Indexed OCR Text
Pages 481-500
كتاب العلم .
فَوَقَفْنَا بذلك على أنَّ الحديثَ كان عند عُروة، عن عائشةَ، وعن
ابن عمروٍ جميعاً، وقد رَوَى يحيى بن سعيد الأنصاريُّ هذا الحديثَ عن
عُروة، فَرَدَّهُ إلى ابن عمرو، لا إلى عائشة.
٥٥٢٦- كما حَدَّثَنَا المطلبُ بنُ شعيب بن حَبَّان الأُزْدِي،
وفَهْدٌ، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني يحيى بن
سعيد، عن عُروةً، عن ابن عَمروٍ، عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
فذكر هذا الحديثَ.
وقد رُوِيَ في هذا الباب عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أيضاً
عن غير عائشةَ، وغيرِ ابنِ عمرو.
٥٥٢٧- ما قد حَدَّثَنَا ابن مَعْبد، حَدَّثَنَا عُبيد الله بن موسى،
أخبرنا الأعمش، عن شَقيقٍ، قال: كنت مع عبد الله، وأبي موسى في
المسجد، فقالا: قال رسولُ الله صلَّى الله عَلَّيه وسلّم: ((إنَّ بَيْنَ يَدَي
السَّاعَةِ أَيَّامَاً يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، ويُرْفَعُ فِيها العِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيها العِلْمُ،
ويَكْثُرُ اْرِجُ، والغَرْجُ القَتْلُ)(١).
٥٥٢٨- وما قد حَدَّثْنَا فَهْد، حَدَّثْنَا علي بن مَعبد، حَدَّثَنَا عُبيد
الله بن عمروٍ، عن زيدٍ بن أبي أنَّيْسَة، عن عَبيدة، عن أبي وائل، قل:
جَلَسَ ابنُ مَسعود، وعبد الله بن قَيْس في ناحيةِ من المسجدِ الأيمنِ، فقالَ
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٧٠٦٢) و (٧٠٦٣) و(٧٠٦٤)
و(٧٠٦٥)، ومسلم (٢٦٧٢)، وأحمد ٣٨٩/١ و٤٠٢ و٤٠٥ و٤٥٠ و٣٩٢/٤ من
طرق عن الأعمش، بهذا الإسناد.
- ٤٨١ -
كتاب العلم
ابنَ مسعودٍ: حَدَّثَنَا يا أبا موسى، حَدَّثَنَا عنِ الأيامِ التِي سَمِعْتَ من
رسولِ الله عليه السَّلامُ تكونُ بينَ يدي الساعةِ، فقالَ أبو موسى:
سَمِعْتُ رسول الله عليه السَّلامُ يقومُ: (يَأْتِي عَلَيْكُمْ أَيَّامٌ يُقْبَضُ فِيهِنَّ
العِلْمُ، ويَنْزِلُ فيهِنَّ الْجَهْلُ، ويَكْثُرُ فِيهِنَّ الَرْجُ)، فقالَ ابنُ مسعود:
وما الخَرْجُ؟ قال: هو القتلُ بالحبشيةِ.
٥٥٢٩- وما قد حَدَّثْنَا فَهْدٌ، حَدَّثْنَا أبو نعيم، حَدَّثْنَا جعفر بن
بُرْقَان، عن يزيدَ - يعني ابن الأصم-، عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسول
الله عليه السَّلامُ: (تَظْهَرُ الفِتَنُ وَيَكْثُرُ الَرَجُ)، قُلُنا: وَمَا اغَرْجُ؟ قال:
((القَتْلُ، ويُقْبَضُ العِلْمُ)، فقال عمرُ لَّا سَمِعَ أبا هريرةً يَأْثُرُهُ عن رسولِ
اللهِ صلَّى الله عَلَّيه وسلّم: أمَّا إنَّ قَبْضَ العِلْمٍ ليسَ بشيءٍ يُنتزع من
صدور الرجال، ولكنه فَناءُ العُلماء(١).
٥٥٣٠- وما قد حَدَّثَنَا أبو أُميَّةَ، حَدَّثْنَا عُبيد اللهِ بنِ موسى،
حَدَّثَنَا شَيْبَانُ - يعني النِّحْوي - عن عاصم، عن زياد بن قَيْسٍ، عن أبي
هُريرة، قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى الله علِّيه وسلَّم: ((وَيْلٌ لَلعربِ مِنْ
شَرِّ قَدِ اقْتَرَبَ، يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَكْثُرُ الفَرْجُ)، قلتُ: يا رسولَ الله، وما
الخَرْجُ؟، قال: (القَتْلُ).
٥٥٣١- وما قد حَدَّثْنَا يونسُ، حدثني ابن وَهب، حدثني يحيى
بن أُيُّوبَ، عن زَبَّانَ بنِ فائد، عن سَهْلٍ بن مُعاذ، عن أبيه أنَّ رسولَ الله
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو نعيم: هو الفضل بن دكين.
ورواه أحمد ٤٨١/٢ من طريق وكيع، و٥٣٩ من طريق كثير بن هشام، كلاهما
عن جعفر بن برقان به.
- ٤٨٢ -
كتاب العلم
عليه السَّلامُ قال: ((لاَ تَزَالُ الأُمَّةُ عَلَى شَرِيعَةٍ ما لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ ثَلاَثٌ:
يُقْبَضُ مِنْهُمُ العِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهِمْ وَلَّدُ الحِنْثِ، ويَظْهَرُ فِيهِمُ
الصَّفَّارونَ)، قالوا: وما الصَّفَّارونَ يا رسولَ الله؟، قال: (فَشْءٌ يَكُونُ
في آخِرِ الزَّمانِ، تَحَيَّتُهُمْ بَيْنَهُمْ إِذا الَقَوُا الِّلَاعُنُ)(١).
