Indexed OCR Text
Pages 641-660
كتاب السيرة . قلوب مَنْ سِواه من بني آدم، فيما قد كانَ ثَّا قد حَرَتِ العادةُ فيه بخلافِهِ ما ذكر في الحديثِ الأُوَّلِ الَّذي قد ذكرناه في أوَّلِ هذا الباب، ثم لَّا أطلَعَهُ الله على حقيقة موتِ النجاشي في اليوم الذي كانتْ وفاتُه فيه، كان منه ما أخبرَ الناسَ به مما ذُكِرَ في الفصل الثاني من هذا الباب، وأمَّا ما كان منه عليه السَّلامُ في إعطائه أمَّ سلمةَ بعضَ الهديةِ التي رُدَّتْ إليه، وإعطائه بقيَّتَها مَنْ سِواها من أزواجِهِ بعدَ تَقَدُّمٍ وعده إيَّها بها كُلِّها، فإنَّ ذلك ثَمّا قد يَجُوزُ أنْ تَكونَ الهدية لَّا رُدَّتْ إليه بَذَلَها لأمّ سلمةً كما كان وَعَدَها بهان ثم لم تَقْبِلْها إلا بإدخالِهِ بقيةً نسائه معها فيها كراهية استئثارها عليهنَّ، كما كان من الأنصار لما دَعَاهُم لِيقطع لهم مِن البحرينِ ما أراد أن يقطعَهُ لهم مِن ذلك، فقالوا: لا نفعل حتى تَقْطَعَ لإِخواننا من المهاجرينَ مثلَ الَّذِي قَطَعْتَهُ لنا من ذلك كراهية الاستئثارِ عليهم ثَمّ قاله رسولُ اللهِ﴿ لهم، وسنذكُرُ لك بإسناده فيما هو أوْلَى به من هذا الموضع من كتابنا هذا إنْ شاء الله، فكانَ ما فَعَلَهُ رسولُ اللهِ مَ﴿ في أمرٍ أُمِّ سَلَمَةً يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ على هذا المعنى، وفي ذلك ما قَدْ أوجب لها جلالةَ الرتبة، وحسنَ الصحبة لصواحباتها من أزواج النبي عليه السَّلامُ. - ٦٤١- كتاب السيرة ٥٣٥- باب بیان مشکل ما روي عن رسول الله ﴾ من قوله: «ما بعث الله من نبيّ ولا استخلَفَ من خَليفةٍ إلاّ وله بطَانتان: بِطَانةٌ تأمُرُه بالخير وتَحضُّه عليه، وبِطانَةٌ لا تألوه خَبَالاً) ٣٧٦٩- حدَّثْنَا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدَّثَنَا أبي وشُعَيْب بن اللَّيْث حدَّثَنَا هارونُ بنُ كاملٍ، قال: حدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: كلُّ واحد منهم: حدَّثَنَي الليثُ، قال: حدَّثَنَي عُبيد الله بن أبي جَعْفر، قال: حدَّثَّنَي صَفْوان، عن أبي سَلمة عن أبي أُيُوب، أنه قال: سمعتُ نِيَّ الله ◌َ﴿ يقولُ: (ما بَعَثَ اللهُ مِن نبيّ ولا كان بعده مِن خَليفةٍ إلاّ وله بطَانتان: بطانةٌ تأمرُهُ بالمعروف وتنهاهُ عن المنكر، وبطّانةٌ لا تَأْلُوه خَبَالاً، فَمَنْ وُقِيَ بِطَانَةَ السُّوءِ، فقد وُفِيَ) (١). ٣٧٧٠- وما قد حدَّثَنَا يُونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يُونس، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سَعيد الخُدْرِي، عن رسُولِ اللهِوَ﴿ّ، قال: ((مَا بَعَثَ الله من نبيّ ولا (١) رواه النسائي ١٥٨/٧- ١٥٩ عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبيه، عن شعيب بن الليث، عن الليث، بهذا الإسناد. ورواه الطبراني في (الكبير)) (٣٨٩٥) وفي الأوسط (٨٧٢٠) من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث، به ورواه الإسماعيلي فيما ذكره الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٣١٣/٥ عن عباس بن طالب، عن الليث، به. وعلقه البخاري بإثر الحديث (٧١٩٨) عن عُبيد الله بن أبي جعفر، حدثني صفوان، بهذا الإسناد. - ٦٤٢- كتاب السيرة . اسْتَخْلَفَ مِنْ خليفةٍ إِلاَّ كانت له بطَانتان: بطانةٌ تأمرُهُ بالخير وتحضُّه عليه، وبطانةٌ تأمرُهُ بالشَّرِّ وتحضُّه عليه، فالمعصومُ من ◌َعَصَمَ الله)(١). ٣٧٧١- حدَّثَنَا أحمد بنُ شعيب، قال: أخبرنا محمد بنُ يحيى بن عبد الله، قال: حدَّثَنَا أُوب بن سليمان بن بلال، قال: حدثني أبو بكر بن أبي أُوَيْس، عن سُليمان بن بلال، قال: قال يحيى: أخبرنا ابنُ شهابٍ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسُولِ اللهِنَ﴿، فذكر مثلَه(٢). ٣٧٧٢- حدَّثَنَا أحمد، قال: حدَّثْنَا محمد بن إسماعيل، قال: حدَّثًا أيوب -يعني ابن سليمان-، قال: حدَّثَنَا أبو بكر، عن سليمان، عن محمد بن أب عَتِيق وموسى بن عُقْبَة، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سَلمة، عن أبي سَعيدٍ الخدري رضي الله عنه، عن رسُولِ الله ◌ِ﴿ فذكر مثله. ٣٧٧٣ - حدَّثَنَا بَكَّار بن قُتَيِّية، قال: حدَّثَنَا مُؤَمَّل، قال: حدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، قال: حدَّثَنَا بُرْد بن سنان، عن الزهري، عن أبي سلمة (١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٧١٩٨) عن أصبغ، والنسائي ١٥٨/٧، وفي ((الكبرى)) كما في «التحفة)) ٤٩٤/٣ عن يونس بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن وهب، به. ورواه ابن حبان (٦١٩٢)، والبيهقي ١١١/١٠ من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، به. ورواه أحمد ٣٩/٣، والبخاري (٦٦١١)، وأبو يعلى (١٢٢٨)، والبيهقي ١١١/١٠ من طريقين عن يونس بن يزيد، به. (٢) إسناده صحيح، ورواه الطبراني في (المعجم الأوسط)) (٤٦١٢) من طريق أبي یکر بن أبي أویس، به. -٦٤٣- كتاب السيرة عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﴿ قال: «مَا مِنْ نِيَّ ولا مِنْ خَلِيفةٍ أو قال: إمامٍ إلاّ وَلهُ بِطَانَتَان: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بالمعروفِ، وبطَانَةٌ أُخرى لا تَأْلُوا خَالاً، فمَنْ وُقِيَ شَرَّ بِطَانَتِهِ الثّانية، فقد وُقِيَ، وهو مِن التِي تَغْلِبُ عليه منهما)(١). قال أبو جعفر: هذا آخر ما حدَّث به بكّار(٢). ٣٧٧٤- حدَّثْنَا سُليمان بن شُعَيْب الكَيْساني، قال: حدَّثَنَا بِشْر بن بكر، قال: حدثني الأوْزاعي، قال: حدَّثَنَا الزهري، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو هريرة، قال: قال رسول الله صل: («ما مِنْ وَال إلاّ له بطانَتان: بطانةٌ تأمُرُه بالمعروفِ وتنهاه عن المُنْكر، وبطانةٌ لا تَأْلُوه خَالاً، فمَنْ وُقِيَ شَرَّها، فقد وُقِيَ، وهو من التي تَغْلِبُ عليه مِنهما)(٣). (١) حديث صحيح. مؤمل بن إسماعيل وإن كان سيئ الحفظ - قد توبع. ورواه أحمد ٢٨٩/٢ عن مؤمَّل بن إسماعيل، بهذا الإسناد. وانظر ما بعده. وقوله: ((لا تألوه خيالاً) أي: لا تقصر في إفساد حاله، قال ابن الأثير. والخبال والخبل - بسكون الباء -: الفساد. (٢) فى الطبعة الأولى: قال أبو جعفر: هذا آخر حديث حدثني بكار بن قتيبة، قال لي عبد الرحمن الشامي: وددت أني سمعتُ هذا الحديث من بكار بن قتيبة. (٣) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٢٣٧/٢، وابن حبان (٦١٩١)، والبيهقي ١١١/١٠ من طريق الوليد بن مسلم، وأبو يعلى (٥٩٠١) من طريق ابن المبارك، والطبراني في ((الأوسط)) (٢٩٦٧) من طريق المفضل بن يونس، ثلاثتهم عن الأوزاعي، به. -٦٤٤- كتاب السيرة قال أبو جعفر: فتأمَّلنا هذه الآثار لِنقفَ على ما أُريد به إن شاء الله، فكان قوله ﴿لَ: «مَا بَعَثَ اللهُ من نبيّ ولا استخلفَ من خليفةٍ إلاّ له بطانتان)) على ما ذكرته كلَّ واحدة من تينك البطانتين مما ذكرها به سمے فيها من حمد وغيره. وعلَّقه البخاري بإثر الحديث (٧١٩٨) فقال: وقال الأوزاعي ومعاوية بن سلام، حدثین الزهري ... ورواه النسائي ١٥٨/٨، وفي ((الكبرى)) كما في ((التحفة) ٤٨/١١ عن محمد بن يحيى، عن مُعَمَّر بن يَعْمَر، عن معاوية بن سلام، عن الزهري، به. ورواه أبو يعلى (٦٠٠٠) من طريق يحيى بن أبي كثير، و(٦٠٢٣) من طريق عمر بن أبي سلمة، كلاهما عن أبي سلمة، به. ورواه ضمن حديث مطول البخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٥٦) وغيره من طرق عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، به، وصححه الحاكم ١٣١/٤ على شرط الشیخین، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال الحافظ في ((الفتح)) ١٩٢/١٣: اختلف على التابعي في صحابي هذا الحديث، فأما صفوان، فجزم بأنه عن أبي أيوب، وأما الزهري، فاختلف عليه هل هو أبو سعيد أو أبو هريرة، وأما الاختلاف في وقفه ورفعه فلا تأثير له، لأن مثله لا يقال من قبل الاجتهاد، فالرواية الموقوفة لفظاً مرفوعة حكماً، ويرجح كونه عنة أبي سعيد موافقة ابن أبي حسين وسعيد بن زياد لمن قال: عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي سعيد، وإذا لم يبق إلا الزهري وصفوان، فالزهري أحفظ من صفوان بدرجات، فمن ثم يظهر قوة البخاري في إشارته إلى ترجيح طريق أبي سعيد، فلذلك ساقها موصولة، وأورد البقية بصيغة التعليق إشارة إلى أن الخلاف المذكور لا يقدح في صحة الحديث، إما على الطريقة التي بينتها من الترجيح، وإما على تجويز أن يكون الحديثُ عند