Indexed OCR Text
Pages 581-600
كتاب السيرة
المساجدَ التي صلَّى فيها رسولُ الله ◌َ﴿ مِن هذه المواضع لم يجب على
أُمَّتِهِ إتيانُها، ولا الصلاةُ فيها الإتيانِ رسولِ الله إِيَّها ولِصلاته فيها،
فمثلُ ذلك أيضاً صلاتُه في بيتِ المقدس على ما في أحاديثِ ابن
مسعود، وأنسٍ، وأبي هريرة لا يجبُ به إتيانُ الناسِ هناك، ولا الصلاةُ
فيه، وأبينُ من هذا أنه لا مسجدَ أجلُّ مِقداراً، ولا أكثرُ ثواباً مِن
الصلاةِ فيه بعدَ المسجدِ الحرامٍ مِن مسجد النبيِّ ◌َ﴿، ولم يَكْتَبْ على
النَّاسِ إتيانُه ولا الصلاةُ فيه، كما كُتِبَ عليهم ما كُتِبَ عليهم ما كُتِبَ
من مثل ذلك في المسجدِ الحرامٍ، وفيما ذكرنا في هذا ما قد دَلَّ على
رُتْبَةِ عمر رضي الله عنه في العلم أنها فوقَ رُتبة من سِواه رضوان الله
عليه وعلى سائر أصحابه.
وأما ما ذكرناه أيضاً عن حُذيفة رضي الله عنه مِنْ دفعه أن يكونَ
رسولُ اللهِ ﴿ رَبَطَ الْبُراقَ ليلتَئذٍ على ما في حديثه الذي رويناه عنه في
ذلك، فإن ما روينا عن رسولِ الله وَ﴿ من إثبات ذلك أولى مما روينا
عن حُذيفة في نفيه، ولأنه لَيْسَ كُلُّ مُسَخَّرٍ لمعنى ينطاعُ لِذلك المعنى،
قد سَخَّرَ الله عَزَّ وجَلَّ لنا الدوابَّ أن نركَبَها ونحن نعاني في رُكوبها
وفي الوصول إلى ذلك ما نُعانيه فيهما، وسخّر لنا من بهيمة الأنعام ما
سخّره لنا منها، ونحن لا نَصِلُ إلى ذلك منها بانطباعها لنا به، ويبذلاها
إِيَّاه لنا مِن أنفسها، وإذا كان ذلك كذلك فيها كان مثلُ ذلك تسخيرَ
الله عَزَّ وجَلَّ البراقَ لنبيه:﴿ّ غير مستنكر منه فيه رباطُه إيّاه المروي عنه
في الأحاديث التي رُوِيَ عنه ذلك فيها، والله نسأله التوفيقَ.
-٥٨١-
كتاب السيرة
٥٢٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ في نوم علي رضي الله عنه
في مكان النبي ﴿ وَلَبُوسِهِ بُرده في الليلة التي خرج فيها
رسول الله ﴾ من مكة یرید دار الهجرة
٣٦٩٣- حَدَّثْنَا أحمد بنُ شعيب، قال: أنبأنا محمد بن المثنى،
قال: حدثني يحيى بنُ حماد، قال: حَدَّثْنَا الوضاحُ - وهو أبو عَوانة-،
قال: حَدَّثْنَا أبو بَلْجِ - وهو يحيى بن أبي سليم-، قال: حَدَّثَنَا عمرو بنُ
ميمون، قال: إني الجالس إلى ابنِ عباسٍ إذا أتاه تِسْعَةُ رَهْطٍ، فسألوه عن
عليّ رضي الله عنه، فقال: كان أوَّل مَنْ أسْلَمَ مِن الناس بعدَ خديجةً
رضي الله عنها، ولَبِسَ ثوبَ النّبِيِّ ل:﴿ ونام، فجعل المشركون يَرْمُونَ
كما يَرْمُون رسولَ اللهِلَ﴿، وهم يحسبون أنَّه نبيَّ الله ◌َّ، فجاء أبو بكر
رَضِيَ الله عنه، فقال: يا نبيَّ الله، فقال علي رضي الله عنه: إن نبي الله
وَ* قد ذَهَبَ نحو بثر ميمون فاتبعه، فدخل معه الغارَ، وكان المشركون
يَرْمُونَ عليّاً رضي الله عنه حتّى أصبح(١).
فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه لَبوس علي رضي الله عنه ثوبَ
النبي ◌ُ﴿ ونومَه وهو عليه، وما كان من المشركين إليه وهم يرونه
النبيَّ®، ومن احتماله لذلك، ودوامه عليه، فاحتمل أن ذلك من أمرٍ
(١) يحيى بن أبي سليم، قال البخاري: فيه نظر، روى حديثاً منكرًا.
وهو في ((خصائص علي)) مطولاً برقم (٢٤). ورواه أحمد في (المسند)) ٣٣٠/١،
وفي («الفضائل)) (١١٦٨)، وابن أبي عاصم (١٣٥١)، والطبراني في ((الكبير))
(١١٥٩٣)، والحاكم ١٣٢/٣ من طريق يحيى بن حماد، به.
