Indexed OCR Text
Pages 121-140
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
التي تُعَاضُ من كانت أو تكونُ منه ◌َ﴿ه مما نحنُ ذاكرُوها فيما بعدُ من
كتابنا هذا إنْ شاء الله على الذمِّ لِمَنْ كانَ كذلكَ، وعلى المعنَى له
منه، ووجدنَا مَنْ قرأ القُرآنَ بغيرِ تحسينِ منه له صوتَه مُريداً بقراءته إِيَّاهُ
الأحوالَ المحمودةَ مُثاباً على ذلك غيرَ مذمومٍ عليه، فعَقَلْنا بذلكَ أن
يكونَ مرادُ رسولِ الله ◌َ﴿ بقوله: ((مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقرآنِ)) هذا المعنى،
ولَّا انتفى ذلكَ المعنى عنه، ولم يُقَلْ في تأويلِهِ غيرُ هذينِ القولَينِ، وانتَفَى
أحدُهما، ثَبَتَ الآخرُ منهما، وهو الاستغناءُ به عن سائرِ الأشياءِ سواهُ،
والله أعلمُ بمراد رسولِ الله ﴿ بذلكَ القولِ وإِيَّاهُ نسألُهُ التوفيقَ.
٨٢٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله في قوله
لأُبي بن كعب: ((أُمِرْتُ أنْ أقرأ عليك القرآن))، أو: ((أُمِرْتُ أنْ
أُقْرِئَك القرآن»
٥٧٤٩- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عفانُ بنُ مسلم،
قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ المبارك، قال: أخبرني الأجلحُ، عن عبدِ الله بنٍ
عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بنِ كَعْبٍ، قال: قال رسولُ
الله ◌َ﴿: (أُمِرْتُ أن أَقْرَأْ عَلَيْكَ القُرآنَ)، قال: قلتُ: سَّاني لك رَبُّك
عَزَّ وَجَلَّ؟ قال: (نَعَمْ) فقرأ عليَّ: ﴿قُلْبِفَصْلِ الهِ وبِرَخْصِّهِفِذِكَ فَتَفْرَحُوا
هُوَخَيْرٌ مِنَّا تَجْسَعُونَ﴾ بالتاء جميعاً(١).
(١) إسناده ضعيف، لضعف الأجلح.
ورواه الطيالسي (٥٤٥)، وأبو نعيم ٢٥١/١ من طريق ابن المبارك، به. ورواه
- ١٢١-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
٥٧٥٠- حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ عبد الله بن منصور، قال: حَدَّثْنَا الهيئمُ
بنُ جميلٍ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ المبارك، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه.
قال: فكان في هذا الحديثِ إخبارُ رسولِ الله ◌َ﴿ أُبّاً رَضِيَ الله
عنه أنّه أمر أن يقرأ عليه القرآن، وقد رُوِيَّ أنَّ الذي كان قاله له
خلاف ما في هذا الحديث.
٥٧٥١- حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا الفريابيُّ، قال: حَدَّثْنَا
سفيانُ، عن أسلم المِنْقَرِيِّ، عن سعيد بنِ عبدِ الرحمن بن أبزى، عن
أبيهِ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله حَ﴾:
(أُنْزِلَتْ عَليَّ سُوَرَةٌ، وَأُمِرْتُ أن أُقْرِنَكَها)، قال: قلتُ له: ففرحتُ،
قال: وما يمنعني وهو يقول: ﴿بفضل الله وبر حمته فبذلك فَلْتَفْرَحُوا﴾(١).
قال: فكان في هذا الحديثِ أنّه ﴿ أُمِرَ أن يُقْرِئَهُ سورةٌ مِن القُرآن
أُنزلت عليه، وكان إسنادُ هذا الحديثِ أحسنَ إسناداً مِن الحديثِ الذي
أحمد ١٢٢/٥، وابن أبي شيبة ١٤٤/١٢، وابن سعد ٣٤٠/٢، وابن أبي عاصم في
«الآحاد والمثاني» ١٨٨٤/١، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٧٥٠، والمزي في
«تهذيب الكمال» ١٩٥/١٥ من طريق الأجلح، به.
(١) رواه أحمد ١٢٣/٥، وابن سعد ٣٤٠/٢، وابن أبي عاصم في «الآحاد
والمثاني» ١٣٤٩/١، الحاكم ٣٠٤/٣، وأبو نعيم ٢٥١/١، وفي «المعرفة» ٧٤٩
و٧٥٢، والبيهقي في «الشعب» (٢٥٩٤) من طرق سفيان، به.
لكن وقع عندهم عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى بدل سعيد، وهو أخوه. ورواه
أبو داود (٣٩٨٠) من طريق سفيان مختصراً.
-١٢٢-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
قبله، لجلالة أسلم المنقري، وعلوٍّ قدره في الرواية على قدرِ الأجلحِ
فيها، ولعلو سعيد بن عبد الرحمن في ذلك على عبد الله بن عبد الرحمن
وشهرته و کثرة رواياته.
٥٧٥٢- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا عفانُ، قال:
حَدَّثْنَا همامُ بنُ يحيى، عن قتادة، عن أنس بنِ مالكٍ: أن النبيَّ ێ دعا
أَبّاً، فقال: ((إِنَّ اللّهَ أمَرَنِي أَن أَقْرَأْ عَلَيْكَ القُرآنَ) قال: اللهُ عَزَّ وجَلَّ
سَمّاني لك؟ فقال: (الله عَزَّ وجَلَّ سَمَّاكَ لِي)) فجعل يبكي. قال قتادة:
ونَبِّئْتُ أنه قرأ عليه: ﴿لَمْيَكِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾(١).
