Indexed OCR Text

Pages 141-160

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
٨٢٧- بابُ بیانِ مُشْکل ما روي عن رسول الله / من قوله:
((نزل القرآن على سبعة أحرف))
٥٧٧٨- حَدَّثَنَا إبراهيم بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبدِ
الله بنٍ يونس (ح)، وحَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا أبو غسان
مالكُ بنُ إسماعيل النهديُّ، قالا: حَدَّثَنَا زهيرُ بنُ معاوية، قال: حدثني
الوليدُ بنُ قيس الْيَشْكُرِي أبو همَّام، عن عُثْمانَ بنِ حسان العامري، عن
فُلْفُلَة الجُعْفِيِّ، قال: فَزِعْتُ فيمن فزع إلى عبد الله بن مسعود في
المصاحف، فدخلنا عليه، فقال رَجُلٌ من القوم: إِنَّا لم نأتك زائرينَ،
ولكنا جئنا حينَ راعنا هذا الخبرُ، قال: إنَّ القُرْآنَ أُنزِلَ على نَبِّكُم مِن
سبعة أبواب على سبعة أحرفٍ، وإن الكِتابَ كان يُنزل أو يَنْزِلُ من
بابٍ واحدٍ على حَرفٍ واحدٍ (١).
٥٧٧٩- حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ عبد
الحميد الحِمَّاني (ح)، وحَدَّثْنَا يحيى بن عثمان، قال: حَدَّثَا موسى بنُ
(١) إسناده ضعيف. عثمان بن حسان العامري مجهول، وفلفلة: مقبول.
ورواه أحمد ٤٤٥/١ عن أبي كامل، وابن أبي داود في (المصاحف)) ص ٢٥ من
طريق أبي أسامة، كلاهما عن زهي بن معاوية، به.
ورواه النسائي في ((فضائل القرآن)) (٩) عن عمرو بن علي، عن ابن داود، عن
سفيان، عن الوليد بن قيس، إلا أنه قال: ((القاسم بن حسان) ...
قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)) ١٤٨/٦: عثمان بن حسان العامري،
ويقال: القاسم بن حسان، وبعثمان أشبه.
- ١٤١-

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
هارون البُرْدِيُّ، قال: حَدَّثْنَا جرير -وهو ابنُ عبد الحميد-، عن مغيرة،
عن واصل بن حيّان، عن عبدِ الله بن أبي الهذيل، عن أبي الأحوص،
عن عبدِ الله قال: قال رسول الله﴾: (( أُنزلَ القُرآنُ على سبعةٍ
أحرفٍ، لِكُلِّ آيةٍ منها ظَهْرٌ وبَطْنٌ، ولِكُلِّ حَدِّ مُطْلَعٌ)).
٥٧٨٠- وحَدَّثَنَا أبو أُمية وعبدُ الرحمن بنُ الجارود، قالا: حَدَّثْنَا
عفَّانُ بنُ مسلم، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بن سلمة، قال: أخبرني حُمَيْدٌ، عن
أنسٍ، عن عُبادة بنِ الصَّامِت، عن أُبيّ، عن النِيَِّ﴾، قال: «أُنْزِلَ
القُرآنُ على سَبْعَةِ أحرُفىٍ)(١).
٥٧٨١- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا عِفَّادُ، قال:
حَدَّثْنَا حمادُ بِنُ سَلَمَةَ، قال: أخبرنا حُمَيْدٌ، عن أنسٍ، عن عُبادَةَ بنِ
الصامت، أنَّ أُبيًّ قال: قال رسول الله :﴿: (أَنْزِلَ القُرآنُ على سَبْعَةِ
أُخْرُفٍ)).
٥٧٨٢- حَدَّثَنَا أبو أميّة، قال: حَدَّثْنَا منصورُ بنُ سُقَيرِ، قال:
حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن عاصم بنِ بَهْدَلة، عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، عن
حُذيفة، أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ لَقِيَ جبريلَ ◌ِ﴿، فقال:
((إِنِّي أُرْسِلْتُ إلى أُمَّةٍ فيهم الشيخُ الكبيرُ، والعجوزُ والغلامُ،
والخادِمُ والشيخ الفاني الذي لَمْ يَقْرَأْ كِتَاباً قَطُ، فَقَالَ: إِنَّ القُرْآنَ
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١١٤/٥ عن عفان بن مسلم، به.
ورواه ابن حبان (٧٤٢)، والطبري (٢٨) من طريق أبي الوليد هشام بن عبد
الملك الطيالسي، عن حماد بن سلمة، به.
- ١٤٢ -