- ٥٨٢-
كتاب السيرة
البِيِّ # - كان- إِيَّاه بذلك، واحتمل أن يكونَ كان يفعله إِيَّه ذلك لا
بأمرٍ كان مِن النبيِّ لَ﴿ إِيَّه به ليكون ذلك سبباً لبعدِ النبيِّلَ﴿ مِن مكة،
ولتقصير المشركين عن إدراكهم إِيَّاه، فنظرنا في ذلك هل نجد شيئاً يدُلُّنا
على حقيقةِ الأمرِ كان فيه
٣٦٩٤ - فوجدنا فهدَ بنَ سليمان قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا يحيى
بنُ عبد الحميد الحِماني، قال: حَدَّثْنَا أبو عَوانة، عن أبي بَلْجٍ، عن
عمرو بن ميمون، عن ابنِ عباس، قال: قال لي علي رضي الله عنه لما
انطلق - يعني - النبيّ ◌َ﴿، فَأقامه النبيُّ ◌َ﴿ في مكانه، وألبسه بُرْدَهُ،
فجاءت قريشٌ يريدونَ أن يقتلوا النبيَّ :﴿، فجلعوا يَرْمُونَ علّاً وهم
يَرَوْنَ أَنَّه النبيُّ :﴿ وقد ألبسه بُرْدَهُ، فجعل علي رضي الله عنه يَتَضوَّرُ،
فنظروا فإذا هو علي رضي الله عنه، فقالوا: إنَّه ليألُ، لو كان صاحبُكم
لم يَتَضوَّرْ، لقد استنكرنا ذلك(١).
فعقلنا لما في هذا الحديثِ أن لَبُوسَ علي رضي الله عنه قميصَ
النبيِ:﴿ ونومَه في مكانه كانا بفعل رسول الله ﴿ ذلك به، وأن أبا بكر
رضي الله عنه قد ظنَّ برؤيته عليّاً رضي الله عنه حيث رآه أنه النبي ◌َ﴿و
وسلم حتى قال له علي رضي الله منه ما قال له مِن إعلامه إِيَّاه بالمكان
الذي قصد إليه النبيُّ ◌َ﴿، وأنَّ ذلك لا يكونُ من علي إلا بأمرِ النسبي ل #
إياه به، وإعلامه أبا بكر رضي الله عنه إيَّاه ليلحق به إلى المكان الذي
قصد إليه، وانقطع ما كان مِنْ علي رضي الله عنه بَعْدَ ذلك، وتفرَّد أبو
(١) إسناده ضعيف كسابقه.
-٥٨٣-
كتاب السيرة
بكر بالصحبةِ لرسول الله /*، والدخول في الخوف الذي كان فيه،
واحتمال الجهد الذي كانا صارا إليه، وكان الذي كان مِن علي رضي
الله عنه مما ذكرناه عنه إنما كان بعضَ ليلة، وكان الذي كان من أبي
بكر رضي الله عنه كان على ما في حديث عائشة الذي ذكرناه في
الباب الذي قبلَ هذا البابِ ثلاث ليال، وفي حديث طلحة بضعَ عشرة
ليلة، والبضع من الثلاث إلى العشر. فكان جملةٌ ذلك ستَّ عشرة ليلة
أو أكثرَ منها، كان أبو بكر فيها على ما كان عليه مِن صحبة رسول
اللّه ◌َ﴿، ومن وقايته إِيَّاه بنفسه، ومن الخوف والجهد الذي كانا عليه
فيها حتى قَدِمَا دارَ الهجرة، فاختصَّ اللّهُ عَزَّ وجَلَّ أبا بكر رضي الله عنه
لذلك بالذكر في كتابه مع رسوله ®، وأفرده بذلك دون سائر
أصحابه، وأعلمهم عَزَّ وجَلَّ أنه قد كان في تلك المدة مَعَ رسولِ
اللّه ◌َ﴿، ثم مع أبي بكر رضوان الله عليه. والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
٥٢٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِي في مقدار المدة التي کان أبو
بكر رضي الله عنه أقامها مع رسول الله 8# في الغار الذي كان
استترا فیه من الزمان
٣٦٩٥- حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمانَ بنِ عبد الجَّار المرادي، قال:
حَدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، قال:
حَدَّثْنَا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن طلحة بن
عمرو النَّصري، قال: كان الرجلُ منا إذا هَاجَرَ إلى المدينةَ إذْ كانَ له
عَرِيفٌ، نَزَلَ على عريفه، وإن لم يكن له عريفٌ، نَزَلَ مع أصحابٍ
-٥٨٤-
كتاب السيرة .
الصُّفة، وإني قدِمْتُ المدينة، ولم يكن لي بها عريفٌ، فنزلتُ مع
أصحاب الصُّفة، فرافقتُ رجلاً، فكان يَخْرُجُ لنا مِن عندِ رسولِ الله
* مدُّ تمر بَيْن الرجلين، فصلَّى رسولُ اللهِ ﴿ بعضَ صلواته، فلما سلِّم
ناداه رجلٌ من أصحاب الصُّقة: يا رسولَ الله: أحْرَقَ التَّمْرُ بطونْنَا،
وتخرقت الخُنف(١)، فمال إلى المنبر، فحَمِدَ الله عَزَّ وحَلَّ، وأثنى عليه،
وذكر ما لقي مِنْ قومه مِن البلاء والشدة، ثم قال: (لَقَدْ كُنْتُ أنا
وصاحبي بضعَ عشرة ليلةً وما لنا طعامٌ إلا البَرِيرُ حتّى قَدِمْنا على
إخوانِنا من الأنصار، فواسَوْنَا من طعامهم، وطعامُهم هذا التمر،
وإني والله الذي لا إله إلا هُوَ لو أجدُ لكم الُخُبْرَ واللحمَ،
لأطعمتُكُموه، وإنه علَّه أن تُدْركوا زماناً أو من أدركه منكم تَلْبِسُونَ
فيه مثل أستار الكعبة، ويُغْدی ویُراح عليكم فيه بالجفان)(٢).
قال أبو جعفر: قال أبو عُبيدة معمر بن المثنى: ثَمَرُ الأراكِ مَرْدٌ،
ثم بريرٌ، ثم كُباث. قال أبو جعفر: كأنه -والله أعلم - يعني أنّه يكونُ
ألواناً ينتقِلُ من بعضها إلى بعض، فمرةً يكونُ مراداً، ومرةٌ يكون بريراً،
ومرة يكون كُباثاً كثمر النخل مرة يكون بَلَحاً، ومرةً يكونُ بُسْراً،
ومرةً يكون رُطَباً.