(١) إسناده صحيح. ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٣٤٠/٢-٣٤١ و٤٩٩/٤-
٥٠٠، وأحمد ٢٨٤/٣ عن عفان، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ١٨٥/٣، والبخاري (٤٩٦٠)، ومسلم (٧٩٩) (٢٤٥)، وأبو يعلى
(٢٨٤٣)، وابن طهمان في ((مشيخته)) (٥٩)، وأبو يعلى (٢٨٤٣)، وابن حبان
(٧١٤٤)، والبيهقي في «الشعب» (٢٢٠٢) من طرق عن همام، به.
ورواه أحمد ١٣٠/٣ و٢٧٣، والبخاري (٣٨٠٩) و(٤٩٥٩)، ومسلم (٧٩٩)
(٢٤٦) وص ١٩١٥ (١٢٢)، والترمذي (٣٧٩٢)، وأبو يعلى (٢٩٩٥)
و(٣٢٤٦)، والنسائي في ((فضائل الصحابة)) (١٣٤)، والبيهقي في «الشعب»
(٢٢٠٣) من طرق عن شعبة، عن قتادة، به، ولفظه عند غير النسائي: ((إن الله أمرني
أن أقرأ عليك: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب)، قال: وسماني؟ قال: ((نعم)،
فبکی.
ورواه ابن سعد ٣٤٠/٢، وأحمد ٢١٨/٣ و٢٣٣، والبخاري (٤٩٦١)،
والبيهقي في «الشعب» (٢٢٠٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به.
ورواه عبد الرزاق (٢٠٤١١)، ومن طريقه أبو يعلى (٣٠٣٣) عن معمر، عن
- ١٢٣-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث من قراءة رسول الله و 14.
على أُبَيِّ، فوافق الحديثَ الأولَ، وكان فيه أن الذي قرأ عليه سورةٌ من
القرآن وهي: (لم يكن)، فكان بذلك قارئاً عليه القرآن.
٥٧٥٣- وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا عفانُ أيضاً،
قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بنُ زيدٍ، عن عمار بن أبي
*١
عمار، قال: سمعتُ أبا حبة البدريَّ يقولُ: لما نزلت: المْ يَكُن الذينَ
كَفَرُوا﴾ إلى آخرها، فقال جبريلُ ﴾﴿ .. يا رسولَ الله إن رَبَّكَ عَزَّ
وجَلَّ يَأْمُرُكَ أن تُقرئها أُبيّاً، فقال النبيُّ:﴿ لأبي: «إِنَّ جبريل أمَرَني أن
أَقْرِئَكَ هذه السُّورَةَ)، قال أُبي: وذُكِرتُ ثُمَّ يا رسولَ الله؟ قال:
((نعم)، فبكى أُبي(١).
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديثِ أن الذي أُمِرَ رسولُ الله { 14
أن يُقرئه أبياً مِن القرآن إنما هو سورةٌ منه مِن القرآن، وهذا جائزٌ في
اللغة أن يُطْلَقَ عليه اسمُ القرآن موجود في كتاب الله، فمنه قولُه عَزَّ
وجَلَّ: ﴿وإذا قرأْتَ القُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةَ حِجَابً
قتادة وأبان، عن أنس.
(١) حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف لضعف على بن زيد، ووراه أحمد
٤٨٩/٣، وابن سعد ٣٤٠/٢، وابن أبي شيبة ٥٢٠/١٠، وابن أبي عاصم في
«الآحاد والمثاني» (١٩٦٥)، والطبراني ٢٢/(٨٢٣) من طرق عن حماد بن سلمة،
به. وانظر الباب التالي.
-١٢٤-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
سَسْتُوراً﴾ [الإسراء: ٤٥]، وقوله: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ
الشّيطانِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وقوله: ﴿وإذْ صَرَفْنَا إلَيكَ فَرَاً مِنَالجِنِّ
يَسْتَسِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، وإنما كان ذلك على ما سمعوهُ منه
لا على كُلّه. وقد روينا عن ابنِ عباسٍ فيما تَقَدَّمَ منا في كتابنا هذا أن
الذي كانوا سمعوه منه هو ما كان يقرءه في صلاة الصبح، فإن لم يكن
ذكرناه، فسنذكُرُهُ فيما بَعْدُ من كتابنا هذا إن شاء الله.
وإنما حملناه على ذكرٍ ما جئنا به في هذا البابِ أنَّ محمد بنَ عبد
الله بنِ عبد الحكم كان ذكرَ لنا عن الشافعيِّ أنَّه قال له: أدلُّ الأشياءِ
على أن لا سجودَ في الْمُفَصَّلِ من القرآنِ حديثُ أُبيّ في جوابه عطاء بن
يسار، لما سأله عن السجود في المُفَصَّلِ، فأعلمه أن لا سُجودَ فيه.
٥٧٥٤- وما قد حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا أبو نُعيم،
قال: حَدَّثْنَا داودُ بنُ قيس الفراء، عن زيد بنِ أسلمَ، عن عطاء بنِ يسار
أنه سألَ أُبِيَّ بنَ كعب: أفي شيءٍ من المُفَصَّلِ سجدةٌ؟ قال: لا.
