Indexed OCR Text

Pages 201-220

کتاب الأدب - خیر الناس
قال أبو جعفر: وفي هذا الحديث أنه كان لدُرَّةَ ابنةِ أبي لهب من
رسول الله ﴿ الموضع المذكور لها فيه، وهو أجلُّ موضع، وقد رُوِيَ
عنه ﴿ مما كان منه في أمرها لما آذاها من آذاها من نسوةِ الأنصار
بأبيها لما قَدِمَتْ المدينة مهاجرة
٥١٢٢- ما قد حَدَّثْنَا أبو ◌ُمية، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بن عبد
الرحمن الدمشقي، قال: حَدَّثْنَا عبد الرحمن بن بشير، عن ابن إسحاق،
قال: حدثني نافعٌ مولى ابنِ عمر وزيدُ بن أسلم، عن ابن عمر، قال: لما
قَدِمَتْ دُرَّةُ ابنةُ أبي لهب المدينة مهاجرةٌ، نزلت دار رافع بن المعلِّى
الزُّرَقي، فقال لها نِسوةٌ جلسنَ إليها من بني زريق: أنتِ ابنةُ أبي لهب
الذي يقول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثَبَتْ يَدا أبي لهبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنى عنه مَلُه وما
كَسَبَ﴾، فما يُغْني عنك مُهاجَرُكِ! فَأَتَتْ رسولَ اللهِلَ﴿ِ، فَجْثَتْ إليه
وذكرت ما قُلْنَ لها، فسكتها، وقال: ((اجْلِسي))، ثم صَلَّى بالناس
الظهرَ، ثم جلس على المنبر ساعةٌ، ثم قال: (أيُّها الناسُ، مالي أُوذَى في
أهلي، فوالله إن شفاعتي لَتُنالُ بِقَرابَتِي، حتى أن حَكَمَاً وحا وصُداءٌ
وسَلْهبَ لَتَنَالُها يومِ القيامة بِقَرابَتي))(١). وسلهبُ في نسب اليمن من
(١) إسناده ضعيف، عبد الرحمن بن بشير - وهو الشيباني الدمشقي-، قال أبو
حاتم كما في («الجرح والتعديل)) ٢١٥/٥: منكر الحديث يروي عن ابن إسحاق غير
حديث منكر، وضعفه الحافظ ابن حجر في ((الإصابة) ٦٣٤/٧.
ورواه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني)) (٣١٦٥)، والطبراني ٢٤ /(٦٦٠) من
طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، عن عبد الرحمن بن بشير، عن محمد بن إسحاق،
عن نافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم، عن ابن عمير، وعن سعيد المقبري، عن أبي
هريرة، وعن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة، وعن عمار بن ياسر.
- ٢٠١ -

کتاب الأدب - خیر الناس
دَوْس.
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث ردَّ رسول الله ﴿ أمر دُرَّة ابنة
أبي لهب إلى نفسها لا إلى أبيها، لأن الله عَزَّ وجَلَّ قد مَنَعَ أن تَزِرَ وازرةٌ
وِزْرَ أُخرى، ولأن النبيِ لَ﴿ قد قال لأبي أبي رِمْثَة في ابنه أبي رِمْتة:
((إنه لا يَجْنِي عليك، ولا تَجْنِي عليه))، فكان الذي كان من أبي لهبٍ
لا يتعدَّاه إلى ولد، ولا إلى غيره، وكان الذي كسبته ابنته دُرَّة، وعملته
من الخير، لا يتعدَّها إلى من سواها من أبٍ ولا من غيره، والله عَزَّ
وجَلَّ نسأُه التوفيقَ.
وروى نحوه الطيراني ٢٤/(٦٥٦) من طريق عبد الله بن إدريس، عن عمرو بن
عثمان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين مرسلاً.
وحَگم وحا وصُداء وسلهب قبائل يمنية.
-٢٠٢ -

کتاب الأدب -الحب في الله
٧٢٣ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله 13 في
المتحابِّينَ في الله عَزَّ وجَلَّ، والمتباذلين فيه، والمتزاورين فيه
٥١٢٣- حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً حدَّثه،
عن أبي حازم بن دينار، عن أبي إدريس الخولاني، أنّه قال: دخلتُ
مسحدَ دمشق فإذا فتىِ برَّاقُ الثّنايا، وإذا الناسُ معه إذا اختلفوا في
شيء، أسندوا إليه، وصَدَرُوا عن رأيه، فسألتُ عنه؟ فقيل: هذا معاذُ بنُ
جَبَل، فلما كان الغَدُ، مَجَّرْتُ، فوجدتُه قد سبقني بالتهجير، ووجدتُه
يُصَلِّي، فانتظرتُه حتى قضى صلاته، ثم جئتُه مِن قِبَلِ وجهه، فسلمتُ
عليه، ثم قلتُ: والله إني لأُحِبُّكَ للَّهِ عَزَّ وحَلَّ، فقال: آللهِ؟ فَقُلْتُ:
واللهِ، فقالَ: آلله؟ فقلت: واللهِ، فأخذ بحُبْوَةِ رِدائي، فَحَبَدَني إليه،
وقال: أبشر فإني سمعتُ رسولَ اللهِ ﴿ يقولُ: ((قَالَ اللهُ: وَجَبَتْ
مَحَبَّقي للمُتَحاِبِّنَ فيَّ، وَالْتَجَالِسِينَ فيَّ، وَالْمُتَزَاورِينَ فِيَّ، وَالْتَبَاذِلِينَ
فِيَّ)(١).
٥١٢٤- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ
مسلمةً بنِ قَعْنَبٍ، قال: حَدَّثْنَا مالك، عن أبي حازمٍ، عن أبي إدريس،
عن معاذٍ بنٍ جبلَ رضِيَ اللهُ عنه، قال: قالَ رسولُ اللهِوَ﴾: ((قالَ الله
عَزَّ وَجَلَّ: وَجَتْ مَحَيِّتِي لِلمُتَحِّينَ فِيَّ، والمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَباذِلِينَ
(١) إسناد صحيح، وهو في (الموطأ) ٩٥٣/٢ -٩٥٤، ومن طريق مالك رواه
أحمد ٢٣٣/٥، وابن حبان (٥٧٥)، والطبراني في ((الكبير)) ٢٠/(١٥٠)، والحاكم
١٦٨/٤- ١٦٩، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٤٤٩) و(١٤٥٠).
-٢٠٣-