(١) الخُنُف: جمع خنيف وهو نوع غليظ من أردأ الكتان، أراد ثياباً تُعمل منه
كانوا يلبسونها.
(٢) إسناده قوي، ورواه أحمد ٤٨٧/٣، والبزار (٣٦٧٣)، والطبراني (٨١٦٠)،
وابن حبان (٦٦٨٤)، والحاكم ٥٤٨/٤- ٥٤٩ من طرق عن داود بن أبي هند، به.
- ٥٨٥-
كتاب السيرة
ففي هذا الحديثِ إخبارُ رسول الله ﴿ الناسَ أن إقامته وإقامةً
صاحبه كانت معه في الغار الذي كانا تواريا فيه بضعَ عشرةً ليلة،
وكان طعامُهُم فيه الطعامَ المذكور في هذا الحديث. ففي ذلك دليل على
شِدة الجَهْدِ الذي كانا لقياه في تلك المدة.
فقال قائلٌ: فقد رويتم في إقامة رسول الله ﴿ وإقامة صاحبه معه
في الغار إنما كانت أقلَّ من هذه المدة المذكورة في هذا الحديث وأنها
إنما كانت ثلاث ليال، وأنّهما قد كانا يُصيبان فيها من الرسل مِن مِنحةٍ
لأبي بكر رضي الله عنه، وذكر في ذلك:
٣٦٩٦- ما قد حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ
الله بنُ وهب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، قال:
أخبرني عُروة بن الزبير، أنَّ عائشة زوجَ النبيِّ ﴿ قالت في حديثٍ
طويلٍ ابتداؤُه: «لم أعْقِلْ أبوي إلا وهما يدينا هذا الدينَ، فيه: قالت:
فَلَحِقَ رَسُولُ اللَّهَ وأبو بكر بغارِ في جبل يُقال له ثورٌ، فمكثا فيه
ثلاث ليال يبيتُ عندهما عبدُ الله بن أبي بكر وهو غلام شابٌّ لَقِنٌ
تَقِفٌ، فَيَدَّلُجُ من عندهما في سَحَرٍ، فُيُصبح في قريش بمكة كبائتٍ، فلا
يسمع أمراً يكيدون به إلا وعاه حتّى يأتِيَهُمَا بخبرِ ذلك حينَ يختلِطُ
الظلامُ، ويرعى عليهما عامِرُ بنُ فُهَيْرِةَ مولى أبي بكر مِنْحَةٌ، ويُريحها
عليهما، فيبيتان في رِسْل مِنْحتِهما ورضيفِهما حتى يَنْعِقَ بهما عامرُ بنُ
فُهِيرَةَ بِغَلَسِ يفعل ذلك كُلَّ ليلة من تلك الليالي الثلاث)(١).
(١) إسناده صحيح. ورواه عبد الرزاق (٩٧٤٣)، ومن طريقه ابن حبان
-٥٨٦-
كتاب السيرة
قال: وقد صدَّق ذلك حديث البراء بن عازبٍ الذي تروونه في
ذلك:
٣٦٩٧ - فذكر ما قد حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قال:
حَدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، قال:
حدثني أبي وغيرُه عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب رضي الله عنه،
قال: جاء أبو بكر رضي الله عنه فاشترى مِن عازِبٍ رَحْلاً بثلاثة عشر
درهماً، فقال أبو بكر لِعازب: قُلْ للبراء، فَلْيَحْمِلْه إلى رحلي، فقال:
لا، حَتَّى تُحدثني كَيْفَ أنتَ ورسولُ الله ◌ِمَ﴿ُ حينَ خرجتما والمشركون
يطلبونكم. فقال أبو بكر: خرجنا مِن مكة بليلٍ وقد أخذ القومُ علينا
بالرّصَد، فاختبأنا يَوْمَنَا وليلَتَنَا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة، فرَمَيتُ
ببصري هل أرى من ظلِّ نأوي إليه، فوَقَعَتْ إلينا صخرةٌ، فانطلقنا إليها
ولها شيء من ظل، فنزلنا فنظرتُ بقيةَ ظِلّها فسويتُه، وأخذت فروةً
كانت معي، فوطأت بها لِرسول الله {﴿، ثم قلتُ: يا رسولَ الله،
اضْطَجِعْ حتّى أَنْفُضَ ما حولَكَ، وإذا غلامٌ راعٍ قد أقبلَ في غنمٍ له يُريد
من الصخرة مثلَ الذي أردنا، فقلتُ: لمن أنت يا غلام؟ فقال لِرجلٍ من
قريش وسمّه فعرفته، فقلتُ: فهل في غنمك من لَبَنِ؟ قال: نعم، فقلت:
هَلْ أَنتَ حالبٌ لنا؟ قال: نعم، فأعطيتُه إناءً كان معي، فأخذ لِيَحْلُبَ،
(٦٢٧٧) و(٦٨٦٨) عن معمر، عن ابن شهاب الزهري، به. ورواه البخاري
(٣٩٠٥)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٤٧١/٢-٤٧٥، والبغوي في ((شرح السنة)
(٣٧٦٣) من طريق يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن عُقيل، عن الزهري، به.
