الأبيضُ
من الأسودِ، فلما أصبحتُ، غدوتُ على رسولِ اللهِ ﴿ٌ فأخبرتُه بالذي
صنعتُ، فقال: (إِنَّ وَسَادَكَ لَعَرِيضٌ، إنّما ذلك بياضُ النَّهارِ وسَوادُ
الليل))(١).
غسان محمد بن مطرف، عن أبي حازم، بهذا الإسناد.
ورواه البخاري (١٩١٧) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبي حازم، به.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٤٨٠/١، وزاد نسبته لابن المنذر، وابن أبي
حاتم.
(١) إسناده صحيح. ورواه في ((شرح معاني الآثار)) ٥٣/٢ بالإسنادين معاً.
ورواه البخاري (١٩١٦)، وعنه البغوي في ((معامل التنزيل)) ١٥٨/٢ عن حجاج
بن منهال، عن هشيم، به. ورواه أحمد ٣٧٧/٤، والبيهقي ٢١٥/٤ من طريق هشيم، به.
- ٣١٥-

كتاب التفسير - سورة النساء
أفلا تَرَى أنهم لما سَمِعُوا قوله حَلَّ وعَزَّ: ﴿وَكَلُوا وَاشْرَُوا حتى
بَّنَ لَكُمُ الْخَطُ الأبيضُ مِن الْخَيْطِ الأسودِ﴾ حملوا ذلك على ما حمّلُوه
عليه حتّى بَيَّن الله عَزَّ وجَلَّ لهم في كتابه وعلى لسان رسوله أنَّ الذي
أرادَه خلافُ ما ظَّنوه، وكذلك ما كان من قِصة ابنِ أمِّ مكتوم وأبي
أحمد لما تلا عليهما رسولُ الله :﴿ ما تلا ظنًا أنهما من المفضولين فيما
تلاه عليهما، فَّين الله عَزَّ وجَلَّ لهما بإنزاله على رسوله وَ﴿: ﴿غَيْرُ أُولى
الصَّرَرِ﴾ أنه لم يُرِدْهُما ولا أمثالَهما من ذوي الضَّر، وإنما أراد غيرَهما
ممن لا ضَرَر به.
وفيما ذكرنا ما قد دَلَّ على أن القرءةَ في ذلك كما قرأها من
قرأها بالرفعِ وهم: عاصم، والأعمش، وأبو عمرو، وحمزة، لا كما
قرأها مخالِفُوهم: ﴿غَيْرَ أُوْلِ الصَّرَرِ﴾ بالنصب، وهم: أبو جعفر: وشيبةُ،
ونافعٌ، وابنُ كثير، وعبدُ الله بن عامر(١)، وقد كان أبو عبيد القاسمُ بنُ
سلاَّم ذهب إلى قراءة هؤلاء المدنيين، وقال مع ذلك: إنَّ الرفعَ وجةٌ في
العربية ممكنٌ غيرُ مُستنكَرٍ، وكذلك كان الفرَّاء يذهبُ إلى صحته في
العربية، ويقول(٢): هو على النِّعتِ للقاعدِين. قال: وما كان من نعتِهم
كان كذلك إعرابُه بالرفع لا بغيره كما قال عَزَّ وجَلَّ: ﴿أو التّابعين غَيرٍ
ورواه الدارمي ٥/٢-٦، والبخاري (٤٥٠٩)، ومسلم (١٠٩٠) من طرق عن
حصين، به.
(١) انظر ((حجة القراءات) ص٢٠٩ - ٢١١.
(٢) ((معاني القرآن) ٢٨٣/١.
-٣١٦-