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَخْرُفٍ)(١).
٥٧٨٣- حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ
وهبٍ، قال: أخبرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يزيد بنِ خُصيفة، عن بُسْرٍ
بنِ سعيدٍ، أنا أبا جهيم الأنصاريَّ أخبره، أن رَجُلَيْنِ اختلفا في آيةٍ من
القرآن فقال هذا: تَلَقَّيْتُها من رسولِ اللهِلَ﴿، وقال الآخَرُ: تَلَقَّيْتُها من
رسول الله:﴿، فسألا رسولَ الله:﴿، فقال رسولُ الله: ﴿: ((إِنَّ هذا
القرآن أُنزِلَ على سَبْعَةٍ أحرفٍ، فلا تَمارَوا في القُرآن، فإِنَّ المِراء فيه
كُفْرٌ)(٢).
(١) حديث حسن، ورواه أحمد ٢٩١/٥ عن عفان، والطبراني (٣٠١٨) عن
محمد بن العباس المؤدب، عن عفان، والبزار (٢٣١٠) عن هدبة بن خالد، كلاهما
(عفان وهدبة) عن حماد بن سلمة، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٥١٨/١٠، وأحمد ١٣٢/٥، والطبري (٢٩) من طريق زائدة
بن قدامة، والطيالي (٥٤٣) عن حماد بن سلمة، والترمذي (٢٩٤٣) من طريق شيبان
بن عبد الرحمن النحوي، ثلاثتهم عن عاصم بن بهدلة، عن رز بن حبيش، عن أبي،
قال: لقي رسول الله * جبريل عند أحجار المِراء [موضع بقباء خارج المدينة]، فقال:
(إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل
الذي لم يقرأ كتاباً قط)). قال: (يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف)).
وصححه ابن حبان (٧٣٩)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد
رُوِيّ عن أُبي ین کعب من غیر وجه.
(٢) إسناده صحيح، ورواه الطبري (٤١) عن يونس بن عبد الأعلى، به.
ورواه أحمد ١٦٩/٤-١٧٠ عن أبي سلمة الخزاعي، عن سليمان بن بلال، به،
- ١٤٣ -

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
٥٧٨٤- حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا سفيانُ بنُ
عيينة، عن عُبَيْدِ الله بنِ أبي يزيد، قال: سمعتُ أمَّ أيوب الأنصارية،
وقال مَرَّةٌ -يونسُ القائل -: أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ أبي يزيد، عن أبيه،
قال: سمعتُ أمَّ أيوب الأنصاريةَ، قالت: نَزَلَ عليَّ النِيُّ:﴿، فسمعتُه
يقول: (نَزَلَ القُرآنُ على سَبْعَةٍ أحْرُفٍ، أَيَّها قرأْتَ أَصْبْتَ)(١).
هكذا أملاه يونسُ علينا على ما ذكرنا مِن اختلاف ما حدَّث به
ابنُ عُيِينة عليه في كُلِّ واحدٍ من هاتين المرتين.
٥٧٨٥- وحَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ
صالح، قال: حدثني الليثُ بنُ سعدٍ، عن محمد بنِ عجلانَ، عن سعيد
ونقله ابن كثير في ((فضائل القرآن)) ص٦٤-٦٥ عن المسند، وقال: هذا إسناد
صحيح، ولم يخرجوه - يريد أصحاب الكتب الستة-، وأورده الهيثمي في ((المجمع)
١٥١/٧، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
ورواه البغوي في ((شرح السنة)) (١٢٢٨) من طريق أحمد بن علي الكُشْمِيهَني،
عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن مسلم بن صعيد
مولی الحضرمي، عن أبي جھیم الأنصاري.
(١) رواه الطبري (٢٠) و(٢٣) عن محمد بن عبد الله بن أبي مخلد الواسطي،
ويونس بن عبد الأعلى الصدفي، ومن طريق أسد بن موسى، ثلاثتهم عن سفيان بن
عیینة، به.
ورواه أحمد ٤٣٣/٦ و٤٦٢-٤٦٣، والحميدي (٣٣٨) عن سفيان بن عيينة، به.
ونقله ابن كثير في ((فضائل القرآن)) ص ٦٤ عن ((المسند)، وقال: وهذا إسناد
صحيح، ولم يخرجه أحدٌ من أصحاب الكتب الستة.
- ١٤٤ -

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
بن أبي سعيد المقْبُريّ، عن أبي هُريرة رَضِيَ الله عنه، عن رسول الله ◌َ﴿
أنّه قال: ((أَنْزِلَ القرآنُ على سبعةٍ أحْرُفٍ، فاقرؤوا ولا حَرَجَ غَيْرَ أن
لا تجمعوا بَيْنَ ذکرِ رحمةٍ بعذابٍ، ولا ذكر عذابٍ برحمة».
قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن هذه السبعة الأحرفَ المذكورةَ
في هذه الآثار هي سبعةُ أنحاء، كُلُّ نحوٍ منها جزءٌ من أجزاء القرآن
خلافَ المنحى الآخرِ منه، وذهبُوا إلى أنَّ كل حرفٍ من هذه الأحرف
هو صنفٌ من الأصناف، لِقول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ الله على
حَرْفٍ فِإنْ أصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأْنَ بِهِوإِنْ أصابتهِفِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ .. ﴾ الآية
[الحج: ١١].
فكان معنى الحرف الذي يعبدُ الله عَزَّ وحَلَّ عليه هو صِنفٌ من
الأصنافِ التي يُعبد الله عَزَّ وجَلَّ عليها، فمنها ما هو محمودٌ عندَهُ عَزَّ
وجَلَّ، ومنها ما هو عندَه بخلاف ذلك، فمِنْ تلك الأحرفِ حرفٌ
زاجرٌ، ومنها حرفٌ آمِرٌ، ومنها حرفٌ حلالٌ، ومنها حرفٌ حرامٌ،
ومنها حرفٌ محكم، ومنها حرفٌ متشابه، ومنها حرفٌ أمثال.
وسمعت أحمد بنَ أبي عمران يقول: هذا التأويلُ عندي فاسِدٌ،
وذلك أن أُبيَّ بنَ كعبٍ قد رُوِيَ عنه أن جبريلَ أتى النبيَّمَ، قال: اقرَأُ
على حرفٍ، فاستزاده، فقال: اقرأ على حرفين. فقد علمنا أنَّ الحرف
الذي علمه أن يقرأ عليه محالٌ أن يكونَ حراماً لا ما سواه، أو يكون
حلالاً لا ما سواه، لأنه لا يجوزُ أن يُقرأ القرآن على أنه حلالٌ كُلُّهُ، ولا
على أنَّه حرامٌ كُلُّه.
قال أبو جعفر: وهذا كما قال ابنُ أبي عمران، ومما احتجَّ به أهلُ
- ١٤٥-

