Indexed OCR Text

Pages 621-640

كتاب الأدب - المناهي
الماء، فيغسل يَدَهُ اليمنى إلى المرفق بيده اليُسرى منه واحدة في القدح،
ثم يدخل يده اليمنى، ويغسل يده اليسرى إلى المِرْفَقِ صِبَّةٌ واحدةٌ في
القدح، ثم يُدخل يده فيُمَضْمِضُ ثم يَمُجُّه في القدحِ، ثم يُدْخِلُ يَدَهُ
اليُسرى، فَيَغْرِف مِن الماء، فيصبه على ظهر كَفّهِ اليُمنى صَبَّةً واحدةً في
القدح، ثم يُدخل يَدَهُ اليُسرى، فيصب على مِرفق يده منه واحةً في
القدح وهو ثانٍ يده إلى عُنُقِهِ، ثم يفعل مثلَ ذلك في مِرْفَقٍ يده اليسرى،
ثم يفعلُ ذلك على ظاهر قَدَمِه اليُمنى من عندِ أُصول الأصابعِ،
واليُسرى كذلك، ثم يُدخِلُ يَدَهُ اليُسرى، فيصب على ظهر ركبته
اليمنى، ثم يفعلُ باليُسرى مثلَ ذلك، ثم يغمِسُ داخلةَ إزارِه اليمنى في
الماء، ثم يقومُ الذي في يده القدحُ بالقدحِ حتى يَصُبَّهُ على رأس المعيون
من ورائه، ثم يَكْفَأُ القَدَحَ على وجِهِ الأرضِ وراءَه (١).
٤٨١١- حدَّثْنَا محمد بن عزيز الآيْلي، قال: حدَّثَنَا سلامةٌ، عن
عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة ثم ذكر نحوه على ما في هذا
الحديث عن النبيِّ ◌َ﴿، وعلى ما فيه من صَفَةِ الغسل.
ولا نعلمُه روي في الاغتسال من العين غير ما قد ذكرناه في هذا
الباب فيه.
(١) رواه الطبراني بطوله في ((الكبير)) (٥٥٧٧) من طريق أحمد بن صالح،
والبيهقي ٣٥٢/٩ من طريق بحر بن نصر، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس بن
يزيد، عن ابن شهاب، بهذا الإسناد.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٠٩/٥ من قول ابن شهاب محمد بن مسلم الزهري،
وقال: رواه الطبراني، ورجاله إلى الزهري رجال الصحيح.
-٦٢١-

كتاب الأدب - المناهي
فأما ما رُوِيَ في العَيْنِ أنها حَقٌّ مما ليس فيه ذكرُ الغسل، فقد
رويت ذلك في آثار.
٤٨١٢- منها ما قد حدَّثَنَا بَكَّارٌ، قال: حدَّثَنَا أبو داود، قال:
حدَّثْنَا طالب بن حبيب بن عمرو بن سهلِ الأنصاري، قال: حدَّثَنَا عبدُ
الرحمن بن جابر الأنصاري عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِمَ ﴿: «أَكْثَرُ
مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَِّي بَعْدَ كِتَابِ اللهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ بالأنفس)) (١).
٤٨١٣- ومنها ما قد حدَّثَنَا أحمد بن شعيب، قال: حدَّثَنَا أحمد
بن سليمان -يعني الرُّهاوِي-، قال: حدَّثَنَا معاوية بن هشام، عن عمَّارِ
بن رزيق، عن عبد الله بن عيسى، عن أمية بنِ هندٍ، عن عبد الله بنِ
عامرٍ بنِ ربيعةً، عن أبيه، قال:
خرجتُ أنا وسهلُ بنُ حُنَيْفٍ نلتمِسُ الخَمَرَ، فأصبنا غديراً خَمِرًاً،
فكان أحدُنا يستحيي أن يتجرَّدَ وأحدٌ يراه، واستتر حتى إذا رأى أنه
قد فعل، نَزَعَ جُبَّةَ صوفٍ عليه، فنظرتُ إليه، فأعجبني خَلْقُهُ، فأصبته
بعين، فَأَخَذَتْهُ قعقعةٌ، فدعوتُه، فلم يُحِبْنِي، فأتيتُ النِيَّ مَ﴿، فأخبرتُه،
فقالَ: قُوما، فرفع عن ساقيه حتى خاض إليه الماءَ، فكأني أنظر إلى
(١) طالب بن حبيب بن عمرو بن سهل الأنصاري، قال البخاري في ((تاريخه)):
فيه نظر، وذكره ابنُ حبان في (الثقات)، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال
الحفاظ ابن حجر: صدوق يهم. وهو في («مسند الطيالسي)) (١٧٦٠).
ورواه البزار (٣٠٥٢)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٣١١)، والعقيلي في
((الضعفاء)) ٢٣١/٢، وابن عدي في («الكامل)) ١٤٤٠/٤ من طريق طالب بن حبيب
بن عمرو بن سهل، به.
-٦٢٢-