-٥٨٧-
كتاب السيرة
فقلتُ: انْفُضْ ضَرع الشاةِ من الغبارِ، ثم أمرتُه أن يَنْقُضَ كفيه، فقالَ
هكذا، وضرَبَ إحدى كفيه على الأُخرى، ثم حَلَبَ لي كُثْبَةً مِن لبن،
وقد رَوَيت معي ◌ِرسولِ اللهِينَ﴿ إداوةٌ مِن ماءٍ على فِيها خِرقةٌ، فصيبتُ
على اللبن حتى وَحَدْتُ بردَ الماءِ من تحت الإِناء، فأتيتُ به رسولَ
الله ◌َ﴿ّ فوافقتُه قد استيقظ، فقلتُ: اشْرَبْ يا رسولَ اللهِ، فشرب، قال:
قلتُ: قد آن الرحيلُ، فارتحلنا والقومُ يطلبوننا، فلم يُدْرِكْنا غَيْرَ سُراقَةَ
بنِ مالك بن جُعْشُم على فرسٍ له، فقلتُ: هذا الطلبُ قد لحقنا يا
رسولَ الله، قال: ((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا)، فلما دنا منه قيدَ رمحين أو
ثلاثة، قلتُ: هذا الطلبُ قد لحقنا، وبَكَيْتُ، فقال: ((ما يُبْكِيكَ؟)
فقلتُ: والله ما على نفسي أبكي، ولكني إنما أبكي عليكَ يا رسولَ الله،
فدعا عليه رسولُ اللهِلَ﴿، فقال: ((اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بما شئتَ))، فساخَتْ
فرسُه في الأرض إلى بطنها، فوَثَبَ عنها، ثم قال: يا محمد قد علمتُ أنَّ
هذا عَمَلُكَ، فَادْعُ الله عَزَّ وجَلَّ أن يُنجيني مما أنا فيهن فوالله لأُعَمِّيَنَّ
على مَنْ ورائي مِن الطّلب، وهذه كِنانتي، فخذ سهماً منها، فإنَّك
سَتَمُرُّ على غنمي وإبلي بمكان كذا وكذا، فخُذْ منها حاجتَك، فقال
رسولُ اللهِلَِ: (لا حاجَةَ لَنا في إِبْلِكَ) ودعا له رسولُ اللهِلَ﴾، فانطلق
راجعاً إلى أصحابه، ومضى رسولُ الله ◌ُ﴿ وأنا معه.
٣٦٩٨- وما قد حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا عثمانُ بنُ
عمر بنِ فارس، قال: حَدَّثْنَا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن البراءِ بن
- ٥٨٨-
كتاب السيرة
عازبٍ، ثم ذكر مثلَه(١).
قال هذا القائلُ: وهذا اضطرابٌ شديدٌ، واختلاف بعيدٌ.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنَّه لا
اضطرابَ ولا اختلافَ في ذلك، وأن هذه الاثارَ كُلُّها صحيحة لِعَدْلِ
رواتها، ولحُسن سياقهم لها، وقد يجوزُ أن يكونَ كُلُّ فريقٍ من طلحة
بن عمرو، ومن عائشة، ومن البراء أخبر عن غارٍ غيرِ الغار الذي أخبر
عنه الفريقُ الآخر منهما كانت إقامة رسولِ الله ◌َ﴿ وصاحبِه رضي الله
عنه في كُلِّ واحدٍ منهما غيرَ إقامته في الآخر منهما، وقد شدَّ إقامتَه مع
صاحبه في أحدهما قولُ الله عَزَّ وجَلَّ في كتابه: ﴿إِلَتْصُرِوهُ فَقَدْ نَصَرَةُ
اللّهَإِذْأَخْرِهِ الَّذِينَ كَفْرِواثِ اثْنِ إِذْهُما ◌ِ الْغَارِذْيُول ◌ِصَاحِلاَ تَخْزَلْ
إِنَّاللّه مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
ثم ما قد رُوِيَ عن أبي بكرٍ رضي الله عنه فيما كان يخافُه على
رسولِ الله ﴿، ثم على نفسه في أحدِ الغارين اللَّذَيْنِ كان معه فيهما
مَن نظره إلى أقدامِ المشركين على رأس ذلك الغارِ، ومِنْ قول رسول الله
* عند ذلك ما قاله له عنده.
(١) إسناده صحيح، ورواه ابن أبي شيبة ٣٢٧/٤، وأحمد ٢/١-٣، ومسلم
(٢٠٠٩)، وابن حبان (٦٢٨١)، والفسوي في («المعرفة والتاريخ)) ٢٣٩/١-٣٤١،
وأبو بكر المروزي في ((مسند أبي بكر)) (٦٢) و(٦٥)، والبيهقي في ((دلائل النبوة))
٤٨٣/٢-٤٨٤ من طرق عن إسرائيل، به.
-٥٨٩-
كتاب السيرة
٣٦٩٩- وما قد حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بن معاوية العتابي، وإبراهيمُ
بنُ مرزوقٍ جميعاً، قالا: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بنُ هلال، قال: حَدَّثْنَا همام بنُ
يحيى [ح]، وكما حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سنان، والحسينُ بنُ نصر، وتصارُ بنُ
حربٍ، ومحمدُ بنُ الورد بن زنجويه البغدادي، وعليُّ بن عبد الرحمن بن
المغيرة الكوفي، قالوا: حَدَّثْنَا عفان بن مسلم (ح)، وكما حَدَّثَنَا محمدُ
بن سليمان بن الحارث الباغندي أيضاً، قال: حَدَّثْنَا عفانُ، قال: حَدَّثْنَا
همَّام [ح]، وكما حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بن سِنان
العَوَقِي وموسى بنُ إسماعيل المِنقري، قالا: حَدَّثْنَا همَّام، ثم اجتمعوا
جميعاً، قالوا: حَدَّثْنَا ثابت البناني، قال: حَدَّثَنَا أَنسُ بنُ مالك، أن أبا
بكر الصديق رضي الله عنه حدَّته، قال: نظرتُ إلى أقدامِ المشركين وهُمْ
على رؤوسنا ونحنُ في الغار، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ لو أنَّ أحدهم
نظر إلى تحتٍ قدمه أبصرنا تحت قدمه، فقال: (يا أبا بكر ما ظَنَّكَ
بِاثْنَيْنِ اللّهُ عَزَّ وجَلَّ ثالِثُهما)(١).