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
هذه المقالة لِقولهم هذا:
٥٧٨٦- ما قد حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان الجيزي، قال: حَدَّثْنَا أَبو
زُرْعة وهب الله بن راشد، قال: أخبرنا حَيْوَةُ بنُ شريحِ، قال: أخبرنا
عُقَيْلُ بنُ خالد، عن سَلَمَةَ بنِ أبي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمن بن عوف، عن
أبيه، عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، عن رسول اللهلض / قال:
(( كان الكِتَابُ الأوَّلُ نزل من بابٍ واحدٍ على حرفٍ واحدٍ، ونزل
القرآنُ مِن سبعة أبوابٍ على سبعة أحرفٍ: زاجرٍ، وآمرٍ، وحلالٍ،
وحرامٍ، ومُحْكَمٍ، ومُتشابهٍ، وأمثال، فأحِلُّوا حلالَه، وحَرِّمُوا حَرامَه،
وافعلوا ما أُمِرْتُمْ، وانتهوا عما نُهِيتُمْ عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا
بِمُحْكَمِهِ، وآمنوا بمتشابهِه، وقولوا آمنًا بالله كُلُّ مِنْ عند ربِّنا)(١).
٥٧٨٧- حَدَّثْنَا إبراهيم بنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن
صالح، قال: حَدَّثْنَا الليثُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا عُقَيْلُ بنُ خالد، عن
ابن شهاب، قال: حدثني سلمةُ بنُ أبي سلمة أن رسولَ الله :﴿، ثم
ذكر هذا الحديثَ ولم يذكر فيه عبدَ الله بنَ مسعود.
(١) رواه الطبري (٦٧)، وابن حبان (٧٤٥)، والحاكم ٥٥٣/١ من طريقين عن
ابن وهب، عن حیوة بن شریح، به.
قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٩/٩: قال ابن عبد البر: هذا حديث لا يثبت لأنه من
رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود ولم يلق ابن مسعود، ثم قال الحافظ:
وصححه ابنُ حبان والحاكم، وفي تصحيحه نظر لانقطاعه بين أبي سلمة وابن
مسعود.
-١٤٦-

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
قال أبو جعفر: فاختلف حيوة والليثُ على عُقيل في إسنادٍ هذا
الحديث، فرواه كُلُّ واحدٍ منهما عنه على ما ذكرناه في روايته إيّاه عنه.
قال: وكان أهلُ العلم بالأسانيد يدفعون هذا الحديث لانقطاعه
في إسناده، ولأنَّ أبا سلمة لا يتهيا في سِنِهِ لقاءُ عبدِ الله بن مسعود، ولا
أُخذُه إِیّاه عنه.
وذهب آخرون فيما ذكر لنا ابن أبي عمران إلى أن معنى سبعة
أحرف: سبعُ لغات، لأنه قد ذكر في القرآن غير شيء بلغات مختلفة من
لغات العرب، ومنه ما ذكر بما ليس مِن لغاتهم غير أنه عُرِّب، فدخل في
لغتهم مثل: طور سينين، فأنزل القرآنُ على تلك الأحرف كُلّها، بعضُه
على هذا الحرف، وبعضه على الحرفِ الآخر، فقيل: أنزل القرآنُ على
سبعة أحرف، أي: أنزل القرآنُ كُلَّه على تلك السبعة الأحرف.
قال أبو جعفر: فتأملنا نحن هذا البابَ لِنقف على حقيقةِ الأمرِ فيه
إن شاء الله.
فوجدنا الله عَزَّ وجَلَّ قد قال في كتابه: ﴿وما أمْسَلْنَا مِنْ رَسُولِإلَّ
◌ِسانِ قومِهِلِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، فأعلمنا الله أن الرسلَ إنما تُبعث
بألسنٍ قومها، لا بألسن سٍواها، وعَقَلْنا بذلك أن اللسانَ الذي بُعِثَ به
البِيُّ:﴿ هو لسانُ قومه وهُمْ قريش، لا ما سواه مِن الألسن العربية
وغيرها، وكان قومُهُ﴿ المرادون بذلك هُمْ قريش لا مَنْ سِواهُم.
ومن ذلك قولُ الله عَزَّ وجَلَّ له: ﴿وَإِنَّهَ لَذِكِـرٌّلَكَ وَلِقَوْمِكَ)
[الزخرف: ٤٤]، يعني قريشاً لا سواها.
-١٤٧-