كتاب التفسير - سورة النساء
أُولِي الإِرْيَةِ﴾ [النور: ٣١] فكان نعته إياهم بمثل ما ذكرَهم به من الجَرِّ
لا ما سواه. والله نسأله التوفيقَ.
وقد قال أبو عبيد القاسمُ بنُ سلاَّم في السبب الذي به اختارَ غيرَ
أولي الضرر بالنصب، فقال: وروى عن أصحاب رسول اللهلم/ غير
واحدٍ ذَكَرَهُم أن نزولَها كان على الاسِتْنَاءِ، فوجب بذلك أن تكون
منصوبةٌ.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونِه أنه لم يُرْوَ
عن واحدٍ من أصحاب النبيِ ﴿ أَنَّه قال: إنَّما نزلت للاستثناء مما كان
نزلَ قَبْلَها، وإنما رُوِيَ عنه منهما في سببِ نزولها ما قد رويناهُ في ذلك
في صدر هذا البابِ. ولو كانت كلُّها نزلت معاً، لَجَازَ أن يكونَ ذلك
على الاستثناءِ، فيكون النصبُ فيه أوْلى من الرفعِ، ولكنَّه إنَّما كان
الذي نزل أولاً منها هو قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَأَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِينَ
والمجاهِدُونَ فيْ سَبِيلِ اللهِ﴾ ونحن نُحيطُ علماً أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ لم يعْنِ
القاعدين بالزَّمانة مع النِيَّةِ أنّهم لو أطاقُوا الجهادَ لَجَاهدوا، وإذا كان
ذلك كذلك، لم يكنِ المجاهدونَ أَفْضَلَ منهم، لأنّهم جاهدوا بقوَّتهم،
وتخلِّف الآخرون عن الجهاد بعجزهم عنه. وقد قال الله عَزَّ وجَلَّ:
﴿َيسَ على الصُّعَفَاءِ ولا على المَرْضِى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَ بَحِدُون ما يُفِقِونَ حَإذا
نَصَحُوا لِرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحسِنَ مِنْ سَبِيلٍ والله غَفُورٌ رَحِيمٌ. ولا على الّذِينَ
إذا ما أَنْوِ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أجدُمَا أحْمِلُكُمْ عليهِ﴾ [التوبة: ٩١، ٩٢].
وقال عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيسَ على الأغْسِى حَرَجٌ وَلا على الأعْرَجَ حَرَجُ ولا على
-٣١٧-

كتاب التفسير - سورة النساء
المَرِضِ حَبُّ﴾ [النور: ٦١]. ومن حمل الأمر على غير ما ذكرنا، كان
قد قال قولاً عظيماً، ونَسَبَ الله عَزَّ وجَلَّ إلى أنَّه قد تعبَّدَ خلقَه بما هم
عاجزون عنه. وإذا كان نزولُ ما قد تَلَوْنا على ما قد ذكرنا، كان ما
أنزل الله عَزَّ وجَلَّ بعدَ ذلك مِنْ قوله: ﴿غَيْرُ أُولِ الصََّرِ﴾ تبياناً لما كان
أنزله قبل ذلك مِن القاعدين الَّذين فضَّل عليهم المجاهدِينَ، فكان الرفعُ
أُوْلی به من غيره.
وقد سأل سائلٌ، فقال: قد كان من ابنِ أمِّ مكتوم ما كان من
الاعتذارِ إلى رسولِ الله ﴿ بما اعتذر به إليه، وقد كان يومَ القادسيةِ
على حالِه التي اعتذر بها إلى رسول الله:﴿ يحملُ الرايةَ في قتالِهِ الكفارَ،
فكيف لم يَبْذُلْ ذلك مِنْ نفسِهِ لرسولِ اللهِحَد.
٥٩٨٢- وذكر ما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا
عفّان بن مسلم، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بن زُرَيع، قال: حَدَّثَنَا سعيد - وهو
ابن أبي عروبة- عن قتادة، عن أنس بن مالك، أنَّ عبد الله ابن أمّ
مكتوم يومَ القَادِسيةِ كانت معه رايةٌ سوداء، وعليه دِرْعٌ (١).
٥٩٨٣- وما قد حَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثْنَا أبو نُعيم، قال:
حَدَّثْنَا ابن عيينة، عن عليٍّ بن زيد، عن أنسِ بنِ مالك، قال: رأيت ابنَ
أمِّ مكتوم في بعض مشاهِدِ المسلمينَ في يدِهِ اللّواءُ(٢).
(١) رواه ابن سعد في ((الطبقات) ٢١٢/٤ عن عفان، بهذا الإسناد.
ورواه ابن سعد من طريقين عن أبي هلال الراسبي، عن قتادة، نحوه.
(٢) إسناده ضعيف. علي بن زيد بن جدعان، ضعيف الحديث، لكنْ يتقوى
بالرواية السالفة. ورواه سعيد بن منصور (٢٨٨٠) عن سفيان، بهذا الإسناد.
-٣١٨-