كتاب الأدب - المناهي
وَضَحِ سَاقَيْ رسولِ اللهِلَ﴿هُ وَضَرَبَ صدرَه، وقال:
(بسم الله اللهم أذهِبْ حَرَّها وبردها وَوَصَبَها. قِفْ بإذن الله))
فقام، فقال رسولُ اللهِ﴿: ((إذا رأى أحَدُكُم مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أخِيهِ
شَيْئاً يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ، فَإنَّ العَيْنَ حَقِّ) (١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث اكتفى رسولُ اللهِلُ ﴿ لسهل
(١) قال الحافظ في ((التقريب)): أمية بن هند المزني، حجازي ويقال أنه ابن هند
بن سعد بن سهل بن حتيف: مقبول.
وهو في ((عمل اليوم والليلة)) للنسائي (٢١١)، ورواه عنه ابن السني (٢٠٦).
ورواه ابن أبي شيبة ٥٧/٨، وعنه أبو يعلى (٧١٩٥) عن معاوية بن هشام، به.
ورواه أحمد ٤٤٧/٣، والبخاري في («التاريخ)) ٩/٢، والحاكم ٢١٥/٤ من طريق
وكيع بن الجراح، عن أبيه، عن عبد الله بن عيسى، به، وصححه الحاكم، ووافقه
الذهبي.
ورواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٠٥) عن أبي يعلى، حدَّثَنَا يحيى بن
عبد الحميد الحماني، حدَّثَنَا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، حدَّثَنَا مسلمة بن
خالد الأنصاري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال
رسول الله 8: (ما يمنع أحدكم إذا رأى من أخيه ما يُعجبه في نفسه أو ماله، فَلْيُرِّكْ
عليه، فإن العينَ حقٍّ). مسلمة بن خالد الأنصاري مجهول، والحماني ضعيف.
وقوله: (تلتمس الخَمَرَ)) الخَمَرُ: كل ما واراك مِن شجر أو بناء أو غيره. وقوله:
((فأصبنا غديراً حمرا) أي: ساتراً يتكاثف شجره. ولفظ ابن أبي شيبة وأبي يعلى:
حَمَراً وغديراً.
والقعقعة: التحرك والاضطراب والتحرك نحو الموت.
والوصب: دوام الوجع ولزومه، وقد يطلق على التعب والفتور في البدن.
والوضح: البياض.
- ٦٢٣-

كتاب الأدب - المناهي .
بالدعاء، وفي حديث أبي أمامة أمره عامراً بالاغتسال له، وقد يحتمل أن
يكونَ جمعهما له جميعاً.
وقد يحتمل أن يكونَ كان ذلك مرتين، أدرك سهلاً في كُلَّ
واحدة منهما من عامر ما أدركه منه، ففعل له رسولُ اللهِ﴿ في كُلِّ
واحدةٍ منهما ما فعل فيها من دعاء، ومن أمر باغتسال.
ويحتمل أن يكونَ الاغتسالُ كان، ثم نُسِخَ بغيره.
٤٨١٤- مما قد حدَّثَنَا محمدُ بنُ علي بنِ داود، وإبراهيم بن أبي
داود جميعاً، قالا: حدَّثَنَا سعيدُ بنُ سليمان الواسطيُّ، قال: حدَّثَنَا عِبَّادٌ،
- يعني ابنَ العَوَّامِ-، عن الجُرَيْرِي، عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ
رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ الله ﴿ يَتعوَّذُ مِن عين الجانِّ وعَيْنِ
الإِنس، فلما نَزَلَتْ الْمُعَوِّذتان، أخذهما، وترك ما سوى ذلك(١).
وقد رُوي منها أيضاً:
٤٨١٥- ما قد حدَّثَنَا حسينُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثْنَا أبو نُعيم،
قال: حدَّثَنَا سفيانُ، عن معبد بنِ خالدٍ، قال: سمعتُ عبد الله بن شدّاد
يُحدث عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمَرَنِي رَسُولُ اللهِ﴿ أَنْ
أُسْتَرْقِيَ مِنَ العَيْنِ(٢).
(١) إستاده ثقات لكن يخشى من اختلاط الجريري. ورواه النسائي ٢٧١/٨ عن
هلال بن العلاء، وابن ماجه (٣٥١١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن سعيد
بن سليمان، بهذا الإسناد. ورواه الترمذي (٢٠٥٨) عن هشام بن يونس الكوفي،
حدَّثَنَا القاسم بن مالك المزني، عن الجريري، به، وقال حديث حسن غريب.
(٢) إسناده صحيح. وهو عند الطحاوي ٣٢٧/٤. ورواه أحمد ٦٣/٦ و١٣٨،
- ٦٢٤-

كتاب الأدب - المناهي
٤٨١٦- ومنها ما قد حدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمانَ الْمُراديُّ، وفهدُ بنُ
سليمان بن يحيى، قالا: حدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبد الله بن يونس، قال: حدَّثَنَا
أبو شهاب، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن أبي نضرة عن أبي سعيد
الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: اشْتَكَى رسولُ اللهِلَ﴿ّ، فَرَقَاهُ جبريلُ ﴿،
فقال: (بسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيءٍ يُؤْذِيكَ، ومِنْ كُلِّ حَاسِدٍ
وعين، والله يَشْفِيكَ)(١).
قال: ففي هذه الآثارُ الاكتفاءُ بالُعَوِّذَتيْنِ، وبالرُّقی، وفي ذلك ما
قد دلَّ على نسخ الغسلِ لا سيما ما في حديث عبَّادٍ عن الجريري عن
أبي نضرة، عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه أن رسولَ الله : ﴿ كان يَتَعَوَّذُ
من عين الجانِّ، وعين الإِنسِ، فلما نزلت المعَوَّذَتانِ، أخذهما، وترك ما
سوى ذلك. ففيه نسخ الغسل وما سواه مما كان يفعله:# قبل نزلهما
عليه، والله عز وجلّ نسأله التوفيق.
والبخاري (٥٧٣٨)، ومسلم (٢١٩٥) (٥٦)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في
(التحفة) ٤٤١/١١، وابن ماجه (٣٥١٢)، والحاكم ٤١٢/٤، والبيهقي ٣٤٧/٩ من
طرق عن سفيان، بهذا الإسناد.
(١) حدیث صحیح. أبو شهاب عبد ربه بن نافع -تكلموا في حفظه لكنه توبع.
ورواه ابن أبي شيبة ٤٨/٨، ٣١٧/١٠ عن أحمد بن عبد الله بن يونس، به.
ورواه الطبراني في ((الدعاء)) (١٠٩١) من طريق أحمد بن يونس عن أبي شهاب،
به. ورواه مسلم (٢١٨٦)، والترمذي (٩٧٢)، وابن ماجه (٣٥٢٣)، والنسائي في
((عمل اليوم والليلة)) (١٠٠٥) عن بشر بن هلال الصواف، عن عبد الوارث، عن عبد
العزيز بن صهيب، عن أبي نضرة، به.
- ٦٢٥-