٣٧٠٠ - وكما حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا حَبَّان بنُ
هلال وموسى بن إسماعيل، قالا: حَدَّثْنَا همامُ بنُ يحيى، ثم ذكر بإسنادِهِ
مثله.
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٣٩٥٣) من طريق محمد بن سنان،
و(٣٩١٩) من طريق موسى بن إسماعيل، و(٤٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨١)، والمروزي
في «مسند أبي بكر)» (٧١)، وأبو يعلى (٦٧) من طريق حبان بن هلال، ثلاثتهم عن
همام، به. ورواه أحمد ٤/١، والترمذي (٣٠٩٥)، والمروزي (٧٢)، وأبو يعلى
(٦٦)، وابن حبان (٦٢٧٨) و(٦٨٦٩) من طرق عن عفان بن مسلم عن همام، به.
- ٥٩٠-
كتاب السيرة
قال أبو جعفر: وفي ذلك دليلٌ على شِدة الجَهْدِ الذي كانا فيه،
والخوفِ من أبي بكر رضي الله عنه على رسول الله صلّ من المشركين،
ووقايته إِيَّاه بنفسه مما كان يقيه بها عندَ ذلك حتى أوصلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ
رسولَه ﴿، وأوصله مَعَهُ إلى دارِ هجرته التي جعلها الله عَزَّ وجَلَّ
لِرسولهِ﴿ مَعْقِلاً، ولأصحابه رضوانُ الله عليهم مهاجَراً، واختص أهلَها
منه بالهِجرة إليهم، والنصرةِ منهم له، وبالروضة التي جعلها بَيْنَ قبره
وبين منبره من رياضِ الجنّة، وبنزول الوحي عليه بَيْنَ أظهرهم،
وبمخالطته خيارَ ملائكته صلواتُ الله عليهم إيَّهم بنزولهم عليه من الله
عَزَّ وجَلَّ بما كان يُرْسِلُهُمْ به إليه، ويُنزِلُه عليه من قرآنه، ومِن وحيه،
فصلواتُ الله عز وجل ورحمته وبركاته على رسولِه خيرِ الأولين
والآخرين، وإمامٍ المتقين، ثم رحمتُه وبركاته على أبي بكر صاحبه رضي
الله عنه بما كان منه في رسول اللهلم﴿ ابتغاء وجهه، وطلباً لما عنده حتّى
شَرَّفَهُ الله عَزَّ وجَلَّ بذكره إِيَّه في كتابه مَعَ رسولِ اللهِ:﴿ّ فيما ذكره به
معه فيه، ومما أبانه به عن صحابته سِواه رضوانُ الله عليه وعليهم، وفيما
ذكرنا ما ينفي ما ظنّه هذا الجاهلُ لِنقص علمه وفهمه مِن اضطراب
آثارِ رسولِ الله{8/ واختلافِها، ودليل ائتلافها وانتفاء الاختلاف،
والتضاد عنها. والله عَزَّ وحَلَّ نسأله التوفيق.
-٥٩١-
كتاب السيرة
٥٢٥- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ في السبب الذي من أجله
قیل: بيعة الرضوان، کان سببها عثمان بن عفان مع غیبته عنها
٣٧٠١- حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ بهلول،
حَدَّثَنَا عبدُ الله بن إدريس الأوديُّ، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ إسحاق، عن
الزهري، عن عروة، عن المِسورِ بنِ مَخْرَمَةَ، ومروان بن الحكم في
حديث الحُديبية، قال: وقد كان رسولُ الله ◌ُ﴿ بَعَثَ خِراشَ بن أُمية
الخزاعيَّ إلى مكة، وحمله على جمل له يقالُ له: الثعلبُ. فلما دَخَلَ،
غدرت قريشٌ، فأرادوا قتلَ خِراشٍ ومنعته الأحابيش حتى أتى رسول
الله ◌َ﴾، فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليبعثه إلى أهل مكة،
فقال: يا رسولَ الله، إني أخافُ قريشاً على نفسي، وليسَ بها من
عدي بنِ كعبٍ أحدٌ يمنعني، وقد عَرَفَتْ قريش عداوتي إِيَّاها وغِلظتي
عليها، ولكني أدُلُّك على رجلٍ أعزَّ بها مِني: عثمانَ بن عفّان. فدعاه
رسولُ الله ﴿ فبعثه إلى قريشٍ يُخبرُهُم أنَّه لم يأتِ لِحرب، وأنّه إنما جاء
زائراً لهذا البيتِ معظماً لِحرمته. فخرج عثمانُ حتَّى أتى مَكَّةَ، فلقيه
أبانُ بنُ سعيدِ بنِ العاص، فَنَزَلَ عن دابته، وحمله فردفه، وأجاره، حتى
يُبْلِغ رسالة رسولِ اللهِوَ﴿، فانطلق عُثمانُ حتَّى أتى أبا سفيان وعظماء
قريش، فبلغهم عن رسول الله :﴿ ما أرسله به. فقالوا لِعثمان: إن شئتَ
أن تَطُوفَ أنت بالبيتِ فَطُفْ. فقال: ما كنتُ أفعلُ حتَّى يطوفَ
رسولُ اللهِ :﴿، واحتبسته قريشٌ عندها، فبلغ رسولَ اللهع﴿ والمسلمين
أن عثمان قد قُتِلَ.
-٥٩٢-
كتاب السيرة .
قال ابنُ إسحاق: فأخبرني عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ أن رسول الله :﴿ ﴿
لما بلغه أنَّ عثمان قد قُتِلَ، فكانت بيعةُ الرضوان، ثم أتى رسولَ الله ◌ِ﴾
عے
أنَّ الذي ذكر مِنْ أمرٍ عثمان كان باطلاً (١).
ففي هذا الحديثِ: أن تلك البيعةً كانت يومئذٍ لما بلغ رسول
اللّه ◌َ ﴿ أَنَّه كان مِنْ أهل مكة في عثمان ما بلغه أنّه كان منهم فيه، فبايَعَ
الناسَ حينئذ على ما بايعهم مما لم يَكُنْ بايعهم مِنْ قَبْلُ على مِثْلِه.
