Indexed OCR Text

Pages 381-400

کتاب الأطعمة والأشربة
آكُلُها ولا أُحَرِّمُهَا))(١).
وقد ذكرنا في الباب الذي ذكرناه فيه عن النبيِّ # في القردة
والخنازير ما قد ذكرناه فيه، وأن الله لم يُهْلِكْ قوماً، فيجعل لهم نسلاً،
ولا عَقِباً، فكان في ذلك ما قد دَلَّ أن ما كان من رسول اللهلم﴿ مما
خشيه في الضَّبِّ كان ذلك منه قبل أن يُعْلِمَه الله أنه لا يجعل لما يمسخه
نسلاً ولا عقباً، ففي ذلك ما قد دَلَّ على أن الضَّبَّ ليس بمكروه لما في
هذه الأحاديث التي قد ذكرناها في هذا الباب.
وأن ما رُوِيَ عن النبيِّ ◌َ﴿ مما أباح في أكلَ الضَّبِّ متأخرٌ عن
ذلك، فمن ما رُوِيَ عنه في إباحة أكله:
٤٤٣٥- ما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا وهبٌ
وعبدُ الصمد، قالا: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن توبة العنبري، قال: سمعتُ
الشعبيّ، يقول: أرأيتَ فلاناً حين يروي عن النبيِّ:﴿ .. لقد جالستُ ابنَّ
عمر، فما سمعتُه يروي عن النبيِّ:﴿ غيرَ أنَّه قال: كان ناسٌ من
أصحابِ النِّ :﴿ يأكلون ضِباباً، فنادتهم امرأةٌ مِن أزواج النبيِّ: إنَّها
أُضُبٌّ، فقال: النبيُّ﴾: ((كُلُوا لَيْسَ مِنْ طَعَامِي).
وفي حديث وهبٍ: ((فإنه حلال))(٢).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٨/٤، بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٦٢/٣، والطيالسي (٢١٥٣)، ومسلم (١٩٥١) (٥١)، وأبو عوانة
١٨١/٥، والبيهقي ٣٢٥/٩ من طرق عن أبي عقيل بشير بن عقبة، به.
ورواه بنحوه ابنُ أبي شيبة ٢٦٧/٨، ومسلم (١٩٥١) (٥٠)، وأبو عوانة
١٨٠/٥، والبيهقي ٣٢٤/٩ من طريق داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، به.
- ٣٨١-

كتاب الأطعمة والأشربة
٤٤٣٦- وما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال:
أخبرني يونس، ومالك، عن ابنٍ شهاب، أخبرهم عن أبي أمامةَ بنِ
سهل بن حنيف رضي الله عنه، عن ابنِ عباسٍ أن خالد بن الوليد دخل
مع النبيِّ ◌َ﴿ بيتَ ميمونة، فَأُتِيَ بَضَبٌّ مَحْنُوذٍ، فأهوى إليه رسولُ الله
﴿ يدَه، فقال بعضُ النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبرُوا رسولَ الله
* ما يريدُ أن يأكل منه، قالوا: إن ضَبٌّ، فرفع يدَهُ، فقلتُ: أحرامٌ
هو؟ فقال: ((لا، ولكنه لم يَكُنْ بأرضِ قومي، فأجدني أعَافُهُ)) فاحررتُه،
فأكلتُه ورسولُ اللهِ ﴿ ينظر إلي، فلم ينهني(١).
٤٤٣٧ - وما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عمرو بن يونس، قال: حدثني
أسباطُ بنُ محمد، عن الشِّياني، عن يزيد بن الأصم، قال: دُعِيْنَا لِعرس
بالمدينة، فَقُرِّبَ إلينا طعامٌ، فأكلناه، ثم قُرِّبَ إِلينا ثلاثةَ عشرَ ضباً، فمن
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٠٠/٤، بإسناده ومتنه.
ورواه الطيالسي (١٩٤٥)، وأحمد ٨٤/٢-١٣٧، والبخاري (٦٢٦٧)، ومسلم
(١٩٤٤)، وابن حبان (٥٢٦٤) من طرق عن شعبة، به.
(١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ) برواية أبي مصعب الزهري (٢٠٣٧)، ومن
طريقه رواه الشافعي ١٧٤/٢، ومسلم (١٩٤٥)، وابن حبان (٥٢٦٤) و(٥٢٦٧)،
والبيهقي ٣٢٣/٩، والبغوي (٢٧٩٩).
وهو في «موطأ مالك) برواية يحيى ٩٦٨/٢ عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن
سهل بن حنيف، عن عبد الله بن عباس، عن خالد بن الوليد.
ورواه البخاري (٥٥٣٧)، وأبو داود (٣٧٩٤)، والطبراني (٣٨١٦)، والبيهقي
٣٢٣/٩ من طريق مالك، من مسند خالد بن الوليد.
- ٣٨٢ -