كتاب الأدب - المناهي
٦٧٠ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في النَّجْوَى
من نھيٍ ومن إباحةٍ
٤٨١٧ - حَدَّثْنَا بكَّار بن قُتَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمد محمد بن
عبد الله بن الزبير الأسدي الكُوفِي، قال: حَدَّثَنَا كثير بن زيد، قال:
حَدَّثَنَا رُبَيْح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْري، عن أبيه، عن جدِّه،
قال: كُنَّا نَتَوَبُ النِيَّ :﴿ تكون له الحاجةُ، أو يرسلَنا لبعض الأمر،
فكَثُرَ المحَتَسِبُون من أصحاب النُّوَبِ، فخرج علينا رسولُ اللهِلُ﴿. ونحن
نتذاكرُ الدَّجَّالَ، فقال: «ما هذا النّجوى؟ أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنِ النَّجوى؟))
قال: قُلنا: يا رسولَ اللهِ، كُنَّا نتذاكرُ المسيحَ الدَّجال فَرقَاً منه. قال:
((غيرُ ذلك أخْوَفُ عليكُم، الشِّركُ الخَفِيُّ: أنْ يَعملَ الرَّجلُ لمكانِ
الرجل))(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث إخبارُ رسول الله ل:﴿ عن
النّجوى بما أخبرهم به من تقدم نهيه إياهم عنه. وليس ذلك عندنا -
والله أعلم- على كلِّ النجوى، ولكنّه على النجوى بما قد نُهي عن
النجوى به، كما قال الله: ﴿مَاأُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا تَتَاجَّيْتُمْ فَلاَ تَنَاجَوْا بِالإِثْمِ
(١) إسناده ليس بالقوي، ورواه أحمد ٣٠/٣، والبزار (٢٤٤٧) من طريق أبي
محمد بن عبد الله، به. ورواية البزار مختصرة إلى قوله: ((ألم أنهكم عن النجوى)).
ونسبه الهيثمي في ((المجمع)) ٣١٥/١ إلى أحمد وقال: رجاله موثّقون، وذكره مرة
أُخرى فيه ٢٢/٩ ونسبه إلى البزار، وقال: رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف.
ورواه ابن ماجه (٤٢٠٤)، والحاكم ٣٢٩/٤ من طريق كثير بن زيد، به.
-٦٢٦-

كتاب الأدب - المناهي
مھ
محمص
والعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُول وَاجَوْا بالبرّ والتقْوَى وَاتَّقُوا الله الذين إلَيْهِ تَحْشَرُونَ﴾
٠٠٠
[المجادلة: ٩] فكانت النّجوى المنهيُّ عنها في ذلك الحديث هي النجوى
المنهي عنها في هذه الآية، والله أعلمُ.
ثم قد وجدنا عن رسولِ الله 2 /1/4 في النّجوى:
٤٨١٨- ما قد حَدَّثْنَا محمد بن عمرو بن يونس، قال: حَدَّثَنَا
عبد الله بن نُمَير الهَمْداني، عن عُبيد الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن
عُمر، عن النِيِ ﴿ قال: ((إِذَا كَانَ ثلاثةٌ فلا يَتَاجَى اثنان دونَ
واحدٍ)(١).
وما قد حَدَّثَنَا محمد بنُ علي بن داود البغدادي، قال: حَدَّثْنَا
القَوَارِيريُّ، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ سعيد، عن عُبيد الله بن عمر، قال:
حدثني نافع، عن ابنٍ عُمَرَ، عن النبيِّ ◌ِ﴿ قال: «لاَ يَتَسَارَّ اثنان دُونَ
الثالث)(٢).
٤٨١٩- وما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، أن مالكاً
أخبره عن نافع، عن ابن عُمر، عن رسول الله ﴿ قال: «إِذَا كانَ ثلاثةٌ
(١) حديث صحيح، عمرو بن يونس فيه ضعف، وقد توبع. ورواه ابن أبي شيبة
٥٨١/٨، وعنه مسلم (٢١٨٣) عن محمد بن بشر وعبد الله بن نمير، به.
ورواه مسلم أيضاً (٢١٨٣) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، به.
ورواه عبد الرزاق (١٩٨٠٦)، والحميدي (٦٤٥)، وأحمد ٤٥/٢ و١٢١ و١٢٣
و١٢٦ و١٤٦، ومسلم (٢١٨٣)، والبغوي (٣٥١٠) من طرق عن نافع، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢١٨٣) عن محمد بن المثنى وعبيد الله بن
سعید، كلاهما عن یحیی بن سعید، به.
-٦٢٧-

كتاب الأدب - المناهي .
فَلا یتناجی اثنان دُون واحدٍ)(١).
٤٨٢٠- وما قد حَدَّثْنَا يزيد بن سِنان، قال: حَدَّثَنَا القَعْنَبِيُّ،
قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله حَ﴾،
فذ کر مثله.
فكان فيما رَوَيْنا النهي للثلاثة عن تناجي اثنان منهم دون الثالث،
فاحتمل أن يكونَ ذلك نهياً عنه، لما فيه من سوءِ الأدب من المتناجِيَّيْنِ
دون صاحبهما، ثم وجدنا عن ابن عُمر عن النبي ® في ذلك
٤٨٢١- ما قد حَدَّثْنَا محمد بن علي بن داود، قال: حَدَّثَنَا
القَوَارِيري.
وما قد حَدَّثَنَا إبراهيم بن أبي داود، قال: حَدَّثَنَا الْمُقَدَّمِي، قالا:
حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عُمر، عن
النبي﴿ قال: ((إِذَا كُنْتُم ثلاثة، فلا يتناجَى اثنانِ دونَ صَاحبهما»
قلت: يا رسولَ الله، فإنْ كُنَّا أربعة؟ قال: (لا يَضُرُّهُ)) أو ((لا يَضِيرُ).
فكان في ذلك ما قد دَلَّ أنَّ الأربعةَ في ذلك بخلاف الثلاثة، لأن
الاثنين إذا تناجَيا دونَ الواحدِ، نقصاهُ من حظّه منهما، وإذا كانوا
أربعةٌ، فتناجَى اثنان منهم، كان الاثنانِ الباقيان قادرَيْنِ على أن يتناجَيَا،
فیکونونان في ذلك کصاحبيهما في تناجیھما.
٤٨٢٢- وما قد حَدَّثْنَا يونُس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، أنَّ مالكاً
(١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ) ٩٨٩/٢. ومن طريق مالك رواه البخاري
(٦٢٨٨)، وفي ((الأدب)) (١١٦٨)، ومسلم (٢١٨٣) (٣٦)، والبغوي (٣٥٠٨).
-٦٢٨-