کتاب الأدب -الحب في الله
فِيَّ، وَالُتجالِسِينَ فِيَّ).
٥١٢٥- حَدَّثَنَا عليُّ بنُ زيد الفرائضي، وفهدُ بنُ سليمان،
والحسنُ بن عبد الله بن منصور البالسي، قالوا: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ كثير،
عن الأوزاعيِّ، عن يونسَ بنِ حَلْبَس، عن أبي إدريس عائذِ اللهِ، قال:
دخلتُ مسجدَ حمصَ، فَقَعَدْتُ في حلقةٍ فيها نيفٌ وثلاثون مِن
أصحاب رسولِ الله ﴿، منهم يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهلَ﴿ يقولُ كذا
وكذا، ويُنْصِتُ الآخرون، ويقولُ الرجل منهم: سمعتُ رسولَ الله لَ﴾.
يقول كذا، ويُنْصِتُ الآخرون، وفيهم فتىِّ أدعجُ برَّاقُ الثنايا إذا اختلفوا
في شيء، انتهوا إلى قوله، فلما انصرفتُ إلى منزلي، بتُّ بأطول ليلةٍ،
فقلتُ: جلست في حلقةٍ فيها كذا وكذا من أصحابِ رسولِ اللهِ لَ﴿ لا
أعرِفُ منازِلَهم ولا أسماءَهم، فلما أصبحتُ غَدَوتُ إلى المسجد، فإذا
الفتى الأدعجُ قاعدٌ إلى ساريةٍ، فجلستُ إليه، فقلتُ: إني لأُحِبُّك اللهِ
عَزَّ وجَلَّ، قال: آللّهِ إِنَّك لَتُحِبُّني للهِ تبارك وتعالى؟ فقلت: آللهِ إنّي
الْأُحِبُّكَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فأخذ بُجُبوتي حتى مسَّتْ ركبني ركبته، قم قال:
آللهِ إنّكِ لُتُحِبُّبِي الله عَزَّ وجَلَّ، فقلت: آللّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ الله عَزَّ وجَلَّ،
فقال: أفلا أُخْبِرُكَ بشيءٍ سمعتُه من رسولِ اللهِلَ﴿، فقلتُ: بلى، فقال:
سمعتُ رسولَ اللَّهَ﴿ يقولُ: ((المتحابُونَ في اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يُظِلُّهم الله
عَزَّ وجَلَّ بِظِلٌّ عرشه يَوْمَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلّه) قال: فبينا نحنُ كذلك إذ مرَّ
رجلٌ ممن كان في الحلقةِ، فقمتُ إليه فقلتُ: إن هذا حدثني بحديثٍ عن
رسول الله ﴿ فهل سمعته منه؟ قال: وما حَدَّثَك ما كان لِيحدِّفَك إلا
حقّاً، قال: فأخبرتُه، فقال: سمعتُ هذا من رسولِ الله لَ﴾ّ وما هو
-٢٠٤-

كتاب الأدب - الحب في الله
أفضلُ منه، سمعتُه يقولُ يَأْثُرٌ عن الله عَزَّ وجَلَّ: ((حَقّتْ مَحَبِّـتي
للمُتَحَابِّينِ فِيّ، وحَقّتْ للمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ، وحَقَّتْ محبَّتِي للمُتزاوِرِينَ
فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَّتِي للمُتباذِلِينَ فيَّ)، قلتُ: من أنتَ يَرَحَمُكَ اللهُ؟ قال:
أنا عُبادةُ بنُ الصَّامِت، قلت: فمن الفتى؟ قال: معاذُ بنُ جبل.
٥١٢٦- وحَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قال: حَدَّنَا بِشر بنُ
بكر، قال: حَدَّثْنَا ابنُ جابر، وهو عبدُ الرحمن بن يزيد بن جابر
الأزدي، قال: حَدَّثَنَا عطاءُ الخراسانيُّ، قال: سمعتُ أبا إدريس
الخولانيَّ، يقول: دخلتُ مسجدَ حمص، فجلستُ في حلقةٍ كُلُّهم
يُحَدِّث عن رسولِ الله ◌َّ وفيهم فتىِّ شابٌّ إذا تكلّمَ أَنَصتَ له القومُ،
وإذا حَدَّثَ رجلٌ منهم، أنصت له، قال: فتفرَّقوا ولم أعلم مَنْ ذلك
الفتى، فانصرفتُ إلى منزلي، فما قَرَّتْ لي نفسي حتى رجعتُ إلى
المسجد، فجلست فيه، فإذا أنا به، فقمتُ إليه فجلستُ معه حتى أتى
عموداً من عمد المسجد، فركع ركعاتٍ حساناً، ثم جلس، فاستقبلتُه
فطال سكوته لا يَتَكَلِّمُ، فقلتُ: حدثْنِي رَحِمَكَ اللهُ، فوالله إنّي لأُحِبُّكَ
وأُحِبُّ حديثَك، فقال لي: آللهِ؟ قلتُ: آللهِ، فجبذني بُحُبوتي حتى
لَصِقَت ركبتي بركبته، ثم قال فيما أظن: الحمدُ للهِ، سمعتُ رسولَ الله
◌َ﴿ يقولُ: ((الْتَحُبُّونَ مِن جلالِ الله عَزَّ وجَلَّ فِي ظِلِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ
يَوْمَ لا ظِلَّ إلى ظِلُّه)) قلتُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ الله؟ قال: معاذُ بنُ جبل،
فقمتُ من عنده فإذا أنا بعُبادة بن الصامت، فقلتُ: يا أبا الوليد إن
معاذاً حدثني حديثاً، قال: وما الذي حدَّثك؟ قال: سمعتُ رسولَ الله
﴿ يقولُ: «المتحابُّونَ مِن جلالِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فِي ظِلِّ اللّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ
- ٢٠٥ -

کتاب الأدب -الحب في الله
إلّا ظِلُّهُ)، فقال لي عُبادة: تَعالَ أُحَدِّثْكَ ما سمعتُ مِن رسول الله وَّ
يروي عن ربِّه عَزَّ وجَلَّ، قال: فأتيتُه، فقال لي: سمعتُ رسولَ اللهِلَّ
يقولُ: ((قال رَبُّك عَزَّ وجَلَّ: حَقْتْ محبتي على المتحابين فيَّ، وحَقَّتْ
محبّي على المتجالسين فيَّ، وحَقّتْ مُحبَّقي على الُتزاوِرِينَ فِيَّ، وحَقَّتْ
مَحبَّتِي على الْمُتباذِلِينَ فِيَّ)(١).
٥١٢٧- حَدَّثَنَا خَيْرُ بنُ عرفة أبو الطاهر، قال: حَدَّثْنَا عُرْوَةُ بنُ
مروان المعروف بالرَّقي، قال: حَدَّثْنَا شعيب بنُ رُزَيْق، عن عطاء
الخراساني، عن أبي إدريس عائذِ اللهِ، قال: أَتَّيْتُ مسجدَ حِمْصَ،
فجلستُ إلى حلقةٍ فيها ثلاثون رجلاً من أصحابِ رسولِ الله وَ﴿،
وفيهم شابٌّ آدمُ خفيفُ العَارِضين، براقُ الثنايا، فقلتُ: مَنْ هذا؟
فقالوا: هذا معاذُ بنُ جبل، فلما تفَرَّقوا دنوتُ منه، فقلتُ: واللهِ إني
الأُحِبُّك في الله عَزَّ وجَلَّ، فضربَ بيده إلى حُبُوتي، فاجْتَرَّني حتى
أَلْصَقَ رُكبتي، وقال: أَبْشِرْ إن كنت صادقاً، فإنّي سمعتُ رسولَ الله ◌ِ*
يقولُ: ((الْمُتحابُونَ بِجلالِ اللهِ تَحْتَ ظِلِّ العرشِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلاَّ
(١) رواه الحاكم ١٧٠/٤ من طريق بكر، به. ورواه أبو نعيم في ((الحلية)
٢٠٦/٥ من طريق صدقة بن خالد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به.
ورواه أحمد ٢٢٩/٥، ومن طريقه الحاكم ١٦٩/٤ -١٧٠ من طريق الوليد بن
أبي عبد الرحمن، والطبراني ٢٠/(١٥٤) من طريق شهر بن حوشب، كلاهما عن
أبي إدريس الخولاني، به.
ورواه الحاكم ١٦٩/٤ من طريق الأوزاعي، عن يونس بن حلبس، عن أبي
إدريس الخولاني، عن معاذ.
-٢٠٦ -

كتاب الأدب - الحب في الله
ظِلُّهُ)(١).
٥١٢٨- وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو داود، عن
شُعْبَةَ، عن يعلى بنِ عطاء، قال: سمعتُ الوليد بنَ عبد الرحمن يُحدث
عن أبي إدريس العائذي، قال: ذكرتُ لِعُبادة بن الصامت حديثَ معاذ
بن جبل في المتحابين، فقال: لا أحدثكم إلا ما سمعتُ على لسان محمد
﴿: ((حَقْتْ مَحبِّتي للمُتحابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَّتِي للمُتَزَاوِرِينَ فِيّ،
وحَقَّتْ مُحبَّتي للمُتَصافِينَ فِيَّ، أو الْتَلاقِينَ فِيَّ».
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ في إسناده، فوجدنا فيه ذكرَ
لقاء أبي إدريس معاذ بن جبل، وسماعَه منه بما ذكر من سماعه إِيَّاه منه
في هذا الحديث، وقد وجدنا عنه ما قد ظَنَّ بعضُ الناس أنَّه قد خالف
ذلك، ودفع أن يكونَ أبو إدريس لقي معاذً.
٥١٢٩- وهو ما قد حَدَّثَنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ عيينة،
عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، قال: أدركتُ عبادةً بنُ
الصامت، ووعيتُ عنه، وأدركتُ شدادَ بنَ أوس، ووعيتُ عنه، وعدَّ
نفراً مِن أصحاب رسول الله ﴿، وفاتني معاذٌ، فأُخْبِرْتُ أَنَّه كان لا
يجلِسُ مجلساً إلا قالَ: اللهُ عَزَّ وجَلَّ حَكُمْ قِسْطٌ، تبارك اسمه، هَلَّكَ
المرتابون.
٥١٣٠- وما قد حَدَّثْنَا عُبيد بنُ رجال، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ
صالح، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهري، ثم
(١) عروة بن مروان الرقي قال الدارقطني: ليس القوي.
-٢٠٧-