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
وقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهُوَالْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]،
يعني من کذب به مِن قریش لا من سواها.
وقوله جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَأَنْذِرَ عَشِيرَّكَ الأقْرِبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]،
فدعا قريشاً بطناً بطناً حتى تناهى إلى آخرها ولم يتجاوزها إلى من
سواها، وإن كانوا قد ولدوه كما ولدته قريش.
فعقلنا بذلك أن قومَه الذين بعثه الله عَزَّ وجَلَّ بلسانهم هُمْ قريشٌ
دونَ مَنْ سِواهم، وكان ﴿ يقرأ ما يَنْزِلُ عليه من القرآن باللسان الذي
ذكرنا على أهل ذلك اللسان، وعلى مَنْ سواهم مِن الناس من أهل
الألسن العربية التي تُخَالِفُ ذلك اللسانَ، وعلى مَنْ سواهم ممن ليس من
العرب ممن دخل فيه دينه كسلمان الفارسي، وكمن سواه ممن صحبه
وآمن به وصدَّقَه، وكان أهلُ لسانه أُمِّّين لا يكتبون إلا القليلُ منهم
كتاباً ضعيفاً، وكان يَشُقُّ عليهم حفظُ ما يقرؤه عليهم بحروفه التي
يقرؤه بها عليهم، ولا يتهيأ لهم كتابُ ذلك، وتَحَفُظُهُمْ إِيَّه لما عليهم
في ذلك من المشقة، وإذا كان أهلُ لسانه في ذلك كما ذكرنا، كان مَنْ
ليس مِنْ أهلِ لسانه من بعدٍ أخذ ذلك عنه بحروفه أوكدَ، وكمان
عذرُهم في ذلك أَبْسَطَ، لأن من كان على لغةٍ من اللغات، ثم اراد أن
يتحوَّلَ عنها إلى غيرها من اللغات لم يتهيأ ذلك له إلا بالرياضة
الشديدة، والمشقةِ الغليظة.
وكانوا يحتاجون إلى حفظ ما قد تلاه عليهم ﴿ مما أنزله الله عَزَّ
وجَلَّ عليه من القرآن ليقرؤوه في صلاتهم، وَلِيعلموا به شرائحَ دينهم،
فوسَّعَ عليهم في ذلك أن يتلوه بمعانيه وإن خالفت ألفاظُهم التي يتلونه
-١٤٨ -

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
بها ألفاظَ نبيهم ﴿ التي قرأه بها عليهم، فوسَّع لهم في ذلك بما ذكرنا.
والدليلٌ على ما وصفنا من ذلك أن عمر بنَ الخطاب وهشام بنَ
حكيم بن حزام رضي الله عنهما، وهما قرشيان، لسانُهما لسانُ رسول
الله ﴿ الذي به نَزَلَ القرآنُ عليه، قد كانا اختلفا فيما قرآ به سورة
الفرقان، حتى قرآها على النبيِّ :﴿، فكان مِن قوله لهما ما قد رُوِيَ في
حديثٍ يعود إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
٥٧٨٨- وهو ما قد حَدَّثَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب: أن
مالكاً حدَّثه، عن ابن شهابٍ، عن عُروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن
عبدٍ القرِيِّ، سمعتُ عُمَرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه يقولُ: سَمِعْتُ
هشامَ بنَ حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها عليه،
وكان رسولُ اللهِ﴾﴿ أقرأنيها، فَكِدْتُ أعْجَلُ عليه، ثم أملتُه حتّى
انصرف، ثم ◌َبَّيْتُه بردائه، فجئتُ به رسول اللهعَ ﴾، فقلت إني سمعت
هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال رسول الله ﴿:
(اقرأ) فقرأ القراءة التي سمعتُه يقرأ رسول الله(﴿: ((هكذا أُنْزِلَتْ))، ثم
قال لي: ((اقرأ) فقرأت، فقال: ((هكذا أُنْزِلَتْ، إنَّ هذا القُرآن أُنزِلَ
على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فاقرؤوا ما تَسَّرَ مِنْهِ)(١).
٥٧٨٩- وما قد حَدَّثْنَا المزنيُّ، قال: حَدَّثَا الشافعيُّ، قال: حَدَّثَا
(١) إسناده صحيح. وهو في ((الموطأ) ٢٠٦/١. ورواه من طريق مالك أحمد
٤٠/١، والبخاري (٢٤١٩)، ومسلم (٨١٨)، والنسائي ١٥١/٢، والبغوي في
((شرح السنة)) (١٢٢٦).
- ١٤٩-

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
مالكٌ، ثم ذكر بإستاده مثله(١).
٥٧٩٠- وما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثَنَا روحُ بنُ
عبادة، قال: حَدَّثْنَا مالكٌ، ثم ذكر بإسناده مثله.
٥٧٩١- وما حَدَّثْنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا القَعْنَبِيُّ، قال: قرأتُ على
مالكٍ، ثم ذکر بإسناده مثله.
٥٧٩٢- وما قد حَدَّثْنَا أبو أمية، قال: حَدَّتْنَا خالدُ بنُ مخلدٍ
الْقَطَوانِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بنُ عبد العزيز الأنصاريُّ، عن
الزهريِّ، عن عروةَ بنِ الزبير، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ وعبد الرحمن بن
عبدٍ القاري، قالا: سمعنا عُمَرَ بنَ الخطاب يقول: سمعتُ هشامَ بنَ
حكيمٍ يقرأ سورةً الفُرقان، ثم ذكره.
٥٧٩٣- وما قد حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال:
أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرني عروةُ بنُ الزُّبيرِ: أن
المِسْوَرَ بنَ مَخْرمةَ وعَبْدَ الرحمن بنَ عبدٍ القارِيَّ أخبراه أنهما سَمِعَا عُمَرَ
بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ثم ذكر مثله(٢).
٥٧٩٤- وما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سنان، وإبراهيمُ بنُ أبي داود،
قالا: حَدَّثَا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدثني الليثُ، عن عُقَيْلٍ، عن ابنٍ
(١) هو في ((السنن المأثورة)) (١٠٣)، و((مسند الشافعي)) ١٨٣/٢-١٨٤،
و((الرسالة)) (٧٥٢).
(٢) إسناده صحيح، ورواه الطبري (١٥)، والنسائي ١٥١/٢ عن يونس بن عبد
الأعلى، ومسلم (٨١٨) (٢٧١) عن حرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب، به.
- ١٥٠ -