أبي سلمة على الأوجه الثلاثة. ومع ذلك فطريق أبي سعيد أرجح والله أعلم. - ٦٤٥- كتاب السيرة فوجدنا الأنبياء صلوات الله عليهم يدعُونَ النَّاسَ إلى ما أُرْسِلوا به إليهم، فيكون ذلك سبباً لإتيانهم إيّاهم، وخلطتهم بهم حتّى يكونوا بذلك بطائِنَ لهم، وتستعمل الأنبياء في ذلك في أمورهم ما يقفون عليه منها، فَيَحْمَدُونَ في ذلك مَنْ يقفون على مَن يجب حمدُه بظاهرهِ، فُيُقَرِّبونه منهم، ويَعُدُّونه من أوليائهم، ويُبَاعِدُون منهم مَن يقفون منه على ما لا يَحمدونَه منهم، ويعدُّونه من أعدائهم. والله أعلمُ بما يُبْطِنُ ممن يعرفونه من حمدٍ ومن ذم، ثم يُوقف الله عز وجل أنبياءه على ما يُوقفهم عليه من باطِنهم، كما قال عزَّ وجلَّ النبيِّنَا مَلّ: ﴿وَمَعَنْ حَوََّكُمْ مِنَ الأعْرَبِ مُنَّافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النَّفَاقِ لَآَ تَُهُمْ .... ﴾ الآية [التوبة: ١٠١] فهذه البطانةُ المذمومةُ التي لا تَأْلُو مَنْ هي معه حَيالاً. والبطانةُ الأُخرى هي التي يوفقهم الله على ضدِّها وعلى ما هي عليه لنبيها، كما أوقفَ الله نبيَّنَا مَّ على ما أوقفه عليه من أحوالِ المؤمنين به من تعزيرهم إِيَّاه، ونُصرتهم له، واتّباعهم ما يجب أن يتبع 13 به، كما قال عز وجل: ﴿فَالذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَّرُهُ وَصَرُهُ وَتَبَعُوا النَّوْمَ الَّذِي أَنْزِلَ مَعَهُ أُولِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وكما قال عز وجل في صفاتهم: ﴿ مُحَمَّدُّ ◌َسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِهُحَمَاءُ بَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ثم وصفهم رَضْوانُ الله عليهم بما وصفَهُم حتى خَتَم السورة التي أنزل ذلك فيها. فهاتان البطانتان هُما البطانتان اللتان كانت مع نبيِّنا ﴿ وكذلك البطائنُ اللَّتِي كُنَّ مع الأنبياءِ صلوات الله عليهم قبلَه. -٦٤٦- كتاب السيرة ثم تأمَّلنا قولهم﴿: ((وهو من الغالية عليه منهما)) فكان ذلك عندنا -والله أعلمُ- مما يرجع إلى غيرِ الأنبياءِ مِمَّن ذكر في هذه الآثار لا إلى الأنبياء، لأنَّ الأنبياءَ صلوات الله عليهم معصومُونَ، لا يكونون مع مَنْ لا تُحْمَدُ خَلَائِقُهُ، ولا مَذَاهِبُهُ. فقال قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك كما ذكرتَ، وإنما في هذه الآثارِ رجوعُ الكلام على مَنْ ذُكِرَ فيها من الأنبياء ومِمَّن سواهم؟ فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن هذا الكلام كلامٌ ربِيٌّ خُوطِبَ به قومٌ عربٌ، يعقِلُون ما أراد به مخاطُبهم، والعرب قد تُخَاطِبُ بمثل هذا على جماعة، ثم تردُّه إلى بعضهم دون بقيتهم، فمِن ذلك قوله الله عز وجلك ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنّ وَالإنْس أَلَمْـ يَأْتِكُمْ رُسُلُ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فكان الخطاب في ذلك بذكر الجن والإنس، ومعقولٌ أنَّ الرُّسلَ مِن الإِنس لا من الجن. ومثلُ ذلك قولُ رسولِ الله :﴿ في حديث عبادة بن الصَّامت: (بَايِعُوني على أن لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيئً) وقرأ آية المِحنة: وفيها الشركُ، والسَّرقة والرِّنى وهي قولُه عز وجل: ﴿يَاِعَكَ عَلى أَنْلاَ يُشْرِ كُنَ بِلِهِ شَيْاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَرْبِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] وسنذكر ذلك الحديثَ فيما بعد مِنْ كتابنا هذا إن شاء الله، وفيه: ((فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذلك شيئاً، فَعُوقِبَ به فهو كفَّارَةٌ له))(١). ونحنُ نعلمُ أن من عُوقِبَ بالشِّركِ، فليس (١) حديث عبادة بن الصامت رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩). -٦٤٧- كتاب السيرة ذلك له كفارة. وعقلنا بذلك أن قولَه ◌ِ﴿: ((فمن أصابَ من ذلكَ شيئاً) إنما هو على شيء من بعض تلك الأشياء التي في الآية، لا على [كلِّ] شيءٍ من تلك الأشياء التي فيها. فمثل ذلك قوله في الآثار التي رَويناها «وهُو مِنَ التِي تَغْلبُ عليه مِنهما) يَرْجِعُ ذلك على من قد يجوز أنْ يكونَ منه مثلُ ذلك، لا على الأنبياء صلواتُ الله