Indexed OCR Text
Pages 541-560
كتاب الأدب - المناهي ذلك، رجعت إلى الذي كانت منه فسلكت فيه. فقال قائل: فقد رويتَ فيما تَقَدَّم منك في كتابك هذا في المرأة التي لعنت بعيرَها، وفي الرجل الذي لعن بَعِيرَهُ أمره أن لا يَصْحَبَهُ ذانِكَ البعيران، لأنهما صارا ملعونَيْنِ، ولأنَّ اللعنَ مِن اللاعن دعاء على من لعنه، وقد يحتمل أن يُوافَق من الله عَزَّ وجَلَّ ساعةُ نِيلَ فيها عطاؤه، فكان في هذا الحديث ما قد دَلَّ على أن لاعني ناقتيهما قد وافقا مِن الله عَزَّ وجَلَّ تلك الساعةَ، فعادت ناقتاهما إلى ما عادتا إليه من الطردٍ والإبعادِ، وهما فلا ذنبَ لهما، ولم تعد اللعنةُ إلى اللاعن، فتسلك فيه إذا لم تَجِدْ مسلكاً في الناقتين الملعونتين، وهذا تضادٌّ شديدٌ. فكان جوابُنا له بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أن اللعنَ للأشياء التي لا ذنوبَ لها ولا تعبِّدَ عليها يَرْجِعُ إلى معنى الدعاءِ عليها باللعن، فيرد ذلك الدعاء ممن كان منه عقوبة عليه، فيمنع من الانتفاع بما لعنه، ويكون ذلك ضرراً عليه، وأما ما لعنه بها فلا ضَرَرَ عليه في ذلك، بل قد عاد محمولاً عنه الاستعمالُ الذي كان يعملُه قبلَ ذلك، واللعنُ للإنسان لعنٌ لمن هو متعبد، ولمن قد يكونُ منه الأخلاقُ المذمومةُ التي يكونُ بها ملعوناً، فيكون مَنْ لعنه غيرَ معنف في لعنه إياه، لأن الله عَزَّ وجَلَّ قد لعن الظالمينَ، وقال في كتابه: ﴿أُوِكَّ ◌َلْعَنُمُ اللهُوَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُون﴾ [البقرة: ١٥٩]، ولعن رسولُ الله ◌ُ﴾ في قنوته في الصلاة من لعن، فقال: «اللَّهُمَّ العَنْ لَحيانَ ورِعلاً وذَكْوانَ وعُصَّيَّة عَصَتِ الله ورَسُولَه)، فكان ذلك سبباً لفنائهم حتى لم يبق منهم أحدٌ، وإن كان الملعونُ بخلاف ذلك، لأنَّ لاعنه ممن قد سَبَّه بأكثرَ ما يسبُّ به أحد، -٥٤١- كتاب الأدب - المناهي فاستحق بذلك العقوبةَ على سبّه إِيَّاه، فجعل اللهُ عَزَّ وجَلَّ عقوبتَه على ذلك عَوْدَ اللعنةِ إليه وسلوكها فيه، حتَّى يكونَ في المعنى الذي أراد من الذي لعنه أن يكونَ به بلعنه إِيَّاه، ونعوذُ بالله من ذلك، ونسأله التوفيقَ. ٦٥٢ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله علیه السَّلامُ فيمن قتل نفسَه متعمداً، هل يجوزُ أن يُغْفَرَ له أم لا؟ ٤٦٧٦- حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ، حدثني عبد الرحمن بنُ أبي الزِّنَادِ، ومالكُ بنُ أنس، عن أبي الزِّناد، عن عبد الرحمن - يعني ابنَ هُرْمُزِ - الأعرج، عن أبي هريرة أن رَسُولَ الله عليه السَّلامُ قال: ((الَّذِي يَخْتُقُ نَفْسَهُ يَخْتُقُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَقْتَحِمُ نفسه يَقْتَحِمُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُ نَفْسَهُ يَطْعُنُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ)(١). ٤٦٧٧- حَدَّثْنَا فهد، حَدَّثْنَا عُمَرُ بنُ حفصِ بنِ غياث النخعي، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا الأعمشُ، حَدَّثْنَا أبو صالح، حَدَّثْنَا أبو هريرة، عن البِّ عليه السَّلامُ قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ في نارٍ جَهَنْم يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ في نارٍ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلِّدًاً فيها أبداً، وَمَنْ تَرَدَّى مَنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى في جَهَنْمَ خَالِداً مُخَلَّداً فيها أَبَداً، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمْ فَسُمُّه فِي يَدِهِ يَتَحَسَّهُ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ خَالِداً فيها مُخَلِّداً فِيهَا أَبَداً)(٢). (١) رواه البخاري (١٣٦٥) عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، به. (٢) رواه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩)، والترمذي (٢٠٤٤)، وأبو داود - ٥٤٢- کتاب الأدب - المناهي ٤٦٧٨- حَدَّثْنَا محمدُ بن علي بنِ زيدٍ المكي، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمد القواسُ، حَدَّثَنَا عبدُ المجيد بنُ عبد العزيز بنِ أبي رَوَّاد، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: أخبرني فَافَاهُ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُرَيْرَة، عن رسولِ الله عليه السَّلامُ مثله. قال أبو جعفر: فافاه هذا: رجل من أهلِ الكوفة، وأهلِ القرآن واسمهُ: إسماعيل بنُ زياد! فقال قائل: فقد رُوِيَ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حديثٌ یُخالِفُ هذا، ثم ذکر: ٤٦٧٩- ما حَدَّثَنَا أبو أمية، وإبراهيمُ بن أبي داود، ومحمدُ بن إبراهيم بن يحيى بن جناد البغداديُّ أبو بكر، قالوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بنُ حربٍ، حَدَّثْنَا حمادُ بنُ زيد، عن حجاج الصَّوَّاف، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، أن الطَّفَيِّلَ بنَ عمروِ الدَّوْسِيَّ أتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ الله، هل لك في حِصْنِ حصين؟ ومعه حِصْنٌ كان الدَوْسٍ في الجاهلية، فأبي ذلك النبيُّ عليه السَّلامُ للذي ذُخِرَ للأنصارِ، فلما هَاجَرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلّم إلى المدينة هاجَرَ إليه الطُّفَيْلُ بنُ عمروٍ، وهاجر معه رَجُلٌّ، فَاجْتَوَوُا المدينةَ، فَمَرِضَ فَجَزِعَ، فأخذ مَشَاقِصَ له، فقطع بها بَرَاجِمَه فَشَخَبَتْ يداه حتى مات، فرآه الطُّفَيْل بنُ عمروٍ في منامه في هيئة حسنة، ورآه مغطياً يديه، فقال له: مَا صَنَعَ (٣٨٧٢)، والطيالسي (٢٤١٦)، والدارمي ١٩٢/٢، وأحمد ٢٥٤/٢ و ٤٧٨ و٤٨٨ - ٤٨٩، والبغوي (٢٥٢٣) من طرق عن الأعمش، به. -٥٤٣ - كتاب الأدب - المناهي بكَ رَّبُّكَ؟ قال: غَفَرَ لي بهجرتي إلى نبيه عليه السَّلامُ، قال: ما لي أراك مُغَطِياً يَدَيْكَ؟ فقال: قيل لي: لن نُصْلِحَ منك ما أفسدت، فقصَّها الطُّفَيْلُ على رسول الله عليه السَّلامُ، فقال النبي صلَّى الله عليه وسلّم: (اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ)(١). فكان مِنْ جوابُنا له في ذلك - بتوفيق الله وعونه- أنه قد يَحْتَمِلَ أن يكونَ الرجلُ المذكورُ في هذا الحديثِ فَعَل بنفسه ما فَعَلَ مما ذكر فيه على أنه عنده علاجٌ، تبقي به بقيةُ يديه، ففعل ما فعل لتسلم له نفسُه، وتقى له بَقِيَّةُ يديه، فلم يكن في ذلك مذموماً، وكان كَرَجُلٍ أصابه في يده شيء، فخاف إن لم يقطعها أن يذهبَ بها سائِرُ بدنه، ويُتْلِفَ بها نفسَه، فهو في سَعَةٍ من قطعِهَا. فإن لم يقطعها، وهُو يرى أنه بذلك يَسْلَمُ له بذلك بقيةُ بدنه، ويأمنُ على نفسه، ثم مات منها، أنه غيرُ ملومٍ في ذلك ولا معاقب عليه. وكذلك هذا الرجلُ فيما فعل ببراجمه حتَّى كان مِن فعله تَلَفُ نفسه، وهو خلافُ مَنْ قتل نفسه طاعناً لها، أو متردياً مِن مكان إلى مكان لِيْلِفَ نَفْسَهُ، أو متحسياً لسُمُّ ليقتل به نفسَه فلم يَّيِنْ بحمدِ الله فيما رويناه في هذا الباب عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تَضَادٌّ ولا اختلاف(٢). (١) رواه أحمد ٣٧٠/٣، ومسلم (١١٦) من طريق سليمان بن حرب، به. (٢) قال الإمام مالك النووي في ((شرح مسلم)) ١٣١/٢-١٣٢: في هذا الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة: أن من قتل نفسه، أو ارتكب معصية غيرها، ومات - ٥٤٤- كتاب الأدب - المناهي فإن قال قائل: ففي هذا الحديث دعا رسولُ الله عليه السَّلامُ ليدي هذا الرجلِ بالغُفران، ودعاءه ليديه بذلك دعاءٌ له، وذلك لا يكونُ إلا عن جنايةٍ كانت منه على يديه استحق بها العقوبةَ، فدعا له رسولُ الله عليه السَّلامُ بالغُفران ليديه، فيكون ذلك غفراناً له. قيل له: ما في هذا الحديث دليلٌ على ما ذكرت، لأنه قد يجوز أن يَكُونَ ما كان مِنْ رسولِ الله عليه السَّلامُ من ذلك الدُّعاء ليدي ذلك الرجل كان الإشفاقه عليه، ولِعمل الخوف من الله كان في قلبه، فدعا له بذلك لهذا المعنى لا لما سواه، كما قد رُوِيَ عنه مما علمه حُصيناً الخزاعي أبا عِمْرَان بنَ حُصين، وأمره أن يدعُو به: ٤٦٨٠- كما قد حَدَّثْنَا أبو أمية، حَدَّثْنَا