کتاب الأدب -الحب في الله
ذكر بإسناده مثلَه، غير أنّه قال: وفاتني معاذُ بنُ جبل، فحدثني يزيدُ بنُ
عُميرةً عنه، ثم ذكر بقيةً الحديث.
قال أبو جعفر: فكان ما توهّم مَنْ حكينا عنه ما حكينا مِن دفعه
لقاءَ أبي إدريس معاذاً بما في هذا الحديث لا يُوجب ما توهّم من ذلك،
لأن هذا الحديثَ إخبارُ أبي إدريس بلقائه عبادة ووعيه عنه، ولقائه
شداد بن أوس ووعيه عنه، ثم قال: وفاتني معاذ، فاحتمل أن يكونَ
أراد بقوله: فاتني، أي: فاتني أن أعِيَ كما وعَيْتُ عن اللذين كرهما
قبلَه، لا أنه لم يلقه، وكيف يجوز أن يُظن ذلك به مع عدله رحمه الله
في نفسه، ومع ضبطه في روايته، ومع جلالة من حَدَّث بذلك عنه،
وهم أبو حازم بنُ دينار، وعطاء بنُ عبد الله الخراساني، ويونس بن
ميسرة بن حلبس، والوليد بن عبد الرحمن، وهؤلاء جميعاً أئمة مقبولة
روايتهم غير مدفوعين عن العدل فيها، والضبط لها، والثبت فيها، وإنه
ليجبُ علينا أن نَحْمِلَ روايةَ من هذه سبيلُه على ما ينفي عنها التضادَ،
ما وجدنا إلی ذلك سبيلاً.
ثم تأملنا متن هذا الحديث، فوجدناه مما قد جاء على ضربين
أحدهما: ((وجبت محبتي))، والآخر: ((حقت محبتي))، فأما ((وجبت محبتي))
فقد يكون ذلك الوجوب، وهناك وجوب آخر من المحبة هو أعلى منه،
وفي مرتبة فوق مرتبته من المحبة كما يقولُ الرجل: أنا أُحِبُّ فلاناً لرجل
يقصد بذلك إليه، ثم يقولُ بعد ذلك، وأنا أُحِبُّ فلاناً لِرجل غيره محبةٌ
فوقَ تلك المحبةِ، فمثلُ ذلك قولُه عَزَّ وَلَّ: ((وجبت محبتي)) للذين
ذكرهم لا يمنعُ ذلك أن تكونَ محبتُه تجب لغيرهم وجوباً فوقَ ذلك
-٢٠٨-

كتاب الأدب - الحب في الله
الوجوب، وفي مرتبة أعلى من مرتبته.
وأما ((حقت محبتي))، فعلى فوق ذلك، وهو أعلى مراتبٍ
الوجوب، وقد بَيَّنَ ذلك عبادةُ بنُ الصامت لأبي إدريس لما حدَّثْه عن
معاذ بن جبل بما حدَّثْه به، عن رسول الله لَ﴿، عن الله عَزَّ وجَلَّ:
(وجبت محبقي))، بقول له: سمعتُ من رسول الله :﴿ ما هو أفضلُ منه،
سمعتُه يأْثُرُ عن الله عَزَّ وجَلَّ: ((حقت محبتي))، فقلنا بذلك أن الذي
حدَّته عُبادة مما سمعه من البيِّ ◌َ﴿ فوقَ الذي حدَّثُه به أبو إدريس، عن
معاذ، عن النبيِّ ◌ِ﴾.
ومما يُحَقّقُ ذلك أنا وجدنا الرجلَ يقول: فلانٌ عالم، فيوجبُ له
العلمَ، وقد يكون في العلماء مَن مرتبته فيه فوقَ مرتبته فيه، ويقولُ:
فلان عالم حقاً، فيرفعه بذلك إلى أعلى مراتب العلم، فمثل ذلك:
((حقت محبتي))، على الرفعة لمن حقّت له إلى أعلى مراتب محبته. ومثل
ذلك ما قد رُوِيَ عن رسولِ اللهِنَ﴿ مما قد رويناه فيما تقدَّم منا في
كتابنا هذا مِن قوله لأهل نجرانَ لما سألوه أن يَبْعَثَ معهم رجلاً أميناً،
فقال: (لأبعثن معكم رجلاً أميناً حَقَّ امين حقّ أمين)) فبعث معهم أبا
عبيدة بنَ الجراح. وكان ذلك إخباراً منه إيّاهم أنَّه قد بعث معهم من
هو في أعلى مراتب الأمانة، ثم وكْد ذلك بقوله: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أمينٌ،
وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح))، وقد ذكرنا ذلك أيضاً
بأسانيده فيما تقدَّمَ منا في كتابنا هذا، والله نسأله التوفيق.
-٢٠٩-

کتاب الأدب -المؤمن غر کریم
٧٢٤ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قوله
في المؤمن: «إنّه غِرٌ كريمٌ)، وفي الفاجر: «إنه خِبٌّ لَئِيمٌ)
٥١٣١ - حَدَّثْنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثْنَا قَبِيصَةُ بنُ عُقبة، قال:
حَدَّثْنَا سفيانُ، عن الحجاج بن فُرَافِصَةَ، عن يحيى بنِ أبي كثير أو غيره،
عن أبي سَلَّمَة، عن أبي هريرة أن النبيَّمَ ﴿ قال: «المؤمنُ غِرٌّ كَرِيمٌ،
والفاجرُ خَبٌّ لَئِيمٌ)(١).
٥١٣٢- حَدَّثْنَا محمد بنُ علي بن داود، قال: حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ
(١) حديث حسن، ورواه القضاعي (١٣٣) من طريق قبيصة بن عقبة، به.
ورواه أحمد ٣٩٤/٢، وأبو داود (٤٧٩٠) عن أبي أحمد محمد بن عبد الله
الزبيري، عن سفيان، عن الحجاج بن فرافصة، عن رجل، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة. ورواه الحاكم في ((علوم الحديث)) ص١١٧ من طريق الثوري، عن الحجاج بن
فراقصة، عن رجل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ورواه البخاري في ((الأدب المفرد))
(٤١٨)، وأبو داود (٤٧٩٠)، والترمذي (١٩٦٤)، وأبو يعلى (٦٠٠٧)، والحاكم
٤٣/١ من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
ورواه ابن المبارك في «الزهد)) (٦٧٩) عن أسامة بن زيد، عن رجل من بلحارث
بن عقبة، عن یحیی بن أبي کثیر، عن أبي سلمة، مرسلاً.
وقوله: (المؤمن غِرٌّ كريم))، قال في (النهاية)، أي: ليس بذي نُكر، فهو ينخذعُ
الانقياده ولعنِه، وهو ضِدّ الخبِّ، يقال: فتىَّ غِرٍّ، وفتاة غِرٍّ، وقد غَرِرْتَ تغِرُّ غرارة،
يريد أن المؤمن المحمودَ مِن طبعه الغرارةُ، وقِلةُ الفطنة للشر، وتركُ البحث عنه، وليس
ذلك منه جهلاً، ولکنه کرم وحسن خلق.
والخَبُّ بالفتح: الخدَّاعِ، وهو الذي يسعى بين الناس بالفساد، رجلٌ خٌّ وامرأةً
خَبَّة، وق تكسر خاؤه، فأما المصدر فبالكسر لا غير.
- ٢١٠ -