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
شهاب، عن عُروة بنِ الزبير، أن المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ وعبد الرحمن بن
عبدٍ القاري حدثاه أنهما سَمِعًا عمر، ثم ذكرا مثله.
قال أبو جعفر: فعقلنا بذلك أن اختلافَ عُمَرَ وهشامٍ في قراءة
هذه السورةِ حتى قال لهما رسولُ الله :﴿ مِن أجل اختلافهما ما قاله
لهما مما ذُكِرَ في هذا الحديثِ، وأن ذلك إنما كان من الألفاظ التي قرأها
بها كُلُّ واحدٍ منهما مما يُخالِفُ الألفاظَ التي قرأها بها الآخر منهما.
وعقلنا بذلك أن السبعة الأحرف التي أعلمهما أن القرآن نزل بها
هي الأحرفُ التي لا تختلفُ في أمر، ولا في نهيٍ، ولا في حلال، ولا في
حرامٍ، كمثل قول الرجل للرجل، أقْبِلْ، وقوله له: تَعالَ، وقوله له: ادْنُ،
وانتفى بذلك القولان اللذان بدأنا بذكرهما في هذا الباب.
ومثلُ ذلك ما قد رُوِيَ عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه، عن
النبيِّ # في هذا المعنى.
٥٧٩٥- حَدَّثَنَا إِبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدََّنَا عبدُ الله بنُ بكرٍ
السَّهميُّ، قال: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطويلُ، عن أنس بنِ مالك، عن أُبيِّ بنِ
كعبٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ما حَكَّ في نفسي منذ أسلمتُ شيءٌ، إلا
أني قرأتُ آيةٌ وقرأها غيري، فقلت: أقرأنيها رسولُ اللهِلَ﴿، وقال
صاحبي: أقرأنيها رسولُ اللهِ﴿، فأتيناه، فقلت: يا رسولَ الله أقرأتني
آيةَ كذا، قال: ((نعم)، وقال صاحبي: أقرأتنيها هكذا، قال: «نعم، أتاني
جبريلُ وميكائيلُ صلّى الله علَّيهما، فجَلَسَ جبريلُ عن يميني، وجلسَ
ميكائيلُ عن يساري، فقال: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل:
استزذه، فقال: اقرأ القرآن على حرفين، حتّى بلغ سبعةَ أحرفٍ،
- ١٥١-

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
وكُلِّ كافٍ شافٍ)(١).
٥٧٩٦- وكما حَدَّثَنَا سليمان بن شعيب الكَيْساني، قال:
حَدَّثْنَا الْخَصيب بنُ ناصحِ الحارثيُّ، قال: حَدَّثَنَا هَمَّامُ بنُ يحيى، عن
قتادة، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن سُليمانَ بنِ صُرَدَ، أن أبي بن كعب قال:
٥٧٩٧- وكما حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا هُدْبَةُ بنُ خالدٍ،
قال: حَدَّثْنَا هَمَّامٌ، قال: حَدَّثَنَا قتادةُ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن سليمانَ
بنِ صُرَدَ، عن أَبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قرأ أُبيُّ آيةً، وقرأ ابنُ مسعودٍ
خلافَها، وقرأ رجلٌ آخرُ خلافَها، فأتينا النبيَّمَ﴿، فقلت له: أَلَمْ تَقْرَأْ آيَةَ
كذا وكذا، كذا وكذا؟ وقال ابنُ مسعود: ألم تقرأ آية كذا وكذا، كذا
وكذا؟ فقال رسول الله ﴿: ((كُلُّكُمْ مُحسِنٌ مُجْمِلٌ) قال: قُلْنا: ما كلنا
أحسنَ ولا أجْمَلَ، قال: فضرب صدري، وقال: (يا أُبَيُّ أقرنتُ
القرآن، فقلتُ: على حرف، أو على حرفين؟ فقال لي المَّلَكُ الذي
عندي: على حرفين، فقلتُ: على حرفين؟ فقال لي: على حرفين أو
على ثلاثةٍ، فقال لي المَلَكُ الذي معي: على ثلاثةٍ، فقلتُ: على ثلاثةٍ،
هكذا حتى بلغ سبعة أحرفٍ ليس منها إلا شافٍ كافٍ، قلت: غفوراً
رحيماً، أو قلت: سميعاً حكيماً، أو قلت: عليماً حكيماً، أو قلت:
عزيزاً حكيماً، أيّ ذلك قلت، فإنه كذلك)).
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١٢٢/٥، وابنُ أبي شيبة ٥١٧/١٠، والنسائي
٥٤/٢، وفي ((فضائل القرآن)) (١١)، وابن حبان (٧٣٧)، والطبري (٢٦) و(٢٧)
من طرق عن حميد الطويل، به.
- ١٥٢-

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
وزاد سليمان في حديثه: «ما لم يختم عذاب برحمة أو رحمة
بعذاب»(١).
٥٧٩٨- وكما حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ موسى ابن
بنت السُّدِّي، قال: حَدَّثَنَا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سُليمانَ بنِ
صُرَدَ يرفعه إلى النبيِّلَ﴿، قال: «أتاني مَلَكَانٍ، فقال أحَدُهُمَا: أقرِئه
على حرفٍ، فقال: على حرفٍ؟ قال: زِذْه، فانتهى بي إلى سبعةٍ
أحرف»(٢).
٥٧٩٩- وما قد حَدَّثَنَا محمدُ بنُ علي بنِ داود، قال: حَدَّثْنَا أبو
نصر التمَّارُ، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عمرو، عن زيدٍ - وهو ابنُ أبي
أَنَيْسَةَ-، عن أبي إسحاق، عن سُليمان بن صُرَدَ، قال: أتى محمداًّ ◌َ ﴾.
الملکان، ثم ذکر نحوه.
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١٢٤/٥، وأبو داود (١٤٧٧) من طريق همام
بن یحیی، به.
(٢) ورواه الطبري (٢١) عن إسماعيل بن موسى السدي، عن شريك، به.
ورواه عبد الله بن أحمد ١٢٥/٥ عن محمد بن جعفر الوركاني، عن شريك، عن
أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب، رفعه.
ورواه النسائي في («عمل اليوم والليلة)) (٦٧١) عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام،
عن إسحاق الأزرق، عن العوام بن حوشب، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد،
قال: أتى أبيُّ بن كعب رسولَ الله # برجلين اختلفا في القراءة ... ورواه أيضاً
(٦٧٠) عن أبي داود، حَدَّثْنَا يزيد، حَدَّثَنَا العوام، حدثني أبو إسحاق الهمداني، عن
سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب ...
-١٥٣-