قال: فأُبيِّ قد قرأ عليه النبيُّ:﴿ القرآنَ، فمرَّ بمواضع السجود،
فوقف على ما سجد فيه منه، وعلى ما لم يسجد فيه منه، فكان نفيُه أن
يكون في المفصل سجودٌ مما قد دَلَّ على أن رسولَ الله لَ﴿ لم يكن
سَجَدَ فيه في قراءته إِيَّه عليه، فنقلنا ذلك إلى ابنِ أبي عمران، فقال:
هذا كلامٌ فاسِدٌ، لأنّه لو كان مما حكاه عن أُبَيِّ ينفي أن يكونَ في
المفصل سجودٌ، لكان ما رُوِيَ عن عبد الله بن مسعود مِن السُّجود في
المفصل أدلَّ على أن فيه سجوداً من ذلك، لأن أُبيًّ، وإن كان قد قرأ
- ١٢٥-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
عليه القرآن أو أقرأه القرآن على ما قد قِيلَ فيما قرأه عليه، أو فيما أقرأه
إِيَّه منه مما يُوجبُ أن بعضَ القرآن لا كله، إذ كان ابن مسعود قد
حضر عرضَ رسولِ اللهِ 8 القرآن على جبريل#* وهي آخِرُ عرضةٍ
عرضها عليه.
٥٧٥٥- وذكر ما قد حَدَّثَنَا فهدُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا محمد بنُ
سعيد ابن الأصبهاني، قال: حَدَّثَنَا شريكُ بنُ عبد الله النّخَعِيُّ، وأبو
معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، قال: قال لي عبدُ الله بنُ
عباس: أيَّ القِرَاءَتَيْنِ تقرأْ؟ قلتُ: القراءةُ الأولى قراءةُ ابنِ أُمِّ عبدٍ، فقال
لي: بل هِيَ الآخِرَةُ، إن رسولَ الله :﴿ كان يعرِضُ القرآنَ على جبريل
* في كُلِّ عامِ مرةً، فلما كان العامُ الذي قُبِضَ فيه عَرَضَه عليه مرَّتين،
فَحَضَرَ ذلك عبدُ الله بنُ مسعود، فَعَلِمَ ما نُسِخَ وما بُدِّلَ(١).
فكان معنا في ابنِ مسعود في حضوره تلاوةَ رسول الله:﴿ القرآن
كلَّه على جبريلَ﴾، والذي مَعَ أبي عبد الله - يعني محمد بن عبد الله
بن عبد الحكم- فيما قرأه رسولُ الله﴿ على أُبَي، أو فيما أقرأه إيّاه
من القرآن ما قد رُوِيَ أَنَّه بعضُه لا كُلُّه. وقد يحتملُ لو كان قرأ عليه
القرآنَ، فلم يَسْجُدْ أن يكونَ لم يسجد، وله أن يَسْجُدَ، فكيفَ وإنما
ذكر أنه قرأ عليه منه ما لا سجودّ فيه، وقد وجدنا عن ابن مسعود
(١) حديث صحيح، شريك قد توبع.
ورواه أحمد ٣٦٢/١، والنسائي في «فضائل الصحابة» (١٥٤)، وفي «فضائل
القرآن» (١٩)، وأبو يعلى (٢٥٦٢) من طرق عن الأعمش، به.
-١٢٦-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
السجودّ في المفصل، أو فيما رُوِيَ عنه من السجود فيه.
٥٧٥٦- فذكر ما قد حَدَّثْنَا بكارُ بنُ قتيبة، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ
حماد، قال: حَدَّثْنَا أبو عَوانة، عن سليمان، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ،
قال: رأيتُ عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود يَسْجُدَان في: ﴿إِذا
٠٠
السَّمَاءُ أَنْشَقَتْ﴾.
فكان في هذا سجودُ عبد الله في المُفَصِّلِ، ولا يجوزُ أن يسجدَ في
غيرِ موضعٍ سجوده، وقد يجوزُ أن يتركَ السجودَ في موضع السجود،
فإن كان في حديثٍ أُبيّ في نفي السجود في المفصل لأبي عبد الله دلالة
على أن لا سجودَ فيه، فما معنا عن ابن مسعود مما فيه إثباتُ السجودٍ
فيه أدلُّ على أنَّه موضعُ السجود لما قد ذكرناه.
قال أبو جعفر: وما وجدنا عن رسول الله {48* في سجود التلاوة
مما قد صَحَّ عندنا عنه إلا فيما في المُفَصَّلِ منها، لا فيما سِواه من
القرآن، وغنينا أن نأتيَ بما عن ابن مسعود وابن عمر من سجودٍ رسول
الله ◌َ﴿ بمكة لأنَّ ابنَ عباس قد قال فيه ما قد ذكرناه عنه في هذا الباب.
والله عَزَّ وجَلَّ نساله التوفيقّ.
-١٢٧-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
٨٢٤- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # من قوله
لأُبَيِّ بن كعبٍ - رضي الله عنه -: ((أُمِرْتُ أنْ أقرَأْ عَلَيْكَ))
٥٧٥٧- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا عفانُ بنُ مسلم،
حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ المبارك، أخبرني الأجلحُ، عن عبد الله بنِ عبد الرحمن
بن أبْزِى، عن أبيهِ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال النِيُّمَ: ((أُمِرْتُ أن
أَقْرَأْ عَلَيْكَ الْقُرآنَ)، قال: قلتُ: سَّانِي لَكَ رَّبُّكَ؟ قال: (نَعَمْ). فقرأ
عليَّ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وبِيَخْصِهِ فِبذلك فَتَفْرَحُوا هُوَخَيْرُ مما تجمعون﴾ بالنّاءِ
[يونس: ٥٨](١).
٥٧٥٨- وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ عبد لله بن منصور البالسيُّ، حَدَّثَنَا
الهيثمُ بنُ جميل، حَدَّثَنَا ابنُ المبارك، ثم ذكر بإسناده مثلَه.