کتاب الأدب ۔المؤمن غر کریم
محمد بن سليمان الُبَارَكِي، قال: حَدَّثْنَا أبو شهاب، عن سفيان، عن
الحجاج بنِ فُرَافِصَةَ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي
هُريرة، عن رسولِ اللهل﴿ بغيرِ شَكِّ ذكره في إسناده(١).
٥١٣٣- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ
جناب، قال: حَدَّثْنَا عيسى بنُ يونسَ، عن سفيان الثوري، ثم ذكر
بإسناده مثلَه بغير شكِّ ذكره في شيءٍ من إسناده(٢).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ لِنَقِفَ على المرادِ به ما هو إن
شاء الله، فوجدنا الغِرَّ في كلام العرب: هو الذي لا غائِلَةَ معه، ولا
باطِنَ له يخالِفُ ظاهره، ومن كانت هذه سبيله، أمِنَ المسلمون من
لسانه ويده، وهي صفةً المؤمنین، ووجدنا الفاجر ظاهرُه خلاف باظنه،
الأن باطنه هو ما يكره، وظاهره، فمخالف لذلك، كالمنافق الذي يُظهر
شيئاً غيرَ مكروه منه وهو الإسلام الذي يَحْمَدُهُ أهلُه عليه، ويُبطنُ
خِلافه وهو الكفرُ الذي يَذُمُّهُ المسلمون عليه، فكان مثلَ ذلك الخِبُّ
الذي يُظهر المعنى الذي هو محمود منه، حتى يحمدَه المسلمون على
ذلك، ويُبُطن ضِدَّه مما يَذُمُّهُ المسلمون عليه، وهو الفاجرُ الذي وصفه
رسولُ الله﴿ بما وصفه به في هذا الحديث، وخالف بَيْنَهُ وبَيْنَ المؤمن
الذي وصفه بما وصفه به في هذا الحديث، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله
التوفيق.
(١) رواه الشهاب القضاعي (١٣٣)، والحاكم في ((علوم الحديث)) ص١١٧،
والخطيب ٣٨/٩، وأبو نعيم ١١٠/٣ من طريق أبي شهاب الحناط، به.
(٢) رواه أبو يعلى (٦٠٠٨)، والحاكم ٤٣/١ من طريق عيسى بن يونس، به.
- ٢١١ -

کتاب الأدب
٧٢٥ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله علیه السَّلامُ
من قوله: ((إذا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَانْتَهُوا عنه، وإِذا أُمَرْتُكُمْ بأمرٍ
P
فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ))
٥١٣٤ - حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني يونس، عن
ابنِ شِهابٍ، أخبرني ابنُ الُسيِّب وأبو سلمة، قالا: كانَ أبو هريرة
يُحدِّث أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ عليه السَّلامُ يقولُ: ((ما نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ،
فاجتَنِبُوه، وما أمَرْتُكُم به، فافْعَلُوا مِنْهُ ما استَطَعْتُمْ، فَإِنَّما هَلَكَ مْنَ
كانَ قبلَكُم بكثرةِ مَسائِلِهم، واختلافهم على أنبيائهم)(١).
٥١٣٥- حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي
الزِّناد، عن الأعرجِ، عن أبي هريرة، عن رسولِ اللهِ ﴿ٌ مثلَهُ(٢).
(١) إستاده صحيح، رواه مسلم ١٨٣٠/٤ (١٣٠) في الفضائل، عن حرملة بن
یحیی التّحيي، عن ابن وهب، به.
ورواه أحمد ٢٤٧/٢ و٣١٣ و٤٢٨ و٤٤٧- ٤٤٨ و٤٥٧ و٤٨٢، والشافعي
١٩/١، وعبد الرزاق (٢٠٣٧٢) و(٢٠٣٧٤)، والحميدي (١١٢٥)، ومسلم
(١٣٣٧) في الحج، و١٨٣١/٤ (١٣١)، والنسائي ١١٠/٥-١١١، وابن حبان
(١٨)، وابن خزيمة (٢٥٠٨)، والدار قطني ٢٨١/٢، والبيهقي ٣٢٦/٤، والبغوي
(٩٨) و(٩٩) من طرق عن أبي هريرة. زاد بعضهم في أوله أن أبا هريرة قال: خطبنا
رسولُ الله * فقال: ((أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحُجُّوا)) فقال رجلٌ:
أكلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكَتَ، حتى قالها ثلاثاً. فقال رسولُ الله ﴾: (لو قلتُ:
نعم، لوجبت ولَّمَا استطعتم)) ثم قال: ذروني ما تركتكم ... ثم ذكره.
(٢) إسنادُه صحيح، وهو في (الموطأ) برواية محمد بن الحسن الشيباني برقم
- ٢١٢ -