أبو بكر بنُ أبي شيبة، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ بشر العبدي، أخبرنا ابنُ أبي زائدةً، حَدَّثْنَا منصورُ بنُ الْمُعْتَمِرِ، قال: حَدَّثْنَا رِبعي بن حِراش، عن عمران بن حصين أن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم علم أباه حصيناً بعدما أسلم فقال: ((قل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما أسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَخْطَأْتُ وَمَا عَمَدْتُ، وما جَهِلْتُ وَمَا عَلِمْتُ)(١). من غير توبة، فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة، ... وهذا الحديثُ شرحٌ للأحاديث التي قبله الموهِم ظاهرها تخليدَ قاتلِ النفس وغيره من أصحاب الكبائر في النار، وفيه إثباتُ عقوبة بعضِ أصحاب المعاصي، فإن هذا عُوقِبَ. في يديه، ففيه رَدّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تَضْرُّ. (١) صحيح، ورواه ابن أبي شيبة ٢٦٧/١٠، ورواه أحمد ٤٤٤/٤، وابن حبان (٢٤٣١)، والحاكم ٥١٠/١ من طريق منصور، به. - ٥٤٥- كتاب الأدب - المناهي فكان في هذا الحديث تعليمُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم حُصيناً أن يَدْعُوَ الله أن يَغْفِرَ له ما أخطأ، يعني: الخطأ الذي هو ضِدُّ العَمْدِ، وذلك مما هو غيرُ مأخوذٍ به، ولا معذِّبٍ عليه، لأن الله تعالى قال: ﴿وَيْسَ عَلَيْكُمْ جَنَ فِمَا أخْطَأْتُم بِهِوَكَكْ مَا تَنَّدَتْ قُلُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. فكان الخطأ الذي ليس معه تَعَمُّدُ القلوبِ معفواً عنه، غيرَ مأخوذ به صاحبُه، وكان أمرُ النبي عليه السَّلامُ حُصيناً أن يَدْعُوَ الله بِغُفرانه إياه له على الرهبةِ من الله، والتعظيمٍ له، والخوفِ مما عسى أن يَكُونَ يُخَالِطُ قَلْبَ المخطئ في حال خطئه من مَيْلٍ إلى ما أخطأ به. وكذلِكَ ما في حديث جابرٍ من دُعاءِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالغُفران للرجل المذكور فيه يحتمل أن يكون لمثل هذا أيضاً، والله نسأله التوفيقَ. ٦٥٣ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله﴾ في الحیَّاتِ من إطلاق قتلِها، ومن تركِ الرخصةِ في ذلك، وما رُوِيَ عنه فيها مما يُخالف ذلك ٤٦٨١- حَدَّثَنَا علىُّ بنُ معبد، قال: حَدَّثْنَا طالوتُ بن عبَّاد قال: حَدَّثْنَا داودُ بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد العبدي، عن أبي الأعْمَنِ العبديِّ، عن أبي الأحوص الجُشَمي، قال: بينا ابن مسعودٍ يَخْطُبُ ذاتَ يومٍ، فإذا هو بِحَيَّةٍ تمشي على الجدارِ فَقَطَعَ خطبته، وضربها بقضيبه حتى قتلها، ثم قال: سمعتُ رسولَ اللهِمَ﴿و يقول: ((مَنْ قَتَلَ حيَّةً، -٥٤٦- كتاب الأدب - المناهي فكأنّما قَتَلَ رجلاً مشركاً قد حَلَّ دَمُه))(١). ٤٦٨٢- حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بُكير بنِ عبد الله بن الأشجِّ، عن سالم، عن أبيه عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((اقْتُلُوا الحَيَّاتِ، وَاقْتُلُوا ذَ الطَّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فإنَّهما يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ، ويُسْقِطَانِ الَحَبَلَ، فَمَنْ وَجَدَ ذا الطَّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فلم يَقْتُلْهُمَا فَلَيْسَ مِنَّا)(٢). ٤٦٨٣ - حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عزيز الأَيْلِيُّ، قال: حَدَّثَنَا سلامةُ بنُ (١) إسناده ضعيف. أبو الأعين العبدي ضعفه ابنُ معين وأبو حاتم. ورواه أحمد ٣٩٤/١-٣٩٥ و٤٢١، والطيالسي (٣١٥)، وأبو يعلى (٥٣٢٠) و(٥٣٢١) من طرق عن داود بن الفرات، به. ورواه البزار (١٢٢٩) من طرق عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله أن النبيَّ * قال: ((من قتل حيَّة، فكأنما قتل كافراً). ووراه أيضاً (١٢٣٠) عن إبراهيم بن سعيد، عن عُبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبدة بن لبابة، عن زر، عن عبد الله أن النبي لإ قال: (من قتل حَيَّةً أو عقرباً، فقد قتل كافراً، أو