ففي هذا الحديثِ قولُ رسول الله ﴿: «إنّي أُمِرْتُ أن أقرأ عليكَ
القرآن)).
فقال قائلٌ: فكيفَ تقبلُونَ هذا إذا كان القرآنُ إنما يُقرأ على من
يُقرأ عليه لِيؤخذ منه، ولأنَّ معه فيه مِن الرُّتبة فوقَ ما مع القارئ عليه،
وكان رسولُ اللهِ ﴿ أبعدَ الناسِ من ذلك، وأن يكونَ به حاجةٌ إلى مثلٍ
ذلك ممن سواه من الناس؟
فكان جوابُنا له في ذلك: أن قِراءته على أُبي كانت ليوقفه على
ما يقرءه عليه منه حتى يكون بذلك آخذاً له مِن فيه، مع أنه قد رُوِيَ
(١) تقدم تخريجه برقم (٥٧٤٩).
-١٢٨-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
هذا الحديث عن أبي بخلاف هذا اللفظ:
٥٧٥٩- كما حَدَّثَنَا ابنُ أبي مريم، حَدَّثْنَا الفِریابي، حَدَّثْنَا
سفيان، عن أسلم المِنْقري، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أُبي
بن كعب، قال: قال رسول الله:﴿: ((أُنزلت علي سورة، وأمرت أن
أقرئكه)). قال: قلت له: ففرحت. قال: وما يمنعني، وهو يقولُ عَزَّ
وجَلَّ: ﴿قُلْ بِفَصْلِ الله وِيَخْصِّهِ فِذلك فَتَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨](١).
وكان الذي روى هذا الحديث الأول بالألفاظ التي رواه بها.
ثم نظرنا: هَلْ رُوِيَتْ هذه القصةُ من غيرِ هذا الوجه؟
٥٧٦٠- فوجدنا إبراهيمَ بن مرزوق قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا
عفانُ، قال: حَدَّثْنَا همام بنُ يحيى، عن قتادة، عن أنس بنِ مالك، قال:
إِنَّ النبيَّ :﴿ دعا أُبَيّاً، فقال له: «إِنَّ اللّه عَزَّ وجَلَّ أمرني أن أقرأ
عليك)، فقال سمانى لك؟ قال: (الله سَّاك لي). فجعل أبي يبكي. قال
قنادة: وبين أنه قرأ عليه: ﴿لم يكن الذينِ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ﴾(٢).
٥٧٦١- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا عفانُ بنُ مسلم،
حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، أخبرنا عليٌّ بنُ زيد، عن عمار بن أبي عمَّار،
قال: سمعتُ أبا حَبّة البدريَّ، قال: لما نَزَلَتْ: ﴿لم يكن الذين كَفَرُوا﴾
إلى آخرها [البينة: ١]، قال جبريلُ صلواتُ الله عليه: يا رسولَ الله، إنَّ
(١) تقدم تخريجه برقم (٥٧٥١).
(٢) إسناده صحيح وتقدم تخريجه في الباب السابق.
-١٢٩-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أن تُقْرِئها أُبيّاً. فقال النبيُّ:﴿ لأبي: ((إِنَّ جبريلَ أمرني أن
أَقْرِئَكَ هذه السورة). فقال أُبِي: أو ذكرتُ ثمَّ يا رسولَ الله؟ قال:
((نعم). فبكى أُبي(١).
فكان الكلامُ في قراءةِ رسولِ الله ◌َ ﴿ على أُبي وفي استقرائِه إيّاه
كالكلام فيما تَقَدَّمَ مِنّا في هذا البابِ، وكان فيما رويناه في الفَصْلِ
الأوَّلِ من هذا البابِ ما قد دَلَّ على أن ذلك إنما كان فيمن ذَكَرَ أَنَّه
كان في كُلِّ القُرآن، وهذا مما قد يجوزُ في اللُّغَةِ أن يَذْكُرَ القرآن، والمرادُ
به بعضُه، كما يقولُ الرجل: سمعتُ فلاناً يقرأُ الرجل: إذا سَمِعَهُ يقرأ
شيئاً منه، وإن لم يسمعْهُ يقرؤُه كلّه، ومِن ذلك قولُ الله عَزَّ وجَلَّ:
﴿ فإذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتِعِذْ بِاللهِ الشّيطانِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، فكان
ذلك على مَنْ يُرِيدُ قراءة القُرآنِ، وعلى مَنْ يُريدُ قراءة شيء منه، وإن
لم يقرأه كُلِّه.
فإن قال قائلٌ: فَهَلْ وجدُتم لأصحابِ رسول الله:﴿ الذين كانوا
جَمَعُوا القُرآنَ من الرُّتبة في القُرآن مثلَ الذي كان لأُبي فيها؟
فكان جوابُنا له في ذلك: أنا قد وجَدْنا لِعبدِ الله بن مسعود مثل
ما وجدنا لأُبي فيه وزيادة عليه، فإن القراءة التي سَمِعَها مِن رسول الله
كانت منه على جبريلَ صلواتُ الله عليه، وإنَّها للقرآن كُلِّه، والذي
يحضره أُبيِّ مما ذكرنا حضورَه إِيَّاه من رسول الله ﴿ لم يَكُنْ مِثْلَ ذلك،
(١) حسن لغيره، وهذا سند ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان.
وقد تقدم تخريجه برقم (٥٧٥٣).
- ١٣٠-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
إنما كان يُقرئه سورةٌ من القُرآن على على جبريل صلواتُ الله عليه.