كتاب الأدب - المناهي
أخبره، عن عبد الله بن دينار، قال: كنتُ أنا وعبدُ الله بن عُمر عند دارٍ
خَالد بن عُقْبة التي بالسُّوق، فجاءَ رجلٌ يُريد أن يناجيّهُ، وليس مع ابن
عُمر أحدٌ غَيري وغيرُ الرَّجُلِ الذي يُريد أن يُناجيَهُ، فَدَعا عبدُ الله بنُ
عُمر رجُلاً آخر حتى كُنَّا أربعةً، فقال لِي وللرجُل الذي دعا: اسْتَرْخِيَا،
فإني سمعتُ رسولَ اللهِ﴿ُ يقول: ((لاَ يَتَنَاجَى اثنانِ دُونَ واحدٍ)(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ من فعلِ ابن عمر ما يوافِقُ ما
قد ذكرناهُ من حديثٍ أبي صالحٍ عنه. فهذا ما وجدناهُ في هذا البابِ
عن عبد الله بن عُمر، عن النّبيِّ 9ِ.
وقد رُوِيَ عن عبد الله بن مسعود عن النبيِ ﴿ في هذا المعنى مثلُ
ما رواه ابنُ عُمر عنه، وزيادة عليه بالسَّببِ الذي له كان النهي.
٤٨٢٣- كما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا أبو عاصم،
قال: حَدَّثَنَا شُعْبة، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن ابن مسعود، قال:
قال رسول الله:﴿: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةٌ، فلا يَتْنَاجَى اثنانِ دونَ
صاحِبِهما، فإنَّ ذلك يُحْزِنُهُ)(٢).
(١) إسناده صحيح، ورواه ابن حبان (٥٨٢)، والبغوي (٣٥٠٩) من طريق أبي
مصعب الزهري، عن مالك، به. وهو في («الموطأ) ٩٨٨/٢ برواية يحيى الليثي،
و(٢٠٨١) برواية أبي مصعب الزهري. وفيه: «فقال لي وللرجُلِ الذي دعاه: استأخِرا
شیئا)).
قال ابن عبد البر ١٢٠/١٧: وأما رواية مّن روى في هذا الحديث: استرخِيا،
فمعناه: اجلسا وتحدَّثًا، وانتظرا قليلاً، وقيل: بل معنى استرخيا واستأخرا سواء.
(٢) صحيح، ورواه أحمد ٤٦٢/١ و٤٦٤ عن محمد بن جعفر، عن شعبة، به.
ورواه الدارمي ٢٨٢/٢، وأحمد ٣٧٥/١ و٤٢٥ و٤٣١ - ٤٣٢، والبخاري في
-٦٢٩-

كتاب الأدب - المناهي
٤٨٢٤- وكما حَدَّثْنَا يَزِيد، قال: حَدَّثْنَا أُبو الرِّبيعِ الزَّهْرَاني،
قال: حَدَّثْنَا حَمَّاد بنُ زيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عَاصم، عن أبي وائلٍ، عن عبدٍ
اللهِ، عن رسولِ اللهِ ﴿ فذكرَ مثلَه.
٤٨٢٥- وكما قد حَدَّثْنَا يُونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال:
حدثني جرير، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن أبي وائلٍ، أو زِرِّ بن حُبَيْش،
عن ابن مسعود، عن رسول الله ﴿ فذكر مثله.
٤٨٢٦- وكما حَدَّثَنَا علي بن شيبة، قال: حَدَّثَنَا عُبيد الله بن
موسى العَبْسِي، قال: حَدَّثَنَا سُفيان، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد
اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ﴿ّ: ((إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فلا يَتناجَى اثنانِ دونَ
واحدٍ)).
قال أبو جعفر: فأخبر عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه عن
رسول الله ﴿ بالمعنى الذي له نَهَى عن تناجي اثنين دونَ الواحدٍ، وهو
غيرُ مُخالفٍ لما قد ذكرناه قبلّه.
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن ابن مسعودٍ، عن النبي ﴿ بزيادةٍ على
هذا المعنى.
٤٨٢٧- كما قد حَدَّثْنَا صائحُ بنُ عبد الرحمن الأنصاري، قال:
حَدَّثَنَا يوسف بن عَدِي، قال: حَدَّثْنَا أبو الأخْوَص، عن منصور، عن
أبي وائلٍ، قال: قال عبد الله بن مسعود نَهى رسولُ الله ﴿ إذا كانَ
(الأدب المفرد)) (١١٦٩)، ومسلم (٢١٨٤) (٣٨)، وأبو داود (٤٨٥١)، والترمذي
(٢٨٢٥)، وابن ماجه (٣٧٧٥) من طرق عن الأعمش، به.
- ٦٣٠-