كتاب الأطعمة والأشربة
آكِل وتاركٍ، فلما أصبحتُ، أتيتُ ابنَ عباس، فأخبرتُه بذلك، فقال
بعض من عنده: قال رسولُ اللهِ﴾: «لا آكلُه ولا أُحَرِّمُهُ، ولا آمُرُ به،
ولا أنهى عنه»، فقال ابنُ عباس: ما بُعِثَ رسولُ اللهِ وَ﴿ إِلاَّ محلّلاً أو
مُحرِّمًاً، قُرِّبِ إلى رسولِ اللهِوَ﴿ّ لحمّ، فمدّ يَدَهُ لِيَأْكُلَه، فقالت ميمونةُ:
يا رسولَ الله: إنّه لَحْمُ ضَبٌّ، فَكَفّ يده، ثم قال: ((هذا لحم لم آكله
قَطَّ)، فأكل الفضلُ بنُ عباس، وخالدُ بنُ الوليد، وامرأةٌ كانت معهم،
وقالت ميمونة: لا آكلُ طعاماً لم يأكل منه رسولُ الله ◌َ﴾(١).
٤٤٣٨- وما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا وهبٌّ،
قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن أبي بشرِ، عن سعيد بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباس
رضي الله عنهما، قال: أُهْدَتْ خالتي أمُّ حفيدٍ إلى رسولِ اللهِلَ﴿ أَقِطاً
وسمناً وأضُباً، فأكل النبيُّ ◌َ﴿ من الأقِطِ والسَّمْنِ، ولم يأْكُل من
الأضب، وأُكِلَ على مائدةِ النِّ ◌َ﴿، ولو كان حراماً، لم يُؤْكَلْ على
مائدةِ النبيِِّ﴾(٢).
(١) إسناده صحيح، ورواه في ((شرح معاني الآثار)) ٢٠٢/٤. ورواه أحمد
٣٢٦/١، والبيهقي ٣٢٣/٩ من طريق أسباط بن محمد، به. ورواه ابن أبي شيبة
٢٦٩/٨، ومسلم (١٩٤٨)، وأبو عوانة ١٧٧/٥، وابن سعد ٣٩٦/١ من طرق عن
الشبياني، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٢٢/٤.
ورواه ابن سعد ٣٩٧/١، وأحمد ٢٥٥/١ و٣٢٢ و٣٤٠ و٣٤٧، والبخاري
(٢٥٧٥) و(٥٤٠٢)، ومسلم (١٩٤٧)، وأبو داود (٣٧٩٣)، والنسائي ١٩٨/٧
وفي ((الكبرى)) (٧٤١٦)، والبيهقي ٣٢٤/٩ من طرق عن شعبة، به.
- ٣٨٣-

كتاب الأطعمة والأشربة
٤٤٣٩- وما قد حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا المُقَدَّمِيُّ، قال:
حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حَدَّثَنَا حبيبٌ المعلم، عن عطاء، عن أبي
هُريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ : ﴿ أُتِيَ بِصَحْفَةٍ فيها ضِبَاب، فقال: ((كُلوا
فإنّي عائف)).
ففيما ذكرنا ما قد دَلَّ على إباحةِ أكلٍ لحم الضبِّ، وكل ما
رُوِيَ في هذا سوى ذلك، ففيما روينا في هذا الباب ما يجزئ منه، والله
عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
٦٢٣ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قوله:
((إذا سَقَّطَ الذُّبَابُ في طعامٍ أَحَدِكُمْ، فَلْيَمْقُلْهُ ثُم يُلِقِيهِ، فإنَّ في
أحدٍ جَنَاحيه شِفاءٌ، وفي الآخر داءً، وإنَّما يُقدِّمُ الدَّاء، ويُؤخِّرُ
الشفاء»
٤٤٤٠- حَدَّثْنَا يونسُ بن عبد الأعلى وبَخْرُ بنُ نصر، قالا:
حَدَّثَنَا عبدُ الله بن وهب، قال: أخبرني ابنُ أبي ذئبٍ، عن سعيد بن
خالد القَارِظي، قال: أتيتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن أزوره بِقُبَاء، فقدم
إلينا زُبدُ وكُتَلَة، فسقط في الزُّبد ذُبَابٌ، فجعل أبو سلمة يَمْقُلُه
بخنصره، فقلت: غَفَرَ اللهُ لك يا خالُ ما تصنعُ؟ فقال: إني سمعتُ أبا
ورواه النسائي ١٩٩/٧ في ((الكبرى)) (٤٧١٧)، من طريق هشيم، وأبو يعلى
(٢٣٣٥) من طريق أبي عوانة، كلاهما عن أبي بشر، به. ورواه ابن سعد ٣٩٥/١،
وأحمد ٢٥٩/١ من طريق واقد أبي عبد الله الخياط، عن سعيد بن جبير، به.
- ٣٨٤ -

كتاب الأطعمة والأشربة
سعيدٍ الخدري يقول: قال رسولُ اللهِلَ ﴿: ((إذا سَقَطَ الذُّبَابُ في
الطعام، فامْقُلُوهُ، فإنَّ في أحدٍ جَنَاحِيهِ سماً، وفي الآخرِ شِفاءً، وإنْهُ
يُقدِّمُ السُّمَّ، وَيُؤْخِّرُ الشفاء)(١).
٤٤٤١ - وحَدَّثَنَا بكارٌ وإبراهيمُ بن مرزوق، قالا: حَدَّثْنَا أبو
عامر العقدي، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن سعيد بن خالد، عن أبي سلمة
بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ
الله:﴿: (إذا وَقَعَ الذُّبَابُ في الطَّعَامِ، فَامْقُلُوهُ))، ثم ذكر مثله.
٤٤٤٢- وحَدَّثَنَا الحسين بن نصر، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن أبي
مريم، قال: أخبرنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثني عتبةُ بنُ مسلم، عن
عُبَيْدِ بنِ حُنين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله:﴿ أَنَّه
قال: ((إذا وَقَعَ الذَُّابُ فِي شَرابِ أحدِكُم، فَلْيَغْمِسْهُ كُلُّهُ ثم يَطْرَحُ،
فإِنَّ في أحدٍ جَنَاحَيْةِ سُماً، وفي الآخرِ شِفاءٌ)(٢).
٤٤٤٣- وحَدَّثَنَا أبو أمية، قال: حَدَّثَنَا عفان بنُ مسلمٍ، قال:
حَدَّثَنَا حماد، قال: حَدَّثْنَا ثمامةُ بن عبد الله بن أنس، عن أبي هريرة
(١) إسناده صحيح، ورواه الطيالسي (٢١٨٨)، وأحمد ٢٤/٣ و٦٧، والنسائي
١٧٨/٧-١٧٩، وأبو يعلى (٩٨٦)، وعبد بن حميد (٨٨٤)، وابن ماجه (٣٥٠٤)،
وابن حبان (١٢٤٧)، والبغوي (٢٨١٥) من طرق عن ابن أبي ذئب، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٣٩٨/٢، والبخاري (٣٣٢٠) و(٥٧٨٢)،
والدارمي ٩٨/٢-٩٩، وابن ماجه (٣٥٠٥)، وابن الجارود (٥٥)، والبيهقي في
(«السنن)) ٢٥٢/١، وفي (الشعب)) (٦٠٢٨)، والبغوي (٢٨١٣) و(٢٨١٤) من طرق
عن عتبة بن مسلم، به.
- ٣٨٥-