کتاب الأدب
٥١٣٦- حَدَّثْنَا الربيعُ المرادي، حَدَّثْنَا ابنُ وهب، حَدَّثْنَا ابنُ أبي
الرِّناد ومالكٌ، عن أبي الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن
رسولِ الله ﴿ مثلَه (١).
٥١٣٧- حَدَّثْنَا فهدٌ، حَدَّثْنَا أبو الأسود النضرُ بنُ عبد الجبار
المرادي، أخبرنا نافع بنُ يزيد، عن ابنِ الهاد، عن عبد الوهَّابِ بن أبي
بكر، عن ابنِ شِهاب، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة، عن رسولِ الله
﴿ُ مثلَه.
٥١٣٨ - حَدَّثْنَا ابْنُ خُزَيمَةٍ وَفَهْدٌ، قالا: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ،
حدثني الليثُ، حدثني ابنُ الهاد، عن ابنِ شهاب(٢).
قال أبو جعفر: ولم يذكر عبدُ الوهَّاب: عن سعيد(٣) وأبي سلمة
عن أبي هريرة أنه سَمِعَ رسول الله عليه السَّلامُ .. ثم ذكر مثله.
٥١٣٩- حَدَّثْنَا فهدٌ، حَدَّثْنَا عُمَرُ بنُ حفص بن غياثٍ، حَدَّثَنَا
أبي، حَدَّثْنَا الأعمشُ، حدثني أبو صالح، عن أبي هريرة، عن رسولٍ
الله ◌َ، مثلَه (٤).
(٩٩٦). ومن طريق مالك رواه البخاريُّ (٧٢٨٨)، وابنُ حبان (١٩).
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٢٥٨/٢، والشافعي ١٩/١، والحميدي
(١١٢٥)، وابن حبان (١٨) و(٢٠) و(٢١)، والبغوي ١٩٩/١ من طريق أبي
الزناد، به.
(٢) حديث صحيح، عبد الله بن صالح قد توبع.
(٣) تحرف في الأصل (المخطوط): شعبة.
(٤) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٣٥٥/٢ و٤٩٥ و٥٠٨، ومسلم ١٨٣١/٤
- ٢١٣ -

کتاب الأدب
٥١٤٠- وحَدَّثْنَا فهدٌ، حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبد الله بن يونس، حَدَّثَنَا
أبو شهاب الحنّاطُ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن
رسول الله عليه السَّلامُ، مثلَه.
قال أبو جعفر: فتأمُّلْنا هذا الحديثَ، لِنَقِفَ على المعنى الَّذِي فَرَّقَ
به رسولُ الله عليه السَّلامُ بينَ مَا يَنْهَى عنه فأمَرَ باجتنابه اجتناباً مُطْلقاً،
وبَيْنَ ما يَأْمُرُ به، فجَعَلَ ذلك على ما يَستطيعُه المأمورون، ولم يجعلْه
أمراً مُطْلقً كما جَعَلَ الذي يَنْهَى عنه مُطلقاً، فوجدْنا الأشياء التي يَنْهَى
عنها قد كانَ الْمُنْهَوْنَ عنها مستطيعينَ لفعلِها، فَنَهَاهُم أنْ يفعلوها في
المستأنفِ، ووَجَدْنا الأشياءَ التي يُؤمَرُونَ بفعلِها قد يكونُ ما يُطِيقونَهُ،
وقد يكون مِمَّا يَعْجِزُونَ عنه، ولم يُكَلِّفُوا في ذلك إلا ما يُطيقونَهُ منها،
كما قالَ الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلْفُ الله نَفْساً إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي:
طاقتها، وكما قالَ تعالى: ﴿لأُكَلْفُ اللّه نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]،
وكما قالَ رسولُ اللهِ لَ﴿ فیما
٥١٤١- حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب أنَّ مالكاً أُخبرَه عن
عبدِ الله بنِ دينارٍ، عن ابن عُمر، قال: كنَّا إذا بايَعْنا رسولَ اللهِنَ﴿ر على
السَّمْع والطاعة، يقولُ لنا: ((فيما اسْتَطَعْتَ)(١).
(١٣١)، والترمذي (٢٦٧٩)، وابن ماجه (١) و(٢) من طريق الأعمش، به.
(١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ) ٩٨٢/٢. ورواه أحمد ٩/٢ و٨١ و١٠١،
والبخاري (٧٢٠٢)، ومسلم (١٨٦٧)، والبغوي (٢٤٥٤) من طرق عن عبد الله بن
دینار، به.
-٢١٤-

کتاب الأدب - الحياء
وسنذكرُ في هذا المعنى فيما بَعْدُ من كتابنا هذا في بيعةِ رسول
اللَّهَِةِ الناس كيفَ كانت ما يزيدُ على هذا إن شاء الله.
فلما كانَ ما يُؤْمَرون به قد يُطيقونَه، وقد يَعْجِزُونَ عنه، قال لهم
* فيه ما ذُكر من قولِه لهم فيه في هذه الأحاديث، لأنّهم بأنفسِهم
أعلمُ من قوتِها على ذلك مِن عجزِها عنه، فهذا عندَنا هو المَعْنَى الذي
كانَ رسولُ الله عليه السَّلامُ فَرَّقَ فيه بينَ أمره وبينَ نهيه في هذهِ
الأحاديث التي ذكرنا، والله تعالى أعلمُ بمراده في ذلك، ونسألُه التوفيقَ
مے
فيه وفي غيره.
٧٢٦- بابُ بیانِ مُشْکِل ما روي عن رسول الله څ من قوله:
((إِنَّ مِمَّ أُدْرَكْنَا من كلامِ النُّبِوَّةِ الأُولِى إذا لَمْ تَسْتَحِي فاصنَعْ
ما شِئْت)
٥١٤٢- حَدَّثْنَا عليُ بنُ معْبَدٍ وأبو أُمية، قالا: حَدَّثْنَا رَوْحُ بن
عُبادة، قال: حَدَّثْنَا الثوري وشعبة، عن منصور، عن رِبْعِي، قال: سمعتُ
أبا مسعود، قال: قال رسول الله :﴿: ((إِنَّ مِمَّا أَدْرَكْنَا من كلامِ النَّبوَّةِ
الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِي فاصنَعْ ما شِئْتَ)(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١٢١/٤، وأبو نعيم في (الحلية)) ٣٧٠/٤ عن
روح بن عبادة، به.
ورواه الطيالسي (٦٢١)، وأحمد ١٢١/٤ و١٢٢، والبخاري في ((الجامع
الصحيح)) (٣٤٨٤)، وفي ((الأدب المفرد)) (١٣١٦)، والطبراني ١٧/ (٦٥١)، وابن
حَّان (٦٠٧)، والقضاعي (١١٥٣) - (١١٥٦)، والبيهقي ١٩٢/١٠، وفي
- ٢١٥-