عليهم الذين لا يكون منهم مثلُ ذلك. فبان بما ذكرناه جميعُ ما في هذه الآثارِ من المعاني المشكلات فيها بحمد الله ونعمته، وإيّه نساله التوفيق. ٥٣٦- بابُ بیانِ مُشْكِل ما روى أبو بَحْرِيَّة عن عُمَرَ في طلحة بنِ عُبيد الله رضي الله عنهما مِن موت رسول الله ﴾ وهو علیه عاتب ٣٧٧٥- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بن شبيب بن سعيد، قال: حَدَّثْنَا أبي، عن يونسَ بن يزيد، عن ابنٍ شهابٍ، قال: كان عبدُ الملك بن مروان يُحدِّث عن أبي بحريَّةَ، أن عُمَرَ رضي الله عنه خرج على مجلسٍ فيه عثمانُ، وعليٌّ، وطلحةُ والرُّبير، وعبدُ الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، فقال لهم عُمَرُ: كُلُّكُمْ يُحدِّث نفسه بالإمارةِ بعدي؟ فقال الزبيرُ: نَعَمْ، ويراها له أهلاً، قال: أفلا أُحَدِّثُكم عنكم؟ فقال الزبيرُ: حَدِّثْنَا، ولو سَكَتْنَا لَحدَّثْتَنَا، قال: أما أنتَ يا زُبَيْرُ، فإنك مؤمنُ الرِّضا، كافرُ الغضب، تكون يوماً شيطاناً، ويوماً -٦٤٨- كتاب السيرة إنساناً، أفرأيتَ يوماً تكونُ شيطاناً؟ فمن يكونُ الخليفةُ يومئذٍ؟ وأما أنت يا طلحةُ، فوالله لقد تُوفّي رسولُ اللهِ ﴿، وهو عليك عَاتِبٌ، وأما أنتَ يا علي، فإِنَّكَ صُلْبٌ مَزَّاحٌ، وأما أنْتَ يا عبد الرحمن فواللهِ إِنَّك لما آتالكَ الله عَزَّ وجَلَّ من خير لأهلٌ، وإن منكم لرجلاً لو قُسِمَ إيمانُه على جُنْدٍ من الأجنادٍ، لوسِعَهُمْ (١). وقد روى الزبيدي هذا الحديثَ عن الزهري، فأدخل في إسناده بينَ الزهري وبينَ عبدِ اللمك بنٍ مروان عمرو بن الحارث الفهمي ٣٧٧٦- كما حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بنُ معاوية العُتبي أبو القاسم، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن العلاء ابن زِبْرِيق الزبيدي، قال: حدثني عمرُو بنُ الحارث الحِميريُّ الحِمصيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ سالم الزُّبيدي، قال: حدثني محمدُ بنُ مسلمٍ، عن عمرو بنِ الحارث الفهميِّ - وكان كاتباً لِعبدِ الله بنِ الزُبير - أن عبد الملك بن مروان كان يُحَدِّثُ عن أبي بحرية الكِنْديِّ أنه أخبره، أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- خرج على مجلسٍ فيه عثمانُ بنُ عفان، وعليُّ بنُ أبي طالب، ثم ذكر هذا الحديثَ، وزاد في آخره، بعد قوله: ((لوسعهم)): يريد عثمان بن عفان رضي الله عنه(٢). (١) إسناده ضعيف، يونس بن يزيد ثقة لكنه روى عن الزهري أحاديث منكرة، وباقي الإسناد فيه نظر. (٢) إسحاق بن إبراهيم بن العلاء ضعيف كثير الأوهام، وعمرو بن الحارث الحميري الحمصي، قال الذهبي: تفرد بالرواية عنه إسحاق بن إبراهيم ابن زبريق، -٦٤٩- كتاب السيرة فَكَبُرَ في قلوبنا ما حكاه أبو بحرية عن عُمَرَ رضي الله عنه في طلحة لجلالته عندنا، ولِمَوْضِعِهِ مِن الإسلام، ولصحبته رسول الله مَّ، إلى أن توفي أحسن صحبة، ولِدخوله في الآية التي أنزلها الله على رسوله، وهي قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿َقَدْ رَضِيَ اللهُعَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذُبِعُونَكَ تحتَ الشَّجْرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، فكيف يَعْتَبُ رسولُ اللهَ﴿ على مَنْ رَضِي الله عنه؟ هذا عند ذوي العقول من المحال الذي لا يجوزُ كونُه. ثم نظرنا في هذا الحديث أيضاً، فوجدنا أبا بحرية لم يَذْكُرْ فيه خُضُورَ ذلك مِن عمر رضي الله عنه، ولا سماعه إيّاه منه، ولو كان ذكر سَمَاعَه إِيَّاه منه، لما كان عندنا مقبولاً، إذ كان رجلاً مجهولاً لَيْسَ مِنْ أهلِ العِلْمِ المؤتَمنين عليه، المأخوذِ عنهم، فكَيْفَ ولم يَذْكُرْ سماعَه إيّاه منه؟ ثم نظرنا: هل رُوِيَ عن عمر في طلحة رضي الله عنهما ما يُخالِفُ ذلك؟ ٣٧٧٧ - فوجدنا محمدَ بنَ علي بن داود البغداديَّ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ داود الزَّنْبريُّ، قال: حَدَّثْنَا مالكُ بنُ أنس: أن ابنَ شهاب، حدثه: أن سالِمَ بنَ عبدِ الله بن عمر، أخبره: أن عبدَ الله بنَ عُمَرَ، قال: دَخَلَ الرَّهطُ على عُمَرَ رضي الله عنه قبل أن يَنْزِلَ به: عثمانُ وعليٌّ عبدُ الرحمن والزُّبير وسَعْدٌ رضي الله عنهم، فقال: إنّي ومولاة له اسمها علوة، فهو غير معروف بالعدالة، وعمرو بن الحارث الفهمي مجهول العدالة أيضاً. - ٦٥٠- كتاب السيرة نَظَرْتُ لكم في أمرِ النَّاسِ، فلم أجِدْ عدَ الناسِ شِقاقاً إلى أن يكونَ فيكم، فإن كان شِقاقٌ، فهو فيكم، وإن الأمرَ إلى سِتةٍ: إلى عبد الرحمن، وعثمان، وعليٍّ، وسعدٍ، والزبير، وطلحة، وكان طلحةُ غائباً في السَّراة في أموالٍ له، ثم إنَّ قومكم إنَّما يُؤَمِّرُونَ أحَدَكُمْ إِيُّها الثَّلاثَةُ: لِعثمانَ وعليّ وعبد الرحمن، فإن كنتَ على شيءٍ من أمرِ النَّاسِ يا عبدَ الرحمن، فلا تَحْمِلَنَّ بن أبيكَ على رقاب الناسِ، وإن كُنتَ يا عُثْمانُ على شيءٍ من أمورِ النَّاس، فلا تَحْمِلَنُّ بني أبي مُعَيْطس على رِقَابِ الناس، وإن كنت يا عليُّ على شيءٍ من أمورِ النّاسِ، فلا تحمِلُنَّ بي هاشم على رِقاب النّاسِ. ٣٧٧٨ - وحَدَّثْنَا محمد بنُ الحارث بنِ صالح المخزوميُّ المدنيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيز بنُ عبد الله الأُويسي، قال: حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهاب، قال: أخبرني سَالِمُ بنُ عبدِ الله أن عبد الله بنَ عمر، ثم ذكر مثلَه سواء. وكان في هذا الحديثِ ذكرُ عمر رضي الله عنه في النفرِ الذين [جعل] الخلافة إليهم طَلْحَةَ، وكان محالاً أن يَجْعَلَها إلى رجل قد ماتَ رسولُ الله ◌َ﴿ وهو عاتبٌ عليه. وكان هذا الذي وجدناه عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ في ذلك، وعبدُ الله بن عمر هو العدلُ في روايته، الثَّبتُ فيها، المأمونُ عليها، لا كأبي بحرية الذي هو في هذه الأشياء بضدٌ ذلك. وكان ممن روى عن عمر أيضاً في طلحة رضي الله عنهما ما يُخَالِفُ ما روى أبو بحرية عنه أسلمُ مولى عمر: - ٦٥١- كتاب السيرة ٣٧٧٩ - ما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا شجاعُ بنُ أشرسَ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بن أبي سلمة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: خَطَبَ عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: إنّي رأيتُ فيما يرى النَّائِمُ دِيكاً أحمرَ نقرني في مَعْقِدش إزاري ثلاثَ نَقْراتٍ، وإنّي استعبرتُ أسماء ابنة عُمَيَس، فقالت: يَقْتْلُكَ رَجُلٌ مِن العَجَمِ، وإني قد حَسِبْتُ أن يكونَ موفي فجأةً، وإني أُشْهِدُكُم إنّي إن أهْلِكْ، ولم أعْهَدْ، فإِنَّ الأمرَ إلى هؤلاء النَّفَرِ الذين تُوْفِي رسولُ الله : ﴿ه وهو عنهم راضٍ: عثمان، وعليّ، وطلحةَ، والزبير، وسعدٍ، وعبد الرحمن بن عوف. ومنهم: عمرو بن ميمون الأودي: ٣٧٨٠- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود بن موسى، قال: حَدَّثْنَا سهلٌ بنُ بكار، قال: حَدَّثَنَا أبو عَوانة، عن حُصين بنِ عبد الرحمن، عن عمرو بن ميمون: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طُعِنَ - قال: وكنتُ حاضراً لذلك- قيل لَهُ: اسْتَخْلِفْ، فقال: ما أجدُ أحداً أحقَّ بهذا الأمْرِ مِنْ هؤلاء النِّفَر أو الرَّهْطِ الذين تُوفِي رسولُ الله ◌ِ﴿ وهو عنهم راضٍ، فمسى علياً، وعثمانَ، وطلحةَ، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعداً رضي الله عنهم (١). ومنهم: معدان بنُ أبي طلحة اليَعمري: (١) رواه البخاري (٣٧٠٠) ضمن حديث طويل عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، به. ورواه البخاري (١٣٩٢)، وأبو يعلى (٢٠٥) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن حصين بن عبد الرحمن، به. ورواية البخاري مطولة. - ٦٥٢- كتاب السيرة ٣٧٨١- حَدَّثَنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوهَّابِ بنُ عطاء، قال: أخبرنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعْدَانَ بنِ أبي طلحة اليَعمري: أنَّ عُمَرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه قَامَ فَحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، وذكر النبيَّلَ ﴿، وأبا بكر رضي الله عنه، ثم قال: أُّها النَّاسُ، إنّي رأيتُ في الَنَامِ كأنَّ دِيكاً أحْمَرَ نقرني نَقْرةٌ أو نَقْرَتَيْن - شكَّ سعيد-، وما ارى ذلك إلى بحضورٍ أجلي. وإن ناساً يأمروني أنْ أُسْتَخْلِفَ، وإن اللهَ لم