كتاب الأدب - المناهي
ثَلاثَةٌ في سفر أنْ يتناحَى اثنان دون الواحدِ حتى يَخْتَلِطًا بالنّاسِ من
أجلِ أنه يُحزِنُه(١).
قال أبو جعفر: فأخبر أنَّ ذلك إنّما أراد به المناجاةَ في السَّفَرِ
الذي يخاف فيه الثالث على نفسه في تلك المناجاة، إذْ لا مُغيثَ له إنْ
كان عن تلك المناجاة سببٌ يحتاجُ إلى الغَوث فيه، وفي ذلك ما قد دَلَّ
على ارتفاع النهي إذا عُدِمَ ذلك، وإن كان الأحسنُ فيه تركَ ذلك
الفعل حتَّى يكونَ حديثُ ابن مسعود وحديثُ ابن عُمر مستعمَلَيْن
جميعاً فيما قد جاءا فيه.
فإن قال قائلٌ: لم يُرْوَا هذا الحديثُ بذكر السفر إلاَّ في حديث
صالحٍ الذي قد ذكرتَ.
قيل له: وما تُنْكِرُ منه مع صحة مَخرجه، وقد رُوِيَ من طريق
آخر من كلامٍ ابنِ مسعود من ما نعلمُ أنَّه لم يَقُلْهُ من رأيه، إذ كان مثلُه
لا يُقال بالرأي، ولكنه قاله لأخذه إِيَّه عن رسول الله عَ لّ.
٤٨٢٨- كما قد حَدَّثْنَا إبراهيم بن مَرْزُوق، قال: حَدَّثْنَا وهبُ
بن جَرير، قال: حَدَّثْنَا شُعْبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوَص، عن
عبد الله، قال: إذَا كُنتم ثلاثةٌ في سفرٍ، فأمِّروا عليكم أحدكم، ولا
یتناجی اثنان دون صاحبهما.
وقد رُوِيَ هذا عن ابن مسعود عن النبي # بلفظ غير هذا اللفظ.
(١) إسناده صحيح، ورواه بنحوه ابن أبي شيبة ٥٨١/٨، وعنه مسلم (٢١٨٤)
(٣٧) عن أبي الأحوص، به، وقرن مسلم بابن أبي شيبة هنّادَ بن السري.
ورواه ابن حبان (٥٨٣) من طريق جرير، عن منصور، به.
- ٦٣١-

کتاب الأدب - المناهي
٤٨٢٩- كما حَدَّثْنَا علي بن شيبة، قال: حَدَّثَنَا عُبيد الله بنُ
موسى، قال: حَدَّثْنَا شيبان، عن منصور، عن شقيق، عن عبد الله، قال:
كان الِي ◌َ﴿ ينهانا إذا كنّا ثلاثةٌ أنْ يَتاجَى اثنان دونَ صاحبهما حتى
يُخْتِطُوا بالنَّاسِ من أجلِ أَنْ يُحْزِنَه.
٤٨٣٠- وكما حَدَّثْنَا رَوْحُ بنُ الفرج، قال: حَدَّثْنَا يوسف بن
عدي، قال: حَدَّثْنَا عَبيدة بن حُمَيد، عن منصور، عن أبي وائل، عن
عبد الله بن مصعود، عن النبي ®﴾ مثله.
ففي ذلك ما قد دَلَّ على أن النهي عن هذا المعنى المذكور في هذا
الباب إنما هو في المكان الذي لا مُغيث فيه، وفي ذلك ما قد وافق ما في
حديث صالح بنِ عبد الرحمن الذي رَوَيناه ◌َما فيه ذكرُ قولِ رسول
اللّهَ﴿ في نهيه عَمَّا نَهَى عنه فيه إذا كانوا في سفرٍ، والله نسأله التوفيقَ.
٦٧١ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله عليه السَّلامُ
من نھیه عن الجلوس بالعُّعُداتِ(١)، ومن إباحته ذلك على
الشرائط التي اشترطها في إباحته ذلك
٤٨٣١- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثْنَا عبدَ الله بنُ سِنان الهروي،
حَدَّثَنَا عبدُ الله بن المبارك، عن جريرِ بنِ حازِمٍ، قال: سمعتُ إسحاقَ بنَ
سُويدٍ يحدث عن ابنِ حُجَيْرِ العَدَوي، قال: سمعتُ عُمَرَ بنَ الخطاب
(١) الصعدات: هي الطرق، وهي جمع صُعُدٍ، وصُعُدّ: جمع صعيد كطريق وطُرُق،
وطُرُقَاتٍ، وقيل: هي جمع صُعْدَةٍ، كظلمة وهي فِناء باب الداء، وممر الناس بين يديه.
((النهاية) ٢٩/٣.
-٦٣٢-

كتاب الأدب - المناهي
يقول: أتى علينا رسولُ الله صلّى الله عَلَّيه وسلِّم، ونحن جلوسٌ على
الطريق، فقال: ((أَيَّاكم والجلوسَ على هذه الطَّرُق، فإِنّها مجالسُ
الشيطان، فإن كُنْتُمْ لا محالَةَ، فَأدُّوا حقَّ الطريق))، ثم مضى رسولُ الله
عليه السَّلامُ، فقلتُ: قال رسولُ الله عليه السَّلامُ: ((أُدُّوا حَقَّ الطَّرِيقِ)،
ولم أسألُه ما هو؟، فلحقتُه، فقلتُ: يا رسولَ الله إنك قلتَ كذا وكذا،
فما حقُّ الطريق؟، قال: ((حَقُّ الطريق: أن تَرُدَّ السلامَ، وَتَغُضَّ البَصَرَ،
وتَكُفَّ الأَذَى، وَتَهْدِيَ الضَّالَّ، وَتُعِينَ المَلْهُوفَ))(١).
٤٨٣٢- وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ خُزيمة، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ مِنهال،
قال: حَدَّثْنَا حمادُ بن سَلَّمَة، عن إسحاق بنِ سويد، عن يحيى بن يَعْمَر،
عن النبي عليه السَّلامُ بهذا الحديث منقطعَ الإسناد كما ذكرنا وبدون
الكلام الذي في حدیث یزید بن سنان.
٤٨٣٣- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّتَنَا عفانُ بنُ مسلم،
حَدَّثْنَا عبدُ الواحد بن زياد، حَدَّثْنَا عثمانُ بنُ حكيمٍ، حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ
عبد الله بن أبي طلحة، حدثني أبي قال: قال أبو طلحة: كنا جلوساً
بالأفْنِيَةِ، فمرُ بنا رسولُ الله صلَّى الله عَلَّيه وسلَّم فقال: ((ما لَكُمْ
وَلِمجالِسِ الصُّعُداتِ؟))، فقُلنا: اجتمعنا لِغير مراب نتذاكر، ونتحدَّث،
قال: (فَعْطُوا الَجالِسَ حقَّها))، قالوا: وما حَقُّها يا رسولَ الله؟ قال:
((غَضُّ الْبَصَرِ، وَرَدُّ السَّلامِ، وطِيبُ الكَلامِ)(٢).
(١) رواه البزار (٢٠١٨) من طريق محمد بن المثنى، عن عبد الله بن سنان، به.
ورواه أبو داود (٤٨١٧) عن الحسن بن عيسى النيسابوري، عن ابن المبارك، به
(٢) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢١٦١) وأحمد ٣٠/٤ من طريق عفان بن
- ٦٣٣-