كتاب التفسير - سورة النساء
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّه قد
يُحتمل أن يكون ابنُ أم مكتوم يومَ كان منه لرسول اللهِوَ﴿ ما كانَ لم
يكنْ يُحْسِنُ يومئذٍ حملَ الرايةِ، ثم أحسنَهُ بعد ذلك، فتكلفه لَمَّا أحسنه
للمسلمين، وترَك أن يتكلّفَه قَبْلَ ذلك لما كان لا يُحْسِنُه، والله عَزَّ وجَلَّ
نسأله التوفيقَ.
٨٥٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله / في السبب
الذي نزلت فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي
أنفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩٧]
٥٩٨٤- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، وإبراهيمُ بن منقذ جميعاً،
قالا: حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: حَدَّثْنَا حَيْوةُ بنُ شريح، قال:
حَدَّثْنَا محمد بنُ عبد الرحمن بن نوفلِ الأسدي، قال: قُطِعَ على أهل
المدينة بعثٌ إلى اليمن، فكنتُ فيهم، فلقيتُ عِكرمة، فنهاني عن ذلك،
ثم قال: أخبرني ابنُ عباسٍ أن ناساً من المسلمين كانوا يُكَثِّرون سوادَ
المشركين، فيأتي السهم برماية، فُيُصيب أحدهم فيقتله، فأنزل الله عَزَّ
وجَلَّ: ﴿إِنَّالَّذَِ نَّاهُمُ الَلائِكَةُ ظَالِ أنْفُسِهِمْ﴾(١).
وروى ابنُ سعد ٢١٢/٤ عن الواقدي قال: حَدَّثَنَا معمر، عن قتادة، عن أنس أن
ابن أم مكتوم شهد القادسية ومعه الراية.
(١) إسناده صحيح. ورواه الطبري (١٠٢٦٢) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ، به.
- ٣١٩-

كتاب التفسير - سورة النساء
٥٩٨٥- وحَدَّثَنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا بشر بن عمر
الزهراني، عن عبد الله بن لهيعة، قال: حَدَّثَنَا أبو الأسود، عن عكرمة،
عن ابن عباس، أن أناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يُكَثّرونَ
سوادّهم على النِيِّ #، فيأتي السهُم برمايةٍ، فُيُصيب أحدهم، فيقتله،
أو يُضرب فيقتل، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّالَّذِينَ تَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِي
أنفُسِهِمْ فَالوافِمَ كْتُمْ﴾ إلى آخر الآية (١).
٥٩٨٦- وحَدَّثْنَا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، قال: حَدَّثْنَا
الفضلُ بنُ سهل الأعرجُ، قال: حَدَّثْنَا أبو أحمد الزبيريُّ، قال: حَدَّثْنَا
ورواه البخاري (٤٥٩٦)، والبيهقي ١٢/٩ من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ،
حَدَّثَنَا حيوة وغيره، قالا: حَدَّثْنَا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود ... والرجل المبهم،
قال الحافظ: هو ابن لهيعة، أخرجه الطبراني (١١٥٠٥)، وقد أخرجه إسحاق بن
راهويه عن المقرئ وحده، عن حيوة وحده، وكذا أخرجه النسائي في ((التفسير))
(١٣٩) عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق، والإسماعيلي من طريق يوسف بن موسى،
عن المقرئ كذلك.
(١) رواه الطبراني في (الكبير)) (١١٥٠٥) عن أحمد بن رشدين، عن أبي صالح
الحرانى، عن ابن لهيعة، بهذا الإسناد.
ورواه أيضاً (١١٥٠٦) من طريق عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن أبي
الأسود به.
ورواه الطبري (١٠٢٦١) عن يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني
حيوة أو ابن لهيعة - الشك من يونس-، عن أبي الأسود أنه سمع مولى لابن عباس
يقول عن ابن عباس: فذكر نحوه.
- ٣٢٠ -