٥٧٦٢- كما حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سعيد بن
الأصبهاني، حَدَّثْنَا شريكُ بنُ عبد الله النخعي، وأبو معاوية، ووكيع،
عن الأعمش، عن أبي ظبيان، قال: قال ابنُ عباس: أيَّ القِراءتين تَقْرًا؟
قلتُ: القراءة الأُولى قراءةً ابنِ أُمِّ عبدٍ. فال لي: بل هي الأخيرةُ، إن
رسول الله ﴿ كان يَعْرِضُ القرآنَ على جبريل في كُلِّ عامِ مرةً، فلما
كان في العام الذي قُبِضَ، فلما كان في العام الذي قُبِضَ، عَرَضَهُ مرَّتَيْنِ
عليه، فحَضَرَ ذلك عبدُ الله بن مسعود، فعلم ما نُسِخَ وما بُدِّلَ(١).
فكان في هذا الحديثِ حضورُ عبد الله بن مسعود للقراءة التي
قرأها رسولُ الله:﴿ على جبريل ونحنُ نحيطُ علماً أنّهِ:﴿ لم يبلغ بن
مسعود تلك الرتبة إلا بأمر الله إياه أن يُبْلِغَهُ إِيَّها مع أنا قد نظرنا في
الحديثِ الذي رواه هَمَّامٌ عن قتادة، عن أنس الذي قد ذكرناه في
الفصلِ الذي قبلَ الفصلِ من هذا البابِ، فوجدنا من هُوَ فوقَ همام مِن
أصحابِ قتادة، وهو سعيدُ بنُ أبي عروبة قد خالف هَمَّاماً في إسناده.
٥٧٦٣- كما حَدَّثَا أحمدُ بنُ أبي عمران، حَدَّثْنَا خلفُ بنُ
هشام، عن عبد الوهَّابِ بنِ عطاء، عن سعيدٍ، عن قتادَه، عن الحسن:
أن النبيَّ : ﴿، قال لأُبي بنِ كعب: ((إنَّ الله تعالى أَمَرني أن أُقْرِنَكَ)). قال
(١) صحيح لغيره، ورواه ابن سعد ٣٤٢/٢، وابن أبي شيبة ٥٥٩/١٠، وأحمد
٣٦٢/١، والبخاري في ((خلق أفعال العباد)) (٣٨٢)، والنسائي في ((الكبرى)
(٧٩٩٤) و(٨٢٥٨)، وأبو يعلى (٢٥٦٢) من طرق عن الأعمش، بهذا الإسناد.
- ١٣١-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
أُبيُّ: وقد ذكرتُ عنده؟ قال: (نَعَمْ)، قال: فاغرورَقَتْ عيناه، وجَعَلَ
◌ُێکِي.
فكان في هذا ما قد دَلَّ أنه دخل في إسناده ما لا خفاء به، ثم
نظرنا فيما رُوِيَ عن أصحابِ أصحاب رسول الله ﴿ّ ما يَدُلُّ على
الوجه في ذلك وعلى حقيقته.
٥٧٦٤- فوجدنا فهدَ بنَ سُليمان قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا أبو
نعيمٍ، عن الأعمش [ح]، ووجدنا فهداً حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ
عبدِ الله بن يونس، حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثْنَا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن
علقمة، قال: جاء رجلٌ إلى عُمَرَّ رضي الله عنه وهو بعرفات، فقال:
جئتُك مِن الكُوفة، وتركتُ بها رَجُلاً يُملي المصاحِفَ عن ظهرِ قلبه،
قال: فَغَضِبَ عُمَرُ وانتفَخَ حتّى كَادَ يملأ ما بين شُعْبَتَي الرَّحلِ، وقال:
وَيْحَكَ، مَنْ هُوَ؟ قال: عبدُ الله بن مسعود، قال: فواللهِ ما زال يُطفِئْ
ويذهبُ عنه الغضبُ حتى عادَ إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: واللهِ
ما أعلُم مِن الناسِ أحداً هو أحقُّ بذلك منه، وسأخبركم عن ذلك:
كان رسولُ الله ◌ِ﴿ يَسْمُرُ عندَ أبي بكر الليلةَ كذلك في الأمرِ من أمورٍ
المسلمين، وأنّه سَمَرَ عندَه ذاتَ ليلةٍ وأنا معه. قال: ثُمَّ خَرَجَ رسولُ الله
﴿، وخَرَجْنا معه، فلما دَخَلَ المسجدَ إذا رجلٌ قائمٌ يُصلي، فقام
رسولُ اللهَ﴿ يستمِعُ قراءته فما كِدْنا نعرفُ الرَّجُلَ. قال رسولُ الله
*: ((مَنْ سَرَّهُ أَن يَقْرَأ القُرآنَ رَطْباً كما أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ على قِراءةِ
ابنِ أُم عَبْدٍ)) ثم جلس الرجلُ يدعو. فقال رسولُ اللهِ﴾ّ: «سَلْ تُعْطَهْ،
سَلْ تُعْطَه)). فقلتُ: والله لأغدونَّ إليه ولأُبَشِّرَنَّه، فغدوتُ إليه، فوجدتُ
- ١٣٢-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
أُبا بكرٍ قد سبقني إليه فَبَشَّرَهُ، ولا واللهِ ما سَبَقْتُه إلى خيرٍ إلاّ سبقني
إليه(١).