٣٧٠٢- كما حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، حَدَّثْنَا أبو نُعيمٌ، عن أبي
جعفر الرازي، عن الربيع بنِ أنس، عن أبي العَالِيَةِ وغيره، عن عبدِ الله
بِنِ الْغَفّل، قال: بايعنا رَسُولَ اللهِوَ﴿ تحت الشجرة على أن لا نَفِرَّ(٢).
٣٧٠٣ - وكما حَدَّثْنَا روحُ بنُ الفرجِ، حَدَّثْنَا مهديُّ بنُ جعفر،
حَدَّثْنَا حاتِمُ بنُ إسماعيل، عن يزيد بنِ أبي عُبيد، عن سلمةَ بنِ الأكوعِ،
(١) رجاله ثقات غير محمد بن إسحاق، فلم يصرح بالسماع.
(٢) أبو جعفر الرازي: ضعيف.
ورواه أبو يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) ٢٥٦/١ عن أبي نعيم، به.
ورواه أحمد ٥٤/٥ عن وكيع، عن أبي جعفر الرزاي، به، لكن قال: عن أبي
العالية أو عن غيره.
ورواه أبو نعيم في ((لحلية) ٢٤٦/٨ من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن خالد
الحذاء، عن الحكم، عن الأعرج، عن ابن مغفل، به، وقال: ثابت من حديث ابن
مغفل وغيره.
وعزه الهيثمي في ((المجمع) ١٤٦/٦ للطبراني في (الكبير)، وقال: وإسناده جيد إلا
أن الربيع بن أنس، قال: عن أبي عالية أو عن غيره.
-٥٩٣-
كتاب السيرة
قال: قلتُ له: على أيِّ شيءٍ بَايَعْتُم رسولَ اللهِ﴿؟ قال: على أن لا
نفِرَّ(١).
فكانت تلك البيعةُ مِن رسول الله ﴿ّ الناسَ بما كان بَلَغَهَ أَنَّه كان
مِنْ أهلِ مكَّةَ في عثمان ما كان. فقيلَ: إِنَّه كان سبباً لها مِن أجلِ ذلك.
وقد سمعتُ المزنيَّ: يقولُ الشافعيُّ بسببٍ عثمانَ نَزَلَتْ بيعةُ
الرِّضوان.
فقال قائلٌ: فإنَّ عثمانَ قد كان غائباً عنها، فكان مَنْ شَهِدَها
أولى بالفضيلةِ بها من عُثمان.
فكان جوابُنا له في ذلك: أن هذا الكلامَ يَدُلُّ على جهلٍ من هذا
القائلِ بآثارِ رسولِ اللهِ ﴿، وبمناقبِ أصحابه فيها، لأنَّ عثمان قد كان
له فيها مِن رسول الله يَ﴿ أجلَّ ما كان منه لأحدٍ من الناسِ ممن كان
حاضراً لِتلك البيعةِ، وممن كان غاب عنها.
٣٧٠٤- كما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا عيسى بنُ
إبراهيمَ، حَدَّثْنَا كُلَيْبُ بنُ وائل، حدثني هانئ بنُ قيس، عن حبيب بن
(١) رواه البخاري (٤١٦٩)، ومسلم (١٨٦٠)، والترمذي (١٥٩٢)، والنسائي
١٤١/٧ من طريق قتيبة بن سعيد، والبخاري (٧٢٠٦) من طريق عبد الله بن
مسلمة، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل، به.
ورواه أحمد ٥٤/٤، والبخاري (٢٩٦٠)، والبيهقي في (الدلائل)) ١٣٨/٤ من
طريق مكي، وأحمد ٥١/٤ من طريق صفوان، والبخاري (٧٢٠٨)، والطبراني
(٦٢٨١)، والبيهقي في ((الدلائل)) ١٣٨/٤، من طريق أبي عاصم، ثلاثتهم عن يزيد
بن أبي عبيد، به.
-٥٩٤-
كتاب السيرة
أبِي مُلَيْكَةً، قال: كنتُ قاعداً إلى جنبِ ابن عمر، فجاء رجلٌ، فقال:
أبا عبد الرحمن، أخبرني عن عثمان بن عفان، هل شهد بدراً؟ قال: لا.
قال: فَهَلْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرّضوان؟ قال: لا. قال: فكان فيمن تولَّى يومَ
التقى الجَمْعَانِ؟ قال: نَعَمْ. قال: فولَّى الرجلُ. فقال رجلٌ لِعبد الله بنِ
عُمر: إنَّ هذا يذهبُ فَيُخْبِرُ الناسَ أنَّكَ وقعتَ في عُثمانَ. قال: وهَلْ
فَعَلْتُ كذلك؟! قال ابنُ عمر: عليَّ بالرجلِ، فردَّه. قال: أتدري ما
قلتُ لك؟ قال: نَعَمْ، سألتُكَ: هَلْ شَهِدَ عثمانُ بدرً؟ قلت: لا،
وسألتُكَ: هل شَهِدَ عثمانُ بيعةَ الرّضوان؟ قلت: لا، وسألتُك: هل كان
فيمن تولّى يوم التقى الجمعان؟ قلت: نعم. فقال ابنُ عمر: إنَّ رسولَ
الله ﴿* قال يومَ بدرِ: ((إنَّ عثمانَ قد انطلقَ في حاجةِ اللهِ وحاجةٍ
رسولِه)) فَضَرَبَ له بسهمٍ، ولم يضرِبْ لأحدٍ غاب غيره، وبعثه رسولُ
الله * يومَ بيعة الرضوان، وهو يُريدُ أن يَدْخُلَ مَكَّةَ. فقال: إنَّ عثمانَ
قد انطلق في حاجةِ الله ورسوله، وإنّ أُبايعُ اللهَ له، فصفق إحدى يديه
على الأخرى، وقد قال الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّالذين ◌َّوْا ◌ِكُمْ يَوْمَ الَّقَى
الجَنْعَانِ إِنَّا اسْتَّهُمُ الشَّطَانُ يَعْضِ مَا كَبُوا وَقَد عَ الله عَنْهُمْ إِنَّاللَّه ◌َفُورُ
حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. فقد عفا الله عنه، فاجْهَدْ جَهْدَكَ(١).