كتاب الأطعمة والأشربة
رضي الله عنه، عن النبيِّم®، قال: وحَدَّثْنَا حماد، عن حبيب بن
الشهيد، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﴿ مثله.
٤٤٤٤- وحَدَّثَنَا محمد بنُ عبد الله بن عبد الحكم، قال: حَدَّثَنَا
إسماعيلُ بنُ مرزوق، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن محمد بن
العجلان، أن القعقاعَ بنَ حكيم أخبره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة،
عن النبيَِّ ﴿ مثلَه. وزاد: ((فإنما يُتقى بالذي فيه الداءُ، فليغمسه ثُمَّ
يُلْقِهِ».
٤٤٤٥- حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أبو عمر الْحَوْضِيُّ،
قال: حَدَّثْنَا مُرَجَّى بنُ رجاء، قال: حَدَّثَنَا هشامٌ القُردوسي، عن محمد
بنٍ سيرين، عن أبي هُريرة رضي الله عنه، عن النبيِّنَ ﴿، قال: ((إذا وَقَعَ
الذُّبابُ في إناء أحدِكم، فَلْيَغْمِسْهُ، فإِنَّ فِي أَحَدٍ جَنَاحَيْهِ داءً، وفي
الآخرِ شِفاءً).
٤٤٤٦- وحَدَّثْنَا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حَدَّثْنَا حامدُ بنُ يحيى،
قال: حَدَّثَا سفيانُ، عن ابنِ عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي
الله عنه مرفوعاً، قال: (إذا وَقَعَ الذُّبَابُ في إناء أحدِكُمْ، فَلْيَغْمُرْهُ، فإنَّ
في أحَدٍ جَنَاحَيْهِ سَّاً، وفي الآخرِ شِفاءً)).
فقال قائلٌ من أهل الجهل بآثارِ رسولِ الله ﴿ وبوجوهها: وهل
للذُّبابِ من اختيارِ حتى يُقَدِّمَ أَحَدَ جناحَيْهِ لمعنى فيه، ويؤخر الآخر
لمعنى فيه خلاف ذلك المعنى.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنه لو قرأ
كتابَ الله عَزَّ وجَلَّ قِراءةَ مُتفهمٍ لما يقرؤه منه، لوحد فيه ما يَدُلُّه على
-٣٨٦-

كتاب الأطعمة والأشربة
صِدْقِ قولِ رسول الله ﴿ هذا، وهو قولُه جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَأَوْحَى ◌ُّكَ إِلى
الَّخْلِأَنِ اَتَّخِذِ مِنَ الِبَالِبُونَ، وَالشَّجَرِ، وَمِعَاكِشُونَ، ثُمَّكُلِ مِنْ كُلِّ
الثَمَرَاتِ﴾ [النحل: ٦٨] الآية. وكان وحيُ الله عَزَّ وجَلَّ إليها هو إلهامَه
إيَّها أن تفعل ما أمرها به، كمثلٍ قوله جل وعزَّ في الأرض: ﴿أَوْصِذٍ
تُحدّثُ أَخْبَارَهَا، بأنَّ ◌َبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤-٥]، ووحيُه لها: هو
إلهامُه إِيَّاها ما شاء أن يُلهمها إِيَّه حتى يكون منها ما أراد عَزَّ وجَلَّ أن
يكونَ منها، والنحل كذلك فيما يُوحيه إليها لِيكون منها ما قد شاء الله
عَزَّ وجَلَّ أن يكونَ منها حتى يمضي في ذلك بإلهامه إيَّها له، وحتّى
يكونَ منها ما أراد الله عَزَّ وجَلَّ أن يكونَ منها.
فمثل ذلك الذبابُ ألهمه عَزَّ وجَلَّ ما ألهمه مما يكون سبباً لإتيانه
لما أراده منه مِنْ غمسٍ أحد جناحيه فيما يقعُ فيه مما فيه الداءُ، والتوقي
بجناحه الآخر الذي فيه الشّفَاءُ، ومن ذلك قولُه عَزَّ وحَلَّ مما أخبر به
عن النحل: ﴿حَتَّى إذا أَنَوْا على وَدِي النَّعْلِ قَالَتَّ ◌َلَّةٌ يَا أُهَا الَّهْلُ ادْخُلُوا
مَسَاكِنَكُمْلا يَخْطَِّّكُمْ سَلَيْمَانُ وجُنُودُهُ وهُمْلاَ يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:
١٨]، فألهمها الله عَزَّ وجَلَّ ما كان منها من ذلك مما يكونُ سبباً
لِنجاتها ونجاةٍ أمثالها من سليمان ﴿ ومن جنودِهِ، فمثل ذلك ما رُوِيَ
عن النبيِّ﴿ في الذُّباب مما ذكرنا.
ومثلُ ذلك ما قد أعلمنا عَزَّ وجَلَّ في الهُدْهُدِ مع سليمانَ﴿ من
قوله: ﴿إِنِي وَجَدْتُ امرأةٌ تَعِِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣] الآية، وكان ذلك
الإلهامِ الله عَزَّ وجَلَّ إِيَّه ذلك، ولم يكن قبلَه مِن أهل الكلام حتى ألهمه
-٣٨٧ -