٥٧٦٥- ووجدنا أبا أمية قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا عُبِيدُ الله بنُ
موسى العبسيُّ، حَدَّثْنَا شيبانُ - يعني النحوي - عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن علقمةً، وعن خيثمة، قالا: انطلق قيسُ بنُ مروانَ إلى عُمَرَ
-رضي الله عنه- وهو على الحجِّ على جَمِلٍ لهُ أحمرَ، فسعى عبدَ الله بن
مسعودٍ إليه، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنّي تركتُ رجلاً بالعراقِ يُمْلي
المَصَاحِفَ، ثم ذَكَرَ الحديث، كما حَدَّثَنَا فهدٌ عن الرجلين اللذين
حدّثانا به عنهما.
ففي هذا الحديث حَلَفَ عُمَرُ: إنّه لا يَعْلَمُ أحداً مِن النَّاسِ أحق بما
ذكره عن ابن مسعودٍ من ابن مسعود، وفي الناس يومئذ أُبي وغيره ممن
كان جَمَعَ القُرآن خلا سالم مولى أبي حذيفة فإنّه كان قد ماتَ قبل
ذلك، وخلا أبي زيد، فإنَّه يجوزُ أيضاً أن يكونَ قد ماتَ قبلَ ذلك، لأنَّ
موته كان في أيامٍ عُمَرَ، ولا يُدرى كان قبلَ ذلك أو بعده.
٥٧٦٦- وقد حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبد
الله بن يونس، حَدَّثَنَا أبو شهاب الحَنَّطُ، عن الأعمش، عن أبي وائل،
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١٧٥، والترمذي ١٦٩، وأبو يعلى (١٩٤)
و(١٩٥)، وابن حبان (٢٠٣٤) من طرق عن الأعمش، به.
وانظر مسند الإمام أحمد (٣٥)، وأبو يعلى (١٧) و(٥٠٥٩)، وابن حبان
(٧٠٦٦).
-١٣٣ -
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
قال: خطبنا عبدُ الله بنُ مسعود على المنبرِ، فقال: واللهِ، واللهِ ما نَزَلَ من
القرآنِ شيءٌ إلا وأنا أعْلَمُ في أيِّ شيءٍ نَزَلَ، وما أحدٌ أعلمَ بكتابِ الله
تعالى مني، وما أنا بخيرٍكم، ولو أنّي أعلمُ أحداً أعلمَ بكتابِ الله تعالى
منّي لأتيتُه. قال أبو وائل: فلما نَزَلَ مِن المنبرِ، جلستُ في الحلق، فلم
أجد أحداً يُنْكِرُ ما قال(١).
ففي هذا الحديث عن عبدِ الله ما فيه عنه، وفيه تركُ مَنْ سَمِعَهُ
ذلك ممن خَطَبَ به عليه منه الإنكار، وفيهم مِن أصحاب رسول الله
* مَنْ كان فيهم، فلم يُنْكِرُوا ذلك عليه، فدلَّ على مُتابعتهم إِيَّه عليه.
٥٧٦٧- وقد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثَنَا أبو كاملٍ،
حَدَّثَنَا عبدُ الواحِدِ بنُ زياد، حَدَّثَنَا سليمانُ الأعمش، عن شقيق بنٍ
سَلَمَةَ، قال: لما أمَرَ عثمانُ رضي الله عنه في المصاحفِ بما أمر به، قامَ
عبدُ الله بن مسعودٍ خطيباً، فقال: أتأمُروني أن أقرأ القرآنَ على قراءةٍ
زيدِ بنِ ثابت، فوالذي نفسي بيده، لقد أخذتُ مِن فِي رَسُولِ اللهِ *
بضعاً وسبعين سورةً، وزيدُ بنُ ثابت عندَ ذلك يَلْعَبُ مع الغِلمانِ، ثم
استحيى مما قال، فقال: وما أنا بخيرهم، ثم نَزَلَ. قال شقيقٌ: فقعدتُ في
الحلق فيها أصحابُ رسولِ الله :﴿ وغيرهم، فما سمعتُ أحداً ردَّ ما
قال.
ففي هذا الحديث ما فيه زيادةً على ما رَوَيْناهُ قبلَه مِنْ ذكرِ الذينَ
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٥٠٠٠)، ومسلم (٢٤٦٢) (١١٤)،
والنسائي في ((فضائل القرآن)) (٢٢) من طريقين، عن الأعمش، بهذا الإسناد.
- ١٣٤ -
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
نزَلُوا مكان ذلك أنّه قال: كان فيهم مِن أصحابِ رسول الله {﴿ مَنْ قد
کان فیھم يومئذٍ، وأُبيِّ إذ ذاك حيٌّ.
٥٧٦٨- وقد حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا يحيى
بنُ معين، حَدَّثْنَا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، حدثني سُليمان - يعني
الأعمش-، عن عُمارة بن عُمير، عن حُريث بنِ ظهير، قال: لما جاء
نعيُ عبد الله إلى أبي الدَّرْدَاءِ، قا: ما ترك بَعْدَهُ مثلَه.
فقد لحق أبو الدَّرْدَاء فيما ذكرنا عنه في هذا الحديث بمن سِواهُ
ممن قد ذكرناه عنه في عبدِ الله بن مسعود ما قد ذكرناه عنهم، ووفاة
أُبيِّ كانت بعد ذلك، وبالله التوفيق.