فكأنما قتل كافراً)). (٢) رواه الطبراني في «الكبير)) (١٣١٦١) و(١٣٢٠٥) من طريق ابن وهب، به، وصححه ابن حبان (٥٦٣٨). قال البغوي في ((شرح السنة)) ١٩٢/١٢: أراد بذي الطفيتين: الحية التي في ظهرها خطان، والطفية: خوص المقل، وهي ورقة، وجمعها طُفي، فشبه الخطين اللذين على ظهره بخوصتين من خوص المقل، وهو شرُّ الحيات فيما يقال: والأبتر: القصير الذنب، والبُتر: شرار الحيات. - ٥٤٧- كتاب الأدب - المناهي رَوْحِ، عن عُقَيل، قال: وأخبرني محمد بن مسلم أن سالم بن عبد الله أخبره، أنه سَمِعَ عبد الله بن عمر يقول: (اقْتُلُوا ذا الطَّفْيَتَينِ والأبْتَرَ، فإِنّهما يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ، ويُسْقِطَانِ الخَلَ) (١). ٤٦٨٤- حَدَّثَنَا بكارُ بنُ قتيبة، قال: حَدَّثْنَا أبو عاصم، عن ابنِ عجلانَ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله ﴿ للحَّات: «ما سالمناهنَّ منذ حَارَبْنَاهُنَّ، مَنْ تركَهُنَّ خشيةً، فَلَيْسَ ـنَّا)(٢). قال: ففيما روينا الأمرُ بقتل الحيات كُلّها، وتركُ الرخصة في ذلك، وقد رُوِيَ عن رسول الله ﴿ نهيُه عن قتل ذواتِ البيوت منها. ٤٦٨٥- كما حَدَّثْنَا عبدُ الغني بن أبي عقيلة، قال: حُدَّثَنَا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ، عن أبيه أنَّ رسولَ اللهِ﴿، قال: (اقْتُلُوا الحَّاتِ وذا الطَّفْيَتَيْنِ والأبتَرَ، فإنّهما يلتَمِسَان الْبَصَرَن ويُسْقِطَانِ الخَلَ)). قال: وكان ابنُ عمر يَقْتُلُ كُلَّ حيةٍ يراها، فرآه أبو لُبابة أو زيدُ بنُ الخطاب وهو يُطَارِدُ حيةً، فقال: إنَّه نُهيَ عن ذوات البيوت(٣). (١) رواه ابن حبان (٥٦٣٨)، وابن ماجه (٣٥٣٥) من طريق ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب محمد بن مسلم، به. (٢) رواه أحمد ٤٣٢/٢ و٥٢٠، وأبو داود (٥٢٤٨) من طرق عن ابن عجلان، به، وصححه ابن حبان (٥٦٤٤) من طريق سفيان، عن ابن عجلان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عجلان، عن أبي هريرة. (٣) رواه الحميدي (٦٢٠)، وأحمد ٩/٢، ومسلم (٢٢٣٣)، وأبو داود -٥٤٨- كتاب الأدب - المناهي ٤٦٨٦- وكما حَدَّثْنَا مُصعب بنُ إبراهيم بنُ حمزة الزُّبيري، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثْنَا الدَّرَاوَرْدِي، عن محمد بن عبد الله بنِ مسلم، عن عَمِّه، عن سالمٍ، قال: سَمِعْتُ ابنَ عمر رضي الله عنه يقولُ: ((اقْتُلُوا الْحَيَّات، واقْتُلُوا ذا الطَّفْيَتَين، والأبْتَرَ، فإنّهما يَلْتَمِسَان الْبَصَرَ، ويُسْقِطَانِ الحَلَ)). قال ابنُ عمر: فكنتُ لا أَتْرُكُ حيةً في الأرضِ قَدَرْتُ عليها إلا قتلتها، فبينا أنا أطْلُبُ حَيَّةٌ من ذوات البيوت أبصرني زيدُ بن الخطاب رضي الله عنه وأبو لُبابة فقالا: مَهْ مَهْ يا عبدَ الله! فقلتُ: إنَّ رسولَ اللَّهَ﴿ أمرنا بقتلها، فقال: لا، فإنّه قد نهى عن ذواتِ البيوتٍ، يريد عوامِرَ البيوت(١). ٤٦٨٧- وكما حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثْنَا يونسُ بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا جريرُ بنُ حازمٍ، قال: سمعتُ نافعاً، عن ابن عمر أنه كان يَقْتُلُ الحَيَّاتِ كُلُّها لا يَدَعُ منها شيئاً، وحدثه أبو لُبابة البدريُّ أن رسولَ اللهِ﴿ نهى عن قتل الجنّانِ التي تكون في البيوت فَأَمْسَكَ(٢). (٥٢٥٢)، وابن حبان (٥٦٤٥)، وأبو يعلى (٥٤٢٩) و(٥٤٩٣)، والبغوي (٣٢٦٢) من طرق عن سفيان بن عيينة، به. (١) رواه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٠) وابن حبان (٥٦٤٣) من طريق ابن شهاب به. (٢) رواه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٢) عن شيبان بن فروخ، عن جرير بن حازم، به. الجنان: هي الحيات، جمع جان، وهي الحية الصغيرة، وقيل: الدقيقة الخفيفة، وقيل: الدقيقة البيضاء. -٥٤٩- كتاب الأدب - المناهي ٤٦٨٨- كما حَدَّثَنَا الربيعُ المراديُّ، قال: حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ زيد، عن أيوب، عن نافعٍ، ثم ذكر مثلَه. ٤٦٨٩- وكما حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أنبأنا