ففيما رَوَينا عن رسول الله عليه السَّلامُ من هذه الآثارِ ما قد دَلَّ
على أنَّ أوانَ رفعِ العلمِ هو زمانٍ لم يكنْ حين قالَ رسولُ اللهِ عليه
السَّلامُ فيه ما قَالَ، وإنما هو على زمانٍ يكونُ بينَ يدي الساعة، فقد
اتّفقتْ آثارُ رسول الله عليه السَّلامُ كلَّها التي روینا في هذا البابِ،
ويَصْدُقُ بعضُها بعضاً وبالله التوفيق.
(١) إسناده ضعيف لضعف زيان بن فائد. وأخرجه أحمد ٤٣٩/٣، والطبراني في
((الكبير)) ٢٠/(٤٢٩) من طريق زبان بن قائد، به.
وذكره الهيثمي في (المجمع)) ٢٠٢/١، وأعله بزبان.
قال الخطابي في ((غريب الحديث)) ٥٣٩/١: قوله: (الصقارون)): قد جاء مِن
تفسيره في الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما كفى وأقْنَعَ، وذكره أبو
العباس ثعلب، عن سلمة، عن الفراء أنه قال: الصَّقّار: اللعَّان لغير المستحقين، والصاد
مع القاف قد تبدل سيئاً. وأما أولاد الحِنْث، فهم الذين ولدوا لغير رِشْدة، وأصل
الحِنْث: الذّنب العظيم، ومنه قيل: يلغَ الغلامُ الحِنْثَ، أي: صار إلى حدِّ يجري عليه
القَلَمُ، ويُؤاخذ بالذنوب، وذكر ابن لَنْكَك عن بعض فُصحاء الأعراب، وذكر اسمَه إلا
أني نَسِيتُه، قال: سألتُه عن الحِنْث، فقال: هو العِدْل التقيل، قال: والأحناث عندنا:
الأعدال التقال، فَشْبِّهَ الذنبُ العظيمُ بالعدل الثقيل، والزنى كبيرة، فَسُمِّيَ حِيْئاً.
والنّشْءُ: القَرْنُ الذين ينشؤون بعد قرن مضى، فأمَّا النَّشَا فأحداثُ الناس، وأحدهم
ناشئ، تقديره خادم وخَدَم.
-٤٨٣-
كتاب العلم
٧٨٩ - بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوِي عن عمر بن الخطاب وسَھْل
بن حُنیف رضي الله عنهما، في أمرهما باتهام الرأي بما یُروی
عن رسول الله ﴾ في ذلك
٥٥٣٢- حَدَّثْنَا صالح بن حَكِيم البَصْري، قال: حَدَّثْنَا يونسُ بن
عُبيد الله - يعني العُميري - قال: حَدَّثَنَا مبارَكُ بن فَضالةَ، عن عبيد الله
بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: اتَّهِمُوا الرأيَ على
الدِّينِ(١).
٥٥٣٣- وحَدَّثَنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثَنَا محمد بن سابقٍ، قال:
حَدَّثَنَا مالك بن مِغْوَل، قال: سمعت أبا حَصِين، قال: قال أبو وائلٍ: لما
قَدِمَ سَهْل بن حُنَيف رضي الله عنه من صِفِّين، أتيناه نستخبرُه، فقال:
اتّهموا الرأيَ، فلقد رأيتُني يومَ أبي جَنْدلِ، ولو أستطيعُ أن أردَّ على
رسول الله ﴿ أَمْرَه، لَرَدَدْتُ(٢).
(١) إسناده حسن، وقد صرح مبارك بن فضالة بالتحديث عند أبي يعلى.
ورواه البزار (١٤٨)، وأبو يعلى كما في ((مسند الفاروق)) لابن كثير ٤٩٧/٢،
واللالكائي في ((أصول اعتقاد أهل السنة)) (٢٠٨) من طريق أبي موسى محمد بن
المثنى، والطبراني (٨٢) عن علي بن عبد العزيز، كلاهما عن يونس بن عبيد الله
العميري، بهذا الإسناد. قال الحافظ ابن كثير: هذا الحديث حسن، وإسناده جيد.
ورواه بنحوه البيهقي في ((المدخل)) (٢١٠)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم))
١٣٤/٢ من طريق محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب،
قال: اتقوا الرأيّ في دينكم، وهذا منقطع، عبيد الله بن عمر لم يدرك عمر.
(٢) حديث صحيح، ورواه البخاري (٤١٨٩) عن الحسن بن إسحاق، عن محمد
بن سابق، بهذا الإسناد. ورواه مسلم (١٧٨٥) (٩٦) من طريق حماد بن أسامة أبي
- ٤٨٤-
كتاب العلم
٥٥٣٤- حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيم بن يونس، قال: حَدَّثْنَا
هارونُ بن عبد الله - يعني الحَمَّال-، قال: حَدَّثَنَا أبو عامرِ العَقَدي،
قال: حَدَّثَنَا شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، قال: سمعتُ سهلَ بن
حُنَيف يومَ الجملِ ويومَ صفين، يقول: اتَّهِمُوا رأْيَكُم، فلقد رَأيْتُني يومَ
أبي جَنْدَل، ولو استطعتُ أن أَرُدَّ أمرَ رسول الله لَ﴾، لَرَدَدْتُه(١).
٥٥٣٥- حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا هارونُ، قال: حَدَّثْنَا يَعْلى
بن عُبَيد، قال: حَدَّثْنَا عبدُ العزيز - يعني ابن سِيَاهٍ-، عن حَبيب بن أبي
ثابتٍ، قال: أتيتُ أبا وائلٍ فسمعته يقول: قال سَهْل بن حُنَيْف: أيُّها
الناسُ، أَتَّهِمُوا أَنْفُسَكُم، لقد رأيتُنَا يومَ الحُدَيْبِيَةِ - يعني الصُّلح الذي كان
بيننا وبين المشركين- ولو نَرى قتالاً، لقَاتَلْنا(٢).
أسامة، والطبراني (٥٦٠٢) من طريق عمرو بن مرزوق، كلاهما عن مالك بن
مغول، به.