- ١٣٥ -
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
٨٢٥- بابُ بیانِ مُشکل ما روي عن رسول الله څ من قوله:
((خُذُ القرآن مِن أربعةٍ). فذكر أربعةٌ ممن جَمَعَ القُرآنَ دونَ
مَنْ سِواهم ممن قد جَمَعَهُ
٥٧٦٩- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا وهبُ بنُ جرير، وأبو
الوليد الطيالسيُّ، عن شُعبة، عن عمرو بنِ مُرَّةٍ، عن إبراهيمَ، عن
مسروق، قال: ذُكِرَ عبدُ الله بن مسعود عندَ عبدِ الله بنِ عمرو، فقالَ:
ذاكَ رَجُلٌ لا أزالُ أُحُّهُ بعدَما سَمِعْتُ رسولَ اللهِلَ﴿، يقولُ:
((اسْتَقْرِؤوا القُرآن من أربَعِةٍ: عبدِ الله بن مسعودٍ، وسالمٍ -مولى أبي
حذيفة- وأُبِيِّ بنِ كَعْبٍ، ومعاذِ بنِ جبلٍ))(١).
٥٧٧٠- وحَدَّثْنَا أبو بشر عبدُ الملك بن مروان، حَدَّثَنَا أبو
معاوية، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن مسروق، أنَّ عبدَ الله
بن عمروٍ، قال: قال رسول الله﴿: ((خُذُوا القُرآنَ مِنْ أربعةٍ: من عبدٍ
الله بنِ مسعودٍ، وأَبيِّ بنِ كعبٍ، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي
(١) إسناده صحيح.
ورواه البخاري (٣٨٠٨)، والطبراني (٨٤١١) من طريق الفضل بن الحباب،
وأبو نعيم في («الحلية) ١٧٦/١ من طريق أبي الوليد الكشي، ثلاثتهم عن أبي الوليد
الطيالسي، بهذا الإسناد.
ورواه الطيالسي (٢٢٤٥)، وأحمد ١٩٥/٢، والبخاري (٣٧٥٨) و(٣٨٠٦)
و(٤٩٩٩)، ومسلم (٢٤٦٤) (١١٧) و(١١٨)، والفسوي في («المعرفة والتاريخ))
٥٣٧/٢، وابن حبان (٧١٢٨) من طرق، عن شعبة، به.
ورواه ابن حبان (٧٣٦) من طريق طلحة بن مصرف، عن مسروق، به.
-١٣٦-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
خُذیفة»(١).
٥٧٧١- وحَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثَنَا أبو الوليد الطَّالِسِيُّ، حَدَّثْنَا
شعبةُ، عن الأعمش، قال: سَمِعْتُ أبا وَائِلِ يُحَدِّثُ عن مسروقٍ، قال:
قال عبدُ الله بنُ عمروٍ، قال رسول اللهعَ﴿: «استقرؤوا القُرآنَ مِن
أربعةٍ: من عبدِ الله، وسالم مولى أبي حُذيفة، وأَبِيِّ بنِ كعبٍ، ومعاذ
بنِ جبلٍ)).
٥٧٧٢- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ بَشَّارِ،
حَدَّثَنَا سفيانُ، حَدَّثَنَا داودُ بنُ شابور، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الله بن
عمرو بن العاص: أن النِيَّ ◌َ﴿، قال: ((خُذُوا القرآن من أربَعَةٍ: رَجُلَيْنِ
من المهاجرينَ، وَرَجُلَيْنِ من الأنصارِ: عبدِ الله بن مسعود، وسالم مولى
أبي حُذيفة، وأُبيِّ بن كعب، ومعاذ بن جبلٍ))، وخصَّ عبد الله بن
مسعود، فقال: ((من أحَبَّ أن يَقْرَأ القُرآنَ غَضّاً كما أُنْزِلَ، فَلَيَقْرَأُهُ
کما یقرَؤُه ابنُ أُمِّ عبدٍ)).
قال عبدُ الله: فلا أزالُ أُحِبُّهُ.
فقال قائلٌ: فيما رويتموه من هذه الآثارِ اختصاصُ رسول الله مع﴿.
(١) إسناده صحيح. ورواه ابن أبي شيبة ٥١٨/١٠، وأحمد ١٩٠/٢، وفي
(«الفضائل)) (١٥٤٩)، وأبو عبيد في ((فضائل القرآن)) (٨١٦)، ومسلم (٢٤٦٤)
(١١٧)، والترمذي (٣٨١٠) من طرق، عن أبي معاوية، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ١٦٣/٢ و١٩١، والبخاري (٣٧٦٠)، ومسلم (٢٤٦٤) (١١٧)،
وابن حبان (٧١٢٢)، والطبراني في ((الكبير)) (٨٤١٠) و(٨٤١١) و(٨٤١٢) من
طرق، عن الأعمش، به.
-١٣٧ -
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
هؤلاء الأربعة الرجال المُسَمَّيْنَ، فبها يأخذُ الناسُ القرآنَ عنهم، وقد
كان في أصحابِه سِواهُم ممن قد جَمَعَ القُرآن كما جمعوه، وهم: أبو
زيد ثابتُ بنُ زيد أحدُ بني الحارث مِن الخزرج، وزيدُ بنُ ثابت.
٥٧٧٣- كما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا روحُ بنُ
أسلم، أخبرنا هَمَّام بنُ يحيى، عن قتادة، قال: قلتُ لأنس: مَنْ جَمَعَ
القُرآنَ على عهدٍ رسول الله :﴿، قال: «أربعةٌ كُلَّهم من الأنصارِ: أُبيُّ
بن كعبٍ، وزيدُ بن ثابت، ومعاذُ بنُ جبلٍ، وأبو زيدٍ)).
٥٧٧٤- وكما حَدَّثْنَا سليمان بنُ شعيب الكيساني، حَدَّثْنَا
الخصيبُ بنُ ناصح الحارثِيُّ، حَدَّثْنَا هَمَّامٌ، ثم ذَكَرَ بإسناده مثلَه.