كتاب الأدب - المناهي
٤٨٣٤- حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبد، حَدَّثْنَا الأسودُ بنُ عامر، حَدَّثْنَا
هُرَيْمُ بن سفيان البَحَلِي، عن عبدِ الله بنِ سعيدٍ المقبري، عن أبيه، عن
أبي شُرَيحِ الخُزَاعِي عن النبي عليه السَّلامُ قال: ((إِيَّاكُمْ والجُلُوسَ في
الصُّعْدَاتِ، فَمَنْ جَلَسَ فِي صَعِيدٍ فَلْيُعْطِهِ حَقَهُ)، قالوا: وما حقُّه يا
رسولَ الله؟ قال: ((إِغْضَاضُ البَصَرِ، ورَدُّ التّحِيَّةِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ،
والنَّهْيُ عَنِ الْنْكَرِ»(١).
٤٨٣٥- حَدَّثْنَا يونس، حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ، حدثني حفصُ بن
ميسرةً عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري
أن رسولَ الله عليه السَّلامُ قال: ((إِیَِّيكُمْ والجُلُوسَ بالطُُّقَاتِ))، قالوا: يا
رسولَ الله، لا بُدَّ من مجالسنا نتحدَّثُ فيها، فقال رسولُ الله: ((فإذا
أبيتُم إلاَّ المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطريقَ حقّه))، قالوا: ومَا حَقُّ الطريقِ يا
رسول الله؟، قال: (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، والأمْرُ
بالمَعْرُوفِ، والنّهْيُ عَنِ الْنْكَرِ))(٢).
مسلم، به. ورواه النسائي في ((الكبرى) كما في ((التحفة)) ٢٤٩/٣ من طريق محمد بن
إبراهيم، عن الفضل بن العلاء، عن عثمان بن حکیم، به.
(١) إسناده ضعيف. عبد الله بن سعيد المقبري: متروك. ورواه أحمد ٣٨٥/٦ من
طريق صفوان، عن عبد الله بن سعيد، به.
وأروده الهيمثي في ((المجمع) ٦١/٨، وزاد نسبته للطبراني، وقال: وفيه عبد الله بن
سعيد المقبري، وهو ضعيف جداً.
(٢) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٢٤٦٥) و(٦٢٢٩)، وأبو داود (٤٨١٥)،
وأحمد ٣٦/٣ و٤٧، والبغوي (٣٣٣٨) من طريق زيد بن أسلم به.
-٦٣٤-

کتاب الأدب - المناهي
٤٨٣٦- حَدَّثْنَا محمد بن خُزيمة، حَدَّثَنَا حجاجُ بن مِنْهال، حَدَّثَنَا
شُعْبَة، حدثني أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازبٍ(١) يقول: إنَّ
رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، مَرَّ بناسٍ من الأنصارِ، فقال: ((إِنْ كُنْتُمْ
لاَ بُدَّ فَاعِلِينَ، فَاَفْشُوا السَّلامِ، وَأَعِينُوا المَظْلُومَ، واهْدُوا السَّبِيلَ).
٤٨٣٧- حَدَّثَنَا فهد، حَدَّثْنَا أبو الوليد الطيالسيُّ، حَدَّثْنَا شُعبةُ،
حَدَّثْنَا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، إن الِّّيَّ عليه السَّلامُ مرَّ بناسٍ جلوسٍ من
الأنصارِ، فقال: ((إنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ فاعِلِينَ)) ثم ذكرَ مثلَه سواء غير أنَّه قال
فيه: قال شعبة: ولم يَسْمَعْ هذا الحديثَ أبو إسحاق مِن البراء(٢).
قال أبو جعفر: وهذا اختلافٌ شديدٌ على شعبة في هذا الحديث،
لأن حَجَّاجاً يذكر فيه سماعَ أبي إسحاق إَّاهُ من البراء، وأبو الوليد
ينفي ذلك والله أعلمُ ما الصَّوابُ فيه.
٤٨٣٨- حَدَّثَنَا فهد، حَدَّثَنَا أبو غسان النَّهديُّ مالك بنُ
إسماعيل، حَدَّثَنَا إسرائيلُ بن يونس، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: مَرَّ
النَّبيُّ عليه السَّلامُ على مجلسٍ للأنصار، فقال: ((إِنْ أَبَيْتُمْ إلا أن
تَجْلِسُوا، فَرُدُوا السَّلامَ، واهْدُوا السَّبِيلَ، وأَعِينُوا الْمَظْلُومَ)).
قال أبو جعفر: فتأملنا ما في هذه الآثار، فوجدنا فيها نهيَ رسولٍ
(١) كذا جاءت هذه الرواية مصرحة بسماع أبي إسحاق من البراء، وعامة
المصاد التي روت هذا الحديث ليس فيها التصريح بسماعه هذا الحديث من البراء،
وسينقل الطحاوي عن شعبة، قوله: لم يسمع هذا الحديث أبو إسحاق من البراء.
(٢) رجاله ثقات. ورواه ابن حبان (١٩٥٣)، وأحمد ٢٨٢/٤ و٢٩١ و ٢٩٣ من
طريق إسرائيل بن يونس، به.
- ٦٣٥ -