ورواه الطبراني (٥٦٠٣) من طريق أبي سعد البقال، عن أبي حصين، به.
ورواه بنحوه الطبراني (٥٦٠٥) من طريق عمرو بن مرة، عن شقيق بن سلمة، به.
قوله: ((يوم أبي جندل))، يعني به يوم صلح الحديبية، ولأبي الجندل قصة فيه، انظر
البخاري (٢٧٣١).
(١) صحيح. ورواه الحميدي (٤٠٤)، وأحمد ٤٨٥/٣، والبخاري (٣١٨١)
و (٧٣٠٨)، ومسلم (١٧٨٥) (٩٥)، والطبراني (٥٥٩٨) و( ٥٥٩٩) و (٥٦٠٠)
و(٥٦٠١)، واللالكائي (٢٠٧) من طرق، عن الأعمش، بهذا الإسناد.
(٢) صحيح. ورواه ضمن حديث مطوَّل أحمد ٤٨٥/٣- ٤٨٦، والبخاري
(٤٨٤٤)، والنسائي في ((الكبرى) (١١٥٠٤)، والبيهقي في ((السنن)) ٢٢٢/٩، وفي
(«الدلائل» ١٤٧/٤-١٤٨ من طريق يعلى بن عبيد، بهذا الإسناد.
- ٤٨٥ -
كتاب العلم
فكان ما في حديثَيْ عمرَ وسهلٍ هذين، على أن الرأي قد يُصابُ
به حقيقةُ الصواب، وقد يقصر فيه عن ذلك، وإن كان استعمالُ الرأي
في الحوادث التي لا توجَدُ الأحكام فيها في الكتاب، ولا في السنة، ولا
في إجماع الأمة منصوصاً، وإن كان قد أُبيحَ اجتهادُ الرأي في ذلك،
وأُطِلقَ لنا الحكمُ به، قد يكون فيه إصابةُ الصوابِ في تلك الحوادث،
وقد يكون التقصيرُ عن ذلك، وإن كنا محمودِينَ في اجتهادنا في ذلك،
إذ لا نستطيعُ غيرَ ما قد فَعَلْناه فيه، وفي ذلك ما قد رَوَيناه عن رسول
الله﴿ فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا في الحكام ذوي الخلاف، إذا
حَكَموا فأصابوا، فإن لهم أجْرين، وإذا حَكَموا فأخطؤوا فإنَّ لهم أجراً
واحداً، إذ كانوا اجتهدوا بالآلاَتِ التي يُحْتَهَدُ بمثلها، فأصابوا حقيقةً
الواجب فيما اجتهدوا فيه، أو قَصروا عنه، وهذا قولُ أهلِ السَّلامة ممن
يَنْتَحِلُ الفقه، فأما مَنْ سواهم ممن قد دَخَلَ في الغُلُوِّ في ذلك حتى قال:
إنه إذا حَكَم بالاجتهادِ، ومعه الآلةُ التي لأهلِها اجتهادٌ، أنه قد حَكَم
بالحقِّ الذي لو نَزَلَ القُرآنُ، ما نَزَلَ إلا به، ونعوذُ بالله من هذا القولِ
ومن أهلِه، وإن كان بحمد الله قولاً مُنكَسِراً، وأهلُه محجوجونُ بما لا
ورواه ابن أبي شيبة ٤٣٨/١٤ و٣١٧/١٥-٣١٨، ومن طريقه مسلم (١٧٨٥)
(٩٤)، والطيراني (٥٦٠٤)، والبيهقي في («السنن)) ٢٢٢/٩، وفي «الدلائل)) ١٤٨/٤
عن عبد الله بن نمير، والبخاري (٣١٨٢) من طريق يزيد بن عبد العزيز، كلاهما عن
عبد الله بن عبد العزيز بن سياه، به.
-٤٨٦-
كتاب العلم
يستطيعون دَفْعَهُ، ولا الخروجَ منه، فمِمَّن كان غَلا في ذلك إبراهيمُ بن
إسماعيل ابن عُلَية.
فحدثني أبو جعفر محمدُ بن العباس، قال: لما بَلَغَني هذا القولُ عنه
أعظمتُه، فأتيتُه في يومي الذي بَلَغَني ذلك القولُ عنه فيه، فذكرتُ ذلك
له لأُحقّقَ عليه أنه قد قالَه، فقال لي: قد قُلْتُه، قال: فقلتُ له: هل
اسْتَعْمَلتَ في مسألةٍ من الفقه رأيك، واجتهدتَ فيها حتى بَلَغَتْ عند
نَفْسِك غايةَ الاجتهادِ الذي عليك فيها، ثم تبَّيَّنَ لك بعدَ ذلك أن
الصواب في غيرِ الذي كان أُذَّكَ إليه اجتهادُك فيها؟ فقال لي: نعم، نحنُ
في هذا أكثر نهارِنا، قال: فقلتُ له: فأيُّ القولين الذي لو نَزَلَ القرآنُ
نَزَلَ به في تلك الحادثة، هل هو القولُ الأول الذي قلتّه فيها، أو هو
القولُ الثاني الذي قلتَه فيها، وقد بلغتَ في كل واحدٍ من القولين الذي
عليك أن تَبْلُغَهُ فيه من الاجتهادِ؟ قال: فانقطع واللهِ في يدي أُقْبَحَ
انقطاعٍ، وما رَدَّ عليَّ حرفاً.
قال أبو جعفر: وقد أجادّ أبو جعفرٍ رضي الله عنه في ذلك،
وأقام اللهِ عَزَّ وجَلَّ في حُجة من حُجَجِهِ على مَنْ خَرَجَ عنها، وغلا
الغلوَّ الذي كان فيه مذموماً، والله نسألهُ التوفيقَ.