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤٦/١٢ - ٤٧، ومن طريقه ابن حبان (٦٩٠٩) من طريق
زائدة، والحاكم ٩٨/٣ من طريق المعتمر بن سليمان، كلاهما عن كليب بن وائل،
عن حبيب بن أبي مليكة، عن ابن عمر.
-٥٩٥-
كتاب السيرة
٣٧٠٥ - وكما حَدَّثْنَا أبو أُميَّةَ، حَدَّثَنَا معاويةُ بنُ عمرو الأزدي،
حَدَّثْنَا أبو إسحاق الفزاريُّ، حدثني عن كُلَيْب بنِ وائل، عن هانئ بنِ
قيس، عن حَبيب بن أبي مليكة النهديِّ، قال: كنتُ جالساً عند ابن
عُمَرَ، فأتاه رَجُلٌ، فقال: يا عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ، أَشَهدَ عثمانُ بيعةً
الرّضوان؟ قال: لا، قال: أفكانَ فيمن تولَّى يومَ التقى الجمعان؟ قال:
نَعَمْ. فولَّى الرَّجُلُ. فقال رجلٌ لِعبد الله بنِ عُمَرَ: إنَّ هذا يذهبُ، فُيُخبرُ
مر
الناسَ أنَّكَ وقعت في عُثمان، ثم ذكرَ الحديث.
فبان بحمدِ الله ونِعْمَتِهِ أَنَّه قد كان لِعثمان في تلك البيعةِ مع غيبته
عنها ما لم يَكُنْ لأَحَدٍ شَهِدَها سِواه، لأنَّ رسولَ اللهِوَ﴿ّ ◌ِمايَعَ لَهُ،
وصَفَّقَ بيده على يده، فأيُّ فضيلةٍ كهذه الفضيلة التي كانت له في بيعةٍ
الرضوان.
وقد صرح كليب بن وائل في رواية الحاكم بسماعه من حبيب بن أبي مليكة.
ورواه المزي ٤٠٣/٥ من طريق معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن كليب مختصراً.
ورواه بطولة أحمد في ((المسند) ١٠١/٢، وفي («الفضائل)) (٧٣٧) و(٨٢٦)،
والبخاري (٣٦٩٨) و(٤٠٦٦)، والترمذي (٣٧٠٦) من طرق، عن عثمان بن عبد
الله بن موهب، عن ابن عمر.
-٥٩٦-
كتاب السيرة
٥٢٦- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ من أخذِهِ
على أصحابه في بيعته إيَّاهم أنْ لا يَعْضَهَ بعضُهم بعضاً
٣٧٠٦- حَدَّثَنَا إسماعيل بن يحيى المُرَني، قال: حَدَّثْنَا الشافعي،
قال: وأنبأنا عبد الوهّاب بنُ عبد المجيد التقفي، عن خالد الحذَّاء، عن
أبي قِلاَّبَة، عن أبي الأشْعَث، عن عُبَادة بنِ الصامت رضي الله عنه،
قال: أخذ علينا رسولُ اللهِلَ﴿ كما أخذ على النساء: أنْ لا تُشْرِكُوا
بالله شيئاً ولا تَسْرِقوا ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا أولادَكم، ولا يَعْضَهَ
بعضُكم بعضاً، ولا تعصُوني في معروف أمرتكم به، فمن أصابَ منكم
منهنَّ واحدةً، فعُجِّلَت عقوبتُه، فهو كفارتُه، ومن أُخْرَت عقوبتُهُ،
فأمرُهُ إلَى الله عَزَّ وجَلَّ، إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غَفَرَ له(١).
فتأملنا قولَ رسول الله ﴾ في هذا الحديث: «ولا يَعْضَه بعضكم
بعضاً) لِنقف على المرادِ به إن شاء الله.
فوجدنا الْمُزَنِي قد حَدَّثَنَا، قال: قال الشافعي رحمه الله: من
كَذَبَ على أخيه فقد عَضَهَهُ.
ووجدنا أبا قرَّة محمد بن حُمَيد قد حَدَّثَنَا، قال: سمعت سعيدَ بنَ
كَثِير بن عُفَيْرِ يقول: العَاضِهَةُ: الساحرة، قال: وأنشدنا في ذلك:
تِ فِي عُقَدِ الْمُعْضِهِ العَاضِهِ
أعُوذُ بِرِّي مِنَ العَاضِهَا
فكان فيما ذكرنا عن المزني عن الشافعي أن المرادَ به الكذبُ،
(١) حديث صحيح، ورواه أحمد ٣١٣/٥، و٣٢٠، ومسلم (١٧٠٩) (٤٣) من
طريق خالد بن مهران الحذاء، به.
-٥٩٧-
كتاب السيرة
وكان فيما ذكرناه عن أبي قرَّة عن ابن عُفَير أنَّ المراد به هو السحر، ثم
وجدنا في ذلك ما هو أعلى من هذين القولين.
٣٧٠٧ - وهو ما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنَان، قال: حَدَّثَنَا بشر بن
عُمر الزهراني وأبو داود الطيالسي، واللفظ لبشر، قالا: حَدَّثْنَا شعبةُ،
قال: حَدَّثَنَا أبو إسحاق - يعني السَّبِعِي- عن أبي الأحوص، قال: قال
عَبْدُ اللهِ - يعني ابن مسعود - رضي الله عنه: إنَّ محمدً مُ﴿ قال: ((ألا
أُنَبِّئُكُمْ مَا العَضْهُ)؟ قال: (هِيَ النِّمِيمَةُ القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ)(١).
٣٧٠٨- ووجدنا أبا أُمَيَّة قَدْ حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ
عُبيد الله الرَّقِّي، قال: حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله بنُ عَمرو، عن زيد بنِ أبي
أُنَيْسَة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال
رسول الله:﴿: (ألا أُنَبِئْكم بالعَضْه، العَضْه: هي النميمةُ الفَارِقَةُ بين
النَّاسِ)).
٣٧٠٩ - ووجدنا يزيدَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا حَبَّانُ بنُ هِلال
قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيز بن مُسلم القَسْمَلِي، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ
الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كُنَّا نقولُ في الجاهلية:
إِنَّ العَضْةَ هُوَ السِّحْرِ، وإِنَّ العَضْه فيكم اليومَ القَالَةُ. قيل: وقال: حَسْبُ
الرَّجُلِ مِنَ الكَذِبِ أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
(١) حديث صحيح، ورواه أحمد ٤٣٧/١ عن محمد بن جعفر، عن شعبة، به.
ورواه مسلم (٢٦٠٦) عن محمد بن المثنى وابن بشار، كلاهما عن محمد بن
جعفر، به. ورواه الدارمي ٢٩٩/٢ عن عثمان بن محمد، حُدَّثَنَا جرير، عن إدريس
الأودي، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود.
-٥٩٨-
كتاب السيرة
٣٧١٠ - ووجدنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا عبدُ الله بنُ
وَهْب، قال: أخبرني عبدُ الله بنُ طِيعَة وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن
أبي حَبيب، عن سِنَان بن سعد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنَّ
رسولَ اللهِ﴾﴿ قال: ((أَتَدْرُونَ ما العَضْهُ)؟ قالوا: اللهُ عَزَّ وجَلَّ
ورسولُهُ ﴿ أعلمُ. قال: ((هُوَ نَقْلُ الحديثِ مِن بعضِ النّاسِ إلى بعضٍ
◌ُفْسِدُوا بینھم)).
ووجدنا عليَّ بنَ عبدِ العزيز قد أجاز لنا ما ذكر لنا أنه سَمِعَهُ من
أبي عُبيد في حديثِ البِيِ ﴿ حين قال: ((ألا أُنَبِّئُّكُم ما العَضْه)؟ قالوا:
بلى يا رسول الله﴿. قال: ((هِيَ النَّمِيمَةُ). قال أبو عبيد: وكذلك هي
[عندنا] قال الشاعر:
أعوذُ برِّي مِنَ النَّفِئَا
تِ فِي عُقَدِ العَاضِهِ الْمُعَضِهِ
يقال: العِضْهَةُ والعَضْه [والعاضه من العضيهة](١).
فوقفنا بذلك على أن رَدَّ ما أُريد في حديث عبادة هو إلى ما قد
ذكرناه في هذه الروايات.
وأمَّا أهلُ العربية سوى من ذكرناه منهم في هذه الروايات، منهم
الخليلُ بن أحمد، فكانوا يقولون: عَضَنْت فلاناً عضها، والعِضَةُ: الإِفك
والبُهتان وقولُ الزور. قال: ويقال: رماه بالعَضِيهَة، أي: بالزُّورِ،
والعِضاه: شجرُ الشّوك(٢).
(١) ((غريب الحديث)) ١٨٠/٣، وما بين حاصرتين منه.
(٢) في ((نهاية) ابن الأثير ٢٥٤/٣-٢٥٥: عضه: في حديث البيعةِ: ولا يَعْضَه
-٥٩٩-
كتاب السيرة
فكان ما في هذه الأحاديث التي رويناها في هذا البابِ على هذا
المذهب، أعني مِن حديث عبد الله، ومِن حديث أنس إنما هو العَضْهُ لا
العِضَةُ، والعِضَةُ: هو القَطْعُ. والله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك. والله
نسأله التوفيق.
٥٢٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله / في ترکِه
قتل مسيلمة الكذاب لما قدم علیه المدینة، وأبی أن یؤمن به
إلا أن يجعلَ له الأمرَ مِن بعده
٣٧١١ - حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا أبو اليمان الحكمُ بنُ نافع
البَهْراني، أخبرنا شعيبُ بنُ أبي حمزة، عن عبد الله بنِ عبد الرحمن بن
أبي الحسين النوفلي، حَدَّثْنَا نافعُ بنُ جبير، عن ابنِ عباس، قال: قَدِمَ
مسيلمةُ الكذاب على عهد رسول الله 8# المدينةَ، فجعل يقولُ: إن
جَعَلَ لي محمدٌ الأمرَ مِنْ بعده تبعتُه، وقدِمَها في خلقٍ كثيرٍ من قومه:
فأقبل إليه النبيُّ :﴿ٌّ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يدِ النبيِّ﴾*
قطعة جريدة حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال له: ((لو سألتني
بعضنا بعضاً، أي لا يرميه بالعَضيهة، وهي الْيُهتان والكذب، وقد عَضَهَةُ يَعْضَهُهُ
عَضْهاً، ومنه الحديث: (ألا أنبئكم ما العَضْه .. ) هكذا يُروى في كتب الحديث،
والذي جاء في كتاب الغريب: ((ألا أنبئكم بالعِضَة بكسر العين وفتح الضاد.
قال الزمخشري في (الفائق)) ٤٤٣/٢: أصلها العِضَهَةُ، فِعْلَةٌ من العَضْه، وهو
البَهْت، فحذف لامه، كما حُذفت من السَّنة والشَّفة، وتجمع على عضين.
- ٦٠٠-