كتاب الأطعمة والأشربة
ما ألهمه مما نطقه به. فمثلُ ذلك ما قد رويناه عن رسول الله 8# في
الذباب مما ذكرنا، وفيما تلونا مما في كتاب الله عَزَّ وجَلَّ في النحل، وفي
النمل ما قد دَلَّ على أن سائرَ الأشياءِ كذلك، وأن الله عَزَّ وجَلَّ يُلمُها
ما شاء إذا شاء حتى يكونَ بما يُلهمها من ذلك لِغيرها من سائر خلقه
مما هو معروفٌ قبلَ ذلك بمثل ما كان من ذلك الإِلهام. والله عَزَّ وجَلَّ
نسأله التوفيق.
٦٢٤ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله % في لحوم
الخيل من كراهةٍ ومن إباحةٍ من حديث جابر بن عبد الله
٤٤٤٧ - حَدَّثْنَا المزنيُّ، قال: حَدَّثْنَا الشافعيُّ، عن سفيان، عن
عمرو بن دِينارِ، سَمِعَ جابر بن عبدِ الله يقول: أطعَمَنا رسولُ الله ◌َُّ
لُحومَ الخَيْلِ، وَنَهانا عن لُحُمِ الحُمُرِ (١).
فكان هذا الحديثُ مذكوراً فيه سماعُ عمرو بن دينار من جابر بن
عبد الله، ولم يَسْمَعْ ذلك في غيرِ هذه الرواية.
٤٤٤٨ - وما قد حَدَّثَنَا بِكَّارُ بنُ قتيبة، قال: حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن
بشار، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن عمرو، عن جابرٍ، عن النبيِّ ◌ُ﴾، ثم ذكر
مثْلَه(٢).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((سنن الشافعي)) (٥٩٨)، ورواه الحميدي
(١٢٥٤)، وابن أبي شيبة ٢٥٦/٨، وعبد الرزاق (٩٧٣٤)، والترمذي (١٧٩٣) من
طريق سفيان بن عيينة، به.
(٢) صحيح، وهو مكرر ما قبله.
-٣٨٨ -

كتاب الأطعمة والأشربة
فلم يكن في ذلك ذكرُ سماعٍ لعمرو إيّاه من جابرٍ.
٤٤٤٩- وقد حَدَّثْنَا محمد بنُ النعمان السَّقَطِي، قال: حَدَّثَنَا
الْحُمَيْدي، قال: حَدَّثْنَا سفيان، قال: حَدَّثْنَا عمرو، قال: قال جابر بن
عبد الله: ثم ذكر هذا الحديث.
فطلبنا حقيقته: هل هو سماعٌ لعمرو مِن جابر، أو ليس بسماع له
منه؟
٤٤٥٠ - فوجدنا مُحَمَّدَ بنَ النعمان قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا
الْحُمَيْديُّ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، قال: حَدَّثْنَا عمرٌو، قال: قال جابرُ بنُ
عبدِ الله: نهى رسولُ الله ﴿ عن الْمُخَابَرَةِ.
قال سفيانُ: وكُلُّ شيءٍ سمعتُه من عمرو بن دينار - يعني من
حديث جابرٍ- قال لنا: سمعتُ جابرَ بنَ عبد الله إلا هذين الحديثين، فلا
أدري أَبَيْنَهُ وبَيْنَ جابرٍ فيهما أحدٌ أم لا.
ثم التمسناه مِن رواية غيرِ سفيان عن عمرو
٤٤٥١- فَوَجَدْنا أبا أُمية قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سابقٍ،
قال: حَدَّثْنَا ورقاءُ، عن عمرو بنِ دينارٍ، عن جابرِ بنِ عبد الله رضي الله
عنهما، عن رسولِ الله ﴿، ثم ذكر هذا الحديثَ.
فلم يكن في ذلك ما يدلُّ على ما تقومُ به الحجةُ في حقيقة هذا
الحديث، ثم التمسنا ذلك أيضاً
٤٤٥٢- فوجدنا أبا أُمية قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا خالدُ بنُ مخلد
القَطَوَاني، قال: حدثني محمدُ بنُ مسلمٍ الطائفي، قال: حدثني عمر بنُ
دينار، قال: سَمِعْتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: حَرَّمَ رسولُ اللهِ :﴿ يَوْمَ
-٣٨٩-