-٤٨٧-
کتاب العلم
٧٩٠- بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوي عن رسول الله څ﴾ من قوله:
((يُوشِكُ أن يضربَ الناسُ أكبادَ الإبلِ في طلب العلم، فلا
يجدون عالماً أعلَم مِن عالم المدينة»
٥٥٣٦ - حَدَّثَنَا أبو أيوب عُبيد الله بنُ عبيد بن عِمران الطبرانيُّ
المعروف بابن خلف، قال: حَدَّثَنَا هارون بن معروف، قال: حَدَّثْنَا
سفيان، عن ابن جريجٍ، قال: حَدَّثْنَا أبو الزبير، عن أبي صالحٍ، عن أبي
هريرة رضي الله عنه، قال: قالَ رسول الله ﴿: «يُوشِكُ أن يضربَ
الناسُ أكبادَ الإبلِ يطلبون العلم، لا يجدون عالماً أعلَمَ مِن عالم
المدينة))(١).
(١) صحيح. رواه أحمد ٢٩٩/٢، والترمذي (٢٦٨٠)، وابن حبان (٣٧٣٦)،
والحاكم ٩٠/١، والبيهقي في (السنن) ٣٨٦/١، وابن أبي حاتم في ((تقدمة الجرح
والتعديل)) ص١١ - ١٢، والخطيب في ((تاريخه) ٣٠٦/٥-٣٠٧ و٣٧٦/٦-٣٧٧
و١٧/١٣، والذهبي في ((السير) ٥٥/٨ من طرق عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: هذا حديث
حسن.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٤١٨٤) عن علي بن محمد بن علي، حَدَّثنا محمد بن
كثير، عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي الزناد، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة رفعه.
قال النسائي: وهذا خطأ، والصواب: أبو الزبير عن أبي صالح.
ونقل ابن قدامة في ((المنتخب)) عن الإمام أحمد أنه أعله بالوقف.
قال الطيبي: ضربُ أكبادِ الإبلِ كناية عن السير السريعِ، لأنَّ مَنْ أرادَ ذلك يركبُ
-٤٨٨-
كتاب العلم
٥٥٣٧- وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ الْنّعمانِ السَّقَطِيُّ، قال: حَدَّثَنَا
الُحُميديُّ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، قال: حدثني ابنُ جريج، عن أبي الزبير،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولٌ ﴾:
((يوشِكُ أن يَضْرِبَ النّاسُ آبَاطَ المَطِيِّ فِي طَلَبِ العِلْمِ، فلا يَجِدُونَ
عالماً أَعْلَمَ مِن عالمِ المدينةِ)(١)، قال سفيان: فيرون أنه عبدُ الله بنُ عبد
العزيز مِن ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والعالم بأمر الله عَزَّ
وجَلَّ، إنما الفقيهُ مَنْ يخشى الله عَزَّ وجَلَّ.
٥٥٣٨- حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ منصور،
قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن ابنِ حُريجٍ، عن أبي الزبير، عن أبي صالحٍ، عن
أبي هريرةَ رضي الله عنه يرفعه قال: ((يُوشِكُ أن يَضْرِبَ النّاسُ على
أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجدون عالماً أعلمَ مِن عالم المدينة».
قال سفيان: إن كان في زماننا أحدٌ، فذلك العمريُّ العابدُ العالِمُ الذي
يخشى الله عَزَّ وجَلَّ، واسمه عبد الله بن عبد العزيز(٢).
الإبلَ، ويَضْرَبُ على أكبادِها بالرجل.
(١) رواه الحميدي. (١١٤٧)، ورواه من طريقه الحاكم ٩٠/١، والبيهقي في
((معرفة السنن والآثار)) ٨٧/١.
(٢) قال الإمام الذهبي في (السير)) ٥٨/٨: كان هذا العمري علمٌ وفقه جيد
وفضل، وكان قوَّالاً بالحق، أمَّاراً بالعُرف، منعزلاً عن الناس، وكان يحضُّ مالكاً إذا
خلا به على الزهد، والانقطاع والعزلة، فرحمهما الله.
ولم يكن بالمدينة عالم من بعدِ التابعين يشبه مالكاً في العلم والفقه والجلالة
والحفظ، فقد كان بها بعدَ الصحابة مثلُ سعيد بن المسيب والفقهاء السبعة، والقاسم
-٤٨٩-
كتاب العلم
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا هذه الاسمَ المذكورَ
فيه - أعني العالم - قد يستحق بمعنى من معنيين، أحدهما: العلمُ بكتابٍ
الله عَزَّ وجَلَّ وشرائعٍ دينه، ثم بسُنَنِ رسولِ اللهِحَ ﴾، فيكون من كانت
هذه صفته عالماً وهو العالم الذي يجوز أن يُسمى فقيهاً، والآخر: خشيةُ
الله عَّ وجَلَّ والعلمُ بما يستحقه صاحبُها من ثواب الله عليها ومِن
عقابه في الوقوع في خلافها وهِيَ التي منها قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى
الله مِنْ عِبادِهِ العُلماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وليس من كانت هذه صفته يستحق
أن يُسمَّى فِقِيهاً.
ثم احتجنا أن نعلم أيُّ العالمين العالم المذكورُ في هذا الحديث،
فوجدنا في هذا الحديث ما يدلنا أيُّ هذين العالمين هو، لأن فيه: ((حتى
يضربوا آباط الإبل في طلب العلم))، وإنما تُضرب آباط الإبل في طلب
العلم الذي هو الفقه، لا في طلب العلم الذي هو الخشيةُ الله عَزَّ وجَلَّ.
فعقلنا بذلك أن العالِمَ المذكورَ في هذا الحديثِ هو العالم بالْعِلْمِ الذي
يجوزُ أن يُسمى به فقيهاً، ثم إذا استحق هذا الاسمُ، فكان معه مِن
خشية الله عَزَّ وجَلَّ ما يَحِبُ أن يكونَ معه مما لا يُوجَدُ مع غيره مِن
وسالم وعكرمة ونافع وطبقتهم، ثم زيد بن أسلم وابن شهاب وأبي الزناد ويحيى بن
سعيد وصفان بن سُليم وربيعة بن أبي عبد الرحمن وطبقتهم، فلما تفانَوْا اشتهر ذكرُ
مالك بها، وابن أبي ذئب، وعبد العزيز بن الماجشون، وسليمان بن بلال وقليح بن
سليمان والدراوردي، وأقرانهم، فكان مالك هو المقدم فيهم على الإطلاق، والذي
تُضرب إليه آباطُ الإِبل من الآفاق رحمه الله.