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديثِ ما قد دَلَّ على أن السبعةً
الأحرف هي السبعة التي ذكرنا، وأنها مما لا يختلف معانيها، وإن
اختلفت الألفاظ التي يُتَلَفَّظُ بها، وأن ذلك كان توسعةٌ من الله عَزَّ
وجَلَّ عليهم لضرورتهم إلى ذلك، وحاجتهم إليه، وإن كان الذي نزل
على النِيَِّ﴿ إنما نزل بألفاظٍ واحدةٍ.
ومن ذلك ما قد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما مما قد حمله
ابنُ شهاب على المعنى الذي حملناه نحن عليه.
٥٨٠٠- حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أنبأنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
يونسُ بنُ يزيد، عن ابنٍ شهابٍ، قال: حدثني عُبَيْدُ الله بنُ عبد الله، أن
ابنَ عباسٍ رَضِيَ الله عنهما حدثه أن رسولَ اللهِ:﴿ قال: «أقرأني
جبريلُ على حرفٍ واحد، فراجعتُه، فلم أزل أستزيده، فيزيدني
حتّى انتهى إلى سبعة أحرفٍ)).
قال ابنُ شهاب: بلغني أن تلك السبعةَ الأحرف إنما تكونُ في
الأمر الذي يكونُ واحداً لا يختلفُ في حلالِ ولا حرامٍ(١).
قال أبو جعفر: وكانت هذه السبعةُ للناس في هذه الحروفِ في
(١) إسناده صحيح، ورواه الطبري (١٩) عن يونس بن عبد الأعلى، به.
ورواه مسلم (٨١٩) عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، به.
ورواه البخاري (٣٢١٩) عن إسماعيل، عن سليمان بن بلال، عن يونس بن يزيد،
به. ورواه البخاري أيضاً (٤٩٩١) عن سعيد بن عفير، عن الليث، عن عقيل، عن
ابن شهاب، به.
وقول ابن شهاب: ((بلغني أن تلك الأحرف السبعة ... )) هو مرسل غير متصل.
-١٥٤ -

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
عجزهم عن أخذ القرآن على غيرها مما لا يقدرون عليه لما قد تَقَدَّمَ
ذكرُنَا له في هذا الباب، وكانوا على ذلك حتى كَثُرَ من يكتب منهم،
وحتى عادت لغاتُهم إلى لسان رسول الله ﴿، فَقَوُوا بذلك على تَحَفّظٍ
القرآن بألفاظه التي نزل بها، فلم يَسَعْهُمْ حينئذٍ أن يقرؤوه بخلافها،
وبان بما ذكرنا أن تلكَ السبعة الأحرف، إنما كانت، في وقتٍ خاص
لضرورةٍ دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورةُ، فارتفع حكمُ هذه
السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرفٍ واحدٍ.
وقد رُوِيَ من حديث أبي في المعنى الذي ذكرنا ما فيه زيادة
على حديثه الذي رويناه قَبلَ هذا.
٥٨٠١- كما حَدَّثْنَا حسينُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بن
سَوَّار، وعبدُ الرحمن بن زياد، قالا: حَدَّثَنَا شعبة، عن الحكمِ، عن
مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن أُبيِّ بنِ كعب، أن النبيَّ/ كان على
أضاةِ بني غِفار فأتاه جبريلُ، فقال: ((إنَّ الله يأْمُرُكَ أن تَقْرَأ أنْتَ وَأُمَّتُكَ
على حرفٍ، فقال رسولُ الله :﴿: أسْألُ الله معافاتَه ومغفرتَه، إنَّ أُمَّتِي
لا تَسْتَطِيعُ ذلك، ثُمَّ رَجَعَ إليه الثانية، فقال: إنَّ الله يأْمُرُكَ أن تَقْرأ
القُرآنَ على حَرْفَيْنِ، فقال: أسألُ الله معافَاتَه ومغفِرَتَه، إنَّ أُمَّتي لا
تُطِيقُ ذلك، ثم أتاه الثالثة، فقال له مثلَ ذلك، فقال له النبيُّ #: مِثلَ
ذلك، ثم أتاه الرابعة، فقال: إنَّ الله يأْمُرُكَ وَأُمَّتَكَ أن تقرؤوا القُرآنَ
على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلِّمَا قَرَؤُوا بها أصَابُوا))(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه الطيالسي (٥٥٨)، وأحمد ١٢٧/٥-١٢٨، ومسلم
- ١٥٥-