ابنُ وهب أن مالكاً أخبره عن نافع، عن ابن عمر، عن أبي لُبابة أن رسول الله مُ﴾ نهى عن قتل الجنّان التي في البيوت(١). ٤٦٩٠- حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني أسامةُ بنُ زيدٍ الليثي عن نافع، أنّ أبا لُبابة مرَّ بعبدِ الله بن عمر وهو عِنْدَ الأُطُم الذي عند دار عمر يَرْصُدُ حَيَّةً، فقال أبو لبابة: إنَّ رسولَ الله ﴿ يا أبا عبد الرحمن قد نهى عن قتل عَوَامِرِ البيوتِ، فانتهى عبدُ الله بن عمر بعد ذلك، ثم وجد بعد ذلك في بيته حية، فأمر بها، فأخذت، فخرجت ببطحان. قال نافع: رأيتُها بعد ذلك في بيته(٢). ٤٦٩١- كما حَدَّثْنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابنِ عمرَ رَضِيَ الله عنهما قال: نهى رسولُ الله ﴿ عن قتلِ الجِنّانِ في البيوتِ. ٤٦٩٢- وكما حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرني أنسُ بنُ عياض، عن يحيى بن سعيدٍ، قال: أخبرني نافع، أن أبا لُبَابَةَ بنَ عبد المنذر الأنصاري (١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ) ٩٧٥/٢. (٢) رواه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٦) عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، به. - ٥٥٠- کتاب الأدب - المناهي كان مسكنه بقُباء، فانتقل إلى المدينة، قال: فبينما ابن عمر جالس معه، ففتح له خَوْخة، إذا هو بحِيَّةٍ من عَوَامِرٍ البيوت، فأراد قتلها، فقال أبو لُبابة: إنَّه قد نُهيَ عنهن: يُرِيد عوامِرَ البيوتِ، وَأُمِرَ بقتل الأبتر وذي الطّفيتين، وقال: ((هما اللذان يَلْتَمِعَان الْبَصَرَ، وَيَطْرَحَانِ أولادَ النّساءِ)(١). قال: ففي هذه الأحاديث نهى رسولُ اللهِ﴿ عن قتل ذواتٍ البيوت بعد أن كان أمَرَ بقتل الحيات كُلها، فكان ذلك أولى مِن الأحاديث الأُوَل، لأن فيها نسخ بعضِ ما في الأحاديث الأُوَّلِ، ثم نظرنا في السبب الذي به كان ذلك النسخ ما هو. ٤٦٩٣- فوجدنا يونسَ قد حَدَّثْنَا، قال: أنبأنا ابنُ وهب أن مالكاً أخبره عن صيفي مولى ابن أفلح، قال: أخبرني [أبو] السائب مولى هشام بنِ زُهرة، أنَّه قال: دخلتُ على أبي سعيد الخدري في بيته، فوجدتُه يُصلي، فجلست أنتظرُه متى تنقضي صلاته فسمعت تحريكاً في عراجينَ في ناحية البيت، فالتفتُّ فإذا حية فوثبتُ لأقتلَها، فأشار إليَّ أن اجْلِسْ، فجلستُ، فلما انصرفَ، أشار إلى بيتٍ من الدار: أترى هذا البيت؟ قال: كان [فيه] فتى شاب حديثُ عهدٍ بعُرس، فخرجنا مع رسول الله ﴿ إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذِنُ رسولَ الله ◌ُ /9 في أنصافِ النهار يَرْجِعُ إلى أهله، فاستأذنه يوماً، فقال رسولُ اللهِ﴾: (١) رواه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٥) عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، عن یحیی بن سعيد، به. -٥٥١- كتاب الأدب - المناهي ((خُذْ عَلَيْكَ سِلاحَكَ، فَإِنِّي أَخْشَى عليك قُرَيْظَةَ)) فأخذ سلاحَه، ثم رجع إلى أهله، فإذا امرأتُه بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح لِيطعنها به، وأصابته غيرةٌ، فقالت: اكْفُفْ عليك رُمْحَكَ، وادْخُلِ البابَ حتى تَنْظُرَ ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحيَّةٍ عظيمةٍ منطويةٍ على الفراش، فأهوى إليها بالرمح، فانتظمها به، ثم خرج، فركزه في الدار فاضطربت عليه، فما أدري أيهما كان اسرع موتاً الحيةُ أو الفتى، فجئنا رسولَ الله ﴿ٌ فذكرنا ذلك له وقُلنا: ادْعُ الله عَزَّ وجَلَّ يُحْيه لنا، فقال: (اسْتَغْفِرُوا لِصاحِبِكُمْ) ثم قال: (إِنَّ بالمدينة جنّاً قد أسلموا، فإذا رأيتُم منها شيئاً، فآذنوه ثلاثاً، فإن بدا لَكُمْ بَعْدَ ذلك، فاقتُلُوه فإِنما هو شَيْطَائِ))(١). ٤٦٩٤- حَدَّثْنَا الحسن بنُ غُليب، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث، عن ابنٍ عجلان، عن صيفي أبي سعيد مولى الأنصار، عن أبي السائب، ثم ذكر هذا الحديث بألفاظ أقلَّ من هذه بغير اختلاف المعاني (٢). (١) إسناده صحيح، وهو في ((الموطأ) ٩٧٦/٢ -٩٧٧، ومن طريق مالك رواه مسلم (٢٢٣٦) (١٣٩)، وأبو داود (٥٢٥٩)، والترمذي (١٤٨٤)، والنسائي في (الكبرى) كما في ((التحفة)) ٤٨٨/٣، وابن حبان (٥٦٣٧)، والبغوي (٣٢٦٤). (٢) رواه أبو داود (٥٢٥٧)، وأحمد ٤٣/٣، وابن حبان (٦١٥٧) من طريقين عن اللیث، به. ورواه أبو داود (٥٢٥٨)، وأبو يعلى (١١٩٢) من طريقين عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان، به. -٥٥٢- كتاب الأدب - المناهي ٤٦٩٥- وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الرحيم المَرَوِيُّ، قال: حَدَّثْنَا خالدُ بنُ خِداش، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أبي حازم، عن سهل بنِ سعدِ السَّاعدي أن فتىٌ من الأنصار كان قريبَ عهٍ بِعُرس، فخرج مع رسولِ الله ﴿ فِي سَفَرٍ، فلما رجع، دخل منزلَه، فإذا امرأتُه في الدار قائمة، فأهوى إليها بالرمح، فقالت: كما أنتَ لا تعجل، ادخُل البيت فدخل، فإذا حية منطوية على فراشه، فركزها برمحه، فأخرجها إلى الدار، فوضعها فانتفضَتِ الحيةُ، وانتفضَ الرجلُ، فماتت الحيةُ، ومات الرجل، فذُكِرَ ذلك للنبيِ وَ﴿، فقال رسولُ اللهِلَّ: ((إنّه قَدْ نَزَلَ حيّ من الجِنِّ مسلمون بالمدينة، فإذا رأيتُم منها شيئاً، فتعوَّذوا بالله عَزَّ وجَلَّ منها، ثم إن عادوا فاقتلوها))(١). فتأملنا في هذه الاثارِ، فوجدنا في حديثي أبي سعيدٍ وسهلِ ما فيهما مما قد أُخبرَ به رسولُ الله ◌َ﴿ من الجن الذين حَدَثُوا بالمدينة ممن أسلم، فصاروا عُمَّاراً لبيوتها، فنهى عن قتلها لذلك حتى تُنَاشَدَ، فإن ظهرت بعد ذلك كانت خارجةً عن المعنى الذي من أجله نُهِيَ عن قتلها، وعادت إلى الحكم الذي كان جميعُ الحيات عليه قبلَ ذلك من حِلٌّ قتلها. وقد رُوِيَ عن أبي ثعلبة عن النبي # مما يدخل في هذا الباب. (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٥٩٣٥) من طريقين عن خالد بن خداش، به. ورواه ابن عبد البر في (التمهيد)) ٢٦٢/١٦-٢٦٣ من طريق قاسم بن أصبع، حَدَّثَنَا محمد بن غالب، وزكريا بن يحيى الناقد، كلاهما عن خالد بن خداش، به. - ٥٥٣ - كتاب الأدب - المناهي ٤٦٩٦- ما قد حَدَّثَنَا بحرُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهب، قال: حَدَّثَنَا معاويةُ بنُ صالح، عن أبي الزاهرية، عن حُبَيْرِ بنِ نَفير، عن أبي ثعلبة الْخُشَنِيِّ أن رسولَ الله ◌َ﴿ه قال: ((الجنُّ على ثلاثةِ أثلاثٍ، فَثُلُثٌ هم أجْنِحَةٌ يطِيرونَ في الهواءِ، وَثُلُثٌ حَيَّاتٌ وكِلاب، وَثُلُثٌ يَحُلُّونَ ويظْعَنُونَ)(١). فكان ذلك مما قد حقق أنَّ مِن الحيات ما هو جانٌّ، وأن فيه ما قد أمر به رسول الله 4 في حديثي أبي سعيد وسهل. والله سبحانه وتعالى نسأله التوفيق. (١) رواه ابن حبان (٦١٥٦) عن يزيد بن موهب، والطبراني في ((الكبير)) ٢٢/(٥٧٣)، والحاكم ٤٥٦/٢، والبيهقي في (الأسماء والصفات) ص٣٨٨ من طريق عبد الله بن صالح، وأبو نعيم في (الحلية) ١٣٧/٥ من طريق علي بن مسهر، ثلاثتهم عن معاوية بن صالح، به. - ٥٥٤- كتاب الأدب - المناهي ٦٥٤ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ علیه السَّلامُ من نھیہ عن قتلِ النملة والنّحلة والهُدهد والصُّرَدِ ٤٦٩٧- حَدَّثْنَا الربيعُ المرادِيُّ، حَدَّثَنَا أسدُ بن موسى، حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ سالم، قال: الربيع: أظنه عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبد الله بن عتبة، عن ابنِ عباس أن رسولَ الله عليه السَّلامُ قال: «أَرْبَعٌ مِنَ الدَّوابِّ لا يُقْتَلْنَ: النملةُ والنَّحْلَةُ والهُدْهُدُ والصُّرَدُ»(١). ٤٦٩٨- حَدَّثْنَا يونس، حَدَّثَنَا ابنُ وهب، سمعتُ ابن جريج يُحَدِّثُ عن رجلِ حدَّته، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله، عن ابنٍ ے عباس، عن النبيِّ عليه السَّلامُ. ٤٦٩٩- وحَدَّثْنَا بحرٌ، أخبرنا ابنُ وهبٍ .... ثم ذكر بإسنادِه مثله(٢). ٤٧٠٠- حَدَّثْنَا القاسمُ بنُ عبدِ الله بنِ مهدي أبو طاهر، حَدَّثَنَا أبو مُصْعَبٍ، حدثني عبدُ الرزاق، عن معمرٍ، عن الزهري، عن عُبيدٍ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: نهى رسول الله عليه السَّلامُ عن قتلٍ أربعٍ: الهدهدِ، والصُّرَدِ، والنملةِ، والنحلةِ(٣). (١) رواه ابن حبان (٥٦٤٦) من طريق حبان بن علي العنزي، عن ابن جريج وعقیل، عن الزهري، به. (٢) رواه البيهقي ٣١٧/٩ من طريق أبي العباس الأصم، عن بحر بن نصر، به. (٣) إسناده صحيح، وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (٨٤١٥). ومن طريقه رواه - ٥٥٥- كتاب الأدب - المناهي فاحتجنا بطلب الرجلِ الذي بينَ ابنِ جريج وبينَ ابنِ شهاب مَنْ هُوَ ليقوم لنا إسنادُه من حديثِ ابن جريج كما قام لنا من حديثٍ معمر. ٤٧٠١- فوجدنا محمد بن أحمد بن حماد الدُّولابِي قد حَدَّثَنَا عن صالح بن أحمد بن حنبل، عن علي بن المديني قال: سمعتُ يحيى بنَ معين يقولُ: حَدَّثَنَا ابنُ جريج قال: أُخْبِرْت عن الزهريِّ، عن عُبيد الله، عن ابنِ عباسٍ أن النبيَّ :﴿ قال : .... ثم ذكر هذا الحديث. قال يحيى: وكان عندي ضعيفاً فمحيته، ثم قال: رأيتُه في كتاب سفيان بن سعيد، عن ابن جريج، عن ابنِ أبي لبيد، عن الزهريِّ، عن عُبيد الله، عن ابن عباس(١). ووجدنا هارونَ بنَ محمد العسقلانيَّ قد أجاز لنا عن الغَلابي قال: روى هذا الحديثَ الثوريُّ، عن ابنِ جريج، عن ابن أبي لبيد، عن الزهري، قال: الغَلابِيُّ سمعتُ هذا من أبي داود. فوقفنا بذلك على أنَّ الرجلَ المسكوتَ عن اسمه في هذا الحديثِ من رواية ابن وهب، عن ابنِ جريج الذي ذكرناه في هذا الباب هو ابنُ أبي لبيدٍ. أحمد ٣٣٢/١، والدارمي ٨٨/٢-٨٩، وأبو داود (٥٢٦٧)، وابن ماجه (٣٢٢٤)، والبيهقي ٣١٧/٩. (١) رواه أحمد ٣٤٧/١، ومن طريقه البيهقي ٣١٧/٩ عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، به. -٥٥٦- كتاب الأدب - المناهي . فعقلنا أنَّ هذا الحديثَ قد صحَّ لنا مِن رواية ابنِ جُريج كصحته لَنا مِن رواية معمر. وقد وجدنا أبا معاوية قد حدَّثَ به عن ابنٍ جُريج، فخالف ابنَ وهب في إسناده. ٤٧٠٢- كما حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس البغدادي، حَدَّثْنَا مجاهدُ بن موسى، حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن ابنِ جريج، عن الزهري، عن سليمانَ بن يسار، عن ابنِ عباسٍ قال: نهى رسولُ الله عليه السَّلامُ عن قتل أربعٍ: عن قتلِ الهُدهد، والصُّرَدٍ، والنّملة، والنحلة. فتأملنا ما في هذا الحديث طلباً منا لاستخراج ما أُريد به. فوجدنا الهدهدَ ما لا يُنتفع بلحمه، ووجدنا الناس يستقدرونه، ووجدناه لا مَضَرَّةً على الناسِ منه، فكان قتلُه للعبثِ، لا لما سواه، وذلك منهي عنه، كما قد رُوِيَ عن رسولِ الله ﴿ فيما قُتِلَ من هذا الجنس بغير حقّه. ٤٧٠٣- كما حَدَّثَنَا المزنيُّ، حَدَّثْنَا الشَّافعي، أخبرنا سفيانُ، أخبرنا عمروٌ، أخبرنا صهيب مولى عبد الله بن عامر قال: سمعت عبدَ الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسولُ اللهِ وَ﴿: ((مَنْ قَتَل عُصْفُورةً فَمَا فَوْقَها بِغَيرِ حقّها، سأله الله عَزَّ وجَلَّ عن قتلها) قيلَ: يا رسولَ الله، وما حقِّها؟ قال: (يَذْبَحُها، فَيَأْكُلُها، ولا يَقْطَعِ رأسَها فَيَرْمِي بھا»(١). (١) الحديث في ((الشافعي)) (٦٠٦) ومن طريقه رواه البيهقي ٨٩/٦، والبغوي -٥٥٧- كتاب الأدب - المناهي ٤٧٠٤- وكما قد حَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثْنَا خالد بن يزيد الكاهلي، حَدَّثَنَا أبو بكر بن عياش، عن أبانَ بنِ صالحٍ، عن عمرو بنِ دينار، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: قال رسولُ الله خالٍ: ((عصفور قطّ) -قال أبو جعفر: كأنه يعني ما قتل عصفور قط عبثاً- قال أبو بكر: فما فوقَه أو فما دونَه، إلا حَجَّ إلى الله عَزَّ وجَلَّ يوم القيامة: يا ربّ، فلانٌ قتلني، فلا هُوَ انتفع بي، ولا هو تركني أعيشُ في خُشاراتها(١). فكان قاتلُ الهدهد داخلاً في هذا المعنى - والله أعلم- وكذلك قاتلُ الصُّرَد، لأنه لا يَقْدِرُ أن يجمع من أشكاله ما يتهيأ له التَّبَسُّطُ في أكل لحومها، فقتلُ ما هذه سبيله أيضاً يَرْجِعُ إلى العَبَثِ، لا إلى ما سواه، ويلحق قاتلَه الوعيدُ الذي هو في هذين الحديثين اللَّذَیْنِ روینا. (٢٧٨٧). ورواه الحميدي (٥٨٧)، والدارمي ٨٤/٢، والطيالسي (٢٢٧٩)، والنسائي ٢٠٦/٧-٢٠٧ و٢٣٩، والحاكم ٢٣٣/٤، والبيهقي ٢٤٩/٦، والمزي في (تهذيب الكمال)) ٢٤٤/١٣ من طريق سفيان، به. ورواه أحمد ١٦٦/٢ و١٩٧ من طريقين عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، به. (١) رواه الطبراني (٧٢٤٦) من طريق يعقوب بن سفيان، عن خالد بن يزيد الكاهلي، به. ورواه أحمد ٣٨٩/٤، ومن طريقه النسائي ٢٣٩/٧، وابن حبان (٥٨٩٤)، والطبراني (٧٢٤٥)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٢٩٧/٨-٢٩٨. ورواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني)) (١٥٧٢)، والطبراني (٧٢٤٥)، والدولابي في («الكنى)) ١٧٥/١، من طريقين عن عامر بن عبد الواحد الأحول، عن صالح بن دينار، عن عمرو بن الشريد، به. - ٥٥٨- کتاب الأدب - المناهي وأما النحلةُ، فليست من هذا الجنس في شيء، ولكنها مما يُنْتَفَعُ بها، ومما لا منفعةَ لِقاتلها في قتلها، فقتلُه إياها يَجْمَعُ أمرين، أحدُهما: قطعٌ لمنافعها، والآخر: عدمُ الانتفاع بها، فزاد جُرْمُ قاتلها على جرمٍ قاتل الهدهد والصُّرَد. وأما قتلُ النملة، فإنه لا منفعةً معه، ولا قطع أذى به -وهي موصوفة بمعنى محمودٍ - قد رُوِيَ عن رسولِ الله عليه السَّلامُ. ٤٧٠٥- كما حَدَّثَنَا يونس، أخبرنا ابنُ وهب. وكما حَدَّثْنَا بحرُ بنُ نصر، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني يونس، عن ابنِ شهاب، عن ابن المسيّب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسولٍ الله عليه السَّلامُ أن نملةٌ قَرَصَتْ نبيّاً من الأنبياء، فأمر بقريةِ النملِ، فأحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أنْ قَرَصَتْكَ نَمِلَةٌ حَرَّقْتَ أُمَّةً من الأُمم تُسَبِّحُ؟!(١) ٤٧٠٦- وكما حَدَّثَنَا محمد بن عُزَيْرٍ، حَدَّتَنَا سلامة بنُ روحٍ، عن عُقَيْلٍ، عن ابنِ شهاب، أخبرني أبو سلمة، عن أبي هُريرة أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﴿ يقول: «خَرج نبيٌّ من الأنبياء بالناس يستسقون الله عَزَّ وجَلَّ، فإذا هم بنملة رافعةٍ بعضَ قوائِمها، فقال النبيُّ: ارجعوا، فقد استجيبَ لكم من أجلِ هذه النملة))(٢). (١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢٢٤١) (١٤٨)، وأبو داود (٥٢٦٦)، والنسائي ٢١٠/٧-٢١١، وابن ماجه (٣٢٢٥) من طرق عن عبد الله بن وهب، به. (٢) إسناده ضعيف، سلامة بن روح: ضعيف، وقيل لم يسمع من عقيل. ورواه -٥٥٩- كتاب الأدب - المناهي وما كانت هذه سبيله، كان قتلُه قاطعاً لِمثل هذين المعنيين المذكورين في هذين الحديثين، وكان القاتِلُ له على ذلك داخلاً في حديثي عبدِ الله بن عمرو، والشريد اللذين رويناهما في هذا الباب عن رسولِ الله عليه السَّلامُ. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﴿ في النملة إذا كان منها الأذى إباحةٌ قتلها. ٤٧٠٧- كما حَدَّثْنَا الربيعُ المرادِيُّ، حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ، أخبرني عبدُ الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيهِ، عن الأعرجِ، عن أبي هُريرةً أن رسول الله ﴿ قال: «َزَلَ نبيٌّ من الأنبياء تحتَ شجرة، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فأمر بجهازِه، فأخرج مِن تحتها، ثم أمر بها، فأُحْرِقَتْ بالنارِ، فأوحى الله إليه: فهلاّ أخذت علةٌ واحدة)(١). كأنَّه كان أحرقَ قريةَ النمل على ما في حديث يونس وبحر الذي رويناه في هذا الباب الراجع إلى سعيد، وأبي سلمة، وفي ذلك ما قد دَلَّ على إباحة قتل ما آذى من النمل، وفيما قبلَه النهي عن قتلَ ما لم يُؤْذِ منها. وفي حديث ابنِ وهبِ، عن ابنِ حُريج معنى يختلفُ هو وحديثُ القاسم بن عبد الله، عن أبي مُصعب اللذين رويناهما في هذا الباب، الخطيب في ((تاريخه)) ٦٥/١٢ من طريق محمد بن عبد العزيز الأيلي، به. ورواه الحاكم ٣٢٥/١ من طريق محمد بن عون، عن أبيه، عن الزهري، به. (١) رواه أحمد ٤٤٩/٢، والبخاري (٣٣١٩)، ومسلم (٢٢٤١)، وأبو داود (٥٢٦٥)، والنسائي في ((السير)) - (التحفة) ٢٠١/١٠ من طرق عن أبي الزناد به. - ٥٦٠-