يَكْنُ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ ولا خِلافَتَه، ولا الَّذِي بعث به نبيَّهِمَ ﴿، فإن عَجِلَ بي أمرٌ، فإنَّ الشُّورى في هؤلاء السَّةِ الرَّهطِ الذين قُبِضَ رسولُ اللهِلَ﴿ّ وهُوَ عنهم راضٍ، أَّهم بـايَعْتُمْ، فاسَمَعُوا له وأطيعوا: علىّ، وعثمانَ، وطلحةً، والزبيرِ، وعبد الرحمن بن عوفٍ، وسعد بنِ مالكٍ أبي وقاص، وقد أعْرِفُ أن ناساً سَيَطْعُنُونَ في هذا الأمر، وإني قاتلتُهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فَعَلُوا، فأُولئكَ أعداءُ اللهِ الكفرةُ الصُّلاَّلُ(١). ٣٧٨٢- وكما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا معاذُ بنُ فَضَالَةَ، قال: حدثني هِشامُ بنُ أبي عبدِ الله، عن قتادة، عن سالم بنِ أبي (١) رواه مطولاً أحمد ٤٨/١ (٣٤١) عن محمد بن جعفر، وأبو عوانة ٤٠٩/١- ٤١٠ من طريق عبد الله بن بكر السهمي، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، به. ورواه مطولاً ومختصراً الحميدي (٢٩)، وابن سعد ٣٣٥/٣-٣٣٦، وأحمد ١٥/٣ (٨٩)، والبزار (٣١٥)، وأبو يعلى (٢٥٦)، وأبو عوانة ٤٠٨/١-٤٠٩ و٤١٠، وابن حبان (٢٠٩١)، والبيهقي ٢٢٤/٦ من طرق، عن قتادة، به. ولم يسق البيهقي لفظه. - ٦٥٣- كتاب السيرة الجَعْدِ، عن مَعْدَانَ بنِ أبي طَلْحَةَ، ثم ذكر مثله، إلا أنه لم يُسَمِّ الستة الرهط في حديثه، ولكنه قال فيه: فإن عَجلّ بي أمرٌ، فالخلافةُ في هؤلاء الستة الرَّهطِ الذين تُوفّي رسولُ الله :﴿ وهو عنهم راضٍ (١). فهذا أسلمُ مولى عمرَ، وعمرُو بنُ ميمون الأودي، ومعدانُ بنُ أبي طلحة الْيَعْمَرِيُّ، وهُمْ أئمةٌ في العلم، عدولٌ فيه، مأمونون عليه، مقبولةٌ روايتهم إيَّه، يروون عن عُمَرَ رضي الله عنه خلافَ ما روى أبو بحريَّة عنه، ويَحْكُونَ ذلك سماعاً مِن عُمَرَ مع مشاهدةٍ منهم له، فكيف يجوزُ لِذي عقلٍ، أو لذي دين أن يتعلّق بروايةٍ مثل أبي بحريَّة الذي لا يُعْرَفُ، ولا يُعَدُّ مِنْ أهلِ العِلْمِ، ولا يُعْرَفُ له لقاءٌ لِعمر أن يقبلَ ما روى عن عمر مما قد خالفه فيه مَنْ قد ذكرنا؟ وهو ممن لو روى مثلَ هذا في مَنْ دَونَ طلحة، وهذه أحوالُه لم تُقبل روايته، ولم يُلتفت إليها، فكيف في طلحة رضي الله عنه مع جلالة قدره وعُلَّوِّ مرتبته وموضعه من دين الله، وقيامِ الحُجَّةِ له بموضعه من رسول الله وشهادةِ الأئمة العدولِ الذين ذكرناهم على عمر فيه بما قد ذكرناه من استحقاقِه للخلافة، وأنّه لها موضع، ومن موتِ رسولِ اللهِلَ ﴿و على الرِّضا عنه، والله نسأله التوفيق. (١) رواه الطيالسي (٥٣)، وابن سعد ٣٣٥/٣-٣٣٦، وأحمد ٢٧/١-٢٨ (١٨٦)، ومسلم (٥٦٧) (٧٨)، والبزار (٣١٤)، وأبو يعلى (١٨٤)، وأبو عوانة ٤٠٧/١-٤٠٨، والبيهقي ٧٨/٣ من طرق، عن هشام، به. -٦٥٤- كتاب السيرة ٥٣٧- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله من قوله لبني النضير لما أمر بإجلائهم من المدينة عند قولهم له: إن لنا ديوناً لم تحل: ((ضَعُوا وتَعَجَّلوا)) ٣٧٨٣- حَدَّثْنَا عبدُ السلام بن أحمد بن سهيل البصري أبو بكر إملاءً من أصله، حَدَّثْنَا هشامُ بنُ عمارٍ، حَدَّثْنَا مسلمُ بنُ خالد الزَّبجي، حَدَّثْنَا محمد(١) بن عليُّ بنُ يزيدَ بنِ رُكانة، عن داود بنِ الحصين، عن عِكرمة، عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبيَّ ◌َ﴿ لما أمر بإخراجٍ بني النضير، جاءه ناسٌ منهم، فقالوا: يا نبي الله إنك أمرتَ بإخراجنا ولنا على النّاسِ دُونٌ لم تَحِلَّ، فقالَ رسولُ الله ◌ِوَ﴿: ((ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا)(٢). قال أبو جعفر: وبنو النضيرِ هؤلاء هُمْ أشراف اليهود، وكانوا ينزلون المدينة: (١) كلمة: ((محمد بن)) سقطت من الأصل (المخطوط)، واستدركت من ((سنن الدراقطني)) و((مستدرك الحاكم) و((السنن الكبرى)) للبيهقي. (٢) إستاده ضعيف لِضعف هشام بن عمار ومسلم بن خالد الزنجي. ورواه الدارقطني ٤٦/٣، والحاكم ٥٢/٢، وعنه البيهقي ٢٨/٦ من طريق عبد العزيز بن يحيى المديني، عن مسلم خالد الزنجي، به. وقال الدارقطني بإثره: اضطرب في إسناده مسلم بن خالد، وهو سيئ الحفظ، ضعيف. وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: الزنجي ضعيف، وعبد العزيز ليس بثقة. ورواه