٥٧٧٥- وكما حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، حَدَّثَنَا نعيمُ بنُ حمادٍ،
أخبرنا الفضلُ بنُ موسى السِّيناني، عن الحسين بن واقدٍ، عن ثُمامة بن
عبد الله بن أنس، عن أنسٍ، قال: جَمَعَ القرآنَ أربعةٌ على عهدِ رسولِ
الله ﴾: أُبيُّ بِنُ كعبٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو زيدٍ، ومعاذُ بنُ حَبَلٍ.
٥٧٧٦- وكما حَدَّثَنَا عبدُ العزيز بنُ محمد بن الحسن بن زَّالَة
المديني، حَدَّثْنَا يحيى بنُ معين، حَدَّثْنَا عبدُ الوهَّاب بنُ عطاء، عن سعيد
بن أبي عرُوبَة، عن قتادة، عن أنس، قال: افْتَخَرَ الحَّانِ: الأوسُ
والخرزجُ، فقال الأوسُ: مِنَّا غَسيلُ الملائكة: حنظلةُ بنُ الراهب، ومن
من اهتَزَّ لَه عرشُ الرحمن، ومنا مَنْ حمته الدَّبْرُ: عاصم بنُ ثابت بن
الأقلح، ومنا مَنْ أُجيزت شهادتُه بشهادِةِ رَجُلَيْنِ، وقال الخزرجيون: منّا
أربعةٌ جمعوا القرآن، ولم يَحْمَعْه أحدٌ غيرهم: أُبِيُّ بن كعبٍ، ومعاذُ بنُ
جبلٍ، وأبو زيدٍ، وزيد بن ثابت.
-١٣٨-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
قال قائل: ففي هذه الآثار ممن قد جمع القرآن من قد ذكر فيها
ممن لم يذكر في الآثار الأوّل، وإذا استووا جميعاً في جمع القرآن،
استحال أن يكون بعضهم أولى بأخذه عنه من بقيتهم.
فكان جوابُنا له في ذلك: أن القرآنَ قد جمعه من يَصْلُحُ أن يُؤْخَذَ
عنه لضبطه إِيَّاه، ولحُسْنِ أخذه على مَنْ يقرؤُه عليه، وقد يجمعه من لا
يَكُونُ كذلك فيما يحتاجُ إليه مَنْ يقرؤهُ عليه منه في ضبطه إِيَّاه عليه،
وفي رَدِّ ما يحتاجُ مِنْ رَدِّه إِيَّه عليه، ومن توقيفه إَّاه على ما يَجبُ
وقوفُه به مما يحتاجُ القارئُ إليه من المقروءِ عليه، وإذا كان ذلك كذلك،
وَجَبَ أن يكونَ الأربعةُ الْمُسَمَّوْنَ في الآثارِ الأُوَلِ يَصْلُحُونَ لِذلك
ويَقْدِرُونَ عليه مِن أنفسهم، ويقدِرُ الناسُ عليه منهم ومن سِواهم ممن
ذكرنا في الآثار الأُخر فيهم يُقَصِّرُ عن ذلك، فأمر رسولُ الله:﴿ّ الناسَ
بأخذه عن الذين لا تقصيرَ معهم في هذا المعنى دونَ الآخرين الذين
يُقَصِّرُونَ عنه، وبالله التوفيق.
-١٣٩ -
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
٨٢٦- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله من قوله:
(أُنزِل القُرآنُ على سبعة أحرفٍ لكلٍ آيةٍ منها ظهِرُ وبطنٌ)
٥٧٧٧ - حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا أيوبُ بنُ
سليمان بنٍ بلال، قال: حدثني أبو بكر بنُ أبي أويسٍ، عن سليمانَ بنِ
بلال، عن محمد بن عجلانَ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله8 #: ( أُنزل
القُرآنُ على سبعة أحرفٍ، لكلِّ آيةٍ منها ظهرٌ وبطنٌ)(١).
قال أبو جعفر: فتأمَّلنا هذا الحديث، فكان أحسنَ ما جاء فيه مِن
التأويلِ الذي يحتمِلُهُ أن يكونَ الظهرُ منها: هو ما يظهر مِن معناها،
والبطنُ منها: هو ما يَبْطُنُ مِن معناها، ودلَّ ذلك على أن على الناس
طلب باطنها، كما عليهم طلب ظاهرها لِيقفوا على ما في كُلِّ واحد
منهما مما تعبَّدَهُمُ اللهُ به، وما فيه من حلال ومن حرامٍ، والله نسأله
التوفيق.
(١) حديث حسن، ورواه الطبري (١٠)، وأبو يعلى (٥١٤٩) و(٥٤٠٣)،
والطبراني (١٠٠٩٠)، والبزار (٢٣١٢) من طريق أبي الأحوص، نحوه.
قال الأمام البغوي في ((شرح السنة)) ٢٦٣/١: قوله: ((لكل آية منها ظهر وبطن))
اختلفوا في تأويله، فيُروى عن الحسن أنه سُئِلَ عن ذلك فقال: إن العرب تقول: قلبتُ
أمري ظهراً لبطن، ويقال: الظهر لفظ القرآن، والبطن تأويله.
وقيل: الظهر: ما حدث فيه عن أقوام أنهم عصوا، فعوقبوا وأهلكوا بمعاصيهم، فهو
في الظاهر خير وباطنه عِظَة وتحذير أن يفعل أحد مثل ما فعلوا فيحل به ما حلَّ بهم.
-١٤٠-