كتاب الأدب - المناهي
الله صلَّى الله علَّيه وسلَّم عن الجلوس بالصُّعُدَاتِ، ثم أباحَ بَعْدَ ذلك ما
أباحه من الجلوس فيها على الشرَائِطِ التي اشترطها على مَنْ أباحه ذلك
منها.
فوقفنا بذلك على أنَّ نهيه كان على الجلوس فيها، إنما كان على
الجلوسِ الذي ليسَ معه الشرائطُ التي اشترطها عند إباحته الجلوسَ فيها
على من آثر أن يَجْلِسَ فيها، وعلى أن إباحَتَه الجلوسَ فيها مُضَمَّنٌ
بالشرائِط التى اشترطها في إباحته الجلوسَ فيها على من أباحه ذلك
منها.
وفي ذلك ما قد دَلَّ على تباينِ نهيه صلَّى الله علَّيه وسلّم، وتباينِ
إباحته، وإنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لمعنى ليس في الآخر منهما.
وفي هذه الآثار ما يَدُلُّ على إباحِةِ الناسِ الاستعمال من طرقهم
العامةِ ما لا ضرر فيه على أحدٍ من أهلها، وإذا كان ذلك كذلك، كان
معقولاً أن الجلوسَ فيها إن كان مما يُضَيِّقُ على المارِّين بها جلوسُ
الجالسين بها إيَّاها غيرُ داخلٍ فيما أباحه عليه السَّلامُ منها، وأن ذلك
امر
راجعٌ إلى ما في حديث سهلِ بنِ معاذ الجُهَني، عن أبيه، أن رسولَ الله
عليه السَّلامُ، أمر منادياً في بعض غزواته لما ضَيَّقَ الناسُ المنازلَ، وقطعوا
الطُّرُقَاتِ، فنادى: (إِن مَنْ ضَّيَّقَ منزلاً، وَقَطَعَ طَرِيقاً، فلا جِهَادَ لَهُ).
وقد ذكرنا هذا الحديثَ فيما تقدم منّا في كتابنا هذا، والواجب
على ذوي اللب أن يَعْقِلُوا عن رسولِ الله عليه السَّلامُ ما يُخاطب به
مته، فإنّه إنما يُخاطبهم به ليوقفهم على حدودٍ دينهم، وعلى الآداب
التي يستعملونها فيه، وعلى الأحكام التي يحكمون بها فيه، وأن يَعْلَمَ أنه
-٦٣٦-

كتاب الأدب - المناهي
لا تَضَادَّ فيها، وإن كُلَّ معنى منها يُخاطبهم به يُخالِفُ ألفاظهُ فيه
الألفاظَ التي قد كان خاطبهم فيما قبله من جنس ذلك المعنى، وأن
يَطْلُبُوا ما في كُلِّ واحدٍ من ذينك المعنيين إذا وقع في قلوبهم أنْ في ذلك
تضادّاً أو خلافاً، فإنهم يجدونه بخلاف ما ظَنّوه فيه، وإن خفي ذلك
على بعضهم، فإنما هو لتقصيرِ علمه عنه، لا لأن فيه ما ظَنّه مِن تضاد
أو خلافٍ، لأن ما تولاَّه الله بخلاف ذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَوْكَانَ
مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِوَحَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفَاَ حَسِيراً﴾ [النساء: ٨٢]، والله نسألُه
التوفيقَ.
٦٧٢ - بابُ بيانِ ما أشْكل علينا مِمَّا قد رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ مِنْ
نھیه عن اتخاذ الدواب مجالس، ومِنْ نھیه عن اتخاذها کراسي
٤٨٣٩- كما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سنانِ بنِ سَرْحِ الشیزريُّ أبو
جعفر، حَدَّثْنَا عبدُ الوَهُابِ بنُ نجدة، حَدَّثْنَا بقية، وإسماعيل بن عياش،
حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، حدَّثني يحيى بنُ أبي عمروِ السَّيبانيُّ، عن أبي مريم،
عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ عليه السَّلامُ قال: (يَّاكم أن تَتْخِذُوا ظُهُورَ
دَوَارِبُّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللّهَ إِنَّمَا سَخْرَهَا لَكُ" لُبْلِغَكُمْ إلى بَدٍ لَمْ تَكُونُوا
بَالِغِيه إلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وجَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ، فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا
حَوَانِجگُم)».
٤٨٤٠- وكما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عليِّ بنِ زيدٍ الصائغُ، حَدَّثَنَا
سعيدُ بنُ مَنْصورِ، حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ عیاشٍ، فذكره بإسناده.
٤٨٤١- وكما حَدَّثَنَا الربيعُ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا ابنُ وَهْبٍ، قال:
-٦٣٧-

كتاب الأدب - المناهي
سمعت الليثَ يقول: حدَّثَني سهل بن معاذٍ الجُهَيُّ، عن أبيه، عن رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنّهُ قالَ: (رْكَبُوا هذِهِ الدّوَابَّ سَالِمَةٌ، أو
ايتدعوها سَالمةً، ولا تَتْخذوها كراسِيَ)(١).
قال أبو جعفرٍ: فوقَفْنا ◌َمّ في هذينٍ على نهِهِ عمَّا نَهَى عَنْهُ منهما
مع وقوفِنَا على ما كانَ منه منْ جلوسِهِ على ظَهرِ راحِلَتِهِ للخطْبَةِ عليها
في يَومِ عَرَفَةَ بعرفةَ، وفي يوم النّحر
٤٨٤٢- كما حَدَّثْنَا الربيعُ الْمُراديُّ، حَدَّثْنَا أسد بنُ مُوسى،
حَدَّثْنَا حاتِمُ بنُ إسماعيلَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عَنْ حَابِرٍ في
حديثه عن حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ عليه السَّلامُ: أَنَّهُ لَمَّا زَاغتِ الشَّمسُ مِنْ
يومٍ عَرَفَةَ فِي حَجَّتِه، أمَرَ بِالقَصْوَاءِ، فَرْحِلَت لَهُ، فَرَكِبَ حتَّى أتى بَطْنَ
الوادي، فخطَبَ النَّاسَ، فقال: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ
كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هذَا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، ألاَ وَإِنَّ كُلَّ
شَيءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ
مَوْضُوعَةٌ، وَأوَّلُ دَمٍ أَضَعُ [مِنْ] دِمَائنا دَمُ ابنِ رَبِيعَةَ بن الحَارِثِ، كان
مُستَرْضَعاً في بني سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وإِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ،
وأوَّلُ رِبِاَ أضَعُ رِبَا العَبَّاسِ، فإنّه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، اتّقُوا اللهَ في النِّساءِ،
فإنَّكُمْ خَذْتُمُوهُنَّ بِأمَانَةِ اللهِ، واسْتَخْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وإِنَّ
(١) رواه أحمد ٤٣٩/٣ و٤٤٠ و٤٤١ و٢٣٤/٤، والدارمي ٢٨٦/٢ من
طريقين، عن سهل بن معاذ، به. ورواه الطبراني في ((الكبير)) ٢٠/(٤٣٢) عن زبان
بن فاید، عن سهل، به. وزبان: ضعيف.
-٦٣٨ -