کتاب الأدب - الحياء
٥١٤٣- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا بشر بن عُمر
الزُّهراني، قال: حَدَّثَنَا شعبةٌ، عن منصورٍ، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه.
٥١٤٤- حَدَّثْنَا إبراهيمُ، قال: حَدَّثْنَا وَهْبٌ، قال: حَدَّثَنَا شعبة،
عن منصور، فذكر بإسنادِهِ مثلَّه، ولم يذكره عن النبيِ وَ﴿ وَأَوْقَفه على
أبي مسعود.
٥١٤٥- حَدَّثَنَا ابن أبي داود، قال: حَدَّثَنَا الْقَوَارِيريُّ، قال:
حَدَّثْنَا يحيى بنُ سعيد، عن سفيانَ، عن منصورٍ، فذكر بإسناده مثله،
وأوقفه على أبي مسعودٍ ولم يذكر النبي ◌ُ﴾ فيه.
٥١٤٦- حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: أخبرني
حَرير بن عبد الحميد الضَِّيُّ، عن منصور، عن ربعي، عن أبي مسعود
أن رسول الله ﴿ قال : ... فذكر مثلَه.
٥١٤٧- وحَدَّثَنَا سعيدُ بن سُليمان الوَاسطي، قال: حَدَّثْنَا عَبَّاد
-وهو ابنُ العوّام - عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حُذيفة،
قال: قال رسول الله مَ ﴿: ((آخِرُ ما تُمُسِّكَ بهِ من كَلامِ النَّبوة الأولى
إذا لم تَستحِي فَاصْنَعْ ما شِئْتَ)(١).
(الآداب)) (١٩٨)، وابن الجعد في ((مسنده)) (٨٤٣)، وأبو الشيخ في ((الأمثال)) (٨١)
وابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٨٣) من طرق عن شعبة، به. ورواه البخاري
(٣٤٨٣)، وفي ((الأدب المفرد)) (٥٩٧)، وابن ماجه (٤١٨٣)، وأبو نعيم ١٢٤/٨،
والطبراني ١٧/ (٦٥٣) - (٦٦٠) من طرق عن منصور بن المعتمر، به.
(١) رواه أحمد ٣٨٣/٥ و٤٠٥، والبزار (٢٠٢٨)، وأبو نعيم ٣٧١/٤،
-٢١٦-

کتاب الأدب - الحياء
٥١٤٨- حَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثَنَا طَلْقُ بنُ غَنَّام، قال: حَدَّثْنَا
شريك، عن منصور، عن شَقيق . هكذا قال-، عن أبي مسعودٍ، قال:
قال رسول الله ﴿: ((إِنَّ أَكْبَرَ ما أدْرَكَ النَّاسُ من كَلام النبوة الأُولى
إذا لم تَستحِي فَاصْنَعْ ما شِئتَ)(١).
٥١٤٩- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي بن زيدٍ المكي الصائغ، قال: حَدَّثَنَا
الحسن بنُ علي الحُلواني، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق، عن معْمَر، عن
والخطيب في ((تاريخه)) ١٣٥/١٢-١٣٦ من طريقين عن أبي مالك الأشجعيّ، به.
وقال البزار: قد اختلفوا عن ربعي، فقال أبو مالك هكذا، وقال منصور: عن
ربعي، عن أبي مسعود.
وقال الحافظ في «الفتح)) ٦٠٥/٦: ليس ببعيد أن يكونَ ربعي سمعه من أبي
مسعود، ومن حذيفة.
ورواه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ٧٨/٢ من طريق فضيل بن عياض، عن الحسن
بن عبيد الله، عن ربعي، عن حذيفة أراه مرفوعاً. ورواه أبو نعيم أيضاً في ((الحلية))
٣٧١/٤ من طريق إبراهيم بن طهمان، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعي،
عن حذيفة موقوفاً.
وأورده الهيثمي في (المجمع) ٢٧/٨، وقال: رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال
الصحيح.
(١) إسناده ضعيف. شريك سيئ الحفظ، وقد أخطأ فيه، فذكر ((شقيقاً)) بدل
(ربعي)) في هذا الإسناد. وقد رواه على الصواب، فقال عن ربعي، عن أبي مسعود،
رواه عنه ابن أبي شيبة ٥٢٤/٨، ومن طريقه الطبراني في ((الكبير)) ١٧/ (٦٥٧).
ورواه القضاعي في («مسند الشِّهاب)) (١١٥٦) من طريق عليّ بن الجعد، حَدَّثْنَا
شعبة وشريك، عن منصور، عن ربعيّ، عن أبي مسعود.
- ٢١٧ -