كتاب الأطعمة والأشربة
خَيْبَرَ لُحُومَ الحُمرِ الأَهْلِيّةِ، وأحَلَّ لحومَ الخَيْلِ.
فلم يَكْنُ هذا عندنا أيضاً مما نقطع به على أن حقيقةَ الأمر في هذا
الحديث هي سماعُ عمرو إِيَّاه من جابر لِتقصيرِ محمد بنِ مسلمٍ عن
استحقاق مثل ذلك، فالتمسناه في حديث غيره.
٤٤٥٣- فوجدنا يزيدَ بنَ سنان قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ
بكر البُرسَاني، قال: حَدَّثْنَا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بنُ دينارِ،
عن رجلٍ، عن جابرِ بنِ عبد الله رَضِيَ الله عنهما، قال: كنا قد حملنا في
قُدورنا لحومَ الخيلِ ولحومَ الحُمُر، فأمرنا رسولُ الله :﴿ أن نأْكُلَ لُحُومَ
الخَيْلِ، ونهانا أنْ نَأْكُلَ لُحُومَ الحُمُرِ (١).
فوقفنا بذلك على أن أصلَ هذا الحديثِ ليس بسماع عمرو إياه
من جابر، وأن بينَه وبينَه فيه رجلاً، غير أنه قد يحتمِلُ أن يكونَ ذلك
الرجل ممن تُقبل روايْتُه، وتقومُ بمثلها الحُجَّةُ، وقد يكونُ بخلافِ ذلك،
فالتمسنا ذلك
٤٤٥٤- فوجدنا أحمد بن أبي داود قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا
سليمان بن حرب (ح)، ووجدنا الربيع بن سليمان قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثَنَا أسد، قالا: حَدَّثَا حَمَّاد بنُ زيدٍ، عن عمرو بنِ دينارٍ، عن محمد
بنِ علي بنِ حسين، عن جابر بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال:
أُطْعَمَنَا رسولُ اللهِ﴿َّ لُحُومَ الخَيْلِ، ونهانا عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ(٢).
(١) رواه أبو داود (٣٨٠٨) من طريق ابن جريج به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٣٦١/٣، والدارمي ٨٧/٢، والبخاري
- ٣٩٠ -

كتاب الأطعمة والأشربة
فصار هذا الحديثُ مستقيمَ الإسنادِ من حديث عمرو، ثم نظرنا:
هل رواه عن جابر بنِ عبد الله أحدٌ بموافقة هذا المعنى؟
٤٤٥٥- فوجدنا يونسَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبدٍ،
قال: حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله بن عمرو، عن عبدِ الكريم الجزري، عن عطاء بن
أبي رباح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كُنَّا نأُكُلُ
لَحومِ الخَيْل على عَهْدِ رسولِ الله ◌ِ(١).
٤٤٥٦- ووجدنا فهداً قد حُدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا ابنُ الأصبَهاني،
قال: أنبأنا شريك، عن عبد الكريم. ووكيع، عن سفيان، عن عبدٍ
الکریم، ثم ذ کر مثله.
فاتّفقَ محمدُ بنُ علي بنِ حسين، وعطاء، عن جابر بنِ عبد الله في
إباحةٍ لحومٍ الخيل.
(٤٢١٩) و(٥٥٢٠) و(٥٥٢٤)، ومسلم (١٩٤١)، وأبو داود (٣٧٨٨)، وابن
الجارود (٨٨٥)، وأبو يعلى (١٩٩٨)، والبيهقي ٣٢٦/٩-٣٢٧، والبغوي (٢٨١٠)
من طرق عن حماد بن زيد، به.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ٢١١/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه النسائي ٢٠١/٧ عن علي بن حُجر، عن عبيد الله بن عمرو، ب+ز
ورواه النسائي ٢٠٢/٧، وابن ماجه (٣١٩٧)، والدارقطني ٢٨٨/٤ من طرق
عن سفيان الثوري، عن عبد الكريم، به. ورواه عبد الرزاق (٨٧٣٣)، ومن طريقه
ابن ماجه (٣١٩٧) عن معمر وسفيان، كلاهما عن عبد الكريم، به.
ورواه الدارقطني ٢٨٨/٤، والبيهقي ٣٢٧/٩ من طريق فرات بن سلمان، عن
عبد الکریم الجزري، به.
- ٣٩١-

كتاب الأطعمة والأشربة
٤٤٥٧- وقد حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان أيضاً، قال: حَدَّثَنَا أبو
عاصمٍ، عن ابنِ حُريج، قال: أخبرني أبو الزبير، سَمِعَ جابراً يقول:
أكلنا زَمَنَ خيبر لحومَ الخيلِ وحُمُرَ الوحشِ، ونهانا رسولُ اللهِلَ ا عن
أكلِ الحِمَارِ الأهلي.
فعاد ما رُوِيَ عن جابرٍ في حِلِّ لحوم الخيلِ إلى رواية محمد بن
علي بن حسين وعطاء وأبي الزبير ذلك عنه.
فقال قائل: فقد رُوِيَ عن جابر بنِ عبد الله، عن النبيِّلَ﴿ٌ ما
يُخالِفُ ذلك.
٤٤٥٨- فذكر ما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي بنِ داود، قال: حَدَّثَنَا
عاصمُ بنُ علي، قال: حَدَّثْنَا عكرمةُ بنُ عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كثير،
عن أبي سَلمَةَ بنِ عبد الرحمن، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: لما كان يومُ
خيبرَ أصاب الناسَ مجاعةٌ، فأخذوا الحُمُرَ الأهلِيَّةَ، فذبحوها، وملؤوا منها
القدورَ، فبلغ ذلك النِيََّ﴿ٌ، فأمرنا رسولُ الله ◌َ، فَكَفَأْنَا يومئذٍ
القُدورَ، وقال: «إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ سيأتيكُم برزق هو أحلُّ من هذا
وأطيبُ)، فكفأنا يومئذٍ القدورَ وهي تغلي فحرَّمَ رسولُ اللهِلَّ الحُمُرَ
الإِنسيةَ، ولحومَ الخيلِ والبغال، وكلَّ ذي ناب مِن السباع، وكل ذي
مِخْلَبٍ من الطير، وحَرَّمَ الْمُحَثِّمَةَ وَالْخَلِيسَةَ وَالْنُّهْيَةُ(١).
(١) إسناده ضعيف. عكرمة بن عمار: قال أحمد: مضطرب الحديث عن يحيى بن
أبي كثير، وذكر نحو هذا القول عن ابن المديني والبخاري وأبي داود. وانظر حديث
أسماء التالي.
-٣٩٢-

كتاب الأطعمة والأشربة
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أن أهلَ
الحديث يُضعِّفُون حديثَ عكرمة عن يحيى، ولا يجعلونه في حجةً،
كذلك قال غيرُ واحدٍ منهم، ولو كان فيه حدة، لكان خلافُ محمد بنِ
علي بن حسين، وعطاء بن أبي رباح، وأبي الزبير، عن جابر له في
ذلك، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جابر، أولى مما رواه فيه يحيى، عن
أبي سلمة، عن جابر، لأن ثلاثة أولى بالحفظ من واحد، والله نسألُه
التوفيقَ.
٦٢٥ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله # من غير
حديث جابر بن عبد الله في لحوم الخيل عن كراهة ومن
إباحة
حَدَّثْنَا أبو القاسم هشام بن محمد بنِ قرة بن أبي خليفة الحِميري،
قال: حَدَّثْنَا أبو جعفر أحمدُ بمنُ محمد بنِ سلامة الأزديُّ، قال:
٤٤٥٩ - حَدَّثَنَا محمد بنُ عمرو بن يونس الثعليُّ الكوفيُّ المعروفُ
بالسُّوسي، قال: حَدَّثَنَا أبو معاوية الضريرُ، عن هشام بن عروة، عن
امرأته فاطمة بنتِ المنذر، عن أسماء ابنةٍ أبي بكرِ رَضِيَ الله عنها، قالت:
انْتَحَرْنا فَرَساً على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ﴿ فَأَكَلْنَاهُ (١).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢١٠/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه عبد الرزاق (٨٧٣١)، والشافعي ١٧٢/٢، والبخاري (٥٥١٩)، ومسلم
(١٩٤٢)، والدارمي ٨٧/٢، وأحمد ٣٤٥/٣ و٣٤٦ و٣٥٣، وابن أبي شيبة
-٣٩٣-

كتاب الأطعمة والأشربة
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث إخبارُ أسماء بما أخبرت به فيه مما
كان منهم على عهدِ رسولِ اللهِمَ﴿، ففي ذلك حُجَّةٌ لمن أباح لحومَ
الخيل في إباته أكلها.
وقد رُوِيّ عن خالد بنِ الوليد عن رسول الله :﴿- النهيُ عن أكلها
٤٤٦٠- كما قد حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان الأزدي الجيزي، قال:
حَدَّثْنَا أبو نُعيم (ح) وكما حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بنُ عمرو الدمشقي أبو
زُرْعة، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ عبدِ ربِّه وخالدُ بنُ حَلِيٍّ قالوا: حَدَّثَنَا بقيةُ
بنُ الوليد، عن ثورٍ بنِ يزيد، عن صالحٍ بن يحيى بن المقدام، عن أبيه،
عن جدِّه، عن خالدٍ بن الوليد رَضِيَ الله عنه أن رسولَ الله ◌ُ﴿ نهى عن
أكلِ لحومِ الخيلِ والبغالِ والحَمِيرِ(١).
٢٥٥/٨-٢٥٦، وابن ماجه (٣١٩٠)، وابن الجارود (٨٨٦)، والدارقطني ٢٩٠/٤،
والبيهقي ٣٢٧/٩، وابن حبان (٥٢٧١) من طرق عن هشام بن عروة، به.
(١) إسناده ضعيف. بقية بن الوليد كثير التدليس عن الضعفاء، وقد انفرد به،
وصالح بن يحيى قال البخاري: فيه نظر، وذكره العقيلي وابن الجوزي وابن الجارود في
(الضعفاء)، وأبوه يحيى لم يرو عنه غير ابنه، ولم يوثقه غيرُ ابن حبان.
ورواه ((شرح معاني الآثار)) ٢١٠/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٨٩/٤، وأبو داود (٣٧٩٠)، والنسائي ٢٠٢/٧، وفي ((الكبرى)) كما
في ((التحفة) ١١٢/٣، وابن ماجه (٣١٩٨)، ويعقوب بن سفيان ٣٥٧/٢، والبيهقي
٣٢٨/٩، والدارقطني ٢٨٦/٤، والطبراني (٣٨٢٦) من طرق عن بقية، به.
قال أبو داود: هذا منسوخ.
وقال النسائي كما في ((التحفة)): الذي قبله (يعني حديث جابر في إباحة أكل لحوم
-٣٩٤-

كتاب الأطعمة والأشربة
ففي هذا الحديثِ النهيُ عن أكلٍ لحوم الخيل، فأما أكثرُ الآثار
المروية في لحوم الخيل والصحيح منها، ما روي في إباحة أكلٍ لحومها
مما قد رويناه في هذا الباب، ومما قد رويناه في الباب الذي قبله من
کتابنا هذا.
وإن رجعنا إلى ما يُوجبه النظُر في ذلك، كان هو النهي عن أكلِ
لحومها، وذلك أنا وجدنا الأنعامَ المباحَ أكلُ لحومِها ذوات أخفافٍ
وذواتٍ أظلافٍ، ووجدنا الحُمُرَ الأهليةَ المنهي عن كل لحومها، والبغال
المنهي عن أكل لحومها ذواتٍ حوافر، وكانت الخيل المختلف في أكل
لحومها ذواتِ حوافر، فكانت ذواتُ الحوافر المختلفُ في أكل لحومها
بذوات الحوافرِ المنهي عن أكل لحومها أشبَه منها بذوات الأخفاف
وذواتٍ الأظلاف المباح أكل لحومها.
وقد كان أبو حنيفة ومالك بن أنس يذهبان إلى هذا القول
كما قد حَدَّثَنَا محمدُ بنُ العباسِ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال:
حَدَّثْنَا محمدُ بنُ الحسن، قال: حَدَّثْنَا يعقوبُ، عن أبي حنيفة، قال:
أكره أَكْلَ لحمِ الفَرَسِ.
وكما قد حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ
وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، قال: أحسنُ ما سَمِعْتُ في الخيل
الخيل) أصحُّ من هذا، ويشبه إن كان صحيحاً أن يكون منسوخاً، لأن قوله في
حديث جابر: ((وأذن في لحوم الخيل)) دليل على ذلك، قال: ولا أعلم رواه غير بقية.
- ٣٩٥-

کتاب الأطعمة والأشربة
والبغال والحمير أنها لا تُؤْكَلُ، لأنَّ الله عَزَّ وجَلَّ قال: ﴿وَالْخَيْلَ والبغَالَ
والحمير كتير كبوها وزينة﴾ [النحل: ٨]، وقال تبارك وتعالى في الأنعام:
◌ِلِتَرْ كَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْسِكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩]، وقال تَبَارَكَ وتعالى:
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ الّه يَ أَيَاءِ مَعْلُومَاتٍ على ما مهَهُمْ مِنْ بَهِمَةِ الأَْماءِ
فَكُلُوا مِها وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الَفَّقِ﴾ [الحج: ٢٨].
قال مالك: فذكر الله عَزَّ وجَلَّ الخيلَ والبغالَ والحميرَ للركوب
والزينةِ، وذكر الأنعامَ للركوب والأكلِ منها، قال مالك: وذلك الأمرُ
عندنا.
فأما أبو يوسف ومحمدُ بنُ الحسن، فكانا يذهبان في ذلك إلى
إباحةٍ أكلٍ لحومها.
كما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ العباس، قال: حَدَّثْنَا عليٍّ، قال: حَدَّثَنَا
محمد، فذكر ما قد حكيناه عنه أيضاً.
فتأملنا ما حُكِيّ عن مالك مما احتجَّ به في كراهية لحومِ الخيل من
أن الله عَزَّ وجَلَّ إنما خلقها للركوب والزينة، هل ذلك مما يمنع أكل
لحومها أم لا؟ فوجدنا الله عَزَّ وجَلَّ قد قال في كتابه: ﴿وَلا يَزَلُونَ مُخْتَلِفِينَ
إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨-١١٩]، فلم يكن ذلك
مانعاً من أن يكون أيضاً قد خلقهم لِغير ذلك، إذ كانَ الله عَزَّ وجَلَّ قد
قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَ لَيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦]، فعقلنا بذلك
أنهم مخلوقون لِما ذكر خلقه إيّاهم في كُلِّ واحدةٍ من هاتين الآيتين.
-٣٩٦-

كتاب الأطعمة والأشربة
ولما كان ذلك كذلك، كان مثلَه قولُه جل وعز: ﴿ وَالَخَيْلَ والبغَالَ
والحَسِ كِرِ كبوها وزِنَةٌ﴾ لا يمنع أن يكونَ خلقها لِذلك، وَلِما سواه مما
أباحه من أفعال رسول الله : ﴿ من إطعامه الناسَ لحومها.
ومثلُ ذلك ما قد وجدناه في سنة رسول الله مُ﴿ مما يَدُلُّ على هذا
المعنى أيضاً.
٤٤٦١- كما قد حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أنبأنا ابنُ وهبٍ، قال:
أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهابٍ، قال: حدثني سعيدُ بنُ المسيب
وأبو سلمة بنُ عبد الرحمن، أنهما سمع أبا هريرة رَضِيَ الله عنه يقولُ:
قالَ رسولُ اللهِوَ ﴿: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةٌ قد حَمَلَ عليها، التفتت
إليه البقرةُ، فقالت: إنّي لم أُخْلَقْ لِهِذا إنما خُلِقْتُ لِلحَرْثِ)) فقال
الناسُ: سُبحانَ اللهِ تعجباً، وفَزِعُوا: بقرةٌ تَتَكَلَّمُ! فقال رسولُ اللهِ صَلّ:
((فإِنّي أُؤْمن بِه وأبو بكرٍ وعُمَرُ))(١).
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث الإخبارُ من البقرة التي
أُنطقها الله عَزَّ وجَلَّ بما أنطقها به، ليكونَ ذلك منها مما يُؤْمِنُ به
(١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢٣٨٨) من طريقين عن ابن وهب، به.
ورواه مسلم (٢٣٨٨) وابن حبان (٦٤٨٥) من طريق سفيان الثوري، عن أبي
الزناد، عن الأعرج، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
ورواه أحمد ٢٤٥/٢ - ٢٤٦، وفي ((فضائل الصحابة)) (١٨٣)، والحميدي
(١٠٥٤)، والبخاري (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨)، والبغوي (٣٨٨٩) من طريق
سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، به.
-٣٩٧-

كتاب الأطعمة والأشربة
المؤمنون، وكان الذي نطقت به حقاً، إذ كان رسولُ الله{﴿ قد صدَّق
وآمَنَ به، وأخبر أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما يُؤْمِنان به، ولما كان
ذلك كذلك وكانت مخلوقةً لما خُلِقَتْ له في هذا الحديث مخلوقة مع
ذلك لأكل لحومها لما ذكره الله عَزَّ وجَلَّ مما تلاه مالكٌ رحمه الله في
الأنعام المأكولَةِ، كان مثلَ ذلك الخيلُ، في مخلوقة لما ذكرت له في الآية
التي تلاها فيه من الركوب والزينة، ومخلوقةٌ لما سوى ذلك مِن أكل
لحومها التي أطعمها رسولُ اللهِ ﴿ أصحابَه.
وليس ما قد روينا مِن حديث خالد بن الوليد مما يُعارَضُ به ما
رويناه في ضده عن جابر بن عبد الله في الباب الذي قبل هذا الباب،
والله نسأله التوفيق.
٦٢٦ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول اللهِ ﴾ في السَّمك
الطّافي مِن المنع من أكلِهِ وما رُوِي عنه مما استدل به قومٌ
على إباحة ذلك
٤٤٦٢- حَدَّثَنَا الربيعُ بن سليمان المراديُّ، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بنُ
موسى، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ عيَّاشِ، قال: حَدَّتْنَا عبدُ العزيز بن عُبيدٍ
الله، عن وهب بن كيسان ونُعَيْمٍ بنِ عبد الله، عن جابر بنِ عبدِ الله،
عن رسولِ الله ﴿، قال: ((ما حَسَرَ عنه البَحْرُ فَكُلْ، وما ألْقَى فَكُلْ،
وما وَجَدْتَهُ ميتاً طافياً فَوْقَ الماءِ، فلا تَأْكُلْ)(١).
(١) إسناده ضعيف. عبد العزيز بن عبيد الله بن صهيب الحمصي، ضعيف لم يرو
- ٣٩٨-

كتاب الأطعمة والأشربة
٤٤٦٣- وقد حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا عليّ بنُ عياش
الحمصي، قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ عياش، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه.
٤٤٦٤- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبدةَ، قال:
حَدَّثَنَا يحيى بنُ سُلَيْمِ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بن أُمَيَّةَ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن
جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ اللهِمَ﴿: «مَا أَلْقَى الْبَحْرُ أو جَزَرَ
عنه فَكُلُوُه، وما طفَا فلا تَأْكُلُومِ)(١).
عنه غير إسماعيل بن عياش.
ورواه الدارقطني ٢٦٧/٤-٢٦٨ من طرق عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن
عياش، به، ثم قال: تفرد به عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب، وعبد العزيز ضعيف
لا يحتج به.
وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) ٤٦/٢: سألت أبا زرعة عن حديث رواه إسماعيل
بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله،
عن النبي # ... فقال أبو زرعة: هذا خطأ إنما هو موقوف على جابر فقط، وعيد
العزيز بن عبيد الله واهي الحديث.
(١) إسناده ضعيف. يحيى بن سُليم سيئ الحفظ كما في ((التقريب))، وأبو الزبير
مدلس، وقد عنعن. ورواه أبو داود (٣٨١٥)، وابن ماجه (٣٢٤٧)، والدارقطني
٢٦٨/٤، والبيهقي ٢٥٥/٩-٢٥٦ من طريق أحمد بن عبدة، به.
وقال أبو داود بإثره: روى هذا الحديث سفيان الثوري وأيوب وحماد عن أبي
الزبير، أوقفوه على جابر، قال: وقد أسند هذا الحديث أيضاً من وجه ضعيف عن ابن
أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن النبي #، وهو الذي أشار إليه أبو داود.
ورواه الترمذي في ((العلل الكبير)) ٦٣٦/٢ عن الحسين بن يزيد، أخبرنا حفص بن
غياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي يد، قال: ((ما اصتطدتموه
-٣٩٩ -

كتاب الأطعمة والأشربة
فذهب قومٌ إلى كراهةٍ أكل ما طفا مِنَ السَّمكِ، ومنعوا من
ذلك، وجعلوا حُكمه كحكم اللحمِ الذي أنتَنَ، فمنع رسولُ الله ◌ُ ﴿
بذلك مِن أَكْلِهِ على ما قد ذكرنا في حديث أبي ثعلبة الذي رويناه في
البابِ الذي قبلِ هذا الباب، ورووا في ذلك أيضاً عن رسول الله {8* مِن
ما يُوافق هذا المعنى
٤٤٦٥- ما قد حَدَّثَنَا محمد بن خزيمة، قال: حَدَّثْنَا الحجاجُ بن
المنهال، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن ميسرة،
أن علياً رضي الله عنه قال: ما قَذَفَ البَحْرُ حَلالٌ، وكان يكره الطافي
من السَّمَكِ.
٤٤٦٦- وما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ الحسن الكوميُّ، قال: حَدَّثْنَا
يعقوبُ بن إسحاق الحضرميُّ، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن
السائب، عن زاذان وميسرة، أو أحدهما، عن علي أنّه كَرِهَ الطّافي مِن
السَّمَكِ.
٤٤٦٧- وما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عبدُ
الصَّمَدِ بنُ عبد الوارث، قال: حَدَّثْنَا همَّام بنُ يحيى، قال: حَدَّثَنَا عطاءُ
بنُ السائب، عن ميسرة، عن عليّ عليه السَّلامُ، قال: كُلْ ما قَذَفَ
البَحْرُ، وما طَفَا فلا تَأْكُلْ.
وهو حَيٌّ فكلوه، وما وجدتموه ميتاً طافياً فلا تَأكُلُوه).
قال الترمذي: سألتُ محمداً عن هذا الحديث، فقال: ليس هذا بمحفوظٍ، ويُروى
عن جابر خلاف هذا، ولا أعرف لابنٍ أبي ذئب عن أبي الزبير شيئاً.
- ٤٠٠-