الدارقطني ٤٦/٣ من طريقين عن عبيد الله بن عمر القواريري، عن مسلم بن خالد، قال: سمعتُ علي بن محمد يذكره عن عكرمة، عن ابنِ عباس ... - ٦٥٥- كتاب السيرة ٣٧٨٤- كما حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المرادي، ومحمدُ بنُ عبد الله بن عبد الحكم -قال الربيع: حَدَّثْنَا شعيبُ بنُ الليث، وقال محمد: أنبأني أبي وشعيب- عن الليث بن سعد، عن سعيد بنِ أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: بينما نحنُ في المسجد إذ خَرَجَ علينا رسولُ الله ◌َ﴿، فقال: (انطلقوا إلى يهودَ)) فخرجنا معه حتى جئنا بيتَ المِدْرَاسِ، فقام رسولُ الله:﴿ فناداهم: ((يا مَعْشَرَ يهود أَسْلِمُوا تَسْلَموا))، فقالوا: قد بلَّغْتَ يا أبا القاسم، فقال لهم رسولُ الله ﴿: ((ذلك أُريد، أسلموا تَسْلَموا))، قالوا: قد بلَّغْت يا أبا القاسم، قال: ((ذاكُم أُرِيدُ)، ثم قالها الثالثة، فقال: ((اعلموا أنَّ الأرضَ للهِ ولِرسوله، وإني أُرِيدُ إخراجَكُم مِنْ هذه الأرضِ، فَمَنْ وَجَدَ منكم بماله شيئاً، فَلْيَبعْهُ، وإلاّ فاعلموا أنَّ الأرضَ للَّهِ ورَسُولِهِ)(١). قال أبو جعفر: وهُمُ الذين كانت نساءُ الأنصار في الجهلية إذا (١) رواه البيهقي ٢٠٨/٩ من طريق بحر بن نصر، قال: قرئ على شعيب بن الليث: أخبرك أبوك، قال: حدثني سعيدُ بنُ أبي سعيد، به. ورواه أحمد ٤٥١/٢، والبخاري (٣١٦٧) و(٦٩٤٤) و(٧٣٤٨)، ومسلم (١٧٦٥) (٦١)، وأبو داود (٣٠٠٣)، والنسائي في ((الكبرى) (٨٦٨٧) من طرق عن الليث بن سعد، به. وبيت المدارس، قال ابن الأثير في ((النهاية)) ١١٣/٢: هو البيت الذي يدرسون فيه، ومفعال غريب في المكان. وقولهم: قد بلغت، قال الحافظ: كلمة مكر ومداجاة ليدافعوه بما يُوهم ظارها، ولذلك قال #: ((ذاكم أريد)). - ٦٥٦- كتاب السيرة . أَرَدْنَ أن يُهَوِّدْنَ من أولادهن مَنْ يُرَدْنَ تهويدَه منهم هوَّدوه فيهم. ٣٧٨٥- كما حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، حَدَّثَنَا وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابنِ عباسٍ في قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا إِكْرَاهَ فْ الدّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، قال: كانت المرأةُ مِن الأنصارِ لا يَكاد يَعِيشُ لها وَلَدٌ، فَتَحْلِفُ في الجاهلية: لَئِنْ عاشَ لها وَلَّدٌ لَّتُهَوِّدَنَّه، فلما أُجْلِيتْ بنو النضير إذا فيهم ناسٌ من أبناءِ الأنصار، فقالت الأنصارُ: يا رسولَ الله أَبْنَاؤُنَا، فأنزلَ الله عَزَّ وحَلَّ: الاإكْراهِ في الدّينِ﴾، قال سعيد: فَمَنْ شَاءِ لَحِقَ بهم، ومَنْ شَاءِ دَخَلَ الإِسلامِ (١). ٣٧٨٦- وكما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ خزيمة، حَدَّثَا حجاجُ بنُ مِنهال، حَدَّثْنَا أبو عَوانَةَ، عن أبي بشر، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبير عن قوله عز (١) رواه البيهقي ١٨٦/٩، والواحدي في ((أسباب النزول)) ص ٥٢ من طريق إبراهيم بن مرزوق، به. ورواه أبو داود (٢٦٨٢)، وابن حبان (١٤٠) من طريق حسن بن علي الحلواني، عن وهب بن جرير، به. ورواه أبو داود أيضاً (٢٦٨٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٠٤٨)، وأبو جعفر النحاس في ((الناسخ والمنسوخ)) ص٩٨، والطبري في (تفسيره)) (٥٨١٢)، والواحدي في ((أسباب النزول)» ص٥٢ من طرق عن شعبة، به. ورواه مرسلاً الطبري (٥٨١٣) عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، قال: حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: كانت المرأة ... ورواه أيضاً مرسلاً (٥٨١٥) و(٥٨١٦) و(٥٨٢٣) و(٥٨٢٤) من طريق داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي، فذ کره بنحوه. - ٦٥٧- كتاب السيرة وجل ﴿لا إكراه في الدين﴾، قال: نَزَّلَتْ هذه الآية في الأنصارِ خاصَّةً، بے قلتُ: خاصَّةً؟ قال: خَاصَّةٌ، قال: كانت المرأةُ في الجاهلية إذا كانت مِقلاتاً تَنْذُرُ إِن وَلَدَتْ ولداً تجعَلُه في اليهودِ تَلْتَمِسُ بذلك طولَ بقائه، فجاء الإِسلامُ وفيهم منهم، فلما أُجْلِيَتْ بنو النضيرِ قالوا: يا رسولَ الله: أبناؤنا وإخواننا منهم، قال: فَسَكَت عنهم، فأنزلَ الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاةَ في الدِّ قَد تَّنَ الرَّشْدُ مِنِالغَيْ﴾، فقال رسولُ الله ◌َ: «خَيِّرُوا أَصْحَابَكُم فإن اخْتَارُوكُم، فَهُمْ مِنْكم، وإن اخْتَارُوهُم، فَهُمْ مِنهم))، قال: فَاحْلَوْهُمْ مَعَهُم (١). فاختلف شعبةُ وأبو عوانة على أبي بشر في إسنادِ هذا الحديثِ فتجاوز به شعبةٌ سعيد بن جبير إلى ابنِ عباس، وأوقفه أبو عوانة على سعيد بن جبير. قال أبو جعفر: وهم خلاف يهود خبير الذين كان رسولُ الله ◌ِ ﴿و عامَلَهُم عيها بشطْرِ ما تُخرج نخلها وأرضُها، وأقاموا فيها على ذلك حتّى أجلاهم عمر رضي الله عنه منها على ما ذكرنا في ذلك من (١) رواه الطبري (٥٨١٨) عن المثنى، عن حجاج بن المنهال، به. ورواه البيهقي ١٨٦/٩ من طريق سعيد بن منصور، عن أبي عوانة، به. وانظر ما قبله. قوله: ((مقلاتاً)، قال ابن الأثير في ((النهاية)) ٩٨/٤ المقلات من النساء: التي لا يعيش لها ولد، وكانت العرب تزعم أن المقلات إذا وَطِئَتْ رجلاً كريماً قُتِلَ غدراً، عاش ولدها. -٦٥٨- كتاب السيرة المزارعة بشطرِ ا تُخْرِجُ الأرضُ فيما تقدَّمَ منا في كتابنا هذا. ثم تأملنا الحديثَ الذي ذكرناه في أوَّلِ هذا البابِ، فوجدنا إطلاقَ رسولِ اللهِمِ﴿و لِبني النضير عندَ إجلائه أَيَّهم أن يضعوا بعضَ ديونهم الآجلَةِ، ويتخَّلُوا بقيتها، وكان هذا الباب مما قد اختلف أهلُ العِلْم فيه، فأجازه بعضُهم منهم عبدُ الله بن عباس: ٣٧٨٧- كما حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الحسين الكوفي، قال: سمعتُ سفيانَ بنَ عُيينة يقول: [عن] عمرو، عن عباس أنه كان لا يرى بأساً أن يقولَ: عجِّلْ لي، وأَضَعْ عَنْكَ. وكرهه بعضُهم وهو عبدُ الله بن عمر، وزيدُ بن ثابت ٣٧٨٨- كماقد حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، أنبأنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً أخبره عن عثمان بنِ حفص بن عمر بن خلدة، عن ابنِ شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بنَ عمر سُئِلَ عن الرجلِ يَكُونُ له الدَّيْنُ على رجلٍ ذُيِّنٌ إلى أجلٍ فيضعُ عنه صاحبُ الحقِّ، ويُعجِّلُ له الآخر، فكره ذلك عبدُ الله بنُ عمر، ونهى عنه(١). وكما حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أنبأنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً أخبره عن أبي الزناد، عن بُسْرِ بنِ سعيد، عُبيدٍ أبي صالحٍ مولى السَّفاح أنه قال: بعتُ بَزّاً لي مِن أهلِ دَارِ نخلةَ ومِن أهل السوق إلى أجلٍ، ثم أردتُ الخروجَ إلى الكوفة، فَعَرَضوا عليَّ أَضَعَ عنهم ويَنْقُدُوني، فسألتُ عن ذلك زيد بن ثابت، فقال: لا آمرك أن تَأْكُلَ مِن ذلك ولا أن (١) الأثر في ((الموطأ) ٦٧٢/٢. -٦٥٩- كتاب السيرة توكِلَهُ(١). ٣٧٨٩ - وكما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ الحسن أنه سَمِعَ سفيان يقول: أبو الزناد، عن بُسْرِ بن سعيد، عن زيد بنِ ثابتٍ أنه سُئِلَ عن ذلك فكرهه وقال: لا تَأْكُلُهُ ولا تُوكِلْهُ، ولم يذكر أحمدُ في حديثه عبيداً أبا صالح(٢). ٣٧٩٠ - وكما حَدَّثْنَا الربيع بن سليمان المرادي، حَدَّثْنَا عبدُ الله بن وهب، حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ بلال: حَدَّثَنَا جعفرٌ - يعني ابن محمد-، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجلاً سأله، فقال: إنَّ لي ديناً على رَجُلٍ إلى أجل، فأردتُ أن أَضَعَ عنه، ويُعَجِّلَ الدينَ لي، فقال عبدُ الله: لا تفعل. فقال قائل: أفتجعلون حديثَ ابنِ عباس الذي ذكر تموه في أول هذا الباب حجةٌ لمن أجاز المعنى المذكور فيه على مَنْ كرهه؟ فكان جوابنا له في ذلك: أنه لا حُجة فيه عندنا لمن ذهب إلى إطلاقٍ ذلك على من ذهب إلى كراهته، لأنه قد يجوز أن يكونَ كان مِن رسول الله ﴿ ما كان منه مِن ذلك قبل تحريم الله عَزَّ وحَلَّ الرِّبا، ثم حرم الربا بعدَ ذلك فحرمت أسبابُه، وهذه مسألة في الفقه جليلة المقدار منه، يجب أن تُتأمَّل حتى يُوقف على الوجه فيها إن شاء الله، وهي خطيطةُ البعضِ من الدَّيْنِ المؤجَّلِ، ليكون سبباً لِتعجيل بقيته، (١) الأثر في (الموطأ)) ٢٧٦/٢. دار نخلة: محل بالمدينة فيه البزازون. (٢) أحمد بن الحسن بن القاسم بن سمرة الكوفي: متروك. -٦٦٠-