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
ورُوي عن أبي بكرة في هذا المعنى أيضاً.
٥٨٠٢- وما قد حَدَّثَنَا بِكَّارُ بنُ قتيبة، قال: حَدَّثْنَا عفانُ بنُ
مسلم، قال: حَدَّثَنَا حماد، قال: أنبأنا علىُّ بنُ زيد، عن عبد الرحمن بن
أبي بكرة، عن أبي بكرة، قال: جاء جبريلُ ◌َ﴿ إلى النبيِّ﴾، فقال:
((اقرأ على حرفٍ، قال: فقالَ ميكائيل: استزده، فقال: اقرأ على
حرفين، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ إلى سبعة أحرف، فقال:
اقرأه، فَكُلِّ كافٍ شافٍ إلا أن تَخْلِطَ آيةَ رحمةٍ بآيةٍ عذابٍ، أو آيةَ
عذابٍ بآيةٍ رحمة، على نحو: هَلُمَّ وتَعَالَ وأقْبِلْ وأذْهَبْ وأَسْرِغْ
وعَجِّلْ)(١).
فدلَّ ما في هذين الحديثين أيضاً على ما قد ذكرناه مما حملنا
وجوه هذه الآثار عليه، ومما يدل على عودِ التلاوة إلى حرف قبلهما
(٨٢١)، وأبو داود (١٤٧٨)، والطبري (٣٥) و(٣٦) من طرق عن شعبة، به.
والأضاة: قال ابن الأثير بوزن الحصاة: الغدير، وجمعها: أُضَى وإضاء كّاكَمٍ
وإكَام، وقال البكري: أضاة بني غفار: موضع بالمدينة.
(١) رواه أحمد ٥١/٥ عن عفان بن مسلم، به.
ورواه أيضاً ٤١/٥ عن عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، به.
ورواه الطبري (٤٠) و(٤٧) عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب، عن حماد بن
سلمة، به.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٥١/٧ وزاد نسبته للطبراني، وقال: وفيه علي بن
زيد بن جدعان، وهو سيئ الحفظ، وقد توبع، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.
-١٥٦-

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
واحد بعدما كانت قبلَ ذلك على الأحرف السبعة التي ذكرنا ما قد
كان من أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه من جمعه القرآن واكتتابه فيما
کان اکتتبه فيه.
٥٨٠٣- حَدَّثَنَا يونسُ، قال: أنبأنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمٍ وخارِجَةَ، أن أبا بكر الصدِّيق رضي
الله عنه كان جَمَعَ القرآنَ في قراطيسَ، وكان قد سأل زيدَ بنَ ثابت
النظرَ في ذلك، فأبي عليه، حتى استعان عليه بعمرَ بنِ الخطاب رضي
الله عنه، ففعل، فكانت تلك الكُتُبُ عندَ أبي بكر رضي الله عنه حتى
تُوفي، ثم كانت عندَ حفصة زوج النبي ﴿، فأرسل إليها عُثْمَانُ فَأَبَتْ
أن تدفعها إليه حتى عاهدَها لَيَرُدَّنَّها إليها، فبعثت بها إليه، فنسخها
عثمانُ رضي الله عنه -هذه المصاحف- ثم رَدَّهَا إليها، فلم تزل عندها
حتى أرسل مروانُ فأخذها، فحرقها(١).
٥٨٠٤ - وكما حَدَّثَنَا يونسُ، قال: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بنُ حَمّاد، قال:
حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بن محمد، عن عُمارة بنِ غَزِّيَّةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن
خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: لما قُتِلَ أصحابُ رسولِ الله
﴿ باليمامة، دخل عُمَرُ رضي الله عنه على أبي بكر رَضِيَ الله عنه،
فقال: إنَّ أصحابَ رسولِ الله :﴿ تهافْتُوا يَوْمَ اليمامة، وإني أخْشَى أن
لا يشهدوا مَوْطِناً إلا فعلوا ذلك فيه حتَّى يُقْتُلوا، وهُمْ حَمَلَةُ القرآن،
(١) إسناده صحيح، ورواه ابن أبي داود في ((المصاحف)) ص ١٥ -١٦ عن أبي
الطاهر، عن ابن وهب، به. وانظر ((فتح الباري) ٢٠/٩.
-١٥٧-

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
فيضيعُ القرآنُ ويُنسى، فلو جمعتَه وكتبتَه، فَنَفَرَ منها أبو بكرٍ رضي الله
عنه، وقال: أفعلُ ما لم يفعل رسولُ الله ◌ِ اٌ!
ثم أرسل أبو بكر رضي الله عنه إلى زيد بن ثابت، وعمر
مُحْزَيِلٌّ، يعني شبه المتكئ، فقال أبو بكر: إن هذا دعاني إلى أمرٍ، فَأَبَيْتُ
عليه، وأنت كاتبُ الوحي، فإن تكن معه اتبعتكما، وإن توافِقي، لم
أفعل ما قال، فاقتصَّ أبو بكرٍ قَوْلَ عمر فنفرتُ من ذلك، وقلت: نفعلُ
ما لم يفعلْ رسول الله {﴿! إلى أن قال عُمَرُ رضي الله عنه كلمةٌ، قال:
وما عليكما لو فعلتُما، فأمرني أبو بكر رضي الله عنه، فكتبتهُ في قطع
الأَدَمِ، وكِسَر الأكتافِ، والعُسُب . -قال الشيخ: يعني الجريد -.
فلما هلك أبو بكر وكان عُمَرُ قد كتب ذلك كُلَّه في صحيفة
واحدة، فكانت عنده فلم هلك كانت عند حفصة.
ثم إنَّ حذيفة بنَ اليمان قَدِمَ في غزوةٍ غزاها فرج أرمينية (١)، فلم
يَدْخُلْ بيتَه حتى أتى عثمانَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين أدركَ الناسَ، فقال
عثمانُ: وما ذاك؟ فقال: غزوتُ أرمينية، فحضرها أهلُ العراق وأهلُ
الشام، وإذا أهلُ الشام يقرؤون بقراءةٍ أُبَيٍّ، فيأتون بما لم يَسْمَعْ أهلُ
العراقِ، فيكفرهم أهل العراق، وإذا أهلُ العراق يقرؤونبقراءة عبد الله
بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهلُ الشام، فيكفرهم أهلُ الشام.
قال زيد: فأمرني عثمانُ أن أكْتُبَ له مصحفاً، وقال: إني جاعلٌ
(١) يعني ثغرها، وأرمينية: هي جبال وأتجاد في آسيا الصغرى جنوب القفقاز بين
أنجاد إيران شرقاً والأناضول غرباً، وبين بحر قزوين ومسيل الفرات الأعلى.
-١٥٨-