كتاب الأدب - المناهي
لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحَجاً تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذِلِكَ،
اضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ:
كِتَابَ اللهِ، وأَنْتُمْ مَسْؤُولُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُم قَاتِلُونَ؟)) قالوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ
قَدْ بَلَّغْتَ، وأَدَّيْتَ، ونصَحْتَ، فَقَال بِأَصْبُعِهِ السَّابَةِ ورَفَعَها إلى السَّرَاءِ
يَنْكُهَا إِلَى النَّاسِ: ((اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهْمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ) ثُمَّ أذَّنَ
بِلاَلٌ(١).
٤٨٤٣- وكما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حَدَّثْنَا وهب بنُ
جرير، ويعقوبُ بنُ إسحاقَ الحضرميُّ، قالا: حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، عن عمروٍ
بنِ مرة، عن مرة بنِ شراحيلَ، قال: حدثني رجلٌ مِن أصحابِ النّبيِّ
عليه السَّلامُ، قال: وأحسِبُهُ قال: في عَرَفَتي هذه، قال: قامَ فينا رسولُ
الله عليه السَّلامُ على ناقة حمراء مخشرمةٍ، وقال يعقوبُ في حديثه:
خطَنَا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم على ناقةٍ حمراء مُخَضْرَمَةٍ فقالَ:
((هَلْ تَدْرُونَ أَيُّ يَوْمِ هذا؟) قالوا: نَعَمْ، يَوْمُ النَّحرِ، قال: ((صَدَقْتُمْ يَوْم
الحَجِّ الأَكْبَرِ))، قال: ((هَلْ تَدرون أيُّ شَهْرِ هذا؟) قالوا: نعم، ذو
الحجة، قال: ((صدقتهم، شَهْرُ اللهِ الأَصَمُّ)، ثم قال: ((هَلْ تَدْرُونَ أيُّ
بَلَدٍ هذا) قال: نَعَمْ، المَشْعَرُ الْحَرَامُ، قال: ((صَدَقْتُمْ)، فَقَالَ رَسُولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأمْوَالَكُم - وأحْسَبُهُ قال -:
وأغْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ کحُرْمَةِ یَوْمِكُمْ هذا، في شَهْرِ كُمْ هذَا، في
(١) إسناده صحيح. ورواه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، والترمذي
(٣٧٨٦)، وابن ماجه (٣٠٧٤)، وابن الجارود (٤٦٩) من طريق جعفر بن محمد، به.
-٦٣٩-

كتاب الأدب - المناهي
بَلَدِكْم ھذَا- أوْ قَالَ: كَحُرْمَةِ یَوْمِكُمْ هذَا وشَهْرِكُمْ هذَا، وَلَدِكُمْ
هذَا- ألا وإنّي فَرَطْكُمْ عَلَى الَحَوْضِ أَنْتَظِرُكُم، وإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ
الأُمَمَ أو النّاسَ، فَلا تُسَوِّدُوا وَجْهِيٍ، ألا وإنّي مُسْتَنْقِذٌ رِجَالاً،
ومُسْتْقَذٌّ مِنِي آخَرُونَ، فَأَقُولَ: أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنْكَ لاَ تَدْرِي مَا
أحْدَثُوا بَعْدَكَ، ألا وَقَدْ رَأيْتُموني، وقَدْ سَمِعْتُم مِنِّي، وسَتُسْألُونَ
عَنّي، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)(١).
٤٨٤٤- وَمِنْ ذلكَ ما قد حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ مَعْبَدٍ بن نوح، حَدَّثَنَا
هَوْذَةُ بن خليفةً، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْن، عنِ ابن سيرينَ، عن عبد الرحمن بن
أبي بكرة، [عن أبيه] قال: لما كانَ ذلك اليَوْمُ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صلَّى
الله عليه وسلِّم ناقته، ثم وَقَفَ، فقال: أَتَدْرُونَ أيُّ يَوْمِ هذا؟) فَسَكَتْنَا
حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهَ سَيُسَمِّيهِ سِوى اسْمِهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَلَيْسَ يَوْمَ النِّحُرِ؟) قُلْنَا:
بَلَى، ثُمَّ قَالَ: (أَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرِ هِذَا؟) فَسَكَتْنَا خَتَّى رَأيْنَا أَنَّهِ سَيُسَمِّيهِ
سوى اسمهِ، فقال: (أَلَيْسَ ذَا الحِجَّة؟) فقالُوا: بلى، فقال: (أَتَدْرُونَ أيُّ
بَلَدٍ هذَا؟)) فَسَكَنْنا حتى رأيْنَا أنه سيسمِّيه سوى اسمِهِ، فقال: ((أليس
البلدَ الحرامَ؟) فقلنا: بلى، قال: ((فإن أموالكم، وأعراضكم، ودماءً كم
حَرَامٌ بَيْنَگم في مثل یومِكم هذا، في مثل شهرٍ کم هذا، في مثل بلد كم
هذا، ألا ليبلغ الشاهدُ الغائب، فرب مبلغ أوعى من مُبَلِّغٍ))، ثمَّ مَالَ
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٤١٢/٥ عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، به.
وابن ماجه (٣٠٥٧) عن إسماعيل بن توبة، عن زافر بن سليمان، عن أبي سفيان، عن
عمرو بن مرة، عن ابن مسعود باخصر مما هنا.
- ٦٤٠-