- ٤٩٠-
كتاب العلم
العلماء الذين نعلمهم يسمون فقهاء كان مَنْ هذه صفته في أعلى
مراتب العلماء، وكان هو المستحقَ للمرتبة التي ذكرها رسولُ الله ◌ِ ﴾.
من هي فيه فيما ذكره به في هذا الحديث، ولا نعلم أنه كان بالمدينة
بعد أصحاب رسول الله 8 وبعدَ تابعيهم من فيه هذان المعنيان غير
هذا الرجل الذي ذكره سفيان بما ذكره به، لأنه كان فقيهاً زاهداً ورعاً
مسلماً ممن لعلَّه لا تأخُذُه في الله عَزَّ وجَلَّ لومة لائم، وممن لا نعلم
أحداً كان بذل نفسه في ذات الله عَزَّ وجَلَّ ما بذله مِن نفسه، ولا يَنْبُهُ
على تعليم العِلِمْ من يُقَصِّرُ عن طلبه، ومن يُقصِّرُ به عنه غيرُه، لأنه كان
يخرج إلى البادية التي لا يحضر أهلُها الأمصارَ لِطلب العلم، ولا يخرج
أهلُ العلم إليهم، فيعلمونهم العلمَ فَيُفقّههم ويُعلِّمهم أمرَ دينهم،
ويُرغبهم فيما يُقربهم مِن ربِّهم عَزَّ وجَلَّ، ويُحذّرُهُمْ مما يُباعدهم منْهُ
حتّى يكونوا بذلك كما يجبُ أن يكونوا عليه، فرضوانُ الله عليه
ورحمته، ورضوان الله أيضاً على سفيان ورحمته بتنبُّهه على هذا
الموضع، ومعرفته لأهله، والله نسأله التوفيق.
-٤٩١-
كتاب العلم
٧٩١ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من أمره
بالعلانية وتحذيره من السِّر
٥٥٣٩- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن أبي داود قال: حَدَّثْنَا محمدُ بن
الصََّّاح، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بن عبد الرحمن الجمحي، عن عُبَيْدِ الله بنِ
عمر، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: جاء رجلٌ إلى النّبيِّلَ﴿، فقال
أوصني، فقال رسولُ الله ﴿: ((لا تُشرك باللهِ عَزَّ وجَلَّ شيئاً، وتقيم
الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتحجّ وتعتمر، وتسمع، وتُطيع، وعليك
بالعلائَيةِ، وإِيَّاكَ والسَُّّ)(١).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ لِنَقِفَ على المراد به إنشاء الله
فكان الذي حضرنا مما وقع بقلوبنا أنه أولى الأشياء الذي وجدناه
يحتملها أنه يُراد به العلانيةُ مِن الناسِ ليكون بعضهم عندَ بعض على ما
يظهرُ لهم منهم لا يتجاوزون بهم ذلك إلى طلب سرائرهم، لأن ذلك
لا يَبْلُغُونَ حقائقَه إذ كان الله عَزَّ وجَلَّ قد أخفاه عنهم منهم، وإذا كان
(١) رجاله ثقات غير سعيد بن عبد الرحمن الجمحي: صدوق له أوهام.
وخالفه محمد بن بشر، فرواه عن عبيد الله بن عمر، عن يونس بن عبيد عن
الحسن، قال: جاء أعرابي إلى عمر فسأله عن الدين. فذكره موقوفاً، قال: البخاري:
وهذا على إرساله أصح.
ورواه البخاري في ((التاريخ)) ٤٩٤/٣، ومن طريقه ابن عدي في (الكامل))
١٢٣٥/٣ عن محمد بن الصباح، بهذا الإسناد.
ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٤٢٩/٣ من طريق محمد بن أيوب بن يحيى بن
الضريس، عن محمد بن الصباح، به.
-٤٩٢-
كتاب العلم
-
قد نهاهم عنه فيهم بقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ إِنَّالسَّمْعَ
وَالْبَصَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أَوِلِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْتُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦].
ومثل ذلك ما قد رُوِيَ عن عمر بن الخطاب ما قد خاطب به
الناسَ.
٥٥٤٠- كما قد حَدَّثْنَا مالك بن يحيى أبو غسان الهمداني،
قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوهَّاب بن عطاء (ح)، وكما قد حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ
سِنان، قال: حَدَّثْنَا شيبانُ بن فروخ، قال: حَدَّثْنَا مهديُّ بنُ ميمون.
قال مالك في حديثه: قال: أخبرنا الجريريُّ، وقال يزيد في حديثه: قال:
حَدَّثْنَا سعيدٌ الجريريُّ، عن أبي نضرة، عن أبي فِراس، قال: شهدتُ
عمرَ بن الخطاب رَضِيَ اللهُ عنه يَخْطُبُ الناسَ، فَحَمِدَ الله، وأثنى
عليه، ثم قال: يا أيُّها الناسُ، أما إنّا إنّما كنا نَعْرِفُكُمْ إذ ينزل الوحيُّ،
وإِذِ الْبِيُّ ◌َّ بين أظهرنا، وإذا يُنَُّنَا اللهُ عَّ وحَلَّ مِنْ أخباركم، فقدِ
انقطعَ الوحيُ، وذهب الِّيَُّ﴿، فإنَّما أعرفكم بما أقول: مَنْ رأينا منه
خيراً، ظنّنًا به خيراً، وأحببناه عليه، ومن رأينا منه شرًا، فظنًّا به شرًّاً،
وأبغضناه عليه، سرائرُكم بينَكُم وبين ربِّكم عَّ وجَلَّ(١).
فمثل ذلك ما قد رويناه عن رسول الله 8# في الأمرِ بالعلانية
(١) أبو فراس: هو التهدي، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٥٨٥/٥، وقال ابن
سعد ١٢٣/٧: كان شيخاً قليل الحديث، وقال الحافظ: مقبول.
ورواه بأطول مما هنا أحمد ٤١/١ عن إسماعيل -وهو ابن عُلية- أنبأنا الجريري،
بهذا الإسناد.
-٤٩٣-
كتاب العلم
وتركِ السِّرِّ، ومثل ذلك ما قد خاطب النَّبيُّ ﴿ به الَّذي قتلَ الرَّجُلَ بعد
قوله: لا إله إلا الله، وبعد اعتذاره مِنْ ذلك إليه أنّه إنَّما قالها تعوُّذاً:
((أَلا شَقَقْتَ عَنْ قلبه))(١)، أي إِنَّك غيرُ واصلٍ منه إلى غيرِ ما قد نطق به
لسانُه وسمعتَه منه، والله نسأله التوفيق.
٧٩٢- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوي عن رسول الله ټ فیما کان
أسَرَّهُ هَلْ لِمَنْ كان أسرَّهُ إليه أن يُبْدِيَه في حياتِه أو بعدَ
وفاته؟
قد روينا فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا حديثَ مسروق عن عائشةً
رضي الله عنها في اجتماعِ نساءِ رسولِ الله {$ ومجيءٍ فاطمةَ ابنتهِ
عليها السَّلامُ إليه عندَ ذلك، وسِرارِهِ إِيَّها بما سارَّها به حتى بكت،
وسِرارِه إيّاها بعدَ ذلك بما سارَّها به حتّى ضحِكَتْ وسؤال عائشة إيّاها
عن ذلك في حياة رسول الله﴿ وإبائِها عليها أن تُخْبِرَها بذلك،
وقولها لها عند ذلك: ما كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رسولِ الله ◌َ﴿، وأنَّ رسولَ
اللّهِوَ﴿ لما تُوفِي، قالت لها عائشةُ: عزمتُ عَلَيْكِ بما لي عليكِ من حقّ
لَمَا أُخْبَرْتِني - تعني ما كانَ﴿ أُسرّه إليها- وقولِها لها: أما الآن فنعم،
إنّه لما سارَّني في المرةِ الأُولى، قال: (إِنَّ جبريلَ﴾﴿ كَانَ يُعارَضُنِي
بالقرآن في كلِّ عامٍ مرةً، وإِنَّه عارَضني الآن مرتين، وإنّي لا أظُنُّ
أجلي إلا قد حَضَرَ، فَاتَّقِي اللّهَ، فِعْمَ السَّلَفُ لَكِ أَنَا)، فبكيتُ بكائي
(١) حديثٌ صحيح متفق عليه، وتقدم تخريجه في كتاب الإيمان.
-٤٩٤-
كتاب العلم
الذي رأيتٍ، ثم سارَّني الثانيةَ، فقال: ((ألا تَرْضَيْنَ أن تَكُونِي سَيِّدَةَ
نِساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين)) فضَحِكْتُ.
قال: ففي هذا الحديثِ كِتمانُها سِرَّ رسول اللهل:﴿ إليها بما كان
أُسرَّ به إليها في حياته ێ#، وإخبارها به بعد وفاته.
فقال قائل: كيف جاز لكم أن تَرْوُوا هذا عنها عليها السَّلامُ،
وقد رويتم عن غيرها ما يُخالِفُ ذلك؟
٥٥٤١- فذكر ما قد حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا موسى
ابنُ إسماعيل، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ المغيرة، عن ثابتٍ، قال: حَدَّثْنَا
أنس، قال: خدمتُ رسولَ الله :﴿ يوماً حتى إذا رأيتُني قد فرغتُ مِن
خِدمته، قلتُ: يَقِيلُ رسولُ اللهِلَ﴿ .. فخرجتُ من عنده، فإذا غِلْمَةٌ
يلعبون، فَقُمْتُ أَنْظُرُ إلى لَعِبهم، فجاء رسولُ اللهِلَ﴾ُ حتَّى انتهى إلى
الغِلمة فسلّم عليهم، ثم دعاني، فبعثني إلى حاجته، وكان رسولُ الله
﴿ كأنَّه - يعني- ينتظرني حتّى آتِيَه، فأبطأتُ على أمِّي الحِينَ الذي
كنتُ آتِيها، فقالت: ما حَبَسَكَ؟ قلتُ: رسولُ اللهِ لَ﴾: بعثني إلى
حاجةٍ، قالت: ما هِيَ؟ قلت: إنه سِرُّ رسولِ الله :﴿ .. فقالت أمي:
احْفَظْ على رسول الله :﴿ْ سِرَّهُ. فما حدثتُ بتلك الحاجةِ أحداً من
الناس، لو كنتُ محدثاً بها أحداً، كنتُ مُحدِّثَك بها(١).
(١) حديث صحيح. ورواه أحمد ١٩٥/٣ من طريقين عن سليمان بن المغيرة،
بهذا الإسناد. ورواه الطيالسي (٢٠٣٢) عن حماد بن سلمة، وسليمان بن المغيرة،
کلاهما عن ثابت، به.
-٤٩٥-
كتاب العلم
٥٥٤٢- وما قد حَدَّثَنَا بكارُ بنُ قُتيبة وإبراهيمُ بنُ مرزوق، قالا:
حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ بكرِ السَّهميُّ، قال: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عن أنسٍ رضِيَ
الله عنه، قال: كنتُ في غِلمان، فأتى علينا البِيُّ ◌َ﴿، فسلم علينا، ثم
أُخَذَ بيدي، فبعثني في حاجةٍ له، وقعد في الجدار أو في ظِلِّ الجدارِ حتّى
رجعتُ إليه، فلما أتيتُ أُمَّ سُليمٍ، قالت: ما حَبَسَكَ؟ قلتُ: أرسلني
رسولُ اللهِ ﴿ برسالةٍ، قالت: ما هِيَ؟ قلتُ: إِنَّها سِرٌّ، قالت: فَاحْفَظْ
سِرَّ رسولِ اللهِ﴿، فما أخبرتُ بها أحداً بعدُ(١).
ورواه أحمد ١٧٤/٣ و٢٢٧-٢٢٨ و٢٥٣، ومسلمٌ (٢٤٨٢) (١٤٥)، وأبو
يعلى (٣٢٩٩) من طريقين عن ثابت، به.
ورواه البخاري (٦٢٨٩)، ومسلم (٢٤٨٢) (١٤٦) من طريق معتمر بن
سليمان، عن أبيه، عن أنس بلفظ: («أسرَّ إلي الني # سراً، فما أخبرت به أحداً بعده،
ولقد سألتني أم سليم، فما أخبرتها به)).
قال الحافظ في الفتح ٨٢/١١: قال بعض العلماء: كأن هذا السر كان يختص
بنساء التي *، وإلا فلو كان من العلم ما وسع أنسا كتمانه. وقال ابن بطال: الذي
عليه أهل العلم أن السر لا يباح به إذا كان على صاحبه منه مضرة، وأكثرهم يقول:
أنه إذا مات لا يلزم من كتمانه ما كان يلزم في حياته إلا أن يكون عليه فيه غضاضة
قلت (القائل ابن حجر): الذي يظهر انقسام ذلك بعد الموت إلى ما يباح، وقد
يستحب ذكره ولو كرهه صاحب السر، كأن يكون فيه تزكية له من كرامة أو منقبة
أو نحو ذلك. وإلى ما يكره مطلقاً وقد يحرم وهو الذي أشار إليه ابن بطال، وقد يجب
كأن يكون فيه ما يجب ذكره كحق عليه كان يعذر بترك القيام به فيرجى بعده إذا
ذکر من يقوم به عنه أن يفعل ذلك.
(١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ١٠٩/٣ عن ابن أبي عدي، ويزيد بن هارون،
-٤٩٦-
كتاب العلم
٥٥٤٣- وما قد حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قال: حَدَّثَنَا
أسدُ بن موسى، قال: حَدَّتَنَا مَهْدِيٌّ بنُ ميمون، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ
عبدِ الله بنِ أبي يعقوب، عن الحسن بنِ سَعْدٍ مولى الحسن بن علي(١)،
عن عبدِ الله بن جعفر، قال: أَرْدَفَنَي رسولُ اللهِ:﴿ ذاتَ يومٍ خَلْفَهُ، ثم
أسرَّ إليَّ حديثاً لا أُحَدِّثُ به أحداً من الناسِ(٢).
٥٥٤٤ - حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ، قال:
حَدَّثَنَا ابنُ المباركِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن سالٍ، عن ابنٍ
عمر أن عمرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه حين تأَيَّمَتْ حفصةٌ من
و ٢٣٥ عن محمد بن عبد الله الأنصاري، وأبو داود (٥٢٠٣) من طريق خالد بن
الحارث، والبغوي (٣٣٠٧) من طريق مروان بن معاوية الفزاري، خمستهم عن حميد،
بهذا الإسناد.
(١) في ((التهذيب)): مولى علي بن أبي طالب، ويقال: مولى الحسن بن علي بن
أبي طالب.
(٢) حديث صحيح، أسد بن موسى متابع. ورواه ابن أبي شيبة ٤٩٣/١١ عن
أسود بن عامر، وأحمد ٢٠٤/١ عن بهز وعفان، ومسلم (٣٤٢) و(٢٤٢٩)، وأبو
يعلى (٦٧٨٨) عن شيبان بن فروخ، وأبو داود (٢٥٤٩) عن موسى بن إسماعيل،
ومسلم (٣٤٢)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٢٦/٦، وفي ((السنن)) ٩٤/١، وأبو يعلى
(٦٧٨٧) عن عبد الله بن محمد بن أسماء، والحاكم ٩٩/٢- ١٠٠، والبيهقي في
(الدلائل)) ٢٦/٦ و٢٧ من طريق عُبيد الله بن موسى والحارث بن أبي أسامة، وأبو
عوانة ١٩٧/١ من طريق عارم وحبان بن هلال، جميعهم عن مهدي بن ميمون، بهذا
الإسناد.
ورواه أحمد ٢٠٥/١ من طريق جرير بن حازم، عن محمد بن أبي يعقوب، به.
-٤٩٧-
كتاب العلم
زوجها، وكان قد شهدَ بدراً وتوفي [بالمدينة]، قال عمر: فلقيتُ عثمانَ
بنَ عفان رضي الله عنه، فعرضتُ عليه حفصةَ، فقال: سأنظرُ في ذلك،
فلبت لَيَالِيَ، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوَّجَ يومي هذا، فلقيتُ
أبا بكرٍ رضي الله عنه، فعرضتُها عليه، فَصَمَتَ أبو بكرٍ ولم يَرْجِعْ إلي
شيئاً، فكنتُ عليه أوْجَدَ مني على عثمان، فلبثتُ ليالي، فخطيها رسولُ
الله﴿، فأنكحتها إيَّه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلَّك وَجَدْتَ علي حينَ
عرضتَ علي حفصةً، فلم أرْجِعْ إليك شيئاً؟ قلت: نعم، قال: إنّه لم
يمنعني أن أرْجِعَ إلا أني علمتُ أن رسولَ اللهِلَ﴿ قد ذكرها، فلم أكن
لِأُفْشِيَ سِرَّ رسولِ اللهِ ﴾، ولو تركها رسولُ اللهِمَ قبلتُها(١).
٥٥٤٥- وما قد حَدَّثَنَا يونس، قال: حَدَّثْنَا سلامةُ بنُ روحٍ،
قال: حَدَّثْنَا عُقِيلُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرني سالم بنُ عبدٍ
الله، أنه سَمِعَ عبد الله بن عمر يحدث: أن عمرَ بنَ الخطاب رضي الله
عنه حين تأيّمت حفصةُ ابنةُ عمر من خُنيس بنِ حُذافة السهميِّ، وكان
(١) حديث صحيح. نعيم بن حماد - وإن كان في حفظه شيء- متابع.
ورواه أبو بكر المروزي في ((مسند أبي بكر)) (٥)، وأحمد ١٢/١، والنسائي
٧٧/٦-٧٨، وابن حبان (٤٠٣٩)، والطبراني ٢٣(٣٠٢)، والبزار (١١٥) من
طريق عبد الرزاق، والبخاري (٥١٢٩) من طريق هشام الدستوائي، كلاهما عن
معمر، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٢٧/٢، والمروزي (٤)، والبخاري (٤٠٠٥) و(٥١٢٢) و(٥١٤٥)،
والنسائي ٨٣/٦-٨٤، وابن سعد ٨١/٨-٨٢ و٨٢، والسيزار (١١٦)، وأبو يعلى
(٦) و(٧) و(٢٠)، والطبراني ٣٠٢١/٢٣) من طرق عن الزهري، به.
-٤٩٨-
کتاب العلم
من أصحابِ البِي ◌َ ◌ّ قد شَهدَ بدراً، قال عمر: لقيتُ عثمان ثم ذكر
بقيةَ الحديث(١).
قال أبو جعفر: قال هذا القائلُ: وإذا كان عبدُ الله بن جعفر،
وأنسُ بنُ مالك قد كتما سِرَّ رسولِ اللهِ﴿ّ في حياته، وأخبرا أنَّهما لا
يُحَدِّثَانِ به أحداً، أبداً، فَمِنْ أينَ جازَ لِغيرهما ممن ذكرتموه في هذه
الآثار إفشاءُ سرِّ رسول الله ﴾ٌ في حال من الأحوال، وقد رويتُم عن
رسول الله﴿ ما يوجبُ ذلك
٥٥٤٦- فذكر ما قد حَدَّثَنَا يونسُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهب، قال:
حدثني ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن عبد الرحمن بنِ عطاء، عن عبد الملك بن
جابر بنِ عَتيكٍ، عن جابر بن عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: قال
رسولُ اللهِوَ﴿: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ حَدِيثً، فالْتَفَتَ، فَهِيَ أمَانَةٌ)(٢).
٥٥٤٧- وما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سنان قال: حَدَّثْنَا القعنبيُّ، قال:
حَدَّثْنَا ابنُ أبي ذئب، ثم ذكر بإسناده مثلَه(٣).
(١) حديث صحيح، سلامة بن روح متابع.
(٢) إسناده حسن، عبد الرحمن بن عطاء: هو القرشي مولاهم أبو محمد الذارع
المدني، ويقال له: ابنُ بنت أبي لبيبة. قال الحافظ في ((التقريب)): صدوق فيه لين.
ورواه ابن أبي شيبة ٥٩٠/٨، وأبو داود (٤٨٦٨) عن يحيى بن آدم، وأحمد
٣٢٤/٣ و٣٧٩ - ٣٨٠ عن أبي عامر العقدي، والترمذي (١٩٦٠) من طريق ابن
المبارك، وأحمد ٣٧٩/٣ -٣٨٠، وأبو يعلى (٢٢١٢) من طريق يزيد بن هارون،
أربعتهم عن ابن أبي ذئب، به، وقال الترمذي: حديث حسن.
(٣) إسناده حسن، وهو مكرر ما قبله.
-٤٩٩-
كتاب العلم .
٥٥٤٨- وما قد حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ أبي مريم،
قال: أخبرنا سليمانُ بنُ بلال، قال: حدثني عبد الرحمن بن عطاء ابن
ابنة أبي لبيبة، أن عبد الملك بنَ جابر بنِ عَتِيكٍ أخبره، أن جابرَ بنَ عبدٍ
الله أخبره أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ﴾ يقول: ((إذا حدَّث الإنسانُ حديثاً،
فرأى المحدّثُ المحدِّثَ يلتفِتُ حولَه، فهي أمّانَةٌ)(١).
قال هذا القائل: فهذا الحديثُ قد أخبر بالمنع من إفشاء السِّرِّ في
حياة صاحبه، وبعد وفاته.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّ الذي
(١) إسناده حسن. وهو مكرر ما قبله.
ورواه أحمد ٣٥٢/٣ عن أبي سلمة الخزاعي، والبيهقي في («الآداب)) (١٢٠) من
طريق ابن وهب، كلاهما عن سليمان بن بلال، به.
وقوله: ((فالتفت))، قال المناوي في ((فيض القدير)، أي: غاب عن المجلس، أو التفت
يميناً شمالاً، فظهر من حاله بالقرائن أن قصده أن لا يطلع على حديثه غير الذي حدث
به، فالكلمة التي حدثه بها أمانة عند المحدَّث أودعه إياها، فإن حدث بها غيره، فقد
خالف أمر الله حيث أدى المائة إلى غير أهلها، فيكون من الظالمين، فيجب عليه
كتمها، إذ التفاته بمنزلة استكنامه بالنطق. قالوا: وهذا من جوامع الكلم لما في هذا
اللفظ الوجير من الحمل على آداب العِشرة، وحسن الصحبة، وكتم السر، وحفظ
الود، والتحذير من النميمة بين الإخوان المؤدية إلى الشنآن ما لا يخفى.
وقال الرغب: السر ضربان، أحدهما: ما يلقى الإنسان من حديث يستكتم،
وذلك إما لفظاً كقولك لغيرك: أكتم ما أقول لك، وإما حالاً، وهو أن يتحرى القائل
حال انفراده فيما يورده، أو خفض صوته، أو يخفيه عن مجالسه، وهو المراد في هذا
الحدیث.
- ٥٠٠-