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
معك رجلاً لبيباً فصيحاً، فما اجتمعتُما فيه، فاكتُبَاه، وما اختلفتُما فيه،
فارفعاه إليّ، فجعل معه أبانَ بنَ سعيد العاص، فلما بلغ: ﴿إِنَّآيَةَ مُلْكِهِ
أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، قال زيد: فقلتُ أنا: التابوهُ،
وقال أبانُ: التابوتُ، فرفعنا ذلك إلى عثمان فكتب (التابوت)) ثم
عرضته، يعني المصحف عرضةٌ أخرى، فلم أجد فيه شيئاً، وأرسل
عثمانُ إلى حفصة أن تُعْطِيَهُ الصحيفة وحلف لها: لَيُردَّنَّها إليها،
فأعطته، فعرضت المصحف عليها، فلم يختلفا في شيء، فردَّها عليها،
وطابت نفسُه، وأمَرَ الناسَ أن يكتبوا المصاحفَ(١).
قال أبو جعفر: فوقفنا بذلك على أن جَمْعَ القرآنِ كان من أبي
بكر وعمر رضي الله عنهما وهُما راشدان مَهْدِيَّانِ، وقد تقدم أمرُ
رسول الله # بالقدوة بهما، وقد روينا ذلك بما تقدم منا في كتابنا
هذا، وتابعهما عثمان رضي الله عنه على ذلك، وهو إمامٌ راشدٌ
مَهْدِيٍّ، وتابعهم عليه أيضاً زيدُ بنُ ثابت وهو كاتبُ الوحي لِرسولِ
الله، فكتب المصحفَ لِعثمان بيده، وتابعهم أصحابُ رسول الله مَ﴾
على ذلك، فصار إجماعاً، والنقل بالإجماعِ هُوَ الحُجَّةُ التي بمثله نُقِلَ
الإسلام إلينا حتى علمنا شَرائِعَهُ، وحتى وقفنا على عَدَدِ الصلوات،
وعلى ما سواها مما هو من شرائع الإسلام.
(١) حديث صحيح. نعيم بن حماد، وإن كان في حفظه شيء، قد توبع.
ورواه الطبراني (٤٨٤٤) عن أحمد بن محمد الشافعي، عن عمه إبراهيم بن محمد،
حَدَّثْنَا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، بهذا الإسناد.
- ١٥٩ -

كتاب فضائل القرآن وأحكامه
وعاد ذلك إلى أنَّ من كفر بحرفٍ منه، كان كافراً حلالَ الدم إن
لم يرجع إلى ما عليه أهلُ الجماعة، وفارق ذلك حكم الأخبار التي
يرويها الآحادُ بما يُخالِفُ شيئاً مما في المصحف الذي ذكرنا، لأنه لا
يكونُ كافراً مَنْ كَفَرَ بما جاءت به أخبارُ الآحاد كما يكونُ كافراً مَنْ
كَفَرَ بما جاءت به الجماعةُ مما ذكرنا، وكان فيما ذكرنا ما قد دَلَّ أن
من أضاف شيئاً مما يُخالِفُ ما في مصحفنا هذا إلى أحد مِن أصحاب
رسول الله:﴿ غيرَ متلفّتٍ إلى ما حكى، لأنه حكى ما لا تقومُ به
الحجةُ، مما يُخالفه مما قد قامت به الحُجَّةُ، وبالله التوفيق.
وفيما ذكرنا مما قد رويناه في حديث يونس عن نعيم مما عاد إلى
خارجة بن زيد أن كاتبَ المصحف المكتوب في زمن عثمان كان زيدَ
بنَ ثابت بمحضر أبان بن سعيد، بامتثال ما كانا يفعلان في ذلك عند
اجتماعهما، وما كانا يفعلان في اختلافِهما.
وقد رُوِيَ عن غيرِ خارجة أن أصحابَ رسولِ الله ل:﴿ هم كانوا
كاتبي ذلك المصحف بأمر عثمان.
٥٨٠٥- كما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أبو عُمَرَ
الحوضي، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: حَدَّثَنَا أيوبُ، عن أبي قِلابَةَ،
قال: حدثني رَجُلٌ من بني عامر يُقال له: أنسُ بنُ مالك، قال: اختلفوا
في القرآن على عهدٍ عثمان حتى اقتتل الغِلمانُ والمعلّمون، فبلغ عثمان،
فقالك عندي تُكَذِّبُونَ به، وتختلِفُونَ فيه، فمن نأى عني، كان أشدَّ
تكذيباً وأكثرَ لحناً، [وقال] لأصحاب محمدٍ ﴿: احْتَمِعُوا، فاكتُبُوا
للنّاسِ، قال: فكتبوا، قال: فحدثني أنّهم إذا تَدَارَؤُوا في آيةٍ، قالوا: هذه
-١٦٠-