كتاب الأدب - الحياء
الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ، عن أبي مسعودٍ، قال: قال
رسول الله ﴿: ((إنَّ ◌َما أدْرَكَ النَّاسُ من كَلام النبوة الأُولى إذا لم
تَستحِي فَاصْنَعْ ما شِئْتَ)(١).
قال أبو جعفر: وكان معنى ذلك -والله أعلمُ - الحضَّ على
الحياءِ، والأمرَ بِهِ وإعلامَ الناسِ أنهم إذا لم يكونوا من أهلِه، صنّعوا ما
شَاؤُوا، لا أنّهم أُمروا في حال من الأحوال أنْ يصنَعوا ما شاؤُوا. وهذا
كقولِ النِّ﴿ّ: ((مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً، فَلَيَتْبوَّأ مقعَدَهُ مِنَ النَّارِ))(٢)
ليس أنه مأمورٌ إذا كذبَ أن يتبوأ لنفسِه مقعداً من النار، ولكِنَّه إذا
کذب علیه یتبوأ مقعده من النار.
ومثل هذا كثيرٌ في كلامهم، فمثل ذلك هذا الحديث: ((إذا لم
تَسْتَحي فاصنَعْ ما شِئْتَ) بمعنى إذا لم تستحي، صنعتَ ما شئت. وقد
يكون ذلك على الوعيدٍ، والوعيدُ لفظه لفظُ الأمر، وهو في الحقيقةِ
بخلاف ذلك، ومنه قولُ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت:
٤٠]، وقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَاسْتَفْرِزْ مِن استَطَعْتَ منهُمْ بَصَوتِكَ وأجْلِبُ
عليِهِمْ بِخَتِكَ وَجْلِكَ وَشَارِ كُمْ فِيْ الأموال والأولادِ وعِدْهُمْ﴾
[الإسراء: ٦٤] ثمَّ أعقَبَ عَزَّ وجَلَّ ذلك بما بيَّن لهمُ المعنى الذي يُخْرِجُ
أهلَه إلى ما يُخرجهم إليه، ويُدخِلُهم فيما يُدخلهم فيه، بقوله عَزَّ وجَلَّ:
(١) إسناده صحيح، وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٠١٤٩)، ومن طريقه رواه
الطبراني في «الكبير)) ١٧/ ٦٤٠١).
(٢) حديث صحيح، متواتر، انظر كتاب العلم من هذا الكتاب.
-٢١٨ -

كتاب الأدب - الحياء
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُإِلَّ غُرُوراً﴾ [الإسراء: ٦٤]، فكان لفظُ ذلك لفظَ
الأمرِ وباطنُه النهيَ والوعيدَ. فمثلُ ذلك ما ذكرنا عن النبي ◌ُّ من
قوله: ((إذا لم تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) لفظُه لفظُ الأمر وباطَنُه النهيُ
والوعيدُ. والله نسأله التوفيق.
٧٢٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ من قوله:
(الحَيَاءُ من الإيمانِ»
٥١٥٠- حَدَّثْنَا عيسى بنُ إبراهيم الغَافِقِي، قال: حَدَّثَنَا سفيان
بن عُيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ مَّ أَنَّه سِمِعَ رجلاً
يَعِظُ أخاه في الحياءِ، فقال: ((إِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمانِ))(١).
٥١٥١- حَدَّثَنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً أخبره
عن ابنِ شهابٍ، عن سالم بنِ عبد الله بن عمر، عن أبيه أنَّ رسول الله
* مَّ على رجلٍ من الأنصار وهو يَعِظُ أخاه في الحياءِ، فقال رسول
اللّهَ: ((دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ من الإِيمان))(٢).
(١) إسنادُه صحيح، ورواه الحميدي (٦٢٥)، وابن أبي شيبة في (المصنّف)
٥٢٢/٨، وفي ((الإيمان)) (٦٨)، وأحمد ٩/٢، ومسلم (٣٦)، والترمذي (٢٦١٥)،
وابن ماجه (٥٨)، وابن منده في ((الإيمان)» (١٧٤) من طريق سفيان بن عيينة، به.
وانظر ما بعده.
(٢) إسنادُه صحيح، وهو في (الموطأ)) ٩٠٥/٢. ومِنْ طريقه رواه أحمد ٥٦/٢،
والبخاريُّ (٢٤)، وفي (الأدب المفرد)) (٦٠٢)، والنسائي ١٢١/٨، وابن منده في
(الإيمان)) (١٧٦)، والقضاعي (١٥٥). والآجري في ((الشريعة)) ص ١١٥.
-٢١٩ -

کتاب الأدب - الحياء
٥١٥٢- حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثَنَا القَعْنَبِيُّ، قال: قرأتُ
على مالكٍ ... ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه(١).
٥١٥٣- وحَدَّثْنَا يزيد، قال: حَدَّثْنَا وَهْب بن جرير، قال: حَدَّثْنَا
أبي، قال: سمعتُ النعمانَ بنَ راشد يُحدِّث، عن الزهري، عن سالم،
عن أبيه، عن النبي {# مثلَه.
فقال قائلٌ: وكيف يكونُ الحياءُ من الإِيمان، والحياءُ غريزةٌ مركبةٌ
في أهلِه، والإِيمانُ اكتسابٌ يكتسبه أهلُه بأقوالهم وبأفعالهم، والحياءُ ضدٌّ
لذلك، فکیف یکون منه.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّا وجدنا
الحياء يقطع صاحبه عن ركوبِ المعاصي أقوالاً وأفعالاً كما يقطعُ
الإِيمانُ أهلَه عن مثل ذلك، وإذا كان الحياءُ والإِيمانُ فيما ذكرنا يعملان
عملاً واحداً كانا كشيءٍ واحدٍ، وكان كلُّ واحدٍ منهما من صاحبه،
وكانت العَرَبُ تُقِيمُ الشيءَ مكان الشيء الذي هو مثلُه أو شِبِيهُهُ، إلا
ترى أنهم قد سَمَّوا الدعاءَ صلاةً، ومنه قول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وصَلّ
عليهمْ إِنَّ صَلَواتِكَسَكَنَّلَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] في معنى أمره إِيَّاه
بالدعاء لهم، ومنه قولُ الله عَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّالله وَمَلائِكَتَهُيُصَلُونَ على الَِّيَا
أُها الَّذِينَ آمَنُوا صَّلُّوا عَلَيْهِ وسَلِمُوا تَسْلِماً﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فسمَّى الله
الدعاء صلاةً إذا كان مفعولاً في الصلاة. ومنه الحديث المرويُّ: ((إذا
(١) رواه أبو داود (٤٧٩٥) عن القعني